خيمة المولد بأم درمان تقدم برامج مسابقات حفظ القرآن الكريم    السوباط: التشكيك في (هلاليتنا) يُحطم مقاديف قدرتنا على الاحتمال    رابطة جمعيات الصداقة العربية تودع سفير السودان المرشح للصين    منير نبيل ل(السوداني): لست مُحبطاً.. أنا ابن النادي وأخدمه من أي موقع بتجرد    رئيس المريخ يزور الإتحاد العام ويلتقي النواب والأمين العام    وزير الداخلية المكلف يترأس اجتماع هيئة إدارة الشرطة    التربية بالخرطوم تعلن شروط جديدة لإستخراج شهادة الأساس    اعتقالات جديدة في السودان    ساعة الجد ..!!    محمد جميل أحمد يكتب: ما وراء عودة آخر رئيس وزراء للبشير من القاهرة إلى السودان    اتحاد الكرة السوداني يعلّق على تصنيف"صقور الجديان"    المريخ يتلقى خبرًا سارًا قبل موقعة"شيكان"    مولد النور وسماحة الصوفية    تحذير عالمي من أدوية للسعال    مطار الخرطوم تردي الحمامات وروائح تزكم الأنوف    المالية توجه بتقليل الإعفاءات والتوسع في الضرائب بالموازنة المقبلة    اشتباك وتبادل إطلاق النار في اشتباك داخل مزرعة    شاهد بالصورة والفيديو.. في السودان.. رجلان يتبادلان "الشبال" والأحضان مع راقصة استعراضية وأحدهم يضع لها المال داخل صدرها    سعر الريال السعودي في البنوك ليوم الخميس 6-10-2022 أمام الجنيه السوداني    إرتفاع طفيف في قيم التجارة الخارجية في النصف الثاني المالي    الخرطوم.. السلطات تضع يدها على 82200 دولار مزيّفة    سحب ملف محاكمة البشير ورفاقه بتهمة قتل المتظاهرين    القبض علي (51) متسللا أجنبيا في طريقهم إلى الخرطوم سيرا على الاقدام    إحباط محاولة تهريب (60) رأسا من إناث الإبل للخارج    غندور للحكام: المعتقلون يريدون العدالة وإن لم تفعلوا فأبشروا بمكانهم    التوقيع على الميثاق الثوري لسلطة الشعب و(قحت) ترفض المشاركة    بوتين يتعهد بالحفاظ على استقرار المناطق التي ضمها من اكورانيا    فنانو الدويم يقيمون ليلة باتحاد الفنانين بأمدرمان    تفاصيل جديدة في محاكمة متهم بحيازة سلاح يتبع لإحدى الحركات المسلحة    أسامة بيكلو يجري عملية قلب    قادة اتحاد تنس الطاولة يشرفون اليوم افتتاح البطولة القومية للاندية    39 وفاة حصيلة تفشي مرض الكوليرا في سوريا    المنظمة العربية للتنمية الزراعية تقيم ورشة عمل تطبيقات الإحصاء الزراعي    شبكة يتزعمها نظامي تقوم باختطاف الفتيات    بابكر فيصل يكتب: حول الميثولوجيا الإخوانية    (الطرق) وغرفة الشاحنات تتبادلان الاتهامات    دراسة: ولاية نهر النيل ستصبح غير صالحة للحياة الآدمية بعد (40) عاماً    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الخميس" 6 أكتوبر 2022    الانتباهة: ضباط بحركة مسلّحة ينهبون مخزنًا للزيوت    اتحاد الكرة يوضح الحقائق حول حادثة منتخب الناشئين عبر مؤتمر صحفي    عودة مبادرة "مفروش" للقراءة والبيع واستبدال الكتب الورقية    في الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم    مديرعام وزارة الصحة يخاطب ورشة التدريب لحملة الكوفيد جولة اكتوبر    وتر المنافي جديد الفنان خالد موردة    أوكرانيا "تحقق تقدما" في الجنوب في مواجهة القوات الروسية    "البرهان" يقطع وعدًا بشأن"الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون"    وفاة العالم الجليل عبد العزيز محمد الحسن الدبّاغ    القائد العسكري في بوركينا فاسو يوافق على ترك الحكم    أمريكا ترسل شحنة جديدة من لقاح "فايزر" للسودان    موظف يروي خبايا وأسرار إصابته بالسرطان    خطط أبل لطرح أجهزة جديدة خلال الشهر الجاري    جنوب دارفور: تسجيل (8) إصابات بحمى "الشكونغونيا" و"الضنك"    السوشيل ميديا.. هل تصنع واقعًا سياسيًا جديدًا؟    يحلم باستكشاف الإبداع..عامر دعبوب: التطور التقني يعزز مسيرة التميز السينمائي الإماراتي    انقلاب عسكري جديد في بوركينا فاسو    بالصور.. أول عملة بريطانية بوجه الملك تشارلز الثالث    منى أبو زيد تكتب : في فضاء الاحتمال..!    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دَا وَزِيْرْ شِنُو دَا؟!
نشر في الراكوبة يوم 12 - 05 - 2021


الإثنين
مساء السَّبت الأوَّل من مايو 2021م استضافني، مشكوراً، عبر تقنية الفيديو، «منبر التِّيجاني الطيِّب بابكر للحوار الدِّيموقراطي»، ضمن «التحالف الدِّيموقراطي بمنطقة واشنطن الكبرى»، متيحاً لي سانحة ثمينة للالتقاء بمجموعة من أصدقاء ورفاق المهجر الوطنيِّين الدِّيموقراطيِّين، في حواريَّة حول إحدى أهمِّ قضايا ثورة ديسمبر المجيدة، وهي قضيَّة «مشروع قانون جهاز الأمن الدَّاخلي»، مالئ الدُّنيا، وشاغل الناس، هذه الأيَّام. ولأن الحواريَّة بُثَّت غبر مختلف الوسائط، كما وأنني سبق أن عرضت لهذا «المشروع» في روزنامة سلفت، فاستاذنكم بالاقتصار، هنا، على بعض ما خطر لي أنني لم أشدِّد عليه بدرجة كافية، إضافة إلى بعض ما أثار المشاركون من خلال المناقشة.
أوَّل ما يجدر الطَّرق عليه هو أن «المشروع» جاء تأكيداً إضافيَّاً على الانقسام الضَّارب في عمق نخاع «الوَهْم» الذي يطلق عليه «شراكة الثَّورة»! نعم «وَهْمٌ» لأن «الشَّراكة» يستحيل أن تتحقَّق إذا كان أحد «الشَّريكين» قد دُفع إليها، دفعاً، وهو يجرجر أقدامه بنصف قلب، مرغماً لا بطلاً! لذلك ها نحن،الآن، إزاء انقسام نكدٍ ما ينفكُّ يُثبت، يوماً بعد يوم، أنه الحائل الأساسي دون إنجاز مهام الفترة الانتقاليَّة، علماً بأنه يستحيل، من غير استكمال هذه المهام، إرساء أيِّ أُساسٍ للتَّحوُّل الدِّيموقراطي المنشود.
من معايب هذا «المشروع»، أيضاً، استتباع «الجِّهاز» للمكوِّن العسكري في «مجلس السَّيادة»، على غرار استتباعه ل «رئيس الجُّمهوريَّة» في النِّظام البائد، حتَّى ليكاد «المشروع» يصرخ باستعادة «الجُّمهوريَّة الرِّئاسيَّة»، بدلاً من «الجُّمهوريَّة البرلمانيَّة»، إلتفافاً على تعبير ثورة ديسمبر عن الرَّغبة الشَّعبيَّة في العودة إلى خيارنا الوطني الباكر منذ فجر الاستقلال، اتِّساقاً مع أحد أهمِّ عناصر واقعنا السِّياسي، وهو عنصر التَّنوُّع والتَّعدُّد الذي يسِمُ، بطابعه الوجودي، مناحي الحياة، بأسرها، في بلادنا.
جهاز الأمن والمخابرات
ومِمَّا يعيب «المشروع»، كذلك، هذا الإصرار على اعتبار «الجِّهاز»، بحسب تقليد خاطئ، «قوَّة عسكريَّة»! فحتَّى بافتراض صحَّة الاتِّفاق المعيب، في «الوثيقة الدُّستوريَّة» المعيبة أصلاً، على استتباع المؤسَّسات العسكريَّة والأمنيَّة لسلطات وصلاحيَّات المكوِّن العسكري، فإن «جهاز الأمن» ليس عسكريَّاً، بل هو «مدني»، مثله مثل «جهاز الشُّرطة» الذي ينبغي أن يُعامل هكذا، هو الآخر، فيُستتبع كلاهما، في النِّظام الفيدرالي، ل «رئيس الوزراء»، ثمَّ، بالتَّبعيَّة، ل «ولاة الولايات». ومن ثمَّ ينبغي تغيير المسمَّيات العسكريَّة لمراتب «ضبَّاط الأمن» الأساسيَّّة إلى مسمَّيات «مدنيَّة»، وأن تعود، أيضاً، مسمَّيات الرُّتب الشُّرطيَّة القديمة، ك «قمندان حكمدار ملاحظ .. الخ»، وأن يُعهد بتعيينهم، بما في ذلك المدير ونائبه، سواءً في «الأمن» أو «الشُّرطة»، إلى رئيس الوزراء، وأن تكون ل «مجلس السَّيادة» سلطة المصادقة، فقط، على هذا التَّعيين.
أمَّا أهمُّ انعكاسات «المشروع» على الخارطة السِّياسيَّة، وعلى واقع الصِّراع السِّياسي الرَّاهن، بتركيبة ومواقف قواه الحزبيَّة والمدنيَّة، فيمكن حصرها في مسألتين تبرزان، على هذا الصَّعيد، بوجه مخصوص؛ أولاهما تتَّصل بالخلخلة التي لا بد يحدثها، في ما يتعلَّق باصطفاف هذه القوى، تقارب وتباين المواقف المختلفة من «المشروع». ربَّما يقول البعض إن هذين التَّقارب والتَّباين لم يقعا، حتَّى الآن، بالقطع والوضوح اللذين يمكن أن يورثا أيَّ قدر من التَّماسك أو الخلخلة. غير أن المضاهاة، بوجه عام، بين المواقف السَّابقة للكيانات المختلفة، من بعض القضايا، تسمح بتصوُّر حدوث هذين التَّماسك والخلخلة. ومن ثمَّ يجدر الأخذ في الاعتبار بالمواقف التي كان يجمع بينها، في الأصل، تحالف «إعلان الحريَّة والتَّغيير»، ثمَّ تباينت، لاحقاً، بصورة دراماتيكيَّة، إزاء شتَّى القضايا، ك «الوثيقة الدُّستوريَّة»، و«التَّطبيع مع إسرائيل»، و«العلاقة مع المكوِّن العسكري»، و«تقدير اتِّفاق جوبا للسَّلام»، و«تقييم الحكومة الانتقاليَّة»، عموماً، سواء الأولى أو الثَّانية، خصوصاً «سياساتها الاقتصاديَّة»، وما إلى ذلك. فقد تباينت تلك المواقف، بشكل مأساوي، قُبيل صدور هذا «المشروع»، لكنها عادت، الآن، تتقارب، إزاءه، بعد صدوره، حيث تكاد تُجمع على رفضه، وإن بمستويات متفاوتة، كمواقف الحزب الشِّيوعي، والتَّجمُّع الاتِّحادي، والحزب الاتِّحادي الموحَّد، والحركة الشَّعبيَّة شمال بشقَّيها، وإلى ذلك تسييريَّة نقابة المحامين، وغيرها من الكيانات المدنيَّة. وأهمُّ ما في هذه المواقف الجَّديدة الرَّافضة لهذا «المشروع» المعيب أنها ليست عارضة، بل استراتيجيَّة تسمح بتصوُّر أوسع إمكانيَّة لإعادة اصطفاف هذه القوى بشكل إيجابي.
من جهة أخرى، كان مِمَّا أثير، أثناء مناقشة «المشروع»، رغم عدم التَّناسب البادي، للوهلة الأولى، مع أجندته، مقترح إحالة قضيَّة «فضِّ الاعتصام» لتتولاها «المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة»، يأساً، في ما يبدو، من «لجنة نبيل أديب» الموكل إليها أمر التَّحقيق في هذه القضيَّة، وأسوة، كما قال طارح المقترح، بمطلب إحالة البشير ورهطه إلى هذه المحكمة. على أن الفرق شَّاسع بين القضيَّتين من النَّاحية القانونيَّة. فعلى الرُّغم من أن التُّهم، في كليهما، تتعلق بجرائم موصوفة في «القانون الجَّنائي الدَّولي»، كجرائم الحرب War Crimes، والجَّرائم ضدَّ الإنسانيَّة Crimes Against Humanity، وجريمة الإبادة الجَّماعيَّة Genocide، إلا أن تاريخ ارتكاب هذه الجَّرائم، في إطار قضيَّة دارفور، يعود إلى العامين 2002م 2003م، أوان لم يكن «القانون الجَّنائي السُّوداني» شاملاً لعناصر ذلك القانون، ما يعني أن القضاء الوطني لم يكن «قادراً»، وقتها، مثلما هو ليس قادراً الآن، على محاكمة تلك الجَّرائم، حيث القاعدة ألاَّ جريمة ولا عقاب إلا بنص، مِمَّا سمح بقبول «المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة» لإحالة هذا الملف إليها من مجلس الأمن الدَّولي، بموجب القرار/1593 لسنة 2005م، تحت المادَّة/13/ب من «نظام روما Rome Statute لسنة 1998م»، مقروءة في ضوء الفصل السَّابع من ميثاق الأمم المتَّحدة، وسمح، من ثمَّ، بتدخُّلها لممارسة اختصاصها «التَّكميلي complementary»، بعكس قضيَّة «فضِّ الاعتصام» التي تتعلق بجرائم ارتكبت عام 2019م، بعد 10 سنوات من التَّعديل الذي أدخل عام 2009م على «القانون الجَّنائي السُّوداني» ليتضمَّن عناصر «القانون الجَّنائي الدَّولي»، ما يعني أن محاكمة هذه الجَّرائم أصبحت ضمن الاختصاص الأصيل للقضاء الوطني، إلا إذا ثبت انتفاء «قدرته» على، أو «رغبته» في إجراء تلك المحاكمة، لينفتح الباب أمام «المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة» لممارسة اختصاصها «التَّكميلي»، في ما لو طلبت منها الدَّولة ذلك، أو أحالها إليها مجلس الأمن. فالقاعدة، إذن، هي أن الاختصاص لا ينعقد ل «المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة» بحسب المزاج، إنَّما هو مقيَّد، مبدئيَّاً، بشروط، في مقدِّمتها ثبوت انتفاء هاتين «القدرة» و«الرَّغبة» لدى الدَّولة المعيَّنة. أمَّا بالنِّسبة لقضايا دارفور فلا تأثير للتَّعديل المشار إليه على وضعيَّتها القانونيَّة، إذ أن توفُّر القانون في وقت لاحق على ارتكاب الفعل لا يعقد الاختصاص الأصيل للمحكمة الوطنيَّة، فالقانون لا يسري بأثر رجعي، ومن ثمَّ يظلُّ الاختصاص منعقداً ل «المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة»، رغم التَّعديل الذي سمح بدخول عناصر «القانون الجَّنائي الدَّولي»، عام 2009م، ضمن «القانون الجَّنائي السُّوداني».
الثُّلاثاء
موقف شخصيَّة في وزن المحبوب عبد السَّلام، أهمِّ تلاميذ التُّرابي، ومؤسِّس «حركة تضامن من أجل الدّيموقراطيَّة والعدالة»، من توقيع «إعلان المبادئ» بين البرهان والحلو، وترحيبه به، وتأييده له، بما في ذلك الاتِّفاق على «فصل الدِّين عن الدَّولة»، معتبراً أن «وحدة السُّودان» مقدَّمة على «الحدود الشَّرعيَّة» (الدِّيموقراطي؛ 7 أبريل 2021م)، لهو، بلا أدنى شك، حدث استثنائي لافت بقوَّة، في ساحة الصِّراع الذي ظلَّ محتدماً، طوال العقود الماضية، بين القوى الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة وبين قوى الإسلام السِّياسي في بلادنا، وهو الصِّراع الذي لم ينحسم، بعدُ، نهائيَّاً، حتَّى بعد إطاحة الثَّورة بالنِّظام البائد، حيث ما تزال هذه القوى تتَّخذ، ولأسباب سياسيَّة بحتة، موقف العداء السَّافر من هذا الاتِّفاق.
المحبوب عبدالسلام
لم يكتفِ المحبوب، حسب المصدر، بمحض الإشارة لرؤيته الجَّريئة هذه، بل أسَّس لها، فكريَّاً، بالاستناد إلى «درس» الخطأ الجسيم الذي تورَّط فيه، برأيه، ممثِّلو حزبه، خلال مفاوضات «نيفاشا» مع حركة قرنق، وورَّطوا معهم فيه الوطن بأسره. فقد غفلوا، حسبما قال، عن إدراك أن الدَّولة الحديثة لا يمكن أن تُبنى، في هذا العصر، على مقولات الفقه التَّقليدي في القرن الرَّابع الهجري. هذا من ناحية، أمَّا من ناحية أخرى فإنهم، عند المفاضلة بين خياري «الشَّريعة» و«تقرير المصير»، أصرُّوا على التَّمسُّك بما أسماه «وهْم الشَّريعة» غير الواقعي، حيث أن الحدود لم تكن مطبَّقة، لا في السُّودان ولا في إيران، بل وغير قابلة للتَّطبيق، أصلاً، كون الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الحدِّيَّة كلها ظرفيَّة، ومحكومة بسياقاتها. وخلص إلى أنهم، بالنَّتيجة المأساويَّة، تسبَّبوا، من أجل ذلك «الوَهم»، في فصل ثلث البلد!
لذا، عندما أطلَّ الدَّرس القديم مع قرنق، من خلال التَّفاوض الجَّديد مع الحلو، رأى المحبوب أنه لا مناص من مراجعة الموقف، حذر الانزلاق في ذات الخطأ، ومن ثمَّ تأسَّس الخيار الواقعي على التَّرحيب الحارُّ ب «إعلان المبادئ»، من أجل الحفاظ على وحدة الوطن.
ولا يخفى على أيِّ عاقل، بالطَّبع، الفارق الكبير بين هذه المراجعة الفكريَّة الصَّادقة، وبين الغوغائيَّة الحزبيَّة من شاكلة ما يعبِّر عنه موتورون كعلي كرتي الذي هرب إلى اسطنبول، «يهدِّد من هناك باستخدام العنف ضدَّ الثَّورة!» (الدِّيموقراطي؛ 2 مايو 2021م)، أو كعطا مولى، مدير الأمن السَّابق، الهارب، هو الآخر، من وجه العدالة، والذي ما ينفكُّ «يزفُّ البشرى لأخوانه، من بعيد لبعيد، بأن الفجر آتٍ آتٍ!» (المصدر نفسه). أو كأمين حسن عمر الذي ساءه، في ما يبدو، هذا النَّوع من المراجعات يصدر عن رموز كالمحبوب وتيَّاره، فانطلق يهدِّد «الإسلامويِّين» بأن «عليهم أن يلتزموا الصَّمت، أو فلينصرفوا، لأن من يقرِّر للحركة الإسلاميَّة هي الحركة الإسلاميَّة نفسها!»، أو كما قال (سودانايل؛ 1 مايو 2021م).
إذن، فالواجب الثَّوري يحتِّم على مسؤولين كجبريل إبراهيم، وإبراهيم الشيخ، ومني أركو مناوي، وغيرهم، مِمَّن ينادون بإدماج «الإسلاميِّين» في الحياة السِّياسيَّة، أن يفصحوا عمَّن يعنون ب «الإسلاميِّين»! وإلا فمن حقِّ عمر القرَّاي أن يدعو، كما فعل في مقالته الجَّيِّدة بهذه الصَّحيفة، عدد 3 مايو 2021م، لإقصائهم هم أنفسهم من مواقع المسؤوليَّة الحكوميَّة، كما ومن حقِّ جماهير الثَّورة أن تستقبِل مثل دعواتهم هذه كنوع من «الكلام المغتغت وفاضي وخمج»، على حدِّ تعبير صديقنا الشّاعر الكبير محمَّد طه القدَّال، شفاه الله وعافاه، وأعاده سالماً غانماً، لوطنه، وشعبه، ومنابره العالية.
الأربعاء
الروائي والكاتب الجزائري واسيني الأعرج
وجدت، البارحة، في بعض الوسائط، كلمة للرِّوائي والكاتب الجَّزائري الكبير واسيني الأعرج، خاطب بها صديقه الرَّاحل الطيِّب الصالح، يوم وقف على تُربته، بمقابر البكري بأم درمان، أثناء زيارة له إلى السُّودان، وقد أكَّد لي الوقفة والكلمة كليهما الصديق القاص والنَّاقد والباحث البروفيسير محمَّد المهدي بشرى الذي رافقه إلى هناك. قال الأعرج للطيِّب متحسِّراً: «أيا صديقي، لقد رحلت ولم يجب لك أحد علي سؤالك عن مكان المجيء. ولكنك لا تدري، يا رجل يا (طيِّب)، لقد أتى على بلادكم قوم، دخلوا من ابواب متفرقة، وهم أشدُّ خسَّة ودناءة. والأسوأ، أيها (الصَّالح)، أنهم مجهولو الهويَّة، والكرامة، والعقيدة، والوطنيَّة. فقط مكتوب علي جباههم (نفس الزوول)! أتتارٌ هم؟! أم مغول؟! هل هم من قوم ياجوج ومأجوج؟! أم فيهم المسيح الدَّجال؟! جئتُ، يا صديقي، لأقرأ على روحك الفاتحة، وأسألك، والرحمة لك، نفس السُّؤال: من أين أتى هؤلاء»؟!
الخميس
حسب «الوثيقة الدُّستوريَّة» الحاكمة، وبصرف النَّظر عن عيوبها المجهورة، لم تتبقَّ سوى أيَّام قلائل على بداية دورة رئاسة المكوِّن المدني لمجلس السَّيادة في 21 مايو المقبل، علماً بأن هذا النَّصَّ لم يخضع للتَّعديل ضمن ما طرأ من تعديلات بموجب اتِّفاق سلام جوبا. مع ذلك لا يبدو أن ثمَّة استعداداً لدى المكوِّن العسكري للانصياع للنَّص، أو لدى البرهان للتَّنازل عن المنصب!
المشكلة لم تبدأ الآن فقط، إنما تعود بجذرها إلى اللحظة التَّاريخيَّة التي قبلت فيها قوى الحريَّة والتَّغيير مفاوضة المجلس العسكري «اللجنة الأمنيَّة»، وموافقتها على أيلولة قيادة الفترة الأولى في مجلس السَّيادة للمكوِّن العسكري!
الجُّمعة
بالخميس الماضي، 6 مايو 2021م، إختتم وفد تركي رفيع، برئاسة نائب وزير الخارجيَّة، زيارة دبلوماسيَّة إلى القاهرة هي الأولى منذ ثماني سنوات لم تكن وسائل الإعلام المصريَّة لتكفَّ، خلالها، من الهجوم الضَّاري على سياسات الرَّئيس التُّركي رجب أردوغان، سواء الخارجيَّة أوالدَّاخليَّة، بما في ذلك حتَّى أسلوبه في مكافحة جائحة الكورونا!
لم ترشح معلومات وافية عمَّا تناولته مباحثات الطرفين التي وُصفت ب «الاستكشافيَّة»، فقد اكتفى البيان المشترك الصَّادر في ختامها بوصفها بأنها «كانت صريحة، ومعمَّقة، وتطرَّقت إلى القضايا الثُّنائيَّة، فضلا عن عدد من القضايا الإقليميَّة، كالوضع في ليبيا، وسوريا، والعراق، وتحقيق السَّلام والأمن في الشَّرق الأوسط».
على أن ثمَّة قرائن ترجِّح ما قد تكون المباحثات تطرَّقت إليه، كالتَّصريحات التي سبقت الزِّيارة، بحسب البي بي سي، والتي أفاد عبرها إعلاميُّون مصريُّون بتلقِّيهم تعليمات بتخفيف الهجوم على الجانب التُّركي، كما وأن تركيا كانت قد اتخذت، بالمقابل، إجراءات نحو تحجيم بثِّ القنوات «الأخوانيَّة» المصريَّة من أراضيها!
السَّبت
في مناسبة تكريم البروفيسور محمَّد الأمين التُّوم، بمركز الخاتم عدلان للاستنارة، تبارت خطابات كُثر نضَّدت مناقبه، بينما دوَّم أغلبها، كالنُّسور السَّاحليَّة، حول استثناء وزارة التَّربية والتَّعليم التي كان البروفيسور مرشَّحاً لها، من التَّعيينات التي أعلنها رئيس مجلس الوزراء، عبر مؤتمره الصَّحفي في 9 فبراير 2021م. وكان البروفيسور قد أورد، في بيانه حول الواقعة، أنَّ من الطبيعي استبعاد أيِّ «مواطن» من التَّعيين في منصب ما، بسبب عدم الكفاءة المهنيَّة، أو الإدانة السَّابقة في جريمة ماسَّة بالشَّرف والنَّزاهة. لكن غير الطبيعي إحاطة سبب الاستبعاد بالتَّكتُّم والغموض المريبين، من لدن كيان لا يملك، أصلاً، هذه السُّلطة، كالمدعو «مجلس الشُّركاء»، أو نسبة هذا السَّبب، صراحة، من جانب نفس الكيان، إلى واقعة مخترعة، كالفشل في تجاوز عتبة «الفحص الأمني»، مِمَّا يُعدُّ انتهاكاً صارخاً لأحد حقوق المواطنة، ومجافاة فظة لمبادئ العدل والشَّفافيَّة، بينما تكمن المفارقة في كون هذا «المواطن» نفسه قد سبق أن شغل نفس المنصب، لأكثر من سنة، دون أن يشكِّل «الفحص الأمني» عائقاً أمام تعيينه!
وزير التربية والتعليم البروفيسور محمد الأمين التوم
أمَّا المفارقة الأخرى فتكمن في ما كشف عنه ذلك التَّعيين السَّابق للبروفيسور، من مؤهِّلات علميَّة، وخصال أخلاقيَّة، كانتا كفيلتين بتعزيز ترشيحه لشغل المنصب، لا استبعاده منه! أكبر هذه المؤهِّلات كسبه المعرفي الذي عَبَر لأجله كلَّ بحر، وخاض في سبيله كلَّ لجَّة، وأبرز هذه الخصال نضاله وزهده الشَّخصيَّان، مِمَّا لا يجحده غير جاهل، ولا يكابر فيه سوى مغلاط! فمحمَّد، من الجِّهة الأولى متخصِّص في ملِكة العلوم الرِّياضيَّات التي نال فيها أرفع الدَّرجات من أكسفورد، أعرق جامعات العالم، كما عمل بالتَّدريس، عمراً بأكمله، ليس، فقط، في جامعة الخرطوم، أرفع جامعات السُّودان، والتي أسَّس فيها مدرسة الرِّياضيَّات، بل وفي أرفع الجَّامعات الأمريكيَّة، والبريطانيَّة، والسّويسريَّة، والخليجيَّة، وغيرها، ونشر مئات البحوث والدِّراسات في أشهر الدَّوريَّات، ونال زمالة أرقى الأكاديميَّات الاقليميَّة والعالميَّة؛ أمَّا من الجِّهة الأخرى فيكفي أن نضاله في سبيل الدِّيموقراطيَّة عرَّضه لمصادمة الأنظمة الشُّموليَّة في السُّودان، كما عرَّضه للفصل من جامعة الخرطوم، ضمن نخبة من أنبل زملائه الأساتذة، إضافة للاعتقال مرَّات عديدة. ومع أن أبواب المؤسَّسات العالميَّة ظلت مفتوحة أمامه لو شاء، إلا أنه كان يتحيَّن الفرص، في كلِّ مرَّة، كي يكون إلى جانب طلابه في السُّودان، وليساهم في علاج مشكلات التَّعليم فيه، حتَّى أنه أنشأ، مع بعض زملائه ورثة الأنبياء، مركزاً للبحث التَّربوي على نفقتهم الخاصَّة، فهل يُعقل أن يقال عن مثله إنه فشل في اجتياز الفحص الأمني؟!
أهمَّتني، في الخطابات التي تواترت على منصَّة احتفاليَّة تكريمه، تلك الشِّهادات القيِّمة عن أدائه. قالت إحدى الأمَّهات إنه دعاهم، لأوَّل مرَّة، كأولياء أمور، ليتشاور معهم، حول المناهج، بعد أن كانوا لا يُستَدعَون إلا للمصاريف وما إليها! وشهد معلم مخضرم بأنه الوزير الوحيد الذي جاء إلى الوزارة محتقباً مشروعاً متكاملاً، برؤية واضحة، لما يريد تحقيقه، خاصَّة حلمه باستعادة الألق للتَّعليم الحكومي في ما يتَّصل بالمساواة في الفرص بين أبناء الفقراء والميسورين. وأفاد مدير مكتبه بأنه كان يُبدي اهتماماً خاصَّاً بالأقاليم التي عانت من التَّهميش، كدارفور مثلاً، عند توزيع المنح للمعلمين في التَّحضير للدَّرجات العلميَّة. فهل يُعقل أن يقال عن مثله إنه فشل في اجتياز الفحص الأمني؟!
بل لقد أهمَّتني، بصفة استثنائيَّة، ملاحظات بسيطة الشَّكل، عميقة الدَّلالة، وردت، ضمن الاحتفاليَّة، عن خصاله الشَّخصيَّة، مِمَّا لا يمكن أن يقلِّل منها سوى الوُقحاء مِمَّن تنوء نفوسهم بالغلاظة. منها ملاحظة مدير مكتبه، أيضاً، عن كونه لم يكلف الدولة ولا مجرَّد حرس شخصي، لا له ولا لمسكنه! ولم يكن يستخدم، قط، نثريات مكتبه في شؤونه الخاصَّة، حتَّى أنه كان يحضر فطوره معه من البيت! ومع أنه لا يملك سيَّارة، فإنه لم يكن يستخدم سيارة الحكومة إلا في العمل الرَّسمي، تُحضِره في الصَّباح إلى الشُّغل، وتعيده عند نهاية الدَّوام إلى المنزل، ثم تعود للمبيت في جراج الوزارة! أما مشاويره الأخرى فتقضيها معه زوجته السَّيِّدة نوال جحا بسيَّارتها الخاصَّة كلما أمكنها ذلك، وبالعدم لم يكن يأنف، وهو وزير، من أن يستأجر ركشة .. نعم ركشة! وروت زوجته أن جاراتها سألنها، ضاحكات، لمَّا رأينه، مرَّةً، في ركشة، ومرَّة أخرى يقصُّ شعره لدى حلاق الحِلَّة: «ياختي دا وزير شنو دا»؟! فهل يُعقل أن يقال عن مثله إنه فشل في اجتياز الفحص الأمني؟!
الأحد
حثيثاً يخطو شهر رمضان المعظم، الآن، نحو نهايات العشر الأواخر منه. ومن أخباره الطَّيِّبة قصص المحبَّة بين المسلمين والمسيحيِّين. فمثلاً عرفت عكا، ولسنوات طوال، المسحِّراتي المسيحي ميشيل أيوب، يبدأ بقرع الطَّبل، ثم يتلو البسملة، ثم يأخذ في ترديد عبارات «يا صايم وحِّد الدَّايم قوموا لسحوركم خلوا رمضان يزوركم». أمَّا مؤذِّن المسجد في مدينة «مادبا»، بالأردن، فقد حدث أن ألمَّ به، مرَّة، في شهر رمضان، مرض حال دون أن يُؤذِّن للمغرب، معْلماً المسلمين بموعد الإفطار، فلاحظ هذا الأمر القائم على الكنيسة المجاورة، فقام مقامه بقرع أجراس الكنيسة إيذاناً بأن موعد الإفطار قد حان!
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.