وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    عبد الله يونس.. الصورة الناطقة..!!    الأهلي الأبيض يبدع ويمتع ويكسب الهلال بثلاثية    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثقوب في وثيقة الدستور الانتقالي لسنة 2022 (2)
اتسمت بالركاكة اللُّغوية والتباس بعض المفاهيم
نشر في الراكوبة يوم 29 - 09 - 2022

أشرتُ في الجزء الأول إلى أن مشروع الدستور الانتقالي المعد بواسطة نقابة المحامين أغفل كثيراً من القضايا الجوهرية، وتفادى الغوص في لجج المسكوت عنه، وهو ما يفرقنا كسودانيين. يجب مخاطبة هذه القضايا التي سكتت عنها عبر صيغٍ تحقق التوافق خلال فترة الانتقال، وكان أبرز ما سكتت عنه الوثيقة: مصادر التشريع، اللغة الرسمية، إعادة هيكلة القوات النظامية، تحديد الحكم الفيدرالي أو الذاتي. وبدت الوثيقة أشبه بعطايا من المركز إلى أطراف السودان حتى تستمر سطوة الدولة المركزية، وإن تم إلباسها ثياباً جديدة، وإن تغيرت المسميات.
توقيع الوثيقة الدستورية والسياسية
لنجاح الحكم الذاتي، يجب تقليص صلاحيات السلطة المركزية وحصرها في السيادة والدفاع والعلاقات الخارجية، وتشكيل حكومةٍ صغيرة رشيقة مع توزيع الصلاحيات إلى الأقاليم، بما في ذلك حق إنشاء الشرطة الإقليمية لتنفيذ القانون وحماية المواطن في كل إقليم، والتنسيق مع قيادة الشرطة الاتحادية في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
سوف أواصل في عملية النقد والقراءة للدستور الانتقالي لسنة 2022 الذي أعدته لجنة تسيير نقابة المحامين من حيث المضمون والشكل، مع التأكيد على شكر اللجنة على مجهودها، وضرورة التعامل معه كمبادرة تمثل جهة أرادت رمي حجر في بركة سياسية ساكنة.
في هذا الجزء من المقالة، سيكون التركيز على المسائل الفنية والإجرائية، مع أن الفصل بينها في الغالب يكون فصلاً للتعريف مع تداخل الفني فيما يتعلق بالصياغة وربطها بالأفكار.
اتسمت صياغة الدستور الانتقال بالركاكة والالتباس في عدة مواضع، مثلما اتسمت الوثيقة في مواضع أخرى بالحشو والزوائد، وضياع كثير من المفاهيم وسط هذه الركاكة.
ملاحظات فنية ولغوية
يبتدر مشرعو أي وثيقة/اتفاق/إعلان سياسي؛ بكتابة (ديباجة) تلخص الأفكار في مقدمة قصيرة، وحسب ما جاء في معجم المعاني الجامع أن دِّيباجَةُ في القانون الدولي أو ديباجةُ المعاهدة: "مقدّمةٌ تتضمَّن ذكر الدَّواعي والأَغراض التي دعت إلى عقدها".
جاءت الديباجة في مشروع وثيقة الدستور الانتقالي طويلةً ومكررة وملتبسة منذ أسطرها الخمس الأولى: "إيماناً منّا بثورةِ ديسمبر 2018م المجيدة، وانطلاقاً من مَبَادِئِها فِي الحُريةِ والسلامِ والعدالة؛ ووفاءً لدماءِ شهدائِنا الكرام، وتقديراً لمعاناة الجرحى والمفقودين وأسرهم؛ وَاسْتناداً لدستورِ 1956م المؤسسِ للدولةِ السودانيةِ، ودستورِ 1985، الحاكمِ قبل انقلاب 30 يونيو 1989م؛ وَاعتباراً بدروسِ الحركةِ الوطنيةِ ونضالاتِ الشعبِ السودانيِّ في ثورَتَيْ أكتوبر 1964 وأبريل 1985م؛ واستفادةً منْ تجربةِ الفترةِ الانتقاليةِ التي أعقبَتْ سقوطَ نظامِ الثلاثينَ من يُونيو 1989م وإلى وقتِ إجهاضِهَا في 25 أكتوبر 2021م؛ وَإصراراً على إِسْقاطِ انقلابِ 25 أكتوبر 2021 ونتائجِهِ، والقضاءِ نِهَائياً عَلى الانقلاباتِ العسكريةِ، وعُنْفِ الدولةِ؛ والاسْتبدادِ والطغيانِ، وحُكْمِ الفَرْدِ، الذي عَطَّلَ مَسِيرَةَ المشروعِ الوطنيِّ والبِناءِ والتطورِ والتنميةِ المتوازنةِ". يمكن ملاحظة التكرار الممل، لعبارات مثل انقلاب 25 أكتوبر 2021 ويونيو 1989، حيث تكررت بتواريخها خمس مرات عبر خمسة أسطر، وكان يمكن تلخيص كل هذا (الحشو) في العبارات التالية: "إيماناً منا بقيم وشعارات ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة، ووفاءً لدماء الشهداء، وتقديراً لتضحيات الجرحى والمفقودين وأسرهم/ن، واستناداً على دستور 1956 المعدل سنة 1985، واستلهاماً لنضالات وتجارب الحركة الديموقراطية وجماهير شعبنا في ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، وإصراراً على إسقاط انقلاب 25 أكتوبر 2021 وإغلاق الطرق أمام المغامرين والطغاة والشموليين".
جاء في الباب الأول – طبيعة الدولة (1) جمهورية السودان دولة ديمقراطية فيدرالية، تتعدد وتتعايش فيها الثقافات والإثنيات واللغات والمذاهب والأديان؛ نظام الحكم فيها نظام برلماني، وتقوم الحقوق والواجبات فيها على أساس المواطنة دون تمييز بسبب الإثنية، أو الدين، أو الثقافة، أو اللون، أو اللغة، أو النوع، أو الوضع الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الإعاقة، أو الانتماء الجهوي، أو بسبب أي تمييز أياً كان.
بعيداً عن الحشو اللُّغوي والزوائد والتكرار، ثمة خطأ مفاهيمي ورد في هذا النص، فالفيدرالية هي شكل حكم ونظام إداري يمكن تطبيقه في أي نظام ديموقراطي أو دكتاتوري؛ إلا إذا ما ارتبطت الفيدرالية بالحكم الذاتي الموسع. هنا تحتاج إلى نظام ديموقراطي حقيقي يؤمن بتوزيع السلطات والمؤسسية، وبسط قيم العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، كان يمكن اختصار كل الفقرة المرتبطة بطبيعة الدولة في عبارة ملخصها: "السودان دولة مدنية ديموقراطية تتعدد فيها الثقافات والأديان واللغات والأعراق، شكل الحكم فيها فيدرالي، تتأسس فيه الحقوق على المواطنة، ورفض كل أشكال التمييز العنصري أو الاجتماعي، أو النوعي، أو الثقافي أو المكاني، أو الديني، أو الإعاقة".
ثمة التباس آخر، وفي ذات السياق، ويتمثل في ذكر (نظام الحكم فيها نظام برلماني)، مع العلم أن النظام البرلماني ليس نظام حكم لكنه نظام انتخابي، مثل أن نقول: "نظام انتخابي رئاسي، أو برلماني، أو نظام مختلط. تحدد قوانين الانتخابات (إجرائياً) كيف يتم اختيار الرئيس/رئيس الوزراء؟ وورد في البند (3) الدولة السودانية دولة مدنية، تقف على مسافة واحدة من كل الأديان وكريم المعتقدات". هنا يبدو النص محايداً، وكان الأفضل الإشارة الى دور إيجابي يؤكد احترام الأديان وكريم المعتقدات بدلاً عن النظر من علٍ، لا سيما في بلد تشغل فيه الأديان والمعتقدات مساحات كبيرة، كان الأفضل القول: "السودان بلد متعدد الأديان والمعتقدات، وتؤسس فيه الحقوق والواجبات على المواطنة، وتحمي الدولة وفق القوانين حرية العقيدة، وتحترم خيارات المواطنين وحقوقهم/ن الكاملة في ممارسة شعائرهم/ن وبناء مؤسساتهم/ن الدينية".
ورد في الفصل الثالث من الباب الثاني المتعلق بالحقوق الأساسية، الحق في الجنسية:
(1) لكل مولود من أم أو أب سوداني حق لا ينتقص في التمتع بالجنسية السودانية.
(2) يجوز لأي سوداني أن يكتسب جنسية بلد آخر حسبما ينظمه القانون.
(3) تراجع الدولة عمليات التجنيس التي جرت منذ 30 يونيو 1989م وحتى تاريخ هذا الدستور.
يبدو البند الثالث الوارد هنا؛ أشبه بقرار سياسي أو حتى سيادي، لا يوفر الدستور مساحات لاتخاذ قرارات، أو تحديد تفاصيل يجب أن ينظمها القانون، أو أن تصدر عبر قرارات سياسية أو إدارية يتم اتخاذها بواسطة الأجهزة التنفيذية.
كما يمكن معالجة النص بإلغاء البند الثالث، وتضمين نص يؤكد على حق الحصول على الجنسية بالتجنس، وفق ما ينظمه القانون مع حق السلطات نزع الجنسية السودانية المكتسبة بالتجنس؛ بإجراءات قضائية.
يقودنا موضوع الجنسية إلى قضية أخرى ذات صلة، لا تخرج عن سياق تعريف المواطن والجنسية والمواطنة، والحقوق المتساوية، تتمثل القضية في مسألة العنصرية، أو التمييز العنصري.
العنصرية من القضايا الخطيرة التي تنمو وتنتشر بسرعة؛ مع ارتفاع أصوات الكراهية التي تؤجج من نيران الفتنة بين السودانيين، ويجب أن تمنح الدولة الأمر اهتماماً بتضمين نصوص في الدستور تلتزم فيها بمناهضة كافة أشكال التمييز العنصري، واعتبار العنصرية جريمة يعاقب عليها القانون، مع دعم وتشجيع منظمات المجتمع المدني الناشطة في مجالات مناهضة التمييز العنصري.
سكت مشروع الدستور عن موضوع ممارسة أفراد القوات النظامية للسياسة أثناء خدمتهم في العسكرية، ومثلما تحدث الدستور عن فصل الجيش كمؤسسة من السياسة يجب أن ينص دستورياً على منع أفراد القوات النظامية من ممارسة العمل السياسي، وحظر ترشحهم لأي مناصب دستورية أو تشريعية أثناء فترة خدمتهم في المؤسسات العسكرية.
أوردت هنا أمثلة قليلة لنصوص ملتبسة ما بين المفاهيمي والإجرائي، أو اتسمت بالركاكة بسبب الحشو والزوائد والتكرار الممل، لا أود هنا أن أزحم القارئ بتفاصيل قد تكون مملة، لكنني أهدف إلى ضرورة مراجعة كل الوثيقة بغرض ضبطها وأحكامها لغوياً وفنياً.
جان جاك روسو
هندسة اجتماعية
الدستور عقد اجتماعي لتحقيق مساومة بين الأفراد والدولة؛ تتنازل عبرها الأطراف المتعاقدة لتؤدي الدولة مهامها عبر ثقة المواطن، ويستقل فيها المواطن بحقوقه وحرياته الفردية والعامة.
كان الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، أول من ابتدر مواثيق الهندسة الاجتماعية وأطلق عليها العقد الاجتماعي، وهو: "يضع كل واحد منا شخصه وجميع قوته شركة تحت إدارة الإرادة العامة ونحن نتلقى – كهيئة – كل عضو كجزء خفي من المجموع". والآن يؤدي عقد الشركة هذا إلى هيئة معنوية مؤلفة من أعضاء بمقدار أصوات المجلس، وذلك بدلاً من الشخصية الخاصة لكل متعاقد، ومن ذلك العقد تنال هذه الهيئة وحدتها وذاتيتها المشتركة وحياتها وإرادتها، وكان يطلق اسم المدينة على هذا الشخص العام الذي يؤلف، على هذا الوجه، من اتحاد جميع الآخرين، فيسمى اليوم "جمهورية" ضاع معنى هذه الكلمة الحقيقي في الأزمنة الحديثة ضياعاً تاماً، فيطلق معظم الناس الميثاق الاجتماعي أو "هيئة سياسية"، وهي ما يسميه أعضاؤها "دولة" إذا كانت منفعلة، و"سيدا" إذا كانت فاعلة، وسلطاناً إذا ما قيست بأمثالها.
ويشير روسو، في عقده إلى هندسة العلاقات بين الشعب والسلطة، وهذا يحتاج إلى تطوير جديد وفقاً للسياقات الزمانية والمكانية. من هنا نشدد على أهمية التمثيل الإثني، الجغرافي، الديني، السياسي، الأكاديمي، عند عملية صناعة الدستور في السودان، ليس بالضرورة مشاركة واسعة من حيث العدد، بل فإن الأمر الأكثر أهمية هو المشاركة النوعية والتمثيل الشامل.
ولاستمرار التعاقد بنجاح تتنازل السلطة للشعب بحرية اختيار الحكام عن طريق الانتخاب المباشر أو البرلماني، ولكي نضمن اتساع قاعدة المشاركة يجب اختيار رئيس الوزراء الانتقالي بواسطة نواب المجلس التشريعي، على أن تقدم القوى السياسية الملتزمة بالوثيقة خمسة أسماء يتم اختيار أحدهم/ن لشغل المنصب.
يمكن أخذ تجربة الدستور الأمريكي باعتباره الدستور الأقدم في العالم، فقد بذل المؤسسون للولايات المتحدة الأمريكية مجهوداتٍ جبارة من أجل التوصل إلى وثيقة حاكمة تمثل القانون الأعلى الذي يحدد نوع الحكم وطبيعة الدولة، بعد أن نالت استقلالها من بريطانيا في الرابع من يوليو 1776، بعد أن تواثقت (13) ولاية استقلت من حديثاً على الدستور الكونفدرالي التي تمت صياغتها في المؤتمر القاري الذي عقد من منتصف 1776 إلى نهاية 1777.
أمضى الآباء المؤسسون بعد ذلك أحد عشر عاماً لكتابة مسودة الدستور الفيدرالي، والحوار حولها ثم التوقيع عليه وسريانه في عام 1789 بمدينة فيلاديلفيا في ولاية بنسلفانيا.
بلغ عدد المدعوين للمشاركة في الحوار والنقاش حوالي (71) شخصاً، لكن شارك في حضور كل الجلسات (55) مشاركاً، ووقع على الوثيقة النهائية (36) شخصاً، من الملاحظات المهمة أن كل المشاركين كانوا رجالاً من البيض.
رئيس لجنة تحقيق فض الاعتصام- نبيل اديب
إعلان دستوري أم دستور انتقالي؟
لم يكن المحامي الأستاذ نبيل أديب غائباً عن مشهد النقد للدستور الانتقالي، الرجل قانوني معروف، يختلف الناس أو يتفقون حول مواقفه، وهذا بحره الذي فيه يسبح. رأى نبيل، في تصريحات صحفية، "أن تأسيس إعلان دستوري يتم بموجب الدستور الدائم، وعبر آلية مفوضية دستورية، والمؤتمر الدستوري، ولا يتم من جهة واحدة"، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية انتقالية، والعودة لها تستلزم العودة للوثيقة الدستورية، ولو بالتعديل.
وقطع أديب بعدم علمه بمشروع الإعلان الدستوري الذي ستطرحه مركزية الحرية والتغيير لإقامة سلطة مدنية ديمقراطية، مشدداً على أن عيب الوثيقة الدستورية كان في عدم تنفيذها، لافتاً إلى إمكانية تعديل المواد المتعلقة بالشراكة مع العسكريين بعد قرار انسحابهم من السياسة، وهي مواد تكوين مجلس السيادة وتكوين المفوضيات. وتابع: "يجب تعديل هذه المواد بالنقاش لا بالأحكام المطلقة".
ثمة رأي لخبراء قانونيين يحمل رؤية مخالفة لرؤية نبيل أديب، حول الوثائق الدستورية الانتقالية، فبحسب أستاذ القانون العام في مصر، أيمن سلامة، فإن الإعلانات الدستورية خلافاً للدستاير الدائمة للدول "تصدر عن سلطة الأمر الواقع"، وهي وثيقة مؤقتة طارئة وضعت "لمواجهة ظروف وأحوال استثنائية تعصف بالبلاد"، موقع سكاي نيوز عربية. ويهدف الإعلان الدستوري، قانونياً، إلى "الحفاظ على الوحدة الإقليمية للبلاد واستقلالها وأمنها في الداخل والخارج، بفرض أن الظروف الاستثنائية العارضة التي تهدد أمن البلاد يمكن أن تشكل ذريعة أو مطمعاً لقوى خارجية أو داخلية".
لا توجد قاعدة قانونية تحدد نوع الوثيقة التي تدير الفترة الانتقالية، وليس مهماً أن تكون الوثيقة دستوراً أو أن تكون إعلاناً، لكن المهم هو مضمون ومحتوى الوثيقة ومداها الزمني. لم تقل نقابة المحامين إنه دستور دائم، معروف أن مسألة أعداد وصناعة الدستور الدائم تختلف تماماً عن الدستور أو الإعلان الانتقالي. نعم تتشابه مراحل الترتيبات الفنية والكتابة، لكن للدستور الدائم آليات مختلفة لإجازته، فبعض الدول تطرح الوثيقة على الشعب للاستفتاء عليها، وبعضها تطرحه على المجلس أو البرلمان المنتخب. أما في مرحلة الانتقال، فالمطلوب هو التوافق بين القوى السياسية والمجتمعية المؤثرة في الحراك والثورة وعملية التغيير.
لم يخرج موقف الأستاذ نبيل عن مواقف القوى السياسية التي ركزت على المسائل الإجرائية، أو الجهة التي كتبت الدستور، وللمفارقة أن جهات سبق أن شاركت في سلطة تأسست على دساتير انتقالية؛ مثل دستور 1985 الانتقالي الذي أعدته لجنة ضمت ممثلين من التجمع النقابي، التجمع الوطني وممثلين للقضاء العسكري، وتمت إجازة الدستور الانتقالي في اجتماع مشترك بين المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء، ثم كان دستور 2005 الانتقالي، وكانت غلبة لجنة الصياغة فيه لعناصر من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وحكم الشريكان فترة السلام الشامل من 2005 حتى 2011.
ليس المهم مسمى الوثيقة (إعلاناً أم دستوراً) بقدر تنفيذ ما حوته من مضامين في بلد مجبول ساسته على سنن نقض المواثيق والعهود، فدولة عظمى مثل بريطانيا لم تكتب فيها وثيقة دستورية رغم تاريخها الاستعماري وقدم دولتها، فظلت تحكمها أعراف ملكية وليبرالية لم يحتج ساستها إلى ورق مكتوب كي يؤكدوا التزامهم بمبادئ اتفقوا حولها.
مؤتمر تأسيسي
أيضاً يتطلب تحقيق إجماع شعبي أو توافق سياسي بعقد مؤتمر تأسيسي لإجازة الوثيقة، بمشاركة ممثلين وممثلات لشرائح ومجموعات سياسية واجتماعية ونوعية حتى نتمكن من الخروج من ضيق صناديق النخب إلى آفاق الجماهير، والانفكاك من سطوة الشُلل إلى رحابة الجموع.
ثمة أمر آخر يتمثل في أن عقد المؤتمر التأسيسي سيخلق منافذ يتسرب عبرها الهواء الساخن المكبوت في النفوس بسبب الشحن وخطاب الكراهية المتواتر، وتصاعد الصراعات الإثنية في مناطق واسعة.
الديمقراطي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.