كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إنها صورة " الله " وإن جهل القراي
أبو الحسن الشاعر
نشر في الراكوبة يوم 05 - 01 - 2021

أود أن أنوه أن هذا المقال ليس للمناكفة والمحاججة رفضا لتعديل المناهج الدراسية ولا هو انتصار أو مناصرة للأوباش الذين يعارضون التغيير والتعديل والحذف والإضافة لمنهج مرحلة الإنقاذ البائدة ، فقط بهدف المماحكة السياسية والعقائدية الصرفة دون تبصّر .. وهو المنهج الذي شابه الكثير من العوار والحشو ، ولكن أينما كان الحق في رأينا وقفنا معه دون تردد.
لذلك فهذا المقال، هو نصرة في البدء والخاتمة للأمانة العلمية التي تحاشاها الدكتور القراي مدير المناهج وهو يزّاور ذات اليمين وذات الشمال خشية أن تصيبه سهام معارضيه وذلك في مؤتمره الصحفي الأخير الذي استعرض فيه بعض ما طالبه به المتنطعون من مجمع الفقه الإسلامي وما وافقهم فيه وما خالفهم عليه وإن كنت اتفق مع بعض ما قال لا كله ،
ونود هنا استعراض الجزئية التي أثارت لغطا واسعا ومنحها القراي وقتا مقدرا لإثبات براءته من التهمة الموجهة إليه فهل أفلح ؟؟ .
الأمر كما أصبح معلوما للجميع يتعلق بلوحة في كتاب الصف السادس لمرحلة الأساس للنحات والرسام الإيطالي الشهير مايكل انجلو عنوانها " خلق آدم " ضمن دروس النهضة الأدبية والعلمية في عصر النهضة ، واللوحة الكاملة تتكون من عنصرين رئيسين يمينها صورة شيخ كبير مرتديا قميصا شفافا مع شعر أشيب و لحية كثيفة وخطها الشيب يحضن بيده اليسرى امرأة " ربما تكون مريم " ويحف بهما عدد من الناس وجوه بعضهم طفولية تتسم بالبراءة ،" قال البعض إنهم الملائكة " يبدو بعضهم محدقا في الرجل الذي على الناحية الأخرى الذي يمثل " آدم " بلا جدال . ويتصدر الشيخ اللوحة هيبة ومقاما ويبسط يده ، التي تشي ملامحها وعروقها بالقوة ، إلى أقصاها وهو يفرد إصبعه السبابة كمن يحاول التواصل مع الآخر وعلى الجانب الأيسر يظهر " آدم " عارِيا " تبين سوءته الكبرى " مستلقيا كمن يستند على أريكة وتبدو عليه سيماء الارتياح، يجمع رجله اليسرى ويضع عل ركبته يده اليسرى ممتدة مع ارتخاء الكف قليلا ويفرد إصبعه في محاولة للمس يد الشيخ " الله " أيضا ويبدو أن الطرفين يحاولان الاتصال دون حدوث ذلك مع التقارب الشديد بينهما مع ملاحظة أن الرجل على الناحية اليسرى " آدم " يمكنه لو لم يرخ كفه بل لو رفع إصبعه قليلا لتمكن من ملامسة يد الطرف الآخر الذي يمثل " الله "، تعالى الله عن الشبيه والمثيل علوا كبيرا.
هذا الشرح ليس كافيا ولا دقيقا في كشف خبايا وعناصر لوحة ذات دلالات فلسفية ودينية عميقة ولكنه لتقريب الصورة للقارئ وما يهمنا أن الصورة ليس بها من العناصر الكثيفة ما يجعل معناها غامضا كما أن اسم اللوحة " خلق آدم " أو " خلق الإنسان "The Creation of Adam" تعيننا كثيرا على الفهم من أول وهلة دون تعقيدات تذكر في فهم أن طرفي اللوحة هما " الخالق / الله " ويقابله " المخلوق / الإنسان أو آدم " وتم رسمها أصلا بطلب من البابا وهي تمثل قصة خلق آدم في سفر التكوين في العهد القديم وتم رسمها في سقف كنيسة وهي مشهورة بأنها تمثل الله / الإنسان دون خلافات بين أصحاب طائفة الديانة المسيحية نفسها ، وذلك لأن سفر التكوين اشتمل على " إن الله خلق آدم على صورته " .. وهو نفس ما ورد في الإسلام في الحديث الشريف " خلق الله آدم على " / " لا تقبّحوا الوجوه فإن ابن آدم خُلق على صورة الرحمن " غير أن تفسير الإسلام لا يرى المماثلة في الصورة طبقا هيئة وشكلا بل إثبات التوصيف من دون أن يشابه خلقه في شيء فالله تعالى له يد ووجه وعين وسمع وبصر إلخ من حيث الوصف لكنها لا تماثل ولا تشابه " شكل الإنسان ولا أوصافه " وفي الآية الكريمة " ليس كمثله شيء " وذلك أمر آخر.
وتعالوا لنستمع معا لحجج القراي الواهية لدحض آراء مخالفيه في فهم أن اللوحة تصور " الله " .. والتبرير الفج لحشر اللوحة ذات الأبعاد الفلسفية العميقة حشرا في منهج أطفال في الصف السادس.
دافع القراي بأنه لم يختر الصورة وتحدث أنه وجه خطابات استفسر فيها عما إذا كانت النسخة وصلتهم ضمن الكتاب المعد لمرحلتي المراجعة والطبع ؟؟ وأقر المسؤولون بأنهم استلموها صمن الأصل !! لكن هذا ليس هو الموضوع لأن المسؤولية لا تنتفي لمجرد أن آخرين هم من اختاروا ووضعوا وقطعوا الصورة بل المسؤولية تقع على عاتق القراي تحديدا بل وتتعداه لوزير التربية والتعليم.
وهذا الاستفسار خاطئ في مبتدئه ومنتهاه لأنه لا يقف شاهدا مقنعا ولو كنت مكانه لتركت هؤلاء وسألت عن"الشخص" الذي اختار هذه اللوحة المثيرة للجدل تحديدا دون غيرها من لوحات ,ومنحوتات مايكل انجلو العديدة والرائعة والتي لا تخلق مثل هذا الإشكال العقدي الذي ورط فيه نفسه وغيره وشغل الناس بأمر ليس له ما يبرره إطلاقا ولا هو من الضرورات.
وكلنا نعلم أن رئيس التحرير أي صحيفة يمكن أن يشطب عبارة أو جملة واحدة من مقال يرى أنها قد تسبب إشكالا تفاديا لإثارة اللغط فما بالك بمنهج دراسي.!!
وأتوقع، لو أن القراي تتبع سيرة من قام بالاختيار لوجده واحدا من ثلاثة فهو إما أنه جاهل وبضاعته ضعيفة وبائرة في إعداد المناهج وثقافته رديئة من حيث الاطلاع لأن المنهج يقتضي بالضرورة النظر في " الفئة المستهدفة وقيم المجتمع وجماع ثقافته وتقبله لفكرة ما والبيئة العامة السلوكية والدينية " ، وإما أن يكون " غواصة " أراد مع سبق الإصرار " دس " هذه الصورة للوقيعة والإثارة الاجتماعية وإما جمهوري قح أراد بها " تثبيت فكرة محددة " .. وأي واحدة من هذه كانت كافية لتنبيه القراي لكي يتجاوز " مأساة القراي " و " ينط " الشرك الذي وضع له ويتفادى كل الذي جرى.
وأضاف القراي بسذاجة مصطنعة تغافل فيها عن الحقيقة غير الغائبة ولجأ للمغالطة " الغلات " على طريقة أركان النقاش في الجامعات والطرقات التي شكلت وعيه الأول في الجدل السياسي قائلا " منو العرفكم الفي الصورة دي الله ؟ وإذا كان الله الوراهو منو ؟؟ ما كان في شرح ولا تعريف للصورة !!.. " ثم رفع الكتاب مشيرا للصورة وأضاف " ما في أي كلام الزول دا آدم ، والزول التاني دا الله .. " وتابع قائلا " الناس ديل قالوا دا الله .. كتبوا براهم تأويل للصورة " واستمر في الحجج التلفيقية لمداراة الخطأ بما هو أفظع قائلا:" قطعنا الصورة من النص " النصف " .. ما يحملونا نحنا الكلام الفكروا فيهو " ثم قال إنه سأل أستاذا جامعيا وضع الصورة في مؤلفه الموسوم " الفنون ما بين الحضارات الحديثة " وقام بتدريسه في الجامعة الإسلامية : " هل حصل واحد قال ليك دا الله ودا آدم ؟ " انتهى الاقتباس.
فالقراي يعلم أن هذا عمل فني أدبي ذائع الصيت ولم يختلف لأصحابه ولا النقاد في أنه " الله " .. ولكن كان التفاوت في تفسير غموض اللوحة التي ذهب البعض إلى أنها تشكل عقل الإنسان وجرت حول ذلك دراسات كثيرة فتحت الكثير من آفاق التأمل حول العلاقة بين الله والإنسان والمعاني والدلالات التي يحملها الرسم ولذلك نال أهميته الكبرى من المضامين الفنية والفلسفية بغض النظر عن اختلاف الناس حولها قبولا ورفضا ..
ونحن لا نقول ولا يهمنا ما قاله " الناس ديل " الذين أشار إليهم ، ولكن تهمنا الحقيقة والمعرفة وفي مثل هذا إنما يحتكم الجميع للدراسات النقدية من أصحاب الفكر الذين يسبرون غور العمل الفني ويطلقون لأفكارهم التأملية الخروج بمعان وتأويل قد لا يخطر على بال العامة ولو لم يكن الأمر كذلك لما انتبه له أحد وما كانت له قيمة فنية تذكر وهذا شأن كل الأعمال الأدبية والفنية الرفيعة ..
وهناك إجماع على أن اللوحة تشكل العلاقة بين الخالق والمخلوق ولا نود الخوض في الأيادي الممدودة التي تمثل فنيا عند البعض أن الخالق يمد يده للمخلوق والذي يسعى للاتصال بالخالق لكن تراخيه في السعي يجعل المسافة قريبة بعيدة في ذات الوقت لأن غير الموصول مقطوع .. وهي العلاقة الأزلية بين اللاهوت والناسوت .. ويمكن أن نشير يقينا إلى أن الصورة تمثل " المسيح / الله " لأن بعض الطوائف المسيحية تقول إن المسبح هو " الله " وبعضها يرى أن المسيح هو " ابن الله " وآخرون يرون فيه اتحاد اللاهوت بالناسوت " إله / إنسان " وكلها تؤدي لمعنى واحد أي علاقة بين الله أو المخلص والإنسان وفي الثقافة والديانة المسيحية يطلق على المسيح " المخلص " وهي ثقافة لا تمنع تصوير المسيح " الله ".. ولا يخفى أننا نرى صورة المسيح " الله " في الكثير من الرسومات الكنسية وفي الكتب المتداولة بحيث لم تعد تشكل أمرا لافتا .
لكن أكاد أجزم هنا أن الفكر الجمهوري نفسه يتماهى تماما مع هذا التصور " تجسيد الإله " لأن الله " الذي يحاسب الخلق " عند الجمهوريين هو " الإنسان الكامل " وهو إنسان بلحمه ودمه وشحمه يصل " للحقيقة المحمدية " ويكون الله " وهو " من يحاسب الناس يوم القيامة " ولذلك يفسرون الآية الكريمة التي عرضنا لها أعلاه نفيا للمماثلة والمشابهة " ليس كمثله شيء " يفسرونها بقولهم يعني " المتل الله.. ما متلو شيء " أي أن " الذي يماثل الله لا يماثله شيء في الوجود " وهو هنا " الإنسان الكامل " ولذلك حتى وإن كانت الصورة " لله " ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، فهي لا تشكل هاجسا في وعي القراي وصحبه ولا تمثل غير رؤيته وفكرته عن الله لأن إله الجمهوريين هو " الإنسان الكامل " الذي كان يمشي بينهم وذلك أس وأساس عقيدتهم.. وفكرة " الإنسان الكامل " مبذولة في كتابات كبار الصوفية أمثال الحلاج وابن عربي وغيرهم ومنهم أخذ الأستاذ محمود محمد طه.
وقد بان استغفال القراي للسامعين في سؤاله " منو القال ليكم دا الله ؟؟ " ونحن نسأله بنفس منطقه " منو القال ليك دا ما الله ؟؟ " فمن رسموه قالوا إنه الله بغض النظر عن مستويات تصورهم لله .. وليس يكفي من القراي أن ينفي أنه ليس " الله " إنما يتوجب عليه أن يدفع بتفسير مقنع للناس يحدد فيه من يكون من في الصورة إذن ؟؟ ،على سبيل المنطق والتفسير الأدبي ليثبت للناس " دا ما الله " من وجه نظره ! وإذا نفى القراي أن الصورة لا تمثل الله فليقل لنا ما القيمة الفنية والفلسفية فيها التي جعلت لها كل هذا الحضور والإثارة في عالم الفن والتشكيل والفلسفة والدين ؟ بل ماذا تعني دون أبعاد دينية وفنية وفرت لها كل هذا الزخم من الاهتمام والبقاء لقرون.. ؟؟
ونسأله أيضا بذات المنطق من قال إن رواية موسم الهجرة إلى الشمال تمثل " صراع الحضارة بين الشرق والغرب ؟ " ومثلها رواية قلب الظلام لجوزيف كونراد ؟ ورواية عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم . وكيف عرف الناس قيمتها لولا النقاد وكشفهم عن مضامينها الفلسفية والأدبية والسياسية في الوقت الذي يقرأها العامة على أنها قصص والسلام..
وهل يعلم القراي أن أشهر قصيدة في القرن العشرين " الأرض اليباب للشاعر ت. س. إليوت تم رفض نشرها أول مرة ثم حين نشرت وأشار النقاد إلى المضامين الفلسفية لها أخذت موقعها في صدارة الأعمال الأدبية والعالمية وستبقى ؟؟
وهل يعرف أن العامة وجل المثقفين يعتبرون أن لوحات بيكاسو والفنانين التشكيليين عموما لا تعدو أن تكون " شوية شخبطات "!! لا يفهمون دلالاتها ؟؟ .. ثم من جعل العالم كله يعرف الموناليزا ؟؟ لولا النقاد ؟؟ مع أن معظم العامة قد لا يرون فيها جمالا يستدعي كل هذا الحضور.. !! لذلك فإن منطق " منوا القال ليكم " منطق لا يليق بمن يحمل درجة الدكتوراه.
ثم قال القراي إنهم حذفوا " النص / النصف " ويعني به النصف الأسفل من صورة آدم وذلك طبعا بسبب أنه النصف العاري ويبين فيه عضوه التناسلي .. وبذلك مارس القراي وصحبه تشويها للوحة وتجاوزا للأمانة العلمية أفقد اللوحة معناها ومضمونها فقد برز سؤال استشكل على النقاد وهو " لماذا ظهر جسد آدم عاريا في البورتريه بينما كان جسد " الله " مستورا " يلبس قميصا ؟؟ " وهذا الحذف أخل بمضمون ومعنى اللوحة، فنحن في عهد لم يعد فيه شيء يخفى على أحد وفي عالم النت لا يمكنك أن تغطي جزءا من الجسد وتتوهم أن التلاميذ وأولياء أمورهم لن يعرفوا ما أخفيت .. ؟؟ وسرعان ما يكتشف التلاميذ أن الوزارة " تكذب " وأن القراي " يكذب ويتحرى الكذب ويدلس عليهم خاصة وهو من يردد دائما " المؤمن لا يكذب " .
وبذلك الحذف فقد فعلتم فعلا نكرا وهو تشويه العمل الفني بإخفاء جزء منه وبان ضعفكم وظهر في أنكم تختارون مشهدا لا تستطيعون الدفاع عنه وتخجلون منه وكان الأحرى بدل هذا الاختباء حذفه لأنه لا يتناسب مع أعمار التلاميذ للدخول في متاهات هذه المعاني التي أشرنا إليها وغيرها وإمكانية التأثر بها.
ويضيف القراي " ما كان في شرح ولا تعريف للصورة " فإن كان ذلك كذلك فما جدوى أن تأتي بلوحة تتحاشى من تعريفها ؟؟ وما الفائدة المرجوة منها ..
لا مبرر إطلاقا لإقحام اللوحة لتلاميذ صغار إلا إذا كان من اختارها أراد عامدا دس السم في دسم المنهج وإحراج القراي والوزارة والذي بدلا من الاعتراف بخطأ وخطل ما فعل ذهب ينافح ويكافح للدفاع عن " الغلط ".
إن المناهج في السودان ملأى بنصوص ولوحات تمثل انفتاحا من الكفر البواح والإلحاد إلى نقد الديانات السماوية وخلافاتها وطوائفها والفلسفة وعلومها من أرسطو وأفلاطون وكانت وسارتر مرورا بفلاسفة الإسلام وغيرهم .. ولكن ذلك يأتي في مرحل دراسية متقدمة كالمرحلة الجامعية لأن الطالب يصبح أكثر وعيا لتقبل الفكرة والاستماع لأوجه نقدها ليشكل بنفسه رأيه حولها . وفي الجامعة يتم تدريس مسرح العبث " Absurdity" وأبرز قصصه " في انتظار غودو " Waiting for Godot وسائر الطلاب يقرأون في الشروح أن Godot ربما يكون هو " الله / الإله " أو " المجهول " حيث يقف شخص في انتظار مجيء من لا يجئ .. ويكثر التأويل بشأن ذلك أما العبارات الفلسفية أو البذيئة فهي منتشرة في كتابات كثيرة بما يتطلبه البناء الدرامي خاصة في قصص وروايات جيمس جويس ودي إتش لورانس وحتى الطيب صالح وغيرهم ولا يعترض أحد بل أذكر أن أستاذة بجامعة الخرطوم كانت تطبع قصائد " نقائض جرير والفرزدق " كما هي دون حذف وفيها ألفاظ وكلمات نابية مما يتداوله الرعاع في " الشارع " وهذا ما تقتضيه الأمانة العلمية " وليس كما فعل القراي لكنها إذا دخلت المحاضرة تجاوزتها في الشرح إلى غيرها . وخلاصة الأمر :
– أن اللوحة لم تكن تناسب الصف السادس بل قد تنتهي بالطفل للتصور الخاطئ عن " الله " وأن من دسها قصد الوقيعة وحقق مراده وأن القراي أخذته العزة بالإثم فأصر على بقائها دون مبرر معقول .
– أن القراي لم يكن موفقا في الدفاع عن موقفه فهو في الوقت الذي أنكر فيه التفسير المشهور للوحة لم يستطع أن يعطي تفسيرا آخر لها .
– أن قطع اللوحة من نصفها الأدنى يعد تشويها للعمل الفني بغض النظر عن موقف كل شخص منه وأن ذلك يعتبر تدليسا على العامة لتمرير غرض ما ، كما أنه تنكر للأمانة العلمية التي كان ينبغي أن تتوفر في " وزارة التربية والتعليم " أكثر من غيرها.
– أن الحكمة كانت تقتضي البعد عما يثير الجدل خاصة فيما يتعلق بالمناهج الدراسية خاصة أن البديل كان متوفرا حتى من بين لوحات مايكل أنجلو نفسه وهو أمر يدعو للشك والريبة في الهدف الذي تم من أجله " وضع / دس " الصورة في المنهج وفي الهدف من الإصرار على بقائها.
– نعلم يقينا أن القراي ما كان ليجهل معنى ومضامين الصورة ولا الإشكال الذي سيترتب عليها " ولكنه تصنّع الجهل " وأنه بظهوره في مؤتمر علني صب الزيت على النار دون أن يقنع أحدا بصواب موقفه ولا سبب إصراره .
– اللوحة لا تتعارض مع مفهوم الفكر الجمهوري " لله / الإنسان الكامل " فهو قابل للتصوير عندهم لأنه أصلا إنسان ترقى في مدارج السالكين حتى وصل مرحلة " إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " و" يكون الله " .
– في كل الدول الديمقراطية يمكن أن يؤدي الخلاف بشأن نشر أي موضوع ناهيك عن إدراجه في منهج تعليمي إلى استجواب المسؤول عن ذلك ، ولذلك لو كان لنا " مجلس تشريعي " لربما كان قد تم استجواب الوزير ثم يخضع الأمر لرأي الأغلبية في البرلمان سواء تأييد الوزير أو طرح الثقة به ومن ثم فإن الإثارة الحاصلة الآن هي أمر طبيعي ولكن لأننا لا نملك " جهة تشريعية " حتى الآن أصبح الأمر فوضى والناس فوضى لا سراة لهم.
أبو الحسن الشاعر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.