ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تثير الجدل: (لو في ولد عجبني بمشي بقول ليهو أديني رقمك) والجمهور يسخر: (خفيفة زي شاي البكاء)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يدون بلاغ في مواجهة زميله ويطالبه بتعويض 20 ألف دولار    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    زيارة تفقدية لوالي سنار إلى محلية سنجة    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفوضى الخلاقة سياسة إنقاذية كاملة الأركان!
نشر في الصحافة يوم 28 - 10 - 2010

لاتجد مشتغلا بالهم العام لا يضع مسألة معايش الناس في أولويات سلم اهتماماته.
والاهتمام بقضايا الناس وهمومهم يعني اعطاؤك الفقر وقضاياه حيزا مرموقا من الانتباه ذلك أن الفقر اليوم يكاد يعصف بنسيجنا الاجتماعي الذي عهدناه متماسكا . وسنتناول اليوم بعض الجوانب التي تختص بهذا الأمر الهام الذي صرفتنا عنه الشواغل مرارا وقد أفلحت في مزاحمته وان لم تكن بذات أهميته .
توجد العديد من التعريفات للفقر ولكن أبسطها : «انه الحالة الاقتصادية التي يفتقد فيها الفرد الدخل الكافي للحصول على المستويات الدنيا من الرعاية الصحية والغذاء والملبس والتعليم وكل ما يُعد من الاحتياجات الضرورية لتأمين مستوى لائق في الحياة» حسن طبرة الحوار المتمدن 2008.
وقد حدد البنك الدولي في 2008 خط الفقر ب 1.25 دولار للفرد في اليوم وهو الحد الأدنى للدخل الذي يؤمن مستوى معيشي يلبي التعريف أعلاه «من موقع الويكيبيديا».
والفقر حالة تتعدد أسبابها بالنسبة للمجتمعات والدول ما بين: قلة الانتاج وانخفاض الدخل وعدم العدالة في توزيعه وسوء الادارة والفساد وعدم الادخار والبطالة وعوامل أخرى مثل الحروب والنزاعات وغيرها ، وقد حدد تقرير التنمية العربي في عام 2003 أن نقص التنمية في البلدان العربية سببه نقص التعليم ونقص الديمقراطية وعدم تمكين المرأة ، ويقاس الفقر بمعايير عديدة وبعدد من المفاهيم مما يجعل الحكم عليه نسبيا ومتراوحا بين الفقر المدقع والفقر المطلق والفقر النسبي اعتمادا على مستوى المعيشة السائد في بلد ما .
على المستوى الفردي ربما تفاوت دخل الشخص تبعا للتفاوت والاستعداد الفطري في المواهب أوالملكات ولكنه مربوط الى حد ما بعدم استطاعة الضرب في الأرض بحثا عن الرزق «بسبب العجز أو المرض..الخ». و ندرك مشاهدة أثر ذلك التفاوت الفطري على الأفراد وان لم تكن علاقته حتمية بالفقر اذ أن الأرزاق لا تجري دوما على الحجا وبقوله تعالى « أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون» الزخرف آية 32. ولكننا نعلم يقينا أن ذلك التفاوت في الأرزاق غنى أو فقرا، قوة أو ضعفا أو في المواهب والملكات الفطرية أو غيرها من أوجه التفاوت اقتضتها الحكمة الربانية ليتكامل الناس وتعمر الحياة الدنيا. و المال والعدم ابتلاء بالخير وبالشر ليرى ربنا أنشكر أم نكفر ؟ وهي بعد لا قيمة لها في تحديد مواقعنا الايمانية فكلنا متساوون عند الله تعالى ويقول الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم»:«إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ، ويقول «التقوى هاهنا التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ». اذن لا يترتب على الفقر أو الغنى أو غيرها من التباينات أي تفاضل في القرب أو البعد منه سبحانه وتعالى الا بمقدار ما نفعل بغنانا وفقرنا ..وبالتالي فالانسان شقي أو سعيد بتقواه وعمله.
فان كان الرضا بما عندنا بعد الاجتهاد بالعمل فذاك:هو الغنى الحقيقي وان كان الاستكبار والاستغناء بالمال فذاك: هو الفقر الحقيقي.كان ذلك من أمر ديننا ، أما لدنيانا فنحن مأمورون أن نعمل، و كأننا نعيش أبدا والفقر بؤس يشوه ويحطم كرامة انسانها فهو أخو الكفر وهو شر تعوذ منه رسولنا الكريم «صلى الله عليه وسلم» ، وقال عنه الكرار علي «كرم الله وجهه» : لو كان الفقر رجلا لقتلته! ذلك أن الفقر كما يقول نيلسون مانديلا هو الوجه الحديث للعبودية. فغالبية من لا يحصل على قوت يومه ولا يبيت آمنا في سربه لا يستطيع أن يعبد الله ولا يستطيع أن يكون مفيدا لمجتمعه.
وهنا يأتي دور الحكومات ويكون مجال علم الاجتماع بالعمل على توفير الحد الأدنى الذي تستقيم به الحياة بما يوجبه العقد الاجتماعي بين الحكومة والشعب والذي يلزم الدولة بتقديم الرعاية الاجتماعية لمواطنيها والحد الأدنى لمعيشة كريمة.
لا شك أن هم باحث الاجتماع والمصلح الاجتماعي وأغراض السياسة تعنى وتتعلق بكيفية توفير ذلك الحد الأدنى المرجو لحفظ النفس وكرامة الانسان.
فمن يحصل على أساسيات الحياة من مأكل ومشرب وكساء ودواء وتعليم يكون منتجا فاعلا ويكون مفيدا لمجتمعه و يتفرغ الى هموم أكثر رقيا في سلم حاجات الانسان الأساسية من علم ومعرفة وابداع لتصب المحصلة وترفد مصلحة وطنه.
ومن هنا توافقت الأمم منذ عام 2000 ضمن منظومة الأمم المتحدة لتحديد ثمانية أهداف سميت بأهداف الألفية وعقدوا العزم على تنفيذها بحلول عام 2015 وهي: القضاء على الفقر والجوع الشديدين، تحقيق التعليم الأساسي الشامل، تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، خفض نسبة وفيات الأطفال، تحسين الصحة الانجابية، مكافحة فيروس نقص المناعة «الايدز» والملاريا وغيرها من الأمراض، ضمان الاستدامة البيئية، تطوير شراكة عالمية للتنمية.
وبينما أقلب في تلك الأمور على خلفية القمة التي تناقش أهداف الألفية والتي عقدت بنيويورك من 20-22 سبتمبر2010 الجاري أنزلني تقرير قرأته بالرأي العام 6 اكتوبر الجاري من علياء تلك المحاور الفكرية الى واقع البؤس المحيط بوطننا السودان .يتناول التقرير معدلات الفقر في البلاد وبه وردت افادة من السيد ياسين الحاج عابدين - مدير جهاز الاحصاء القومي في مؤتمر صحفي عقد في يوم 4 اكتوبر 2010 باعلانه أن مسحا قد أجري بتمويل نرويجي وبمعاونة البنك الافريقي للتنمية بهدف جمع بيانات عن الصرف الاستهلاكي للأسر، بجانب تحديث البيانات الديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية، جاءت نتائج خط الفقر فيه «50.6%» بالجنوب. بينما بلغ خط الفقر في الشمال بنسبة «46.5%»، اذ بلغ وسط الحضر «26.5%» والريف «57.6%»، في حين بلغت أعلى نسبة لاستهلاك الغذاء بالشمال «62%» من مجموع الاستهلاك، وتم حساب خط الفقر في شمال السودان بحوالي «3.8» جنيهات للفرد في اليوم ، وبحوالي «114» جنيهاً للفرد في الشهر، وبلغت فجوة الفقر «16.2%»، وهي تمثل القيمة النقدية الاجمالية اللازمة لرفع دخول الفقراء الى مستوى فوق خط الفقر .
وعند هذا المنعطف بلغت بي الدهشة مداها ذلك أن هذه الافادة تقدر خط الفقر الذي تحدده الحكومة بمبلغ 3.8 فمن يملكها يكون خارج نطاق الفقر، فهل هذا التقدير حقيقي لخط الفقر وهل يقول الواقع ذلك عزيزي القاريء؟ هل تكفي هذه الجنيهات وان جبرناها لتصير أربعة هل تكفي الفرد لتغطية مصروف يومه من سكن وأكل وشرب ومواصلات وتعليم «وهي الأغراض التي يجب أن يغطيها هذا الدخل» وسنتغاضى عن العلاج والكسوة ولن نتطلع الى الترفيه واشباع الهوايات. فكيف تجرى هذه المسوحات التي لا يمكن تصديقها الا أن يكون المخاطب من أهل الكهف. فكاً لطلاسم هذا الخبر المحير عن المبلغ المقدر لخط الفقر أخذت في تقليب القوقل في الشبكة العنكبوتية بغية الحصول على معلومات تفيد بالطريقة التي تعرف بها حكومتنا «المنقذة» الفقر و من هو الفقير بنظرها.
أتتني الاجابة متهادية على الاسفير بلسان السيدة وزيرة الرعاية الاجتماعية السابقة «السيدة سامية أحمد محمد» والقيادية بالمؤتمر الوطني في حوار أجرته معها صحيفة الرأي العام في10/11/2009 ، «قبل الانتخابات المزورة» حيث أفادت سيادتها بقولها «ولا أظن أن هذا التعريف قد ذهب بذهاب الوزيرة»: نحن نبلور مفهوم الفقر في السودان على انه عدم القدرة بالوفاء بالحد الادنى من الضروريات الاساسية للحياة الفردية والجماعية التي تحفظ الدين والنسل والنفس والعقل والمال، واعتبار مؤشرات هذه الضرورات على النحو التالي: الحد الادنى من المأكل الاساسي والحد الادنى من الملبس والمأوى، ويمكن ان يقاس المأوى بامتلاك منزل او ايجاره، والمياه بالقدرة على تحمل فاتورة المياه، والمواصلات والعلاج والادوية وتعلم القراءة والكتابة، والحد الادنى من الامن على الحياة والعرض والمال.
وبذلك تكون السيدة الوزيرة قد أضافت على ال3.8 جنيه عبء العلاج الذي كنت قد تطوعت باستبعاده. فيا عجبي هل تلد الجنيهات في دولة المشروع الحضاري أم أن الجن يساعد الميزانية مثلما كان يحارب الأشرار في الجنوب؟
والمدهش أن الوزيرة تعلن صراحة أنهم «لا يملكون احصاءات عن نسبة الفقر ولمن هم فوق خطه أو تحته بقولها- ليست لدينا إحصاءات، وكل الأرقام التي ترد عن نسب الفقر غير دقيقة ودائماً هناك أسباب أخرى لهذا الأمر، اسباب سياسية أو من أجل الحصول على نقود وهكذا لكن المهم هنا ليس عدد الفقراء في السودان، المهم إن السودان وضع استراتيجيات لتحقيق متطلبات الحياة السياسية ونحن في وزارة الرعاية الاجتماعية ماضون في إنفاذها»، ومع ذلك فقد قدمت الوزيرة قبل حوالي 3 أسابيع ويومان فقط في تقرير قَدّمته وزارة الرعاية الاجتماعية لمجلس الوزراء في اجتماعه برئاسة النائب الأول علي عثمان محمد طه، أنّ «4.3%» من سكان السودان يُعانون من الفقر والجوع.
وأشار التقرير إلى أنّ النسبة تمّ اعتمادها وفقاً للمؤشرات المعتمدة في البنك الدولي، التي تعتبر الأشخاص الذين يقل انفاقهم عن دولار واحد في اليوم يُعانون من الفقر والجوع الشديد «مع ملاحظة أن هذا الرقم قديم فقد اعتمد البنك الدولي كما ذكرت أعلاه نسبة 1.25 دولار منذ 2008 !»، وأوضحت الدراسة التي قَامَت بها الوزارة خلال الفترة من 2005 إلى 2008م، أنّ متوسط دخل الفرد يتباين بين الريف والحضر، حيث يَبلغ صرف الفرد اليومي في الحضر «4.2» دولار مقابل «2.8» دولارات في الريف، وطبقاً للدكتور عمر محمد صالح الناطق الرسمي باسم مجلس الوزراء، فإنّ التقرير قدم محاولة جادة لتعريف الفقر، مُسترشداً وآخذاً في الاعتبار الجهد الإنساني. واعتمد جُملة من المؤشرات لقياس الفقر أهمها توافر مياه الشرب النقية، المأكل، الملبس، المأوى، المواصلات والدواء وتوافر الأمن.«صحيفة الرأي العام 16/10/2009»، فزادتني الوزيرة حيرة الى حيرتي فتلك الأرقام تناقض أرقام مدير الاحصاء والفاصل بينهما عام فقط فهل زاد عدد الفقراء في ظرف عام من 4.2% في 2009 الى 46.5% في 2010 مرة واحدة؟ لكن لا يجب أن تدهشنا تصريحات الانقاذيين التي يجب أن نكون قد اعتدنا على مفارقتها للواقع وللحقائق! والوزيرة لا تكتفي بالاعتماد على دراسة تحدد خط الفقر بناء على أرقام قديمة تم اعتماد غيرها منذ 2008 «قبل سنة من تصريحها» بل تقول صراحة أنها لا تعبأ بأعداد الفقراء والمهم عندها أن هناك استراتيجيات لتحقيق متطلبات الحياة وهم «في الوزارة ماضون لانفاذها». دعوني وأسألوا العادّين: هل يمكن تنفيذ أي شيء دون احصاء؟! فمن أين أتى هؤلاء يا ربي؟
ثم سئلت الوزيرة عن أن الفقر هزم أو كاد أن يهزم المشروع الحضاري «خاصة بعد ظهور الكثير من الممارسات غير الأخلاقية» فما كان من الوزيرة الا أن أجابت قائلة: «أنا بالنسبة لى عندما يقولون إن الفقراء ممكن ينحرفوا لا أرضى ذلك، لأن هنالك فرقاً بين فقر القيم والفقر المادي، وليس كل فقير مادياً فقير في قيمه، ففي السابق كان المجتمع كله أكثر فقراً ولم تكن مثل هذه الأشياء موجودة فهذه أشياء لا علاقة لها بالفقر بأى صورة من الصور، ربما تكون لها مثلاً علاقة بالطموح الذى يجعل البعض يقع في إنحرافات».
وهذا قول ركز في عقولنا أن تلك الوزيرة لم تكن في المكان المناسب لأنها ترمي القول على عواهنه دون أرقام وقد كان السؤال عن الانحرافات التي تفشت في دولة المشروع الحضاري بأرقام مزرية وهذا سؤال لا يحتمل الا الاجابة بالأرقام فلن تنفع الفقراء صكوك غفران وشهادات عفة تصدرها الوزيرة بحقهم دون أن تقوم بمسؤولية موقعها التي تحتم عليها السهر على توفير ما يليها من التزامات الحكومات تجاه شعوبها بموجب العقد الذي بينها وبين مواطنيها وعليها العمل بجد على توفير الحد الأدنى من الرعاية الاجتماعية التي تحفظ للانسان كرامته الانسانية «خاصة أنهم أتوا لتطبيق شرع الله» وهي تعليم ورعاية صحية مدعومة واعانة من لا يستطيع العمل بسبب العجز ثم تخلية بين الخلق وسعيهم فيحقق كل حسب مقدرته ولا تسئل الحكومة بعدها الا عن العدالة والشفافية وسيادة حكم القانون وغيرها من أركان الحكم الرشيد.
و نعيب على الوزيرة كذلك التحدث دون الرجوع لأهداف الألفية والتي نجد أن السودان بفضل دولة المشروع الحضاري عند مراجعتنا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الانمائي يسجل تراجعا مستمرا في أهدافها الثمانية وقد مضى من عمرها عشر سنين ولم يبق الا الثلث والسودان بين متقهقهر في بعض أهداف الألفية أو مكانك سر أو يمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل.
وتدهشنا طوباوية الوزيرة المتعلقة برؤيتها عن فقر القيم والفقر المادي ، فصحيح لا يمكن قول ان الفقراء لا قيم لهم فقد أخبرنا ربنا في محكم تنزيله «للفقراء الذين احصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا وما تنفقوا من خير فان الله به عليم» البقرة 273. لكن حسب علمنا أن وزارة الرعاية الاجتماعية وزارة خدمية وليس من أغراضها تخريج الرؤى الفلسفية والتنظير والواقع ودراسات عديدة تنبئنا بأن الجوع من عوامل الانحراف لذلك رفع سيدنا عمر حد السرقة في عام الرمادة.
كما نجد أن الشيخ يوسف القرضاوي أورد في كتابه المسمى «مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام» ان الفقر خطر على العقيدة وعلى الأخلاق والسلوك وعلى الفكر الانساني وعلى الأسرة وهو خطر على المجتمع واستقراره.
ولكن الأكثر ايلاما من ذلك التناقض الصراح مع الواقع هو ما وجدناه في كتاب «السودان اقتصاد الانقاذ والافقار الشامل» للأستاذ محمد ابراهيم عبده «كبج » اذ لولا أن ربط الله على قلوبنا وبقية من ألوح لطارت العقول ونحن نقلب في ذلك الكتاب الذي يقارن الكاتب في فصله الأول بين الانتاج الزراعي لآخر سنة في العهد الديمقراطي مع الانتاج الزراعي في العهد الانقاذي .
والحسرة تغمرك عزيزي القاريء بل تقتلك حينما يذكر الكاتب أن انتاج الذرة مثلا في العام 88/89 الذي سبق الانقاذ حقق 4 ملايين و425 ألف طن أما جملة انتاج الذرة في عامي 89/90 و 90/91 كانت 2 مليون و716 ألف طن، أي أن انتاج الذرة في سنة واحدة من العهد الديمقراطي كان ضعف انتاج عامين في الانقاذ وعلى ذلك المنوال قس كل المحاصيل الأخرى بل ان انتاجية الفدان من الذرة بلغت 333 كيلو للفدان الواحد في الديمقراطية الشيء الذي لم يحدث طيلة حكم الانقاذ. فلماذا كفرنا أنعم ربنا وقد كان رزقنا يأتينا بياتا ونحن نائمون .استغفر الله العظيم.
ليس ذلك فحسب فعندما نستصحب واقعنا اليوم مع ما جاء في البيان الأول في يوم الانقلاب مما ذكر في الكتاب من افتراء كثير على الديمقراطية ورميها بالفساد وقلة الانتاج وحدة الفقر وكل الموبقات والفشل فنجد أن كل ما عابته الانقاذ على الديمقراطية قد لزمته بأقصى درجة حتى اجتمع الفساد والفشل والتقصير وصار رجلا اسمه: الانقاذ ، مما يجعل الانسان ضاربا أخماسا في أسداس من هول ما يرى: من مخالفة الأهداف المعلنة للنتائج المتحصلة بما يفوق الخيال وكل تصور.
يقول البيان الأول ان ثورة الانقاذ قد آلت على نفسها اتخاذ الاجراءات الآتية:
1- ايلاء أسبقية أولى لتأمين معاش المواطن وكفالة الحاجات الأساسية وضبط السوق ومكافحة التهريب والضرب على أيدي المحتكرين والمتاجرين في السوق الأسود وسارقي قوت الشعب.وانتهى المطاف بذلك الملف في سوق المواسير وما أدراك ما سوق المواسير وانتهى بعبارات مثل «خلوها مستورة» و «استراحة المحاربين» وشهادات أهل البيت بأن الأطهار المتوضئين سقوا ربهم خمرا، حتى رفع مثل يسن عمر الامام الفاتحة على السودان من هول ما رأى من موبقات في عهد المشروع الحضاري.
2- تحسين الخدمات في الريف والحضر من تعليم وصحة واتصال وطرق وموارد مائية. وهنا تكفي أرقام الميزانية المقدمة على مر العشرينية لادراك في أي مرتبة تأتي الخدمات من أولويات الدولة المنقذة.
3- ضبط الفساد في الخدمة العامة ومكافحة الاختلاسات ومحاربة الرشوة ومحاسبة المفسدين ومحاكمتهم بصورة جادة وناجزة.وستخصص لذلك لجان تحقيق ومحاكم خاصة ولن يستثنى منها أحد مهما كان موقعه أو مكانه. وهنا يكفي تقرير المراجع العام القريب ليوضح كيف انقلبت الأهداف لعكس مقاصدها لدرجة أن بعض المصالح ترفض عيانا بيانا تقديم ميزانيتها للمراجع العام الحكومي وليس المعارض.
4- دفع التنمية والانتاج وفق خطة علمية واقعية والتعويل على النهضة الذاتية والموارد المحلية. وهنا لا يحتاج الانسان سوى تصفح صحف اليوم ليرى كيف أن أصحاب الصناعات يجأرون بالشكوى من توقف مصانعهم ، والزراعيون يغني حالهم عن سؤالهم فهم نزلاء في السجون بسبب الاعسار، وفي الصحف وفي المحال يرى المتفرج كم البضائع الاستهلاكية الهائل الذي يغمر الأسواق وكثير منه لا يرقى لمقابلة مواصفات الجودة بينما توقف الانتاج المحلي تماما لدرجة أن صرح أصحاب السوق في سوق ام درمان في ابريل الماضي عند تفقد الامام الصادق لسوق ام درمان ابان الانتخابات المضروبة التي أخذناها جدا بقولهم «في السوق حتى الكفن صار صيني».
أما الجوانب الأخرى فحدث ولا حرج فمشكلة الجنوب التي أتوا كما قالوا لمنع قرنق من أن يصل للخرطوم مع أن المؤتمر الدستوري كان على الأبواب لمناقشة كل مشاكل السودان فكانت النتيجة تحكي مأساة حقيقية فالخرطوم صارت مرتعا ومهبطا للأجانب من القبل الأربعة ومن كل حدب وصوب ولا توجد حرمة لحدودنا الكل ينتهكها«أحباش ومصريون وتشاديون ويوغنديون وقائمة تطول» ولا للمواطنين السودانيين خارج الحدود سواء في المهندسين أو في الزاوية وغيرها وتم تدويل قضايانا بالكامل حتى خرجت من أيدينا وضاهينا اليهود في الشتات ولم نترك حتى اسرائيل طرقنا أبوابها. أما داخل الوطن فغربة ووحشة. ذلك أن القهر حاكمنا والفقر مجهز على ما تبقى من رمق. ضاعت السيادة وتبخرت الأحلام وفوق ذلك فالرئيس مطلوب بأمر المحكمة الجنائية لجرائم حرب بحق مواطنيه ونحن الآن أمام استفتاء سيؤدي حسب قراءات المتابعين الى انفصال للجنوب وربما غدا الغرب و الشرق لا فرق فلم تبق الا مساحة عرضها مثلث حمدي ، والانقاذ جاثمة فوق الصدور.ليحمنا ربنا من بئس المنقلب.
ان كان من اضافة فهي تأكيد لما كتبه د. أحمد حمودة حامد في ابريل 2010 بمقال عنوانه: «زيف التنمية وسياسات الافقار فى السودان» ، كتب قائلا: ما أصاب الشعب السوداني ليس فقرا، بل افقاراً منهجياً متعمداً انتهجته حكومة الاسلامويين بقصد تجويع العباد حتى تسهل السيطرة عليهم سياسيا». وكل السودانيون يحفظون عن ظهر قلب مقولة حكومة الاسلامويين : «نحن نجر الناس من بطونهم» فى اشارة الى أنهم سيتبعون سياسة التجويع حتى يأتي الناس لأداء الولاء والطاعة أذلة وهم صاغرون. انتهى.
وسلمتم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.