قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



استعصاء التفكير العسكري الثنائي
نشر في الراكوبة يوم 01 - 10 - 2021

يمكن اعتبار المحاولة الانقلابية الأخيرة وما تلاها من تصريحات دعاية مجانية للجانب المدني في النظام الانتقالي ، فبلادة قادة اللجنة الأمنية لا تداويها دروس الواقع ولا الاختلاط والممارسة السياسية. لقد عملت التصريحات العسكرية كعامل وحدة ثورية على طول خط الثورة والانتقال ، ابتداء من تصريحات حميدتي الرمضانية عام 2019، إلى بيان الانقلاب بُعيد عار القيادة العامة، إلى ردود الفعل غير المدروسة على كل مطالبة مدنية للجانب العسكري بإنجاز ما يليه. متى سيفهم القادة العسكريون أن نقدهم للمدنيين هو "مذمة من ناقص" وتعني كمال المدنيين عند الشعب السوداني؟ المرجح أن كلمة الشعب لا تعني شيئًا لهؤلاء القادة وأن كل هدفهم هو صناعة رأي عام عسكري . أظهرت التصريحات العسكرية مجدداً أن الجانب المدني ليس مجرد واجهة للإدارة العسكرية ، أو مستلم أو متآمر لصالح إلتفاف اللجنة الأمنية على الثورة. مرّة أخرى ظهر جلياً أن الجانب المدني مثابر من أجل الإنجاز الكامل للإصلاحات الأمنية والعسكرية ، ولكن بطريقته. وهنا يجب على أبواق التخوين ودعاية "شراكة الدم" أن ينتبهوا إلى الطعنات التي يسددونها إلى ظهر الجانب المدني إن كانوا وطنيين حقيقيين . فعلى عكس القادة العسكريين الممسكين ب"بلوفة" كل شئ من أمن الفلول إلى سوق الفلول إلى إعلام الفلول ونظارهم القبليين ، لا يحتكم الجانب المدني إلا على السند الشعبي والدعم الغربي الفاتر . لذلك فإن طعنات التخوين هي طعنات للعملية الانتقالية برمتها.
رغم عدم اخفاء القادة العسكريين لنواياهم الغادرة ، ورغم أن الذاكرة الحية تضج بافتقارهم لأي سقف أخلاقي أدنى ، لا نستطيع إعفاء أنفسنا من بذل الحرص الواجب والعناية المستحقة لحلحلة مشاكل الانتقال بغير انفعال يمسح كل ما على الطاولة. أحاول هنا النظر إلى المشكلة ابتداء بالتكهن بخصائص المجتمع العسكري في ظرفنا السوداني الراهن عل هذه النظرة تسهم في فهم الخصائص الثقافية للمجتمع المهني العسكري بما يوفر للعسكريين قدرة أكبر على تنقية الشوائب الضارة في هذه الثقافة، ويوفر للمدنيين تفهماً أكبر للمخاوف والدوافع العسكرية. هذا الجهد يتصدر للمشكلة من باب إعادة الانتباه إلى فجوة في تناول الشأن العام أملاً في جذب المزيد من الاهتمام الأكثر تخصصاً.
تحدث عالم السياسة الأمريكي رونالد إنقلهارت عن أن حركة المجتمعات تتجه من قيم "البقاء" إلى قيم "التعبير عن الذات"، حيث أن المجتمعات التي ما زالت قريبة من مهددات البقاء تكون أكثر ميلاً نحو القيم المادية التي تهدف إلى الحفاظ على الأسباب المادية لبقاء المجتمع وتنحو للانتماء للجماعة والفخر بها والدفاع عنها، في حين أن تلاشي مخاطر البقاء أو قلة حدتها يفتح المجال لقيم توسِّع دوائر الانتماء وتخلق المزيد من الثقة بين مكونات المجتمع. سودانياً، تحدث النور حمد عن أفكار مشابهة ولكن أرى أنه قام بجمع قيم البقاء المتطرفة تحت مسمى "العقل الرعوي" وأرجع إليه ما يعتري واقعنا السياسي من تشوهات.
إذا حاولنا تطبيق نظرة إنقلهارت على مجتمع رعوي ، نجد أنها تنجح في تفسير الكثير ، حيث أن منظومة القيم السائدة فيه يمكن ربطها بمتطلبات بقائه في سياقه التاريخي الخالي من السلطة المركزية والعقد الاجتماعي الممتد جغرافياً وإثنياً . حاجة القبيلة للحفاظ على بقائها تحتم عليها أن ترتب نفسها في شكل شبه عسكري، وأن تحسم موضوع القيادة فيها ولا تجعله عرضة للخلافات ، وأن تضمن الطاعة العمياء من أبنائها ، وأن تحافظ على نموها السكاني كعامل قوة عسكرية ، إلى آخره . تتجلى هذه الضرورات في صورة قيم مجتمعية تعلى من الطاعة وحماية القبيلة والفتك بالأعداء في سبيلها وتستهجن التفكير النقدي والاستقلالية الفردية ، هذه القيم تآخي بين أبناء القبيلة ولكنها تسلب الغرباء إنسانيتهم، تُربّي القبيلة النظرة الثناية للعالم: نحن وهم، نحن لدينا كل الحق وهم الأعداء المستحقون للصلب والتمثيل . تؤثر هذه القيم كذلك في صورة القائد المثالي ليصبح هو جاز الرؤوس الحازم الباطش وليس الحكيم الإنساني المشاور. بالتأكيد هذا مثال متطرف لمجتمع رعوي بدائي الغرض منه تقديم صورة واضحة لارتباط القيم بضرورات البقاء.
بالإضافة إلى أن المجتمع هو رافد المؤسسة العسكرية بموضعه هنا أو هناك على الطريق المتجه من قيم البقاء إلى قيم التعبير عن الذات، فإن الدور الوظيفي الفريد للمؤسسات العسكرية يجعلها في حاجة إلى منظومة قيم شبيهة بما لدى المجتمع القبلي المهدد، لأن الفعالية في تأدية هذا الدور تعتمد على الانصياع الأعمى ، وتنفيذ الأوامر بدون التساؤل عن أخلاقيتها. أو أن تحمل المسؤولية الأخلاقية للأوامر يتم حصره في القيادة ويربى الممسكون بالزناد على حجب التفكير النقدي الأخلاقي . ولكن هذا الحجب التربوي لا بد أن ينهار عند اقتراف فظائع كبرى ، أو عند وجود تحفيز تضامني مع الضحية ، لذلك تلجأ الأنظمة الباطشة إلى استدعاء التعبئة الثنائية مرّة أخرى لتدعيم حائط الحجب ، ثنائية تحاول إقناع العسكري نفسه بأنه ضحية محتملة في حال تردده في البطش ، أو أن الضحية سوف تكون هي القيم السامية للمجتمع. وليكون حائط الحجب مستقراً فلا بد أيضاً من تهوين المآسي الإنسانية ، لأن الحرب هي المأساة الإنسانية الكبرى ولكنها في نفس الوقت هي محور الحياة المهنية العسكرية، لتصبح المآسي عبارة عن "خسائر" لا بد منها من أجل قضية الوطن السامية ، وهذا المفهوم العسكري ضرورة وطنية يمكن توظيفها لأغراض استبدادية ، تماماً مثل العتاد العسكري.
وكما تتعامل الجماعة العسكرية مع العنف الجماعي مثلها مثل القبيلة المهددة ، تنشأ قيم التضامن والثقة بين أفرادها وتتحول العلاقة المهنية إلى ما يشبه القسم الجماعي بالحماية المتبادلة والفداء ، يتم استغلال هذا الجو لتدعيم قيمة الطاعة مرّة أخرى عن طريق الخوف من العار وسط الأقران القبيلة. تغلي كل هذه العوامل على مرجل الزمن ليتحول الانتماء المهني إلى عاطفة وإيمان ينتهي لأن تتحول المؤسسة العسكرية طرفاً مستقلاً في المعادلة الثنائية، لتصبح هي مقابل كل ما سواها. نرى أعراض هذا الداء عند كل منعطف ، مثل انتفاضة حامية للجيش لمجرد جلد الأمن لأحد ضباطها في زيه المدني ، وذلك بالرغم من السكوت على سيل الدماء البريئة ، وفي استهجان القادة العسكريين لسلطة المدنيين وعدم السماح باستعادة الوضع الطبيعي بالسيطرة على الأجهزة العسكرية ، وفي البرود الظاهر حتى من أجهزة كنا نحسبها مدنية مثل الشرطة تجاه عملية الانتقال. لا أحاول نفي الدور السياسي للنظام البائد في تشويه الثقافة الأمنية والعسكرية عن طريق التغطية عليه بالعوامل الثقافية ، ولكن الرؤية المتفحصة تقتضي التقصي عن البنى الاجتماعية المساعدة فيما وراء السياسة.
تأثير النظام السابق على الثقافة العسكرية لا يحتاج إلى تفصيل ، فسياسة التمكين التي انتهجها معروفة ، وتركيزه على المؤسسات المؤمنة لحكمه والتي توفر له القدرة على البطش والقمع بديهي ، وربطه المؤسسات العسكرية بشبكة الولاء الكليبتوقراطي ظاهر. كذلك فقد عمل النظام السابق على تضخيم قيم الفخر والتحيز المهني بين منسوبي الأجهزة الأمنية والعسكرية كخط دفاع جديد في مواجهة النضال في سبيل الديموقراطية. يمكن القول بأن النظام البائد قد حاول صياغة معادلة لبقائه: الرعاية والتنزيه والتفوق – تغذية الأنا العسكرية ، مقابل احتقارها للمجتمع المدني ووقوفها في وجه أي تطور سياسي.
القوّة أيضاً عامل لا يجب إهماله عند البحث في منظومة القيم العسكرية. ففي غابة البقاء يكون الحق هو القوة والقوة هي الحقيقة الوحيدة. وبغض النظر عن كون العسكريين جزء من غمار الشعب أتوا منه ويمكن تسريحهم ليعودوا إليه في أية لحظة تستحث قيمة احترام القوة الشعور بأن المؤسسة العسكرية يجب أن يكون لها احترام خاص فوق الجميع ، ليس الاحترام الحميد النابع من الدور الوطني فقط ، بل هو احترام يتضخم إلى شعور التفوق المطلق ، فيجعلها دائرة شرف مغلقة لا ينبغي للرعاع خارجها التنظير في شؤونها ، ولا ينبغي منازعتها عروة قميص الوصاية على الشعب.
ليس من الجيد إقحام التنظير النفسي في المسائل السياسية لأن في ذلك شخصنة للأمور ، ولكن الموضوع الحرج يحتم ذلك ، وما دام الحديث عن القيم التي تنبتها القوة العسكرية الكاسحة في المكونات المجتمعية وفي النفوس ، يجب الانتباه إلى شر القوة الجاهلة غير المراقبة. ليس من الصدفة أن نسمع قصصاً مقززة عن من يقول "الله فوق وفلان تحت" أو عن من يلقب ب "رب الفور". لقد عبثت البشاعات التي مارسها النظام البائد ببعض شخصيات القيادات العسكرية بتضخيم الأنا وسمحت لهم بالتحكم في أرواح الآلاف بدون رقابة أو مساءلة. واليوم، أصبح من المتوقع أن يعتقد بعضهم بالحق في السلطة ولا يتورع عن أخذ أكثر الوسائل وضاعة إليها. لذلك فإن تكرار الغبائن لم يدع لنا فرصة في إحسان الظن بالقيادة العسكرية الحالية ، التي لم تعد مجرد قوة معاكسة تبطئ من التقدم، بل أصبح إصرارها على الانقلاب على التحول المهدد الأكبر للبلاد.
توازن القوى الداخلي
التحليل الاجتماعي السابق ينتج ثلاثة تيارات عريضة من منتسبي الجيش: تيار وطني واع ، تيار الحَمِيّة العسكرية ، وتيار التمكين الأيدولوجي .
التيار الوطني الواعي: هم الذين يقفون في صف الانتقال وهم مدركون للتحديات التي صنعها النظام السابق داخل القوات العسكرية وضرورة التعامل مهعا بتوافق مع القيادة المدنية ، وهم كذلك مدركون لأهمية الحفاظ على الانضباط العسكري والالتزام بسلسلة القيادة. إنهم يعرفون أن القيمة الحقيقية للمؤسسة العسكرية تكمن في تعبيرها عن شعبها ورضوخها لسلطته وعدم كونها حجر عثرة في طريق تطلعاته ، وهم يملكون من الوعي ما يحصنهم من الاستجابة لضغوط البيئة المهنية أو التشكل على هوى الأنظمة الاستبدادية. هذا التيار هو ما يعول عليه لإنجاز الإصلاحات المرجوة ، ونأمل أنه يمثل أغلبية منتسبي المؤسسة العسكرية.
تيار الحميّة العسكرية: هو تيار وطني أيضاً ولكن لم يسعفه وعيه الاجتماعي والسياسي لإدراك المشكلة العسكرية وأسباب الهياكل المؤسسية لأنظمة الحكم الحديثة التي تجعل الأجهزة العسكرية خاضعة تماماً للقيادة المدنية ، فهو خاضع بشكل أو بآخر للقيم العسكرية المتطرفة التي ناقشناها، وهو يستجيب للشحن العاطفي ويرى في تدخل المدنيين في الشأن العسكري عاراً على المؤسسة دونه خرط القتاد. يتم استغلال هذا التيار بواسطة تيار التمكين الأيديولوجي.
أما تيار التمكين الأيدولوجي- الكليبتوقراطي فهو معروف ، ويقوم بزيادة حصته من خلال التلاعب بالرأي داخل المؤسسة العسكرية باستخدام مشاعر الغيرة والنظرة الثنائية التي ناقشناها سابقاً. يسعى هذا التيار للحفاظ على الوضع الحالي دون إصلاحات، ويقوم بتجييش المشاعر العسكرية بابتزاز غيرة الزملاء على المؤسسة وبكافة الأساليب المتاحة من تخوين للمدنيين واتهامهم بالعمالة وتحقير السياسيين بمسميات مثل "ناشطين" وذلك في استدعاء لمركب التفوق العسكري الناتج من البيئة المهنية والسياسية ، والذي يحاول بمكر تسييل سمو وتفرد الدور العسكري الوطني في بنك السياسة. هذا التيار لا تهمه المؤسسة البتة ويمكن أن يبيعها في أقرب مفترق طرق من أجل المصلحة الأيديولوجية كما فعل سابقاً بالتلاعب بمهنيتها وتعلية الميليشات عليها، ولكنه الآن يتمسك بوضعها القائم ويزايد على الولاء لها للحفاظ على ملاذه الآمن الأخير.
إذن فالواضح أن تيار الحمية العسكرية هو من نحتاج إلى مخاطبته لأن موقفه سيزيد من ترجيح كفة الإصلاحات ، وبالطبع فإننا لا نقصد أن هذه تيارات منظمة أو أن هناك حدود واضحة بينها ولكنها محاولة لتصنيف عريض لأنماط التفكير الموجودة داخل المؤسسة العسكرية ونظرتها إلى موقعها من الدولة والمجتمع والواقع السياسي. الواضح أنه ما من سبيل لمخاطبة هذا التيار سوى ضبط الخطاب الثوري واحترام المؤسسة العسكرية وشحذ خطاب الإصلاح بما يستصحب المصالح والتخوفات المشروعة للعسكريين. وهنا لا بد أن نشيد بخطاب رئيس الوزراء الذي وضع التعريف الأدق للمشكلة بين المؤيدين للتحول الديموقراطي والمتآمرين عليه ، في نفي للثنائية العسكرية- المدنية المقيتة، التي وللأسف- أصابت الكثير من المدنيين أيضاً.
بناء على ما سبق ، أحاول استنباط منهج عملي للتعامل مع الإشكال العسكري القائم، هذا المنهج يهدف إلى الوصول إلى نقطة البداية وهي القبول بالمبدأ والشروع في التنفيذ من دون التعرض إلى ما بعد هذه المرحلة. خطة الإصلاح ومنهجه شأن آخر.
احترام المؤسسة قيمة أساسية يجب أن لا يتم انتهاكها .
يجب على الجميع التحلي بالحذر والحساسية اللازمين لإدارة هذه العلاقة الحرجة ، فالمدنيون مطالبون بفهم الميزات الاجتماعية المرتبطة بطبيعة المهمة الفدائية السامية للمؤسسات العسكرية والفصل ما بين القيادات العسكرية التي تحاول لعب دور سياسي وما بين المؤسسة العسكرية موضع الغيرة الشديدة لمنسوبيها ولكل الوطنيين . وبالرغم من أن هذا مما يفهم بالضرورة ، إلا أن الدقة في توجيه النقد هي الوسيلة الوحيدة لمنع استغلال خطاب الإصلاح في زيادة الاستقطاب العسكري- المدني .
المجهود الشعبي ضروري للتعامل مع الممانعة العسكرية الداخلية .
أسلفنا أن الثقافة العسكرية السائدة تتيح إمكانية الاستغلال السياسي لها من قبل القادة العسكريين لتعظيم الممانعة الداخلية للإصلاحات العسكرية بقيادة مدنية. تتعدد الخطابات المواربة بدءاً من الاستعطاف بالكبرياء العسكري إلى توجيه أصابع الاتهام إلى السياسيين المدنيين والتشكيك في نواياهم تجاه المؤسسة العسكرية. يحتم هذا الوضع استدعاء مجهود شعبي وطني ملهم يقوم بمعادلة كفة الكبرياء المهني المصطنع بالمشاعر الوطنية ، ويسند ظهر الوطنيين داخل المؤسسة العسكرية ويفتح لهم المجال لقيادة رأي عام عسكري مساند للإصلاحات.
الأجهزة الشرطية والأمنية تمثل نسخة مخففة من الأجهزة العسكرية .
الشرطة جهاز مدني يختلف جوهرياً عن الجيش في غرضه الأساسي حيث أنه جزء من المجتمع المدني تتوارى فيه قيم الفداء تحت البيروقراطية اليومية. لذلك فمن الواضح أن القيم العسكرية فيه تكون أقل حدة بكثير مما هي عليه في الأجهزة العسكرية مما يجعل مقاومة الإصلاحات في حدودها الدنيا. ومع الأخذ في الاعتبار وجه الشبه مع الجو المهني العسكري من حيث الهياكل والطاعة والحاجة إلى استخدام القوة والعنف ولو على نطاق أضيق ، نجد أن جهاز الشرطة يمثل حالة "عسكرية" أقل استعصاءا بكثير من الجيش، لذلك فهي تصلح كمشروع رائد في برنامج الإصلاح الأمني- العسكري ، يتم من خلاله بناء الثقة في قيادة المدنيين وقدرتهم على تأهيل الأجهزة ذات هذا الطابع العسكري واستعادة علاقتها مع الشعب.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.