شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    الأمل عطبرة يودع الممتاز رسميا رغم التعادل أمام المريخ    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثورة أبريل .. من الذين سرقوا الشمس؟!
نشر في الراكوبة يوم 07 - 04 - 2013


سليمان الأمين: العُرسُ تمْ
لكننا لم نختتمْ
فرحٌ يدقُ الباب دقّاً يضطرمْ
لا تفتحي الأبواب حتى يلتحمْ
٭٭٭
شيءٌ يباشر كالنَّزقْ
لا تفتحي الأبواب للفرح الجميل إذا طرقْ
لا تلتقيه كالفراشة تقتفي أثر الضياءْ
إن الفراشة تحترقْ
إن الفراشة تحترقْ
المقطع الشعري هو مطلع لقصيدة الفراشة للشاعر الدكتور عبد الرحمن عثمان بجامعة تبوك «الخريج الحديث وقتها» وهو تقليد درجت عليه، وهو أن أفتتح مقالاتي عن ثورة أبريل به، ولا أظنني سأتخلّى عنه ووددت لو أنني أورد النص كاملاً، فالقصيدة لا تفقد صلاحيتها لأنها حدس قوي ولولا أن النبوة قد خُتمت وانقطع الوحي عن الأرض لقلت أنها نبوة بكل المقاييس، فالشاعر وهو في عين عاصفة الأحداث وبنظرته الثاقبة والشعب في غمرة الفرح بالنصر في الشوارع يوم السابع من أبريل 1985م بعد سقوط نظام مايو وتدخُّل الجيش، رأى أن ثورة الشعب تُجهض وتُسرق وتتسلل من بين يديه، وأن جهات كثيرة تتحرك لتنقض عليها «جيش يجوس بغير وقع في الظلام» أو هكذا البيت، ورأى فراشته الجميلة وبألوانها الزاهية تحوم حول النار وتحترق!!
تجيء انتفاضة أبريل هذه المرة في ظل تداعيات ما يُسمّى الربيع العربي الذي ينظر إليه الكثيرون ممن لا يعرفون تاريخ الشعوب خاصة الشعب السوداني الذي هو بين إعلام العرب كاليتيم على موائد اللئام نبذاً وتجاهلاً، بأنهم أتوا بما لا تستطعه الأوائل! ودون التقليل من الإنجازات التي حققتها الثورات في مصر وتونس واليمن من ثورات سلمية أنجزتها الشعوب دونما استعانة بالأجنبي أو الارتهان للخارج، فمثل هذه الثورات فيلم شاهده الشعب السوداني مرتين من قبل، وهو في هذا المجال رائد بكل تأكيد، ابتداءً من ثورة الشعب في أكتوبر 1964م، أي ما يكمل نصف القرن بالتمام والكمال، إلى السادس من أبريل 1985م بما يقارب ثلاثة عقود، نعم أنجز شعب السودان العظيم هذه الثورات وأسقط الدكتاتوريات، ولكنه لم ينجح في أن يحوِّل هذه الجهد الشعبي العظيم إلى نظام حكم سياسي مستقر.. كل هذه الثورات تصدق عليها مقولة الفيلسوف، ولعله طاليس، أن الثورات يفكر فيها الفلاسفة، ينفذها الفدائيون ويستفيد منها الانتهازيون، وبنظرة سريعة إلى مآلات الثورات السودانية وما هو معلوم عنها إلى ثورات الربيع العربي، على الأقل أن محمد بوعزيزي يرحمه الله في تونس الذي قام بإحراق نفسه «بغض النظر عن رأي التوانسة أنفسهم في ما فعل والدوافع وراء ذلك» وشكل الشرارة التي أطاحت حكم الرئيس بن علي، نجد ألا علاقة على الإطلاق تقريباً بين بوعزيزي ومنطقة سيدي بوزيد التي انطلقت منها الثورة وبين راشد الغنوشي الذي جنى ثمارها، أما وائل غنيم الذي لا يذكره أحد الآن وهو المحرك الأساسي للثورة المصرية من خلال الفيس بوك نجد ألا علاقة تقريباً تربطه بالرئيس محمد مرسي الذي لم يكن من قبل شيئاً مذكوراً، أما ليبيا الأمر فيها معلوم، ولعل الليبيين الآن يرددون الشعار السوداني المأثور الذي ابتدعته جماهير سوق الخضار وهي تستقبل الرئيس إبراهيم عبود «ضيّعناك وضعنا وراك» هتفوا له بعد أن هتفوا ضده وأسقطوه وبعدها أُسقِط في يدهم بالذي خلفه وهو خَلْفٌ أضاع الأمانة واتبع هوى المصالح.. لصوص الثورات دائماً بالمرصاد وهم جاهزون ومنظمون ويغتنمون ارتباك الجماهير وعدم استعدادها فيطرحون أنفسهم البديل الذي يملأ الفراغ.
والسودان ليس بدعاً في هذا فثورة أكتوبر صنعتها الجماهير واستولت عليها الأحزاب التي ما لبثت أن هيأت المنصة للعسكر والانقلاب الذي قاده جعفر النميري يرحمه الله في 25/5/1969، أما أبريل فأمرها مختلف، فإذا كانت أكتوبر قد اندلعت من غير سابق تخطيط من جامعة الخرطوم بعد ندوة عن مشكلة الجنوب تحدث فيها السيد عبد الخالق محجوب يرحمه الله، ومع ذلك أدعاها الكثيرون حتى أولئك الذين دعوا الجماهير في ميدان أبو جنزير بشهادة الشهود منهم الدكتور حسن الترابي بالعودة إلى منازلهم وهم سوف يقتصون لدم الشهيد الطالب أحمد القرشي طه، أما أبريل فهي نتاج عمل دؤوب وصبور امتد لسنوات، وفكرة التجمّع النقابي ورغم أن المصطلح بدأ مع ثورة شعبان 1973م وهي امتداد لفكرة جبهة الهيئات التي صاحبت ثورة أكتوبر 1964م، ولكن التجمع النقابي بدأ فعلياً بمؤازرة إضراب المعلمين الشهير 1978م الذي امتد لأربعين يوماً واجتمعت سبعة عشر نقابة بدار المعلمين المكان الذي شُيد عليه الآن برج المعلم ومحجوب شريف على ذلك شاهد وخلد ذلك شعراً، ثم أخذ شكله التنظيمي في انتخابات «اتحاد نقابات عمال السودان» حيث تجمعت النقابات العمالية التي لا تريد سيطرة الاتحاد الاشتراكي السوداني بقيادة عبد الله نصر قناوي، أكثر من ثمانٍ وعشرين نقابة عامة، وكانت نقابات مؤثرة جداً بل تعتمد عليها حركة البلد، نقابة السكة حديد حيث كان الناس في الأرياف يعتقدون أن الحكومة هي السكة حديد قبل التآمر عليها وإخراجها من دائرة الفعل، ونقابة النقل الميكانيكي والمخازن والمهمات، ونقابة البترول والكيماويات والمهن الغذائية التي تنضوي تحتها أكثر من مئتي فرعية، وعقدوا العزم على أن تتولى قيادة العمال القوى الوطنية.
وكان الحدث في الحديقة الشمالية لمبنى مجلس الشعب، المجلس الوطني حالياً والبرلمان على أيام الديمقراطية، كان هذا على نحو من أواخر السبعينيات، حيث اختار رئيس اتحاد نقابات السودان عبد الله نصر قناوي خطاب نهاية دورته، ومجرد منح حدائق المبنى للاتحاد يشير إلى تماهيه مع النظام الحاكم، وهناك شهدت الساحة هتافاً مدوياً عندما طالبهم رئيس الاتحاد بزيادة الإنتاج فارتفع الهتاف «لا إنتاج ونحن جِياع» يقوده محمد عبد الله من النقابة العامة للسكة حديد «كاتب هذه السطور كان يقف خلف محمد عبد الله مباشرة» مما اضطر الرئيس إلى لملمة خطابه بسرعة وكانت النية إسقاط المجلس المايوي «نسبة إلى مايو»، وكان هذا ممكناً للترتيب المتقن الذي نفذه العمال فقد كان تمثيل النقابات حسب حجمها الصغيرة بواحد والحد الأعلى عشرة، وقد ضمن العمال الأغلبية تقريباً لولا تنبيه النظام السياسي إلى قوة المعارضة بذلك الهتاف، فمارسوا كل أنواع الترغيب والترهيب، ومنها مطالبة القاضي المشرف على الانتخابات مولانا أنور عز الدين الأمين بأن يكون التصويت علنياً، إلا أنه اتخذ موقفاً شجاعاً، فالتحية له والتزم بتطبيق اللائحة، ولكن خسرت القوى المعارضة بأربعة أصوات قيل أنها لنقابة عمال النسيج، وتقول الرواية أنهم زاروا رئيسها أبو شوك مساءً والله وحده يعلم ما الذي حدث.. وانفرزت الخنادق من وقتها وأيقن الناس أنه ينبغي قطع رأس الحية وإسقاط النظام، وبدأ العمل لتجميع النقابات وفق برنامج سياسي مرحلته الأولى إسقاط النظام بالعصيان المدني وتكرار تجربة أكتوبر.
كانت الحركة النقابية تنقسم إلى اتحادين، العمال، والموظفون والمهنيون الذي يشمل الأطباء والمهندسين والوظائف الكتابية الأخرى، وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي التحوّل الآيديولوجي، فقد خرج اليسار تقريباً من حركة العمال ولم تبق لهم إلا نقابة واحدة أظنها نقابة عمال المياه ويقودها النقابي المخضرم محجوب .. وبقي اليسار «شيوعيون وديمقراطيون» في الطبقة الوسطى أو ما يعرف في قاموسهم بالبرجوازية الصغيرة.
واستمر تجمع النقابات «ثمانية وعشرون نقابة عامة»، والنقابة العامة بالطبع من عدة فرعيات، وبعد خسارة الانتخابات في الاجتماعات السرية والتخطيط لعمل سياسي وللتوثيق والتدقيق، كانت نقابة السكة حديد بقيادة علي عبد الله السيمت والناشط عباس العبيد، والسيمت تقريباً اتحادي والعبيد حزب أمة، ونقابة النقل الميكانيكي يرأسها نصر محمد نصر الدنقلاوي المعتق ويسكن الحاج يوسف، ومن البارزين في حزب الأمة، والمخازن والمهمات يرأسها يحيى علي عبد الله يرحمه الله وهو عضو مكتب سياسي في حزب الأمة أو نحو ذلك، ورجب خميس يرحمه الله منداري من أقاصي الجنوب وبأفكار ناصرية، ومعه جون مكام وأليجا وعبد اللطيف، وعمال البترول يرأس النقابة الحاج على الطيب مستقل أقرب إلى الاتحاديين يسكن الأزهري، والكيماويات على رأسها حسن الطيب خلف الله اتحادي وقتها أقرب إلى علي محمود حسنين والآن يسكن ود البخيت، وعمال المساحة على رأسهم محمد صالح وداعة ويسكن أركويت، والتعاون يوسف محمد مختار وغيرهم كثير.. وهذا التوصيف لمن يريد أن يتحقق أو يوثق متع الله الذي على قيد الحياة بالصحة والعافية ورحم من عبر منهم وحتى الذين توفاهم الله فهناك أهلهم وأصدقاؤهم يمكن أن يؤكدوا ما يرد عنهم.
وأهم ما في هذا التجمع أنه لم يقم على أسس حزبية مما أثار حفيظة الراحل حسن مصطفى في اجتماع عاصف ضم القيادات العمالية في منزل محمد صالح وداعة بأركويت، وكما ورد سابقاً كان الهاجس الاتصال بنقابات الموظفين والمهنيين ومع من يكون الحديث في وقت أصبح الشك هو الملازم والخوف من الوقوع في جهاز الأمن الذي زرع عناصره في كل مكان، وتم الاهتداء إلى نقابة جامعة الخرطوم لطبيعة عضويتها المزدوجة، أساتذة الطب أعضاء في نقابة الأطباء والهندسة في المهندسين والبياطرة والزراعيين وهكذا.. ووقع الاختيار على كاتب هذه السطور ليقوم بعملية الاتصال بنقابة الأساتذة كعنصر معروف لدى النقابة، لجهة أنه كان رئيساً لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم، وكان رئيس النقابة وقتها الدكتور عدلان الحردلو وسكرتارية البروفيسور محمد الأمين، ورحبت النقابة بالفكرة وتحمسوا للدور، وأول اتصال كان بفرعية كلية الطب وكان اللقاء مع د. شاكر زين العابدين النحاس والدكتور أحمد سراج.. وأول لقاء بين العمال وأعضاء النقابة كان بمنزل العامل حسن الطيب بالثورة الحارة السابعة، ثم تعددت اللقاءات، ولكن بغرض التأمين والسرية انتقلت إلى منزل العامل محمد عثمان سالم في داخل مزارع ألبان كوكو، وكانت زوجته الكريمة تصنع الشاي على الفحم عند الباب للمجتمعين في الغرفة الواحدة بالداخل وفي ذات الوقت تراقب الشارع وتقوم بالتأمين «لله در نساء بلادي جنديات لم يسمع بهن أحد». والمجتمعون من جانب الأساتذة هم البروفيسور محمد الأمين التوم والدكتور علي عبد الله عباس، وأعتقد أن معهم د. مهندس عمر فقيري، ومن الطلاب كان عبد الهادي الزبير حمد الملك «الآن أوردسي» حيث كان في كل مرة يصحبه أحد الطلاب، وكثيراً ما ذهب برفقة الطالب ياسر محجوب الشهير بياسر سمندل «د. صيدلي الآن ومدير قُطري لشركة دواء كبيرة» وسوف يفصِّل كاتب هذه السطور في هذا إن شاء الله في كتابه قيد الإصدار بعنوانه المقترح «أبطال أبريل الأخفياء»، وكان أول لقاء مع لجنة القضاة ورئيسها وقتها مولانا عمر الصديق البشير الآن بالإمارات، مع الأساتذة بمنزل بروفيسور محمد الأمين التوم بحي المطار.
وكانت نقابة الأساتذة تنسق عملها مع بقية النقابات دون تفاصيل عن نشاط العمال، والحكمة أن يبقى نشاط العمال سرياً حتى ساعة الصفر، لتبقى الضربة واحدة وقاضية لا يصمد معها النظام ولا لساعة واحدة.. ومنسق الربط كان كاتب هذه السطور فقط ولا أحد غيره، واستمر العمل والترتيب، وفي كل حين يكسب التجمع نقابة جديدة ومناصرين جدداً، وأصبح سقوط النظام بالعصيان المدني في حكم المؤكد.. فما الذي حدث؟
سافر المنسق إلى فرنسا ومن ثَمّ إلى لندن للتنسيق مع معارضة الخارج إن كانت هناك معارضة وسبر غور ما إذا كان هناك ما يرجى منه من معارضة الخارج! وأوكل أمر التنسيق إلى الأستاذ عبد العزيز دفع الله من نقابة التأمينات، وفي هذا الأثناء اندلعت أحداث أبريل وكان الخوف واضحاً من أن يتحرك الشارع من غير تنظيم وأن يسقط النظام من غير ترتيب وقد كان! ظلت الأحداث تتداعى في الشارع من 26/3/1985 وحتى الخامس من أبريل والعمال ينتظرون إشارة التحرك ولم يحدث .. وفوجئوا بسبعة نقابات مهنية تعلن الإضراب السياسي الذي لم يحسم الأمر، مما جعل الجيش يتدخل ويقطع الطريق على الجماهير من الوصول إلى السلطة، ومن ثم بدأت تصفية كل شعارات الانتفاضة، حاول البروفيسور محمد الأمين التوم معالجة الأمر واتصل بالعمال وخاطبهم في مقر الاتحاد بشارع الجمهورية، ودعاهم للمشاركة في التجمع، وفوجئوا هناك بكل نقابات الاتحاد الاشتراكي وقد خلعوا جلابيب مايو ولبسوا مسوح التنتفاضة، بما فيهم جماع صالح شاور عضو المحكمة الشعبية التي حكمت على الشريف حسين الهندي والصادق المهدي بالإعدام! وعندما تساءلوا أجابهم أحد الذين يحلمون بالتصعيد إلى المناصب والاستوزار، وبالتالي تكبير كومهم داخل التجمّع «هذه نقابات صححت مواقفها» وزهد العمال في تجمع يضم أمثال أولئك.
وعاد المنسق من فرنسا غضبان أسفاً، ولشدة أساه لم يكن له ابن أم يأخذ بلحيته وبرأسه كما فعل موسى عليه السلام، وبدأ يسأل عن عبد العزيز دفع الله الذي تبخّر ليسأله كيف أجهض عمل السنين، نعم أجهضت المطامع والانتهازية، ولا أريد أن أقول الخيانة، ثورة الشعب العظيمة بعزل شريحة العمال وتغييبها، فتأخر الحسم، فتدخل الجيش وقطع الطريق وأبقى على كل مؤسسات مايو وقوانين سبتمبر التي سموها شريعة، ثم استعصام الحركة الشعبية وعدم مشاركة قائدها د. جون قرنق ونعته الانتفاضة بأنها «مايو تو»، وثالثة الأثافي تولي عمر عبد العاطي منصب النائب العام، وصعدت شخصيات إلى الوزارات لم يسمع بها أحد، وحديثو الانضمام إلى التجمع من الذين يؤرخون للتجمع بتاريخ انضمامهم له أو معرفتهم به، من أمثال الدكتور الجزولي دفع الله الذي تقلد أهم المناصب
على الأستاذ عبد العزيز دفع الله أن يتكلم الآن.. فمازالت الندوات تعقد والصفحات تسود وتدعي البطولة في صنع أبريل، ولكن الشعب يريد أن يعلم من أجهضها ليسرق الجهد بعد ذلك؟! وعلى المؤرخين والصحافيين زيارة الأسماء التي ورد ذكرها فلديهم الكثير من المعلومات، بل أن بعضهم لديه شرائط مسجلة مثل السيد حسن الطيب خلف الله.. فهذه حقبة من تاريخ الوطن شديدة الأهمية وشديدة الحساسية، خاصة والترشيح لثورة قادمة وارد، فينبغي التعلم من تجارب الماضي السوداني وليس الربيع العربي. وجدير الشكر للمخرج الطيب الصديق، فالعنوان مستوحى من فيلمه «الذين سرقوا الشمس» الذي فاز بالجائزة الثانية في تونس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.