كلمات مؤثرة في الوداع... كجاب يترجل عن الخدمة برسالة إيمانية    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    حاكم النيل الازرق يصدر قرارا بتعديل ساعات حظر التجوال واستعمال المواتر    الله يستر.. الناس دي ح تبدأ تدور..!!    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    محاولة قصقصة (أجنحة) الهلال    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اللعبة القذرة
نشر في الراكوبة يوم 08 - 08 - 2019

في السياسة ليس هناك قاعدة معينه يمكن أن تبنى عليها او ان تكون أساسا للتعامل ، فأعداء اليوم قد يكونون هم اصدقاء الغد والعكس ، فلا و لاء ولا عداء ولا محبة دائمة،هناك مصالح مشتركة و اخر متضاربة.
وجود جاسوس داخل نظام ما هو بلا شك أمر خطير، وتزداد هذه الخطورة عندما يكون هذا الجاسوس الخائن من داخل المنظومة الحاكمة نفسها، وتبلغ الخطورة مداها عندما يستخدم هذا الشخص سلطته ونفوذه لتقويض النظام ومساعدة الأعداء في تنفيذ خطة للانقضاض على نظام لطالما ظل عصي عليهم ولم يكن لتتاح لهم فرصة الظفر به لولا ذلك الخائن، ولنا في التاريخ عبر وقصص كثيرة من هذه الشاكلة ،فلشبونة إحدى زواهر دولة الأندلس قدّمها بنو الأفطس أمراء بطليوس لألفونسو هديّةً، ليساعدهم في هزيمة يوسف بن تاشفين، الذي أنقذ الأندلس في معركة الزلاقة،والمعتمد بن عباد راسل ألفونسو أيضاً، ومنحه العديد من الحصون والأراضي الخاصة بالمسلمين، ليساعده ضد المرابطين ،وبغداد لم يُسْقِطها هولاكو وجيوش التتار الجرّارة، ولكن أسقطتها خيانة الوزير ابن العلقمي، وطليطلة لم يتم احتلالها واستباحتها إلا بخيانة ذي النون وتحالفه مع ألفونسو السادس لإسقاطها ومنحها له بعد ذلك ، فما أشبه الليلة بالبارحة.
الفريق اول صلاح عبدالله (الشهير بقوش)، و محمد حمدان دقلو (الشهير بحميدتي) هما الشخصيتان الوحيدتان اللتان خانتا الرئيس البشير (ولأكثر من مرة) ، وللأسف برغم ذلك فلتتا من العقاب والمحاسبة، قوش بمجرد ان تمت إعادته مرة أخرى إلى سدة قيادة جهاز الامن والمخابرات (وكان ذلك هو الخطأ الفادح الذي ارتكبه الرئيس البشير) ما أن استلم منصبه مرة اخرى حتى سارع بالتجهيز لإنقلاب يطيح بالرئيس ،مستخدما علاقاته العميقة بامريكا و جهاز مخابراتها (سي.اي.ايه ، و اسرائيل و موسادها ،كيف لا والرجل يعتبر و احد من أفضل من تعاونت معه أجهزة الإستخبارات الغربية ، بعد المصري عمر سليمان مدير المخابرات المصرية العامة الاسبق.
دقلو تنبع اهميته من تزعمه لمليشيات الدعم السريع ودورها المعروف في دارفور ، ومن بعد ذلك مشاركتها في حرب اليمن إلى جانب السعودية و الامارات ،وكذلك محاربته (المزعومه) للهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر نيابة عن الإتحاد الأوربي، و تمدد هذا الجسم الهلامي(الدعم السريع) بسبب دعم الرئيس البشير أيضا، مما تسبب في اضعاف (ممنهج) لمؤسسات الدولة السودانية النظامية.
عندما ظهرت بودار الثورة على النظام القائم في ديسمبر من عام 2018 لم تتدخل تدخل قوات حميدتي لمساندة الرئيس البشير ضد المحتجين، برغم دعمه اللامحدود لها،ورجحت تقارير ان ذلك تم باتفاق بين حميدتي و قوش،اللذان كانا يبدوان انهما متفقين (ظاهريا) ،إلى ان حدث الاختلاف الكبير بين الرئيس البشير وقوش في فبراير من العام الحالي 2019 بسبب تدخل بعض القيادات النافذه(ومنهم الدكتور نافع علي نافع) لإيقاف خطة اتفق عليها الرئيس البشير وقوش لتعيين حكومة برئاسة قوش وأن يعلن عدم الترشح لانتخابات 2020م ،وبدلا من اعلان ما تم الاتفاق عليه بين الرجلين أعلن الرئيس البشير حالة الطوارئ ،برغم ترقب الشعب لذلك الخطاب ،مما اغضب قوش و بدأ من وقتها التنسيق بين قوش وحميدتي للانقلاب على النظام.
احتجب حميدتي عن المشهد ، بعد ان أعلن ان قوات الدعم السريع مهمتها الدفاع عن الحدود وانه ليس من مهامها ان تقمع التظاهرات ، مما عده الرئيس البشير خذلانا كبيرا له في وقت حساس جدا، وتوالت بعدها الأحداث بينما ظل قوش يهندس ويخطط لعملية الإطاحة بالبشير.
اول مجلس عسكري بعد الانقلاب على الرئيس البشير برئاسة عوض بن عوف و حتى مجلس عبدالفتاح البرهان لاحقا أعلنا ان قوش كان له القدح المعلى في الإطاحة بالرئيس البشير ، ولكنهما تفاجأآ بأن الشعب لا يريد قوش الذي كان يظن أن النظام قد آل اليه، فطلب منه أصدقائه الأمريكيين ان يتقدم بإستقالته و يتوارى عن المشهد مؤقتا إلى أن تنجلي الامور، فوافق و قدم استقالته و إختفى ميمما وجهه شطر واشنطن بعد ان توقف ليومين في لندن،و خلال الفترة سعت ملا من السعودية و الإمارات ليتولي رجلهما الاول في السودان حميدتي رئاسة البلاد بدلا عن قوش الذي تضاءلت حظوظه في الرئاسة بسبب ردة الفعل الشعبيه السلبيه ضده ،ولكن هذا التوجه من السعودية والامارات تضارب مع معارضة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي القوية لتولي حميدتي مقاليد السلطة في السودان.
استطاع طه عثمان الحسين ان يقنع حميدتي بأن قوش كان وراء محاولة اغتياله (المزعومه) في 21 أبريل،وأنه لكي يستطيع مواجهة قوش فلابد أن يتم إخراج عدو قوش اللدود اللواء عبد الغفار الشريف من سجنه، وفعلا تم ذلك، بل ومضى حميدتي ابعد من ذلك فإن أوكل إلى عبدالغفار مهمة قيادة إدارة الاستخبارات في قوات الدعم السريع،الأمر الذي أثار حفيظة قوش ، والأمر الآخر الذي اغضب قوش هو إعادة خدمة اللواء عباس عبد العزيز بل وترقيته وهناك حديث عن قرب تعيينه في منصب عسكري رفيع.
هذه الخطوات من قبل معسكر حميدتي/طه عثمان تكشفت الخطة والغرض من وراءها بسهولة لذئب متمرس في العمل الاستخباراتي مثل قوش، وبتنسيق مع أجهزة المخابرات الغربيه أوقف الإتحاد الأوربي دعمه لمكافحة الإتجار بالبشر و تبدلت لهجة الأوربيين مع حميدتي الذي خسر كثيرا بسبب توقف أحد روافد انهار ثروته المتنامية ، كما تم ايضا كشف الشركة الروسية التي كانت تهرب الذهب من جبل عامر لصالح حميدتي،وتم القبض على الطائرة المروحية المعبأة بالذهب والتي كانت في طريقها إلى الخارج،و نشر الخبر في مختلف وسائط ووسائل الإعلام ، و في نفس الوقت انتشرت فيديوهات خاصة لطه عثمان بصحبة بعض النساء بالخارج في تشويه متعمد لصورته في الوسائط الاعلاميه.
هذه الضربات السريعة والمتتاليه أشار اليها حميدتي في عدد من خطاباته ،حيث انه قال في احداها انه (لايمكن اللعب به)،لكن في نفس الوقت فإن الرسالة قد وصلته ، وفهم تماما غضب قوش وطبيعته ، و كذلك طه عثمان فهم الرساله ، وجاءت الرساله الأخرى الى حميدتي من البرهان حيث اخبره بعدم تقبل القاهرة لوجوده كقائد عسكري للقوات المسلحة بالسودان رغم تأييد السعودية والامارات ،إلا أن مصر رقم لا يمكن تجاوزه في المنطقة.
يتضح من كل ذلك ان قوش – و إن كان مختفيا عن الانظار- فهو ممسك بخيوط كتيرة كافية لعرقلة مشروع طموحات حميدتي وطه في السودان ،وعلاقاته مع دول مؤثرة مثل الولايات المتحدة ومصر قوية جدا، خصوصا بهذه الاخيرة ،فعند عودته لمنصبه في 2018 كانت اول زيارة خارجيه لقوش الى مصر،وكانت زيارة لللسيسي شخصيا لتنسيق المواقف ،وبعدها مباشرة قام بإعادة الجنود المصريين المختطفين في الجنوب الليبي بعملية سرية ، أظهرت كفاءة و قدرة الرجل، و قوبل ذلك بتقدير كبير من المصريين لقوش ،فتمت مكافأته بلقاء مدير الموساد يوسي كوهين اثناء انعقاد مؤتمر الامن في برلين في فبراير 2019 وكان هذا اللقاء برعاية السيسي شخصيا وبدون علم الرئيس البشير.
بعد هذا اللقاء اقتنعت إسرائيل و الغرب عموما ان قوش هو الرجل الأمثل لقيادة السودان في الفتره القادمه ،و إنه رجل المرحلة الذي يستطيع تنفيذ أهداف إسرائيل والولايات المتحدة والغرب في السودان والمنطقة ، فالرجل لديه خبرة كبيرة في التعامل مع الأسرار و إدارة الأزمات،كما ان علاقاته المتشعبة داخل الجيش و في اوساط الاسلاميين و حتى داخل المعارضة الحالية و قوى الحرية و التغيير تؤهله للعب دور محوري ومهم.
خلاصة القول ان قوش مازال يمسك بأوراق ضغط يمكن ان تحد من طموح حميدتي، ولكن المشكلة تكمن في انه ليس هناك أي ضمانات لعدم حدوث فوضى أمنيه واسعه في البلاد اذا ما حدثت مواجهات مباشرة بين الفريقين،ولكن من المؤكد أن قوش لا يرغب في الوصول إلى هذه النقطة تحديدا وذلك كيلا تتلاشي حظوظه وطموحاته في إدارة السودان حتى وإن صرح البرهان انه ليس هناك مكان لقوش في المجلس السيادي، فالرجل خان من إئتمنه على آمنه وامن البلاد،ولكنه لم يقبض ثمن الخيانة بعد، فهل سيهنأ قوش بثمن خيانته؟ أم أن الإسلاميين لديهم ما سيقض مضاجعه ويسفه أحلامه تلك؟ سنرى.
ود اسحق
في السياسة ليس هناك قاعدة معينه يمكن أن تبنى عليها او ان تكون أساسا للتعامل ، فأعداء اليوم قد يكونون هم اصدقاء الغد والعكس ، فلا و لاء ولا عداء ولا محبة دائمة،هناك مصالح مشتركة و اخر متضاربة.
وجود جاسوس داخل نظام ما هو بلا شك أمر خطير، وتزداد هذه الخطورة عندما يكون هذا الجاسوس الخائن من داخل المنظومة الحاكمة نفسها، وتبلغ الخطورة مداها عندما يستخدم هذا الشخص سلطته ونفوذه لتقويض النظام ومساعدة الأعداء في تنفيذ خطة للانقضاض على نظام لطالما ظل عصي عليهم ولم يكن لتتاح لهم فرصة الظفر به لولا ذلك الخائن، ولنا في التاريخ عبر وقصص كثيرة من هذه الشاكلة ،فلشبونة إحدى زواهر دولة الأندلس قدّمها بنو الأفطس أمراء بطليوس لألفونسو هديّةً، ليساعدهم في هزيمة يوسف بن تاشفين، الذي أنقذ الأندلس في معركة الزلاقة،والمعتمد بن عباد راسل ألفونسو أيضاً، ومنحه العديد من الحصون والأراضي الخاصة بالمسلمين، ليساعده ضد المرابطين ،وبغداد لم يُسْقِطها هولاكو وجيوش التتار الجرّارة، ولكن أسقطتها خيانة الوزير ابن العلقمي، وطليطلة لم يتم احتلالها واستباحتها إلا بخيانة ذي النون وتحالفه مع ألفونسو السادس لإسقاطها ومنحها له بعد ذلك ، فما أشبه الليلة بالبارحة.
الفريق اول صلاح عبدالله (الشهير بقوش)، و محمد حمدان دقلو (الشهير بحميدتي) هما الشخصيتان الوحيدتان اللتان خانتا الرئيس البشير (ولأكثر من مرة) ، وللأسف برغم ذلك فلتتا من العقاب والمحاسبة، قوش بمجرد ان تمت إعادته مرة أخرى إلى سدة قيادة جهاز الامن والمخابرات (وكان ذلك هو الخطأ الفادح الذي ارتكبه الرئيس البشير) ما أن استلم منصبه مرة اخرى حتى سارع بالتجهيز لإنقلاب يطيح بالرئيس ،مستخدما علاقاته العميقة بامريكا و جهاز مخابراتها (سي.اي.ايه ، و اسرائيل و موسادها ،كيف لا والرجل يعتبر و احد من أفضل من تعاونت معه أجهزة الإستخبارات الغربية ، بعد المصري عمر سليمان مدير المخابرات المصرية العامة الاسبق.
دقلو تنبع اهميته من تزعمه لمليشيات الدعم السريع ودورها المعروف في دارفور ، ومن بعد ذلك مشاركتها في حرب اليمن إلى جانب السعودية و الامارات ،وكذلك محاربته (المزعومه) للهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر نيابة عن الإتحاد الأوربي، و تمدد هذا الجسم الهلامي(الدعم السريع) بسبب دعم الرئيس البشير أيضا، مما تسبب في اضعاف (ممنهج) لمؤسسات الدولة السودانية النظامية.
عندما ظهرت بودار الثورة على النظام القائم في ديسمبر من عام 2018 لم تتدخل تدخل قوات حميدتي لمساندة الرئيس البشير ضد المحتجين، برغم دعمه اللامحدود لها،ورجحت تقارير ان ذلك تم باتفاق بين حميدتي و قوش،اللذان كانا يبدوان انهما متفقين (ظاهريا) ،إلى ان حدث الاختلاف الكبير بين الرئيس البشير وقوش في فبراير من العام الحالي 2019 بسبب تدخل بعض القيادات النافذه(ومنهم الدكتور نافع علي نافع) لإيقاف خطة اتفق عليها الرئيس البشير وقوش لتعيين حكومة برئاسة قوش وأن يعلن عدم الترشح لانتخابات 2020م ،وبدلا من اعلان ما تم الاتفاق عليه بين الرجلين أعلن الرئيس البشير حالة الطوارئ ،برغم ترقب الشعب لذلك الخطاب ،مما اغضب قوش و بدأ من وقتها التنسيق بين قوش وحميدتي للانقلاب على النظام.
احتجب حميدتي عن المشهد ، بعد ان أعلن ان قوات الدعم السريع مهمتها الدفاع عن الحدود وانه ليس من مهامها ان تقمع التظاهرات ، مما عده الرئيس البشير خذلانا كبيرا له في وقت حساس جدا، وتوالت بعدها الأحداث بينما ظل قوش يهندس ويخطط لعملية الإطاحة بالبشير.
اول مجلس عسكري بعد الانقلاب على الرئيس البشير برئاسة عوض بن عوف و حتى مجلس عبدالفتاح البرهان لاحقا أعلنا ان قوش كان له القدح المعلى في الإطاحة بالرئيس البشير ، ولكنهما تفاجأآ بأن الشعب لا يريد قوش الذي كان يظن أن النظام قد آل اليه، فطلب منه أصدقائه الأمريكيين ان يتقدم بإستقالته و يتوارى عن المشهد مؤقتا إلى أن تنجلي الامور، فوافق و قدم استقالته و إختفى ميمما وجهه شطر واشنطن بعد ان توقف ليومين في لندن،و خلال الفترة سعت ملا من السعودية و الإمارات ليتولي رجلهما الاول في السودان حميدتي رئاسة البلاد بدلا عن قوش الذي تضاءلت حظوظه في الرئاسة بسبب ردة الفعل الشعبيه السلبيه ضده ،ولكن هذا التوجه من السعودية والامارات تضارب مع معارضة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي القوية لتولي حميدتي مقاليد السلطة في السودان.
استطاع طه عثمان الحسين ان يقنع حميدتي بأن قوش كان وراء محاولة اغتياله (المزعومه) في 21 أبريل،وأنه لكي يستطيع مواجهة قوش فلابد أن يتم إخراج عدو قوش اللدود اللواء عبد الغفار الشريف من سجنه، وفعلا تم ذلك، بل ومضى حميدتي ابعد من ذلك فإن أوكل إلى عبدالغفار مهمة قيادة إدارة الاستخبارات في قوات الدعم السريع،الأمر الذي أثار حفيظة قوش ، والأمر الآخر الذي اغضب قوش هو إعادة خدمة اللواء عباس عبد العزيز بل وترقيته وهناك حديث عن قرب تعيينه في منصب عسكري رفيع.
هذه الخطوات من قبل معسكر حميدتي/طه عثمان تكشفت الخطة والغرض من وراءها بسهولة لذئب متمرس في العمل الاستخباراتي مثل قوش، وبتنسيق مع أجهزة المخابرات الغربيه أوقف الإتحاد الأوربي دعمه لمكافحة الإتجار بالبشر و تبدلت لهجة الأوربيين مع حميدتي الذي خسر كثيرا بسبب توقف أحد روافد انهار ثروته المتنامية ، كما تم ايضا كشف الشركة الروسية التي كانت تهرب الذهب من جبل عامر لصالح حميدتي،وتم القبض على الطائرة المروحية المعبأة بالذهب والتي كانت في طريقها إلى الخارج،و نشر الخبر في مختلف وسائط ووسائل الإعلام ، و في نفس الوقت انتشرت فيديوهات خاصة لطه عثمان بصحبة بعض النساء بالخارج في تشويه متعمد لصورته في الوسائط الاعلاميه.
هذه الضربات السريعة والمتتاليه أشار اليها حميدتي في عدد من خطاباته ،حيث انه قال في احداها انه (لايمكن اللعب به)،لكن في نفس الوقت فإن الرسالة قد وصلته ، وفهم تماما غضب قوش وطبيعته ، و كذلك طه عثمان فهم الرساله ، وجاءت الرساله الأخرى الى حميدتي من البرهان حيث اخبره بعدم تقبل القاهرة لوجوده كقائد عسكري للقوات المسلحة بالسودان رغم تأييد السعودية والامارات ،إلا أن مصر رقم لا يمكن تجاوزه في المنطقة.
يتضح من كل ذلك ان قوش – و إن كان مختفيا عن الانظار- فهو ممسك بخيوط كتيرة كافية لعرقلة مشروع طموحات حميدتي وطه في السودان ،وعلاقاته مع دول مؤثرة مثل الولايات المتحدة ومصر قوية جدا، خصوصا بهذه الاخيرة ،فعند عودته لمنصبه في 2018 كانت اول زيارة خارجيه لقوش الى مصر،وكانت زيارة لللسيسي شخصيا لتنسيق المواقف ،وبعدها مباشرة قام بإعادة الجنود المصريين المختطفين في الجنوب الليبي بعملية سرية ، أظهرت كفاءة و قدرة الرجل، و قوبل ذلك بتقدير كبير من المصريين لقوش ،فتمت مكافأته بلقاء مدير الموساد يوسي كوهين اثناء انعقاد مؤتمر الامن في برلين في فبراير 2019 وكان هذا اللقاء برعاية السيسي شخصيا وبدون علم الرئيس البشير.
بعد هذا اللقاء اقتنعت إسرائيل و الغرب عموما ان قوش هو الرجل الأمثل لقيادة السودان في الفتره القادمه ،و إنه رجل المرحلة الذي يستطيع تنفيذ أهداف إسرائيل والولايات المتحدة والغرب في السودان والمنطقة ، فالرجل لديه خبرة كبيرة في التعامل مع الأسرار و إدارة الأزمات،كما ان علاقاته المتشعبة داخل الجيش و في اوساط الاسلاميين و حتى داخل المعارضة الحالية و قوى الحرية و التغيير تؤهله للعب دور محوري ومهم.
خلاصة القول ان قوش مازال يمسك بأوراق ضغط يمكن ان تحد من طموح حميدتي، ولكن المشكلة تكمن في انه ليس هناك أي ضمانات لعدم حدوث فوضى أمنيه واسعه في البلاد اذا ما حدثت مواجهات مباشرة بين الفريقين،ولكن من المؤكد أن قوش لا يرغب في الوصول إلى هذه النقطة تحديدا وذلك كيلا تتلاشي حظوظه وطموحاته في إدارة السودان حتى وإن صرح البرهان انه ليس هناك مكان لقوش في المجلس السيادي، فالرجل خان من إئتمنه على آمنه وامن البلاد،ولكنه لم يقبض ثمن الخيانة بعد، فهل سيهنأ قوش بثمن خيانته؟ أم أن الإسلاميين لديهم ما سيقض مضاجعه ويسفه أحلامه تلك؟ سنرى.
ود اسحق


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.