العراق ثامن المنتخبات العربية في المونديال    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    5 تصرفات تتسبب فى تدمير العلاقة العاطفية.. أخطرها سؤال أنت فين دلوقتى؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    ميسي ورونالدو على رأس أساطير التهديف في الدوري الإسباني    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي من منظور الماركسيين السودانيين
نشر في الراكوبة يوم 19 - 10 - 2023

في السابع من الشهر الحالي في أعقاب العملية العسكرية "طوفان الاقصى" التي قادتها " حركة المقاومة الإسلامية -حماس-" ضد إسرائيل أعلنت الأخيرة على لسان حكومتها عزمها على شن حرب شاملة على الحركة. ونتيجة للعمل العسكري الفلسطيني الذى اقتحم بقوة واتساع الحدود الإسرائيلية، أعلنت إسرائيل ان هدفها هذه المرة ليس فقط التصفية الجسدية لجميع قادة حماس، ولكن تدمير سلطتهم بجميع مؤسساتها الكائنة في قطاع غزة الذى تحكمه الحركة. ان إسرائيل أعلنت الحرب لأول مرة بعد خمسين عام منذ نشوب حرب أكتوبر بينها وبين مصر وسوريا.
لا نفتأ نكرر أن الموقف الثابت والصحيح من وجهة النظر الوطنية السودانية هو ان تأييد النضال الفلسطيني ضد إسرائيل ليس اختيارا، بل موقفا مبدئيا أصيلا يتواءم مع الأهداف ذات الأولوية الوطنية التي طالما ناضل الشعب السوداني من اجلها. فإسناد الفلسطينيين في نضالهم ليس تضامنا مستحقا مع حقوق الفلسطينيين ورفضا للتنكيل بهم وتماهيا مع النزعة العالمية العادلة التي ترفض تكوين الدول على أساس عنصري كما تفعل دولة العصابات الصهيونية فحسب، بل ضرورة لحماية امن السودان وسلامة سيادته قبل كل شيء باعتبار أن إسرائيل هي الأداة للإمبريالية الأمريكية في الهيمنة على منطقتنا.
ولا نفتأ نؤكد ان الصراع ضد إسرائيل لا يمكن تصوره كصراع عقدي "ديني" كما تعتقد "حماس" . التفسير العقدي للوقائع في مسار تحرير فلسطين يتجلى في فكر "حماس" المضمن في وثائقها السياسية حيث جاء (حركة المقاومة الإسلامية -حماس- هي حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينيَّة إسلامية، هدفها مواجهة المشروع الصهيوني وتحرير فلسطين، مرجعيَّتها الإسلام في مطلقاتها وأهدافها ووسائلها، ومنه تستمد أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها……وبطبيعة الحال فإن الصبغة الإسلامية تنعكس على الفكر السياسي للحركة، ونظرتها للدولة، التي يتمثل فيها المفهوم الشامل للإسلام….) وهكذا، فان "حماس" تتعهد منذ توليها السلطة في غزة عام 2007 ب "تدمير "إسرائيل وتأسيس "دولة إسلامية".
إن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي سياسي وبالنسبة للفلسطينيين فان قضيتهم تتمثل في التحرر الوطني من نير الصهيونية التي تحتل أراضيهم؛ وهكذا من الناحية الاستراتيجية، فان الحل النهائي للصراع ضد إسرائيل يكمن في إقامة دولة ديمقراطية علمانية محل سلطة الاحتلال لأراضي فلسطين يتمتع فيها الجميع بحقوقهم الكاملة في المواطنة. وعلى الرغم من حضور الدين في الصراع العربي – الإسرائيلي، الا ان التفسير العقدي في هذا المضمار ضار بقضية التحرر الوطني الفلسطيني.
واستطرادا، فان التفسير العقدي الرافض لتاريخية المجتمعات البشرية وتطورها الاطرادى الذى تتبناه التنظيمات الإسلامية يعبر عن أوضاع اجتماعية-اقتصادية محدده (وهذا ما يفسر اختلاف المنهج والتوجه السياسي باختلاف المجتمعات التي تنشط فيها هذه التنظيمات)؛ وهذا ينطبق حتى على تلك التي ولدت في قلب حركات التحرر الوطني مثل " حماس" . فالتنظيمات الإسلامية بطبيعة الفكر الذى تتبناه تنزع لليبرالية الاقتصادية (في أحد صورها تتمثل الليبرالية الاقتصادية في مضمون ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي)؛ فما يسمى بالاقتصاد الإسلامي يقوم في الأساس على فكر لا يرى العلاقات/القوانين الاقتصادية كظاهرات اجتماعية تاريخية. فتجد الاقتصاد الإسلامي يرتكز على التجارة في ظل الملكية الخاصة (التي بطبيعة الحال يقرها الإسلاميون) وهذا يعنى الانتاج السلعي، أي الرأسمالية. والنتيجة هي أن النشاط السياسي لهذه التنظيمات ينزع لدعم ًعلاقات الإنتاج السائدة والعمل على تكريسها. والأهم هو أن تبنى الليبرالية الاقتصادية يقود بالضرورة الى التبعية. فالتبعية للدول الغربية لا تحدث كخيار، بل ضرورة اقتصادية يفرضها على ممثلي الليبرالية الاقتصادية اعتماد نشاطهم الاقتصادي على راس المال العالمي الذى يسيطر على مفاتيح اقتصادات الدول الفقيرة. فرأس المال العالمي حوّل الدول الفقيرة لبلدان مغلوبة على أمرها واسيرة توجهاته التي تعبر عنها وصفات مؤسسات التمويل الدولية.
إن اسرائيل صناعة الامبريالية لخدمة مطامحها المتعلقة بالهيمنة على بلدان منطقة الشرقة الأوسط المهمة وما جاورها من البلدان وفى اعتقادنا ان المهمة التي تواجه الفلسطينيين هي ضرورة تكوين رأى عام وسط العمال والشعيلة الفلسطينيين والإسرائيليين على السواء بضرورة النضال من أجل قيام دولة ديمقراطية علمانية يشترك فيها الفلسطينيين والإسرائيليين يتم تشكيل أجهزتها السياسية والإدارية بالشكل الذى تقبله المجموعتان؛ دولة تضمن تحقيق الديمقراطية السياسية والاقتصادية وجميع الحقوق المدنية المعروفة لجميع السكان. والمهم هو ان مثل هذه الدولة لا يمكن ضمان تحقيقها بدون مفارقة طريق التطور الرأسمالي وهذا يواءم معطيات وطبيعة المرحلة التاريخية في العصر الحالي، مرحلة الإمبريالية ( الرأسمالية الاحتكارية) حيث تسيطر الامبريالية على البلدان الفقيرة، بشكل غير مباشر، سيطرة تامة من خلال التجارة العالمية وخاصة آلياتها غير المتكافئة، والعون الاقتصادي والقروض المشروطة. أن المهمة السياسية الرئيسية أمام البشرية هي الانتقال من الإمبريالية للاشتراكية النقيض (antithesis) المنطقي للإمبريالية (الرأسمالية). ولا يفوتنا التذكير على أن الدعوة لتأسيس دولة على انقاض التوجه الرأسمالي في اسرائيل، تتصف بما هو اكثر تعقيد من حال الدول الفقيرة التي تعانى من الهيمنة الأجنبية، وهذا لأن مفارقة طريق التطور الرأسمالي اكثر صعوبة بالنسبة للدولة العبرية باعتبار طبيعتها كأداة ترتبط عضويا بأمريكا وأهدافها الاستعمارية كما مر ذكره.
وفيما يخص الانتهاكات التي نسبتها اسرائيل لأفراد العملية العسكرية الفلسطينية وفى كونها استهدفت بعض المدنيين بشكل مقصود، فقد قامت وسائل الاعلام الغربية بالمبالغة في حجمها وعنفها وتصوير ما جرى بالمحرقة اليهودية "holocaust". وعلى كل حال فان الاضرار الجانبية (collateral damage) شر لا يمكن تفاديه وقت الحروب، ويبدو ان هذا ما حدث خلال مجرى العملية العسكرية حيث سقط بعض المدنيين. إن الاعلام الغربي عمد على اتخاذ الانتهاكات والمغالاة في مداها كمحاولة لإخفاء الصورة الحقيقية للعملية العسكرية التي زلزلت الكيان الصهيوني، وذريعة للعدوان على غزة..
كما ان المسؤولية لحدوث أي انتهاكات من جانب الفلسطينيين تقع، في نهاية الامر، على إسرائيل كرد فعل على جرائمها عبر تاريخها ضد الشعب الفلسطيني. وجرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين تغذيها فكرة أن اليهود هم (شعب الله المختار) والآخرين هم ال(جوييم)، وهو مصطلح عبرى ديني يطلقه اليهود على غير اليهود تقابله كلمة (الأغيار) العربية. وعبّر مؤخرا، بشكل مقزز، عن هذا التعالي العنصري وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت حيث قال أن هدف إسرائيل في حربها الحالية مع الفلسطينيين هو " فرض حصار كامل على مدينة غزة ، لا كهرباء ولا طعام ولا ماء ولا وقود، كل شيء مغلق، نحن نحارب حيوانات بشرية ونتصرف وفقا لذلك."
ظلت إسرائيل تتغول على الحقوق المادية والأدبية للفلسطينيين بإعطاء هذا التغول قدسية من خلال التذرع (invoking) بالمعتقدات الدينية المأخوذة من العهد القديم. ان إسرائيل لم تتوان في استخدام تصورات العهد القديم في خلق الكيان الصهيوني وتوظيفه لرعاية وحماية الاستعمار. وبلغ قهر الفلسطينيين وسلب حقوقهم بصور كاملة بإصدار (قانون القومية الإسرائيلي-2018)؛ فأهم سمات قانون القومية إعلانه أن حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل هو حق يقتصر على الشعب اليهودي، ويتجاهل حقوق الفلسطينيين في الدولة. وهذا القانون الذى يكرس يهودية الدولة بمنح اليهود وحدهم حق تقرير المصير في إسرائيل، ينكر جوهر الديمقراطية (حتى بمفهومها الليبرالي)، وينحاز، بمعايير قيمية عرقية، ضد السكان من غير اليهود ، كما ينسف مبدأ المساواة نهائيا. والمساواة غير موجودة أصلا من ناحية الممارسة اذ انها متضمن (كمصطلح مجرد) في قوانين أساسية تحكم العلاقات في الدولة والتعامل مع حقوق الإنسان (إسرائيل ليس لديها دستور مكتوب)؛ لهذا فان قانون القومية الإسرائيلي يفاقم من انتهاك المساواة.
وهكذا، فان العالم لا ينسى المذابح الرهيبة في دير ياسين وخان يونس وصبرا وشاتيلا وكثير وكثير غيرها؛ اضافة لتشريد مئات الآلاف الذين سلبت أراضيهم وهُجروا من ديارهم.
كما ان سكان قطاع غزة ظلوا ( حوالى 3 مليون شخص يعيشون على أرض مساحتها 360 كيلومتر مربع فقط) يتعرضون خلال السنوات الخمسة عشر الماضية لأبشع صنوف العقاب. وجرائم إسرائيل ضد قطاع غزة أفاد عنها تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن حرب إسرائيل على غزة في 1908 ( وانتهاكات إسرائيل الخطيرة ومخالفاتها المنهجية للقانون الدولي تواصلت خلال حروبها اللاحقة في 2012 و2014..). يقول التقرير في أجزاء من فقراته:
" فرضت إسرائيل حصارا يبلغ حد العقاب الجماعي ونفذت سياسة منهجية وتصعيديه لعزل وحرمان قطاع غزة. أما إثناء العملية العسكرية، فقد دمرت المنازل والمصانع وآبار المياه والمدارس والمستشفيات ومراكز للشرطة وغيرها من المباني العامة ، وبقيت الأسر، بما في ذلك كبار السن والأطفال ، تعيش وسط ركام منازلها حتى بعد مرور فترة طويلة على انقضاء الهجمات "
و" لقد قتل أكثر من 1400 شخص. إن عمليات غزة العسكرية كانت موجهة من قبل إسرائيل ضد شعب غزة ككل، وذلك تعزيزا لسياسة شاملة تهدف إلى معاقبة سكان غزة، وضمن سياسة متعمدة من القوة غير المتناسبة والتي تستهدف السكان المدنيين. إن تدمير منشآت الإمدادات الغذائية، ونظم الصرف الصحي للمياه، ومصانع الخرسانة والمنازل السكنية جاء نتيجة لسياسة متعمدة ومنهجية لجعل الحياة المعيشة اليومية والحياة الكريمة، أمرا أكثر صعوبة بالنسبة للسكان المدنيين. كما قامت القوات الإسرائيلية بإذلال السكان ونزع الصفة الإنسانية عنهم والاعتداء على كرامة الشعب في قطاع غزة ، من خلال استخدام الدروع البشرية ، والاحتجاز التعسفي ، وظروف الاحتجاز الغير مقبولة ، ونشر العبث والدمار في البيوت ، ومن خلال المعاملة التي أنتهجت عند الدخول إلى منازل الناس، وكتابة الرسوم والشعارات النابية والعنصرية على الجدران. إن العمليات الإسرائيلية كانت مخططة بعناية في جميع مراحلها على نحو هجوم متعمد من القوة غير المتناسبة تهدف إلى فرض العقاب، والإذلال وزرع الإرهاب وسط السكان المدنيين "
وان " إسرائيل لم تتخذ الاحتياطات اللازمة المطلوبة بموجب القانون الدولي لتجنب أو تقليل الخسائر والإصابات في أرواح المدنيين ، والأضرار التي لحقت بالأعيان المدنية. إن إطلاق قذائف الفسفور الأبيض على مجمع الأونروا ، والضرب المتعمد على مستشفى القدس باستخدام قذائف مدفعية ذات قدرة تفجيرية مرتفعة ومتفجرات الفوسفور الأبيض.."
إن حال الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، قبل عملية "طوفان الأقصى اتسم بركود نسبى على صعيد نشاط المقاومة الفلسطينية يقابله تهافت محموم من قبل العديد من الحكام في المنطقة للتقرب والتطبيع السياسي مع إسرائيل " ، فبعد مصر والأردن طبعت، خلال السنوات القليلة المنصرمة، دول الامارات والسودان والمغرب علاقاتها مع الكيان الصهيوني. وتوجه الدول العربية للتطبيع مع اسرائيل بلغ ذروته في صفقة القرن التي أعدها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب في 2019. والصفقة ما هي إلا امتداد لوعد بلفور "1917" بتحقيق استسلام الفلسطينيين الكامل (capitulation)، وبيع فلسطين بالكامل لإسرائيل. وباختصار فإن الصفقة تحصر الوجود الفلسطيني في كنتونات أو "محلات سكانية" بلا سيادة ومجردة من السلاح. فالأراضي الفلسطينية سوف تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة، مع منح الفلسطينيين بعض الأراضي خارج الضفة والقطاع وهي أراضي صحراوية مجاورة للحدود المصرية وأخرى هامشية متاخمة للأردن. أما القدس ستبقى العاصمة غير المجزّأة أو المقسمة لإسرائيل في حين تقضي الخطة بأن تقع العاصمة المقترحة للفلسطينيين على أطراف القدس!!
لقد جرى تبرير الأنظمة العربية الحاكمة وأبواقها للتطبيع بدعاوى مبتذلة تفتقد للمنطق وعدم الالمام بطبيعة ما يجرى في العالم مثل ان العالم يشهد متغيّرات وتطورات كبيرة تستوجب إعادة النظر في استنتاجات وخلاصات جديدة تواءم هذه المتغيرات. لكن ما هي هذه المتغيرات؟ فصحيح، كما في كل العلاقات والظاهرات، فان المتغيرات العميقة تحدث وتظل تحدث، لكن بالنسبة لموضوعنا ( الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي) فان جوهر الدولة الصهيونية لم يتغير وما زالت تمارس جبروتها بكل الوسائل الوحشية وتنهش في الجسد الفلسطيني وتتغلغل في دول المنطقة في ظل أكبر هجمة استعمارية تشهدها حاليا المنطقة.
ولا يفوتنا ان نشير في هذا الصدد الى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها ال78 المنعقدة في سبتمبر 2023 ، حيث غابت اثارة القضية الفلسطينية من قبل المجتمعين في المحفل الدولي باستثناء الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذى دعا في خطاب ضافي امام الجمعية الى تسوية القضية الفلسطينية ووقف الإجراءات الأحادية غير القانونية المتمثلة في لأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره واسترجاع حقوقه الكاملة وانهاء الاحتلال. كما طالب تبون بمنح فلسطين العضوية الكاملة بالمنظمة.
طوال أكثر من سبعة عقود هي عمر دولة إسرائيل ظلت الحلول التي تُقدم لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي تركز على ضمان وجود إسرائيل فقط ومواصلة هضم حقوق الفلسطينيين. وخلال خمسين عاما لم يهدأ فيها النضال الفلسطيني منذ انطلاقه ضد الكيان الصهيوني الذى اشتركت فيه حركات فلسطينية تحمل أفكارا سياسية تنبع من مشارب فكرية متعددة. ورغم ان وجهة نضال المقاومة الفلسطينية تقع على عاتقها وحدها، الا أن النضال ضد الدولة الصهيونية يرتبط بالنضال العالمي التاريخي ضد الإمبريالية للأسباب المار ذكرها؛ وكثير من شعوب العالم أصبحت تدرك هذا وهو ما عبرت عنه التظاهرات الواسعة التي شملت معظم مدن العالم ( واشنطن دى. سى. ونيويورك ولندن وليفيربول وباريس وجاكرتا وعمّان الخ،) عقب تهديدات إسرائيل بشن حرب شاملة على غزة كرد على "طوفان الأقصى"؛ فقد جاءت الشعارات التي رفعها الآلاف، الذين قاموا بالاحتجاجات، تعبر بوضوح عن حقوق الشعب الفلسطيني في تحرير ارضه المغتصبة وإدانة الدعم الغربي لإسرائيل.
وبالنسبة لموقفه من الاحتلال الصهيوني، فان الشعب السوداني ظل يتمسك بموقف مبدئ داعما للنضال الفلسطيني ومعارضا للقرار المخزي، الذى اتخذه الجنرال عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني، بالسير على طريق التطبيع؛ وقد عبرنا عن تصورنا لموقف السودان في مقالي " مقاطعة إسرائيل : السودان أولاً " الذى جاءت فيه النقاط التالية:
ان " مقاطعة إسرائيل ليست اختيارا، بل موقفا مبدئيا اصيلا يقع ضمن الاهداف ذات الأولوية الوطنية التي طالما ناضل الشعب السوداني من اجلها. فمقاطعة إسرائيل ضرورة لحماية امن السودان وسلامة سيادته أولا وقبل أن تكون تضامنا مستحقا مع حقوق الفلسطينيين ورفضا للتنكيل بهم وتماهيا مع النزعة العالمية العادلة التي ترفض تكوين الدول على أساس عنصري كما تفعل دولة العصابات الصهيونية. وفى هذا الخصوص يجب ان لا ننسى ان إسرائيل دولة معادية للسودان حيث بلغت عداوتها للسودان أن تشن على أراضيه ضربات جوية همجية في 2011 و2012 و2015."
وان " عملية تطبيع السودان مع إسرائيل بدأت في فبراير 2020 واعقبها توقيع السودان والولايات المتحدة الأمريكية في يناير 2021 ما يسمى الاتفاق الإبراهيمي للسلام مع إسرائيل. ان تطبيع السودان مع إسرائيل يأتي تماشيا مع خضوع الحكم الانتقالي الحالي في السودان للوصاية الدولية الموروث من نظام عمر البشير المخلوع في ابريل 2019." وان "عملية التطبيع … تنسجم مع التوجه السياسي للحكم في السودان المتمثل في التفريط في المصالح الوطنية وفتح الأبواب على مصاريعها لتكريس التبعية والارتهان للقوى الأجنبية." و" بلغت حالة انهاء العداء بين السودان وإسرائيل مداها بإجازة مجلس الوزراء في السادس من أبريل2021 الغاء قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958م سيمهد الطريق لإعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين بتوقيع اتفاق السلام والتعاون بينهما. "
وان " التطبيع مع إسرائيل لا يمنحها الشرعية التي أنكرتها على الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين وبالتالي توطيد سلطتها في المنطقة فحسب، بل يجعل الكيان الصهيوني أكثر تهيؤا وقدرة على لعب دوره كأداة من أدوات خدمة المصالح الأمريكية في المنطقة. "
وان " إسرائيل تمثل الذراع الذي يقدم الخدمات الاستخباراتية لأمريكا في اتجاه تسهيل الهدف الاستراتيجي للأخيرة المتعلق بالتمدد والهيمنة على بلدان الشرق الأوسط وافريقيا؛ وتطبيع السودان مع إسرائيل يقع ضمن هذه الاستراتيجية."
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.