حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة في ورقة الدكتور الواثق كمير .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
نشر في سودانيل يوم 25 - 09 - 2014

إن واحدة من إشكاليات ضعف الثقافة الديمقراطية في أي مجتمع، أنها تؤثر سلبيا علي مساحات الحرية المتوفرة، و يصبح حرية تناول الموضوعات، تواجه بقمع معنوي كبير، ليس من قبل السلطة الحاكمة، و التي تصفها المعارضة بالديكتاتورية، أنما أيضا من المعارضة نفسها التي تمارس ذات الفعل، مستخدمة الإيديولوجية كأداة للحد من أي نقد يوجه لها، رغم رفعها لشعارات الحرية، و هي في سلوكها و ثقافتها أبعد من ذلك بكثير، فمعارضة السلطة و نقدها أصبحت هي حق طبيعي، و لكن نقد المعارضة من المحرمات، و التي بدأت تخلق حالة من القدسية تجاه قيادات تناقض مواقفها و سلوكها الشعارات التي ترفعها. في هذه البحر المتلاطمة أمواجه، يحاول الدكتور الواثق أن يسبح، و هو يعلم إن الرؤى المطروحة في الساحة هي رؤى متنافرة، صعب أن تجد لها أرضية للتقارب بينها، و لكنه أبت عليه نفسه، أن يكون بعيدا، دون أن يقدم رؤيته التحليلية الفكرية، مصحوبة بمبادرة تكمن داخل أطروحته السياسية، و شكرا للدكتور إن أرسل إلي الورقة للرأي قبل النشر و هذا يؤكد إن قضية الحوار و الرأي الأخر تمثل ركن أساسيا في فكر الدكتور الواثق.
أراد الدكتور الواثق من خلال ورقته، أن يؤكد إن ما ذهب إليه الدكتور أدور سعيد في رؤيته عن علاقة المثقف بالسلطة، فيه شيئا من الخلل في بعض جوانبه، إذا جاء القياس علي الساحة السياسية السودانية، حيث يقول الدكتور سعيد ( يلوح لي خطر اختفاء صورة المثقف و احتجاب مكانته في خضم بعض من التفصيلات، أي النظر إلي المثقف، باعتباره أحد المهنيين و حسب، أو مجرد رقم نحسبه في حساب التيارات الاجتماعية) أي المثقف بمفهوم العامة، و هو الذي يختلف عن المثقف العضوي عن أنطونيو غرامشي، المثقف المرتبط بمشروع ثقافي سياسي، يعمل من أجل الإصلاح و التغيير، و الدكتور الواثق بورقته، يؤكد إن مشروع الإصلاح و التغيير، يتطلب ثقافة عالية بمعرفة اتجاهات المجتمع، و قدرة عالية من الحنكة و المعرفة بالتيارات السياسية، و تحليل للواقع تحليلا موضوعيا، بعيدا عن الأيديولوجية، يعتمد علي الحقائق علي الأرض.
في هذا المبحث أحاول أن القي الضوء علي بعض النقاط، و التي اعتقد إنها تحتاج إلي إضاءة، بهدف فتح نوافذ للحوار الجاد، كاسرا لأية رهبة و قدسية، يمكن أن تمارسها أية جهة كانت، و لا أريد لهذه القراءة لورقة الدكتور الواثق كمير، إن تنتج نصا ثانيا، كما يؤكد أهل الفلسفة و نقاد الأدب، إن القراءة النقدية لأية نص أدبي و سياسي هي محاولة لإنتاج نص ثاني، من خلال عملية الحفر عليه، بل أكتف بقول الدكتور علي حرب التي يقول فيها ( إن مهمة المفسر هي كشف عن مقاصد المؤلف بإيضاح المعني المنصوص عليه أو استخراجه بواسطة تقنيات التأويل التي تتيح صرف العبارات إلي دلالاتها الحقيقية) و هذا لا يعني ليس هناك اختلافا في الرؤى، و لكنه اختلاف في الدرجة و ليس في النوع، و الخلاف نفسه يقدم مشروعية القراءة، لآن التطابق في المواقف تفقد القراءة تأثيرها المعرفي.
إن الدكتور الواثق كمير، هو واحد من المثقفين السودانيين، الذين يثيرون الكثير من الأسئلة الصعبة، بهدف تحريك الساكن، و المواقف الجامدة، و الانتقال من الحالة السالبة إلي الإيجابية، من خلال نقد الذات، و تغيير الأفكار إذا عجزت عن أداء دورها في عملية التغيير، حتى لا يصاب المثقف بحالة من الجمود الفكري، لا تجعله يفهم الواقع و تناقضاته و التحولات التي تجري فيه، إن الدكتور الواثق كان قد طرح من قبل ورقة عام 2013 بعنوان " الكرة في ملعب الرئيس: تفكك الدولة السودانية السيناريو الأكثر ترجيحا" و كنت قد قدمت لها قراءة في جريدة الأحداث ذلك الوقت. و لم تجد الورقة حظها في الحوار السياسي علي المستويين " الحكومة و المعارضة" و لا اعتقد إن المسألة تمت بسبب التجاهل للورقة، و لكن لعدم استيعاب و إدراك للواقع و قراءته الصحيح، حتى تفاقمت القضية و تعمقت الأزمة أكثر مما كانت عليه، و رجعت الكرة مرة أخري لملعب الرئيس الذي فجر قضية الحوار الوطني في يناير الماضي، و إن كان خطي الحوار متعثرة لأسباب تعود لإنعدام الثقة بين مكونات المجتمع السوداني، الحكومة و القوي السياسية المعارضة من جهة، و أيضا وسط الأخيرة من جانب أخر. في هذا اللغط حول الحوار، و الاتفاقات التي توقع هنا و هناك، تجئ ورقة الدكتور الواثق كمير بعنوان " إلي قوي التغيير: هل نعيد اختراع العجلة؟" و العنوان في ذاته يحمل معني بلاغي باعتبار المخترع لا يعاد اختراعه، إلا في حالة السلبية و إعادة ممارسة السالب دون بصيرة. و تحتوي الورقة علي سبعة بنود " وحدة المعارضة و إسقاط النظام، إصلاح حالة الأحزاب التحدي الرئيس، المقاومة المسلحة الجدوى و المآلات، الانتفاضة هل تفضي للتغيير المنشود، كيف يتم انتقال السلطة سلميا، الدولة العلمانية في مقابلة الدولة الدينية أم دولة المواطنة، و أخيرا الحوار الوطني هل من مخرج أمن أخر" إضافة للمقدمة و الخاتمة. و يقول الدكتور الواثق عن ورقته " إنها تهدف أساسا لتقعيد الحوار و استثارة الأسئلة حول قضية التغيير، و آلياته و مآلاته، و استحقاقاته، حتى لتوافق حول مشروع وطني يخرج بلادنا من أزمتها الوطنية المحتدمة" إذن قد بين الهدف من الورقة و مقاصدها.
لا أريد أن أناقش الورقة بكل تفاصيلها، أنما أحاول أن أركز علي بعض القضايا فيها، و اعتقد هي الأكثر أهمية، و تبني أطروحتها علي مستقبل السودان، و الورقة تقدم تحليلا موضوعيا هادئا من وجهة نظر مقدمها، تحليل للمعارضة و خياراتها و آلياتها، و لواقعها السياسي و مستقبلها في المسيرة السياسية، و تصورها حول عملية التغيير أو إسقاط النظام، و أيضا يتعرض للسلطة الحاكمة و يتعرض لقضية الحوار الوطني و مستقبل الحوار في السودان، هي قراءة تسبر غور المشكل و تحاول أن تستفز النخبة السياسية، بدلا من أن تقف علي السياج لتراقب أن تنخرط بفكرها و تصوراتها في العملية السياسية لكي تخلق واقعا جديدا في مصطلحاته في مفرداته في آلياته، يفارق ما هو قائم لذلك كانت الأسئلة المطروحة داخل الورقة من الأهمية بمكان.
يقدم الدكتور الواثق ورقته التي تحتوي علي عدد من المحاور، البحث عن مخرج للأزمة السودانية، و يحاول من خلال المنهج الوصفي النقدي، أن يضع القيادات السياسية، و خاصة من جانب المعارضة، في موجهة مع نفسها، و هي تقود المعارضة بعمر النظام، بسؤال تقليدي لماذا لم يسقط النظام؟ و لماذا فشلت في إحداث الثورة و الانتفاضة؟ هذه الأسئلة ضرورية و الإجابة أكثر ضرورة، و ذلك يعود أما أن الخطاب السياسي للمعارضة فيه خلل، و بالتالي لا يجد استجابة من الجماهير، أم إن أدواتها عقيمة و تحتاج لتغيير، أو إن فكرها عتيق و تجاوزته سيرورة الأحداث، و لم يستطيع قراءة الواقع بالصورة الصحيحة, و واحدة من إشكاليات النخبة السياسية في السودان، لا تقدم علي نقد ذاتها، و الملاحظ إن القوي السياسية إن كانت في الحكومة أو المعارضة، هي لا تجري تقيما لخطابها السياسي، و لمسيرتها التاريخية، لذلك ظلت شعاراتها عتيقة بالية، لا تحدث تأثيرا في قطاعات الجماهير الموالية إليها أو النافرة منها، و هذا ما أشار إليها الدكتور الواثق ( إن لم تخاطب الأحزاب مشكلاتها الداخلية و تؤسس كيانات متماسكة تقوم علي العلاقة الشفافة بين القيادة و القواعد فإنها لن تكون مؤهلة حتى لمجرد المساهمة الملموسة في تحقيق هدف إسقاط النظام) و يضيف قائلا ( فالتحدي الحقيقي الذي تواجهه كل الأحزاب و القوي السياسية، هو الخروج من حالة العزلة التي تعيشها حاليا، و تعبئة قدراتها وحشد طاقاتها و تسخير إمكانياتها لبناء هياكلها، و إعداد برامجها و سياساتها) هذه الإشكالية التي تعاني منها الأحزاب لا تؤهلها أن تنجز شعاراتها، و تحقيق أهدافها إذا كان الهدف إسقاط النظام، أو عملية التغيير، ففاقد الشيء لا يعطيه.
يعتقد الدكتور الواثق إن الهدف من إسقاط النظام ينطوي علي مدلولات سالبة. و الهدف الذي يجب أن نضعه نصب أعيننا إن التغيير و التحول السياسي و الاقتصادي الاجتماعي يتجسد في التحول الديمقراطي و السلام العادل نحو بناء دولة المواطنة السودانية الحقة. و يحاول أن يؤكد أن عملية التغيير المبنية علي الحوار لحل المشاكل تمثل الهدف الصائب، و تحديد الهدف هو الذي يحدد طبيعة الوسائل التي يجب أن تكون مستخدمة، فعملية الإسقاط تختلف عن عملية التغيير، و السؤال هل المعارضة بشقيها السلمي " الأحزاب السياسية" و العسكرية " الحركات المسلحة" تمتلك الأدوات الفاعلة لإسقاط النظام، و استنهاض الجماهير و دفعها لعملية النضال، أما إن المعارضة تهدف لعملية التغيير السياسي، و هذه تتطلب أيضا أدوات اجتماعية سياسية فاعلة، و هل تمتلك المعارضة تحريكها؟ هذه أسئلة يجب أن تجيب عليها المعارضة، و هذه الإجابة تتطلب قراءة و تحليلا موضوعيا للواقع، بعيدا عن اليوتوبيا التي تميل إليها بعض القوي السياسية. ثم يتعرض لقضية جوهرية تحاول المعارضة أن تلوح باستخدامها هي الثورة الشعبية و الانتفاضة، و يسأل الدكتور هل المعارضة تملك هذه الخاصية كأدوات يمكن أن تستخدمها في الوقت الذي تريد، و لكنه يجاوب علي السؤال، في إن المعارضة لا تملك هذه الخاصية، لأنها هي سلاح الشعب وحده، و هو الذي يستخدمها عندما يريد التغيير، و مسيرة ربع قرن أكدت إن الأحزاب لا تملك القدرة علي تعبئة الشارع من آجل عصيان مدني، و لا تملك تحريضه للقيام بالثورة. و هنا اتفق مع الدكتور الواثق إن الثورة و الانتفاضة، هي أدوات بيد الشعب، و لا يمكن لآي قوي سياسية أن تنسبها لذاتها، باعتبار إن الأحزاب تعتقد إن الجماهير إحدي أدواتها التي يمكن أن تستخدمها في أية وقت، و هذا التفكير عند قيادات المعارضة، هو الذي سبب حالة الضعف التي تعيش فيها، لأنها تريد أن تنفذ مشروعها بوسائل هي لا تملكها، و لكن يمكن أن تؤثر فيها بقدر موضوعية طرحها السياسي، و هنا مطالبة المعارضة بشقيها أن تعيد تقييم خطابها و شعاراتها وفقا لقوانين الواقع و وفقا أيضا لقدراتها و إمكانياتها.
و يتعرض الدكتور الواثق،لمستقبل الحركة الشعبية و الحركات المسلحة في الورقة، و يتساءل هل تستطيع الحركة الشعبية و الجيش الشعبي أن تتحول إلي حركة سياسية ديمقراطية، منفتحة علي الجمهور المدني؟ و يسأل الحركات المسلحة ( فهل يهدف العمل المسلح علي شكل حرب عصابات، إلي ممارسة ضغوط متواصلة جنبا إلي جنب مع جهود المعارضة السلمية لبقية القوي السياسية السودانية من أجل إسقاط النظام في الخرطوم أو إرغامه علي الاستجابة للتغيير؟) و يعتقد إن التحدي أمام الجبهة الثورية، و كل قوي المعارضة، لا تكمن في مسألة إسقاط النظام، بل في صناعة البديل المقنع و الملهم و القادر علي حشد الشعب السوداني من حوله، و بالتالي تجنب سقوط الدولة السودانية نفسها.إن أية صناعة لبديل مقنع يحتاج لعملية نقدية حقيقية للذات، و للتنظيمات، و معرفة الأسباب التي أدت لعجزها و فشلها في تحقيق أهدافها، و هل القيادات التي في قمة القوي السياسية، و البعض منها مكث فترات أطول من فترة حكم الإنقاذ، لديها الاستعداد المعرفي و التنظيمي و النفسي لكي تنقد ذاتها، فإذا كانت تملك هذه الثقافة الديمقراطية، كانت قد أدت إلي تحول ديمقراطي في مؤسساتها، في تبديل في القيادات، و لكنها عجزت أن تجري مثل هذا التقييم، و كانت تلك القيادات التي صاحبها الفشل قد اتخذت قرار الابتعاد، لكي تفسح المجال لقيادات جديدة، بتصورات جديدة، ببرامج جديدة، في أن تثير من التساؤلات في المجتمع لكي تخلق حوارا سياسيا يؤدي لوعي جماهيري، و لكنها نفسها تخاف من وعي الحركة الجماهير، حتى لا تحاسبها بذات مقالاتها، التي تقدمها، لذلك هي صنعت بعض أدواتها، إن كانت وسائل إعلام أو إيديولوجية لكي تحمي ذاتها من النقد، و عدم التعرض لخطابها السياسي الذي لم يتغير، و ظلت محافظة عليه بهدف الحفاظ علي ذاتها و مواقعها السياسية، و مارست ذات فعل النظام في حجب الأصوات التي لا توافقها الرأي و لا تسمح بالمقالات و الخطابات التي تتعارض مع فكرها، تمارس ذات القوانين تحت شعارات الديمقراطية، لذلك يلفت الدكتور الواثق نظرها لكي تراجع خطابها السياسي و تراجع فكرها، و تقرأ الواقع بزاوية مختلفة.
و السؤال المحوري الذي يطرحه الدكتور الواثق هل قوي الإجماع الوطني، حتى ولو توحدت، مستعدة لمنازلة القوي الأخرى في الانتخابات ما بعد الفترة الانتقالية و إن جاءت مبرأة من كل عيب؟ و هنا يتحدث الدكتور الواثق عن موازين القوي في المجتمع، و إلي أية مدي قوي الإجماع الوطني قادرة علي التحدي، و منازلة الحزب الحاكم، و هي التي عجزت علي تعبئة الشارع ضده، و هل سوف تعيد النظر في خطابها السياسي،و تغيير قيادتها التي أصبحت تشكل عائقا لعملية التحديث و التطوير للمؤسسات الحزبية؟ فهي إشكالية تعد أحد مقعدات العمل السياسي في السودان، فالمعارضة ترفض الغوص في بحر النقد و ترفض اتخاذ القرارات الجريئة التي تؤثر سلبا علي العملية السياسية، و تزحزحها عن مقاعدها التي اتخذتها مقاعد خالدة لا تغادرها إلا و هي محمولة علي الحدباء، و لكنها في ذات الوقت تطالب الحكومة أن تتخذ ذات القرارات، أي تناقض هذا.
و ينتقل الدكتور الواثق لقضية تعد إشكالية في مسيرة العمل السياسي السوداني، و لم تأخذ حقها في الحوار بين القوي السياسية، و هي قضية "الدين و الدولة" و هل القوي السياسية التي ترفع هذا الشعار و تنادي بالدولة الدينية لا تعرف مردود هذا الخطاب، و يقول الدكتور الواثق عن قضية الدولة الدينية ( المغالطة بشأن فكرة أثبتت التجارب عدم جدواها في مجتمعات متعددة الأديان لا تفيد أصحابها، و لن تفيد السودان في شيء. فإن سيطرة الدولة و هيمنة أجهزتها الرسمية علي الدين، اعتقاد أو ممارسة و طقوس أو مؤسسات حسب تجارب السودان لم تفيد الدين في شيء، بل أصبحت وسيلة لتسويغ القهر و الاضطهاد السياسي باسم الدين) إذن قضية " الدين و الدولة تحتاج إلي حوار بين القوي السياسية، لآن قضية العلمانية هي نفسها تشكل حالة استفزازية لذوي المرجعية الدينية، و هي قضية لا تحسم بالقرارات و لا بالقوة أنما بالحوار بين القوي السياسية، للوصول إلي توافق وطني حولها، و كما أشار الدكتور الواثق يجب الاهتداء بتجارب دول أخري مثل " تركيا و ماليزيا و اندونيسيا".
و في خاتمة الورقة، و بعد ما ساق الدكتور الأسباب و العوامل التي يمكن أن تؤدي إلي تفكيك الدولة السودانية، طالب الجميع أن يتجهوا جمعيا نحو الحوار الوطني، الذي يعد السيناريو الأفضل من أجل البقاء علي دولة السودان، و أن تتوافق القوي السياسية في المعارضة، و الحزب الحاكم عبر الحوار، للخروج بتوافق وطني لا يعرض البلاد للتمزق، و قال الدكتور( أن الحوار الوطني الذي يفضي إلي التحول الديمقراطي الحقيقي، و السلام المستدام، ليس بهدف سهل التحقيق يمضي دون تكلفة أو صراع، طالما ظل الحزب الحاكم يرغب في تجييره لصالح استمرار هيمنته علي الدولة في ظل ما يواجهه الحزب من تحديات داخلية و خارجية) و الحزب الحاكم إذا أراد من الحوار عملية تكتيكية فقط، بهدف خروجه من عزلته الداخلية و الخارجية، يكون قد سار في الطريق الخطأ، و الحوار الوطني ليس عملية سياحة، و هناك من يحاول أن يعطي إيحاء إن الحوار الوطني يهدف إلي إعادة إنتاج النظام مرة أخري، و هؤلاء يريدون من النظام أن يقوم بتفكيك نفسه، و تكوين حكومة قومية يشاركون فيها دون أي استحقاقات ديمقراطية، و بقدر ما يكون النضال من أجل التحول الديمقراطي، يجب أن يكون النضال من أجل أن تتحول المؤسسات الحزبية إلي ركائز أساسية للعملية الديمقراطية، و أن تكون معامل لإنتاج الديمقراطية، تحتاج لتغيير ضروري لكي تتلاءم مع النظام الديمقراطي القادم.
تحتاج ورقة الدكتور الواثق كمير إلي حوار فكري سياسي بين النخب السودانية، إن كانت في الحكومة أو في المعارضة، و رغم إن الورقة ركزت تركيزا كبيرا علي الخطاب السياسي للمعارضة، و تعرضت لتصورها في عملية التغيير و شعار إسقاط النظام الذي ترفعه، و تناقش الورقة: هل المعارضة تملك الوسائل و الآليات التي تحقق هذا الهدف؟ و يشار إليه في الورقة بأنهاعملية هدم، ويعتقد الدكتور إن تبني القوي السياسية تصوراتها علي عملية التعمير، حتى تحافظ علي وحدة السودان، و تمنع أية محاولة لتمزيق البلاد، لذلك يراهن علي عملية الحوار الوطني، علي أن تقدم القوي السياسية علي الحوار بذهن و قلب مفتوح، بهدف التحول من دولة الحزب إلي دولة التعددية الديمقراطية، و يراهن علي الدولة المدنية.
و إن مبادرة الدكتور في تحليله السياسي، يمثل رؤية لمثقف طليعي، لا يقف بعيدا خلف السياج، لكي يراقب صراعات مجتمعه، أنما يحاول إن يقدم رؤية فكرية تحليلية منتجة، و في الورقة لا يحاول الكاتب أن يقف إلي جانب احد المحاور، هذا البعد من المحورين جعل ورقته موضوعية، و هي مهمة المثقف المنحاز لمجتمعه، في أن يقدم فكرا جديدا، و يحاول إن يغير في النماذج الفكرية القديمة التي سادت، و أدت لتعميق الأزمة، إلي تصورات جديدة، يحرك بها الراكد، و ختاما هي قراءة من أجل فتح باب للحوار بين النخب بعيدا عن أية تخوين أو رمي الناس بالباطل، و ليس الأفكار فقط ما تنتجها الحكومة أو المعارضة، بل علي النخب أن تقدم تصوراتها وأرائها و مبادراتها لأن الهدف هو إنقاذ الوطن و المواطن، و للدكتور الشكر و التقدير. و الله الموفق.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.