العراق ثامن المنتخبات العربية في المونديال    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    5 تصرفات تتسبب فى تدمير العلاقة العاطفية.. أخطرها سؤال أنت فين دلوقتى؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    ميسي ورونالدو على رأس أساطير التهديف في الدوري الإسباني    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما هو "علم" تحسين النسل؟ وكيف دعم فكرة الجنس السائد والطبقية في الغرب؟
ما هو "علم" تحسين النسل؟ وكيف دعم فكرة الجنس السائد والطبقية في الغرب؟
نشر في الراكوبة يوم 22 - 02 - 2023

ما هو "علم" تحسين النسل؟ وكيف دعم فكرة الجنس السائد والطبقية في الغرب؟
* سمية نصر
* بي بي سي نيوز عربي
قبل 35 دقيقة
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة،
كان فرانسيس غولتون هو من ابتكر مصطلح اليوجينكس، وتأثرت الحركة اليوجينية العنصرية في الغرب بأفكاره إلى حد كبير
يقال إن ممثلة جميلة عرضت الزواج على الكاتب المسرحي الأيرلندي الشهير جورج برنارد شو، قائلة إنها تمتلك جمالا ساحرا وهو يمتلك أعظم عقل في العالم لإنجاب طفل مثالي يرث جمال الشكل والعقل. لكن شو رفض العرض، متساءلا: "ماذا لو ورث الطفل شكلي أنا وعقلك أنت؟".
عادة ما يأتي الحديث عن الزواج من شخص ما "لتحسين النسل" على سبيل الممازحة، لكنه كان في وقت من الأوقات جزءا من مجموعة من الأفكار "العلمية" التي استخدمت لتدعيم فكرة سيادة جنس أو عرق بعينه، وكان لها نتائج كارثية في الغرب.
فرانسيس غولتون أبو اليوجينيكس
كلمة يوجينكس eugenics ("علم" تحسين النسل) من ابتكار فرانسيس غولتون (1822-1911)، وهو عالم إنجليزي درس العديد من الفروع العلمية كالإحصاء والأنثروبولجيا والجغرافيا وعلم النفس والأرصاد.
كان غولتون مولعا بمراقبة الطبيعة والسلوك البشري، وبشكل خاص قياس وتوصيف كل شيء، بما في ذلك الصفات الجسمانية والقدرات العقلية للبشر.
شرع العالم الإنجليزي في تطبيق الطرق الإحصائية في دراسته للاختلافات البشرية، واهتم بشكل خاص في أواخر سنوات حياته بالذكاء والموهبة اللذين كان يرى أنهما من الصفات التي تورث من جيل لآخر، وفعل ذلك من خلال تتبع ودراسة أنساب طبقة النبلاء.
تخطى قصص مقترحة وواصل القراءة
قصص مقترحة
* * * *
قصص مقترحة نهاية
النتائج التي توصل إليها أشارت إلى أن الذكاء والموهبة تتحكم فيهما العوامل الوراثية أكثر ما تتحكم فيهما المؤثرات البيئية. ألف غولتون كتابين في هذا المجال هما Hereditary Genius (العبقرية الوراثية)، و English Men of Science: Their Nature and Nurture (العلماء الإنجليز: طبيعتهم وتنشئتهم) الذي منح زخما جديدا لنقاش "الطبيعة مقابل التنشئة" الذي تعود أصوله للعصور الوسطى، والذي يدور حول ما إذا كانت العوامل البيولوجية والوراثية أم التنشئة الاجتماعية هي التي تتحكم في سلوك الإنسان.
تأثر غولتون بنظرية "التطور من خلال الانتقاء الطبيعي" لابن خاله عالم الأحياء تشارلز داروين التي تنص على أن الكائنات الحية التي تتكيف بشكل أفضل مع بيئتها ومحيطها يكون لها الحظ الأوفر في البقاء والاستمرار. في أواخر القرن التاسع عشر، ظهرت "الداروينية الاجتماعية"، وهي مجموعة متنوعة من العقائد التي استخدمت نظرية داروين لتبرير أفكار سياسية واجتماعية واقتصادية.
كان معتنقو الداروينية الاجتماعية يؤمنون بفكرة "البقاء للأصلح" – أي أن بعض الأشخاص يكتسبون قوة ونفوذا في المجتمع لأنهم أفضل بالفطرة، وكانوا يعارضون فكرة مساعدة الفقراء والضعفاء والمرضى العقليين، بل كانوا يرون أن التنافس الاجتماعي والاقتصادي بين الأفراد أداة فعالة لتخليص المجتمع من الضعفاء.
في كتابه Inquiries into Human Faculty and its Development (استكشاف القدرات الجسدية والعقلية للبشر وكيفية تطورها)، ابتكر غولتون كلمة eugenics المشتقة من كلمة eugenes اليونانية التي تعني "من سلالة جيدة". وكتب في شرح ذلك المصطلح الجديد:
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة،
معمل فرانسيس غولتون الأنثروبومتري (علم القياسات البشرية) بمتحف ساوث كينزينغتون في لندن 1884-1885
تخطى البودكاست وواصل القراءة
البودكاست
البودكاست نهاية
كان غولتون يرى أن المجتمع ينبغي أن يشجع التزاوج بين الأشخاص الذين يتمتعون بصفات محمودة كالذكاء والموهبة والجمال، وهي صفات كان يؤمن بأنها تنتقل من الآباء إلى لأبناء بدون أن يطرأ عليها أي تغيير. وزعم في كتابه أن "الأجناس الأرقى" هي فقط التي يكتب لها النجاح. وأشار إلى أن البشر "العباقرة" لا يوجدون بشكل عشوائي، بل يتركزون في الطبقات العليا في شمال أوروبا. وفقا لغولتون، اليونان القديمة وإنجلترا هما البلدان اللذان خرجت منهما النسبة الأعلى من العباقرة، في حين أن العرق الأسود لم ينتج ولو شخصا واحدا عبقريا على مر التاريخ.
يضاف إلى تحليل غولتون للاختلافات الوراثية مخاوفه من أن الأجناس الأدنى والطبقات الأفقر كانت تتكاثر بمعدل أسرع من الطبقات العليا، وتأييده لبرنامج يهدف إلى تقليص عدد الأفراد الذين ينتمون إلى أجناس وطبقات "دنيا" و"معيوبة".
وكان لأفكار غولتون دور كبير في ظهور الحركة اليوجينية التي سعت إلى "تحسين السلالة البشرية".
في عام 1907 تأسست رابطة تعليم اليوجينيكس في بريطانيا (التي تغير اسمها إلى الرابطة اليوجينية في عام 1926)، بناء على مبادرة من غولتون. كان من بين أعضائها عدد من المثقفين والمصلحين الاجتماعيين من أمثال إتش جي ويلز وأُلديس هاكسلي وماري ستوبس، فضلا عن شخصيات سياسية من أمثال وينستون تشرتشل. كان هؤلاء يشعرون بالقلق إزاء الاكتظاظ السكاني وما يشكله من خطر على المجتمع.
في عام 1912 عقد المؤتمر الدولي الأول لليوجينيكس، وكان تشرتشل الذي أصبح فيما بعد رئيسا لوزراء بريطانيا من بين الحضور. كان تشرتشل يؤيد عزل وتعقيم "ذوي العقول الضعيفة" الذين ارتأى أن تكاثرهم السريع يشكل "خطرا وطنيا وعرقيا [على المجتمع البريطاني] من المستحيل المبالغة فيه".
رغم محاولات البعض، ومنهم تشرتشل الذي كان نائبا في البرلمان وتولى عدة مناصب حكومية آنذاك، تمرير قانون يجيز التعقيم الإجباري للمرضى العقليين، لم يقنن ذلك الأمر مطلقا في بريطانيا، بعكس الحال في بلدان غربية أخرى على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا.
اليوجينيكس في أمريكا
لعبت الأفكار اليوجينية دورا بارزا في تاريخ الولايات المتحدة من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.
راجت تلك الأفكار بشكل كبير في البلاد بعد أن أدى اكتشاف قوانين مندل حول كيفية توريث الصفات من جيل إلى جيل إلى اهتمام واسع بفكرة التزاوج بين البشر للحفاظ على خصائص بعينها. كان اليوجينيون الأمريكيون يؤمنون بتفوق الأعراق "النوردية" أو الشمالية (الاسكندنافية والفنلندية والأيسلندية) والجرمانية والأنغلوساكسونية.
أفضت تلك الأفكار إلى صدور قوانين تفرض قيودا على المهاجرين من جنسيات معينة، مثل قانون استبعاد الصينيين الصادر عام 1882، وقانون الهجرة لعام 1924 (المعروف بقانون جونسون-ريد) الذي أغلق الحدود الأمريكية في وجه الآسيويين باستثناء اليابانيين والفلبينيين، وقلص عدد المهاجرين من أفريقيا وشرق أوروبا وجنوبها. يرى مؤرخون أن الكونغرس الأمريكي ربما كان سيمرر تلك القوانين على أية حال، ولكن الأفكار اليوجينية أعطته ذريعة "علمية" لوقف "زحف الأجناس الأدنى" على البلاد، وهو ما كان يشكل برأي مؤيدي تلك القوانين خطرا على عرقهم الأسمى.
تلقت الحركة اليوجينية الأمريكية تمويلا ضخما من عدة جهات من بينها مؤسسة كارنيغي للعلوم ومؤسسة روكفلر (لدعم الأبحاث الطبية والفنون)، فضلا عن رجل الأعمال والمخترع الشهير جون هارفي كيلوغ الذي شارك في تأسيس "مؤسسة تحسين العرق".
وفي عام 1911، أسس عالم الأحياء الأمريكي الشهير تشارلز دافنبورت مكتب السجلات اليوجيني في نيويورك، والذي قام بالتعاون مع رابطة اليوجينيكس الأمريكية بجمع كمية ضخمة من المعلومات عن أنساب العائلات وتدريب عمال ميدانيين على تحليل نزلاء مستشفيات الأمراض العقلية ودور الأيتام في الولايات المتحدة.
مع ظهور الحركة النسوية في عشرينيات القرن الماضي، ورغبة النساء في الحصول على وسائل لتحديد النسل لكي يتمكنّ من العمل والتعليم، أراد اليوجينيون التحكم فيمن يجب أن يستخدم تلك الوسائل. وكانت الناشطة الشهيرة مارغريت سانغر "أم وسائل تحديد النسل" من بين من أيدوا تعقيم المرضى العقليين وتقليل عدد الأطفال الذين ينجبهم الفقراء.
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة،
إرث مارغريت سانغر موضع خلاف اليوم بسبب ارتباطها بحركة اليوجينيكس
وبينما كانت ترغب سانغر في توفير وسائل منع حمل آمنة لكافة النساء، كان يوجينيون آخرون يعارضون الفكرة لأن نساء الطبقة المتوسطة من البيض الذين كانوا يريد اليوجينيون أن ينجبن عددا كبيرا من الأطفال كن أكثر من يقبلن على وسائل تحديد النسل.
ولتشجيع أسر تلك الطبقة على الإنجاب، ظهر ما يعرف ب "Fitter Family Competitions" ("منافسات الأسر الأصلح") التي كانت تستغل المعارض الزراعية التقليدية للترويج ل "تكاثر أفضل" ونشر الأفكار اليوجينية.
كان يطلب من المشاركين تعبئة استبيانات حول تاريخهم الطبي، وتؤخذ منهم عينات من الدم والبول، وتقاس أوزانهم وأطوالهم ويسألون عن نوعية الطعام الذي يتناولنه والتمرينات الرياضية التي يؤدونها، كما كانت تجرى لهم اختبارات لتحديد معدل الذكاء.
كانت صور الفائزين تنشر في الصحيفة المحلية ويحصلون على ميدالية "التفوق اليوجيني".
الطبقية والعنصرية كانت في لب تعريف اليوجينيين لمن يصلح ومن لا يصلح للبقاء والاستمرار. وكان اليوجينيون الأمريكيون يصرون على أن القدرة على الارتقاء الاجتماعي والطبقي دلالة على الكفاءة الجينية، في حين أن الفقر من خصائص الدونية الجينية.
من المفارقة أن الولايات المتحدة، التي تفتخر بأنها تأسست على الحريات الفردية والشخصية، كانت أول دولة في العالم تسن قانونا للتعقيم القسري للفقراء وذوي الإعاقات الجسدية والعقلية و"اللا أخلاقيين".
في عام 1907، أصدرت ولاية إنديانا أول قانون للتعقيم القسري في العالم، وسرعان ما حذت حذوها 30 ولاية أمريكية أخرى.
وكان يتم تعقيم النساء والرجال لأسباب مختلفة: الرجال للتخلص من سلوكهم العدواني والإجرامي، والنساء للسيطرة على قدرتهن على الإنجاب. وفي الفترة من ثلاثينيات إلى ستينيات القرن العشرين، تم تعقيم عدد كبير من كل من الرجال والنساء من نزلاء مستشفيات الأمراض العقلية.
كما استهدف اليوجينيون النساء من أصول أفريقية وأمريكية لاتينية، إذ تم تعقيم الآلاف منهن بدون موافقتهن أو علمهن.
حالات التعقيم المسجلة في الولايات المتحدة تبلغ أكثر 60 ألف حالة، لكن مراقبين يرون أن العدد الفعلي قد يكون أكبر من ذلك بكثير.
استمرت عمليات التعقيم القسري المسموح بها قانونا في الولايات المتحدة حتى سبعينيات القرن الماضي، ولكن ثمة تقارير تشير إلى تعرض نحو 150 من نزيلات اثنين من سجون ولاية كاليفورنيا لتلك العملية بين عام 2006 و2010. كما كانت هناك مزاعم في عام 2020 حول التعقيم القسري لمهاجرات في مراكز تابعة لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية.
اليوجينكس والنازية
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة،
جنود نازيون في النمسا يستقبلون أبناء لأعضاء حركة مقاومة الاحتلال في مدينة سيلي (التي تقع في سلوفينيا حاليا). كان النازيون يعتبرونهم "مرغوبا فيهم من الناحية العرقية"، وكانوا يضعونهم في دور لرعاية الأطفال أو يعطونهم لأشخاص يتبنونهم
في عام 1916، صدر في الولايات المتحدة كتاب The Passing of the Great Race: Or, The Racial Basis of European History ("نهاية العرق العظيم: أو القاعدة العرقية للتاريخ الأوروبي") للمحامي ومؤيد الأفكار اليوجينية ماديسون غرانت.
يزعم المؤلف أن الولايات المتحدة دولة "نوردية"منذ البداية مكونة من مهاجرين جاءوا من إنجلترا واسكتلندا وهولندا وأيرلندا وألمانيا، وأن هؤلاء المهاجرين الأوائل معرضون لخطر وجودي من قبل عرقيات وطبقات "أدنى" من البيض القادمين أوروبا الشرقية – الكاثوليك واليهود بالأساس – الذين يتكاثرون بسرعة أكبر ويشكلون، على حد قوله، عصابات إجرامية ومجموعات إثنية منفصلة داخل أمريكا تقوض الهيكل السياسي-الاجتماعي للبلاد ومن ثم الأعراق النوردية والأنغلوساكسونية. يطالب غرانت بأهمية منع هؤلاء من "تلويث" الجنس الأرقى والتفوق عليه من حيث العدد.
حقق الكتاب نجاحا كبيرا وترجم إلى لغات منها الفرنسية والسويدية والنرويجية والألمانية، وكان أدولف هتلر من بين من تبنوا الرسالة التي تحملها صفحاته – وقد أرسل خطابا إلى غرانت يعرب فيه عن إعجابه بالكتاب. كما تبنت الرسالة حركة "النظافة العرقية"(Rassenhygiene ) العنصرية في ألمانيا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ولكنها استخدمت مصطلح "الجنس الآري" بدلا من الجنس الشمالي أو "النورديك".
في يوليو/تموز عام 1933، بعد بضعة شهور فقط من وصول الحزب النازي إلى الحكم في ألمانيا، صدر قانون يسمح بالتعقيم القسري للأشخاص الذين يعانون من أمراض جسمانية أو عقلية يقرر الأطباء أنها تنتقل بالوراثة. شمل القانون حالات مثل الصمم والانفصام في الشخصية والصرع، و"الضعف العقلي" والعمى وإدمان الكحول. كان ذلك إحدى أولى الخطوات التي اتخذها النازيون بهدف "حماية السلامة العرقية" للأمة الألمانية.
بحلول الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، يعتقد أن عدد الأشخاص الذين تم تعقيمهم قسريا في ألمانيا بلغ نحو 400 ألف شخص.
وبعد أن وضع النازيون اليهود في قاع هرمهم العرقي، صدر قانون يحظر الزواج من اليهود. كان ذلك القانون مبنيا على قانون مشابه في الولايات المتحدة يحظر الزواج بين البيض والسود.
لم يتوقف الأمر عن التعقيم القسري، بل نفذ النازيون حملة قتل جماعية لأفراد يعتبرونهم عديمي الفائدة ويشكلون عبئا على الدولة بسب عيوبهم الوراثية المزعومة، مستخدمين مصطلح Euthanasia (القتل الرحيم) لتبرير أفعالهم.
بالتأكيد كانت سياسات هتلر النازية تستند إلى العديد من المعتقدات والأيديولوجيات الملتوية، وإيمانه بسيادة الجنس الآري ومعاداته للسامية، لكن هذه الأفكار عززتها أفكار تحسين النسل التي اعتبرها النازيون والأمريكيون من قبلهم "حقائق علمية".
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة،
يخشى البعض من إساءة استعمال تقنيات الهندسة الوراثية والتحرير الجيني بما يفضي إلى حقبة جديدة من اليوجينيكس
اليوجينيكس اليوم
المواقف السائدة في كثير من أنحاء العالم حاليا، سواء داخل المؤسسات الطبية أم السياسية، تؤيد حق الأفراد في الاختيار فيما يتعلق بالقرارات الإنجابية.
صحيح أن الأطباء قد ينصحون الأمهات في بعض الحالات بإسقاط الجنين إذا ما تبين إصابتهم بحالات معينة كمتلازمة داون أو القزامة، لكن يبقى القرار في يد الأمهات، وشتان ما بين ذلك وما كان يحدث في الماضي من ممارسات يوجينية.
لكن هناك من يخشون من أن النتائج قد تكون متشابهة في الحالتين: فماذا لو قررت جميع الأمهات إجهاض أجنتهن إذا ما اكتشفن أن بها اختلالات جينية؟ ألن يكون ذلك أشبه بما أراده اليوجينيون؟
الاتجاه داخل المؤسسات الطبية هو إعطاء كافة المعلومات للأمهات كي يتخذن قرارا مبنيا على معرفة، بدون التأثير على ذلك القرار بأي شكل من الأشكال، وتأييد ذلك القرار ومساعدتهن على تنفيذه.
هناك مخاوف أيضا من أن تؤدي تقنيات الهندسة الوراثية و"التحرير الجيني" إلى حقبة جديدة من اليوجينكس تمكن الأثرياء من إنجاب أطفال يتمتعون بسمات مرغوب فيها، وهناك شائعات بأن ذلك يحدث بالفعل بشكل سري في أنحاء مختلفة من العالم.
توصل العلم الحديث إلى أن جدلية "الطبيعة مقابل التنشئة" تنطوي على تبسيط شديد للأمور، والشيء نفسه ينطبق على قوانين مندل الوراثية. فالبشر لديهم تنويعات واختلافات جينية لا حصر لها، والاختلافات بين الفرد والآخر تتحكم فيها العشرات، وربما المئات، من الجينات التي تتفاعل مع بعضها بعضا ومع العوامل البيئية الخارجية. لا ينبغي أن يكون هناك صراع بين الطبيعة والتنشئة، فهما يعملان جنبا إلى جنب.
اليوجينيكس أو تحسين النسل ليس علما، بل مجموعة من الأفكار يخشى البعض أن تُبعث من جديد وسط التطورات السريعة التي يشهدها علم الجينات. ولكن يبقى هناك أمل في أن دراسة التاريخ ستفضي إلى التعلم من أخطاء الماضي وعدم تكرارها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.