"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من اوراق الراحل الاستاذ أحمد عبد الحليم
مستقبل السودان السياسي.. «رأي وروية» «1»
نشر في الصحافة يوم 29 - 10 - 2010

قد يرى البعض ان الحديث عن مستقبل السودان السياسي أمر يقترب من الرجم بالغيب، لما يحيط بأوضاع السودان من تعقيدات مركبة تعمل فيها تناقضات الداخل، وتدخلات الخارج بنوازعها المختلفات، وما نتج عن ذلك كله من اوضاع تشبه تلال الرمال المتحركة. نعم، وقد يكون الامر اعقد من ذلك. ولكن ليس أمام من يكون مسكوناً بهموم الوطن، ويتلقى دعوة من دورية علمية وقورة للكتابة ضمن ملف تخص به السودان إلا الاستجابة.
إن أوضاع السودان الراهن وتداعياتها الظاهرة والمستترة، تدعو إلى اعمال الفكر وتحريك الوجدان اهتماماً بمآلات الوطن خاصة لدى من يكون من الذين أتيحت لهم فرصة الاشتغال بالشأن العام فترة من الزمان تجاوزت العقود الاربعة، وشاءت له المقادير أن يسهم إسهاماً متواضعاً في تكييف الأوضاع بالمشاركة الفكرية والتدابير العملية. وأن يكون شاهداً فاعلاً في غير قليل من الأحداث التي شهدها تاريخ السودان المعاصر، وأن يسعى مع الساعين بالرأي والرؤية في تصور أوضاع مجيدة للسودان، إذ يزوده ذلك كله بحصيلة من المعرفة والتجارب وليدة المعاناة، والاشقاق أحياناً. ولعل الذي يثير الإشفاق في نفسي هو رؤيتي لبعض الناس يتجاهلون البديهيات ويسعون مكابرين إلى توليد تصورات جامحة من عند أنفسهم تتجاوز الواقع والمحتمل، لرسم صورة لهذا الواقع والمستقبل من بعده، من ذات أنفسهم، ورغبة منهم في تحقيق اهداف وغايات لا تسمح حقائق الواقع وتداعياته المنطقية بتحقيقها.
ومن البديهات التي شخصت في السودان عبر تاريخه القديم والحديث، أنه يشبه مفاعلاً حضارياً اعتملت في جوفه، وماتزال تعتمل، عناصر متنوعة وترسبات تاريخية عديدة. فالسودان منذ بدء تاريخه المسجل بممالكه العتيقات وحضاراته المتتاليات مثل حضارات نبتة وكرمة وكوش، شهد تداخل ثقافات وعقائد وسبل عيش وحراكاً بشرياً تفاعلت في صنع كيانه وتشكيل وجدانه، ومنحته ميزته الكبرى ميزة التسامح الذي صار أصلاً في تكوينه ومقوماً من مقومات وجوده. إذ ما كان للسودان أن يكون وأن يتواصل وجوده لولا تحلي أهله بالتسامح والاستعداد للتعايش الذي يقبل الآخر، ويحتضن الوافد ويصوغ ذلك كله في كيان متداعٍ إلى الانسجام دائماً مهما كانت العارضات من الأحداث الأصيلة والدخيلة.
هكذا كان السودان أبداً، وهكذا المفاعل الحضاري الذي يمثله والذي ظل يفعل فعله عبر الحقب والقرون خاصة منذ أن شمخت حضاراته في ما كان يعرف بالنوبة العليا ومنطقة الأبواب في شمال السودان التي تكاملت مع ما كان حادثاً في النوبة السفلى في جنوب مصر في كيان واحد وهب الإنسانية حضارتها الاولى وأرسل اشعاعاته في الدنيا من حوله. بل أن ليوبولد سيدار سنغور قد نسب إلى منطقة الاحباش العليا للنيل، أنها قد كانت المستقر الاول للانسان. وبين شمال السودان القصي جنوب مصر وبين جنوب السودان القصي عند منابع النيل، أهلت حضارات في شرق السودان وغربه وجنوبه جاءت اضافات مشرقة إلى عناصر المفاعل الحضاري الكبير الذي صنعه البشر والجغرافيا والتاريخ في سودان وادي النيل. ولئن كان مركز هذا المفاعل قد قام في شمال السودان ووسطه، فإن حركته قد ظلت تنداح شرقاً وغرباً وجنوباً لتعانق حضارات تلك البقاع، وهكذا ظل السودان يتشكل عبر التاريخ إلى أن جاء الاستعمار الاوربي وقطع مسيرة هذا المفاعل بما أقامه من سدود في وجه حركة البشر داخل السودان، خاصة تلك المتجهة من الشمال صوب الجنوب، إذ شرع لما جعله المناطق المقفولة، أي المحجورة على تحرك الشماليين تجاه جنوب وطنهم ومنطقتي جبال النوبة والانقسنا، على حين أنه جعلها مفتوحة أمام كل وافد غريب خاصة الاوروبيين، ثم أردف ذلك بسن سياسة خاصة تجاه الجنوب هدفت إلى عزله، وادارته بصورة مغايرة لادارة بقية مناطق السودان. وكان القصد من وراء ذلك اقامة سد عريض يكون جنوب السودان جزءاً منه، يمتد في وسط القارة الافريقية وشرقها ليقف في وجه حركة مواطني شمال افريقيا إلى جنوبها خشية ان يحملوا معهم اشعاع الاسلام واشراق نوره واثر الحضارة العربية الى قلب القارة الإفريقية وجنوبها. وكان كل ذلك أصلاً في خطة الاستعمار الرامية إلى تقسيم القارة الإفريقية إلى افريقيا شمال الصحراء وافريقيا جنوب الصحراء. أما هذا السد الذي سعى الاستعمار إلى اقامته، فقد قصد به ان يضم جنوب السودان ويوغندا وكينيا وتنزانيا وروديسيا ونياسلاند اللتين صارتا فيما بعد زيمبابوي، لتغدو العروبة والإسلام حبيستي منطقة يحدها شمالاً البحر الابيض المتوسط وتقف جنوباً على مشارف ما سمَّاه العرب رباط الصحراء أو رباط داكار، لينفرد الاستعمار بوسط القارة وجنوبها ويشكلها بصورة يستعصي معها تكامل القارة لتقف موحدة في وجهه.
وكان الأمل والمرتجى وقد حقق السودان استقلاله في فاتح عام 1956م، أن تعمد حركته السياسية إلى اقتلاع الحواجز والكوابح والسدود التي غرسها الاستعمار في جوفه، ليستأنف هذا المفاعل الحضاري العظيم مسيرته فيحقق انسجاماً وطنياً يكون اداته في استثمار امكاناته الطبيعية الهائلة، ليجدد حياة شعبه، ويصنع مجد وطنه. ولكن من أسف فقد كبت جياد الحركة السياسية السودانية في مرات عديدة أمام صعاب تشكيل دولة قومية على ركام الإرث الاستعماري الذي استعصى على التغيير والتحويل زماناً قد تطاول.
مشكلات الدولة الوليدة:
من معارك النضال، وتوحد كل أهل السودان اصراراً على الحرية والاستقلال، معززاً بفاعلية الكفاح المشترك لشعبي وادي النيل، وبصيرة ثورة يوليو، ولد السودان المستقل في اول يناير عام 1956م، وكانت النفوس متطلعة إلى حرية شاملة من ربقة الاستعمار وغوائل الفقر والجهل والمرض، بل ومتحفزة إلى العمل المثابر والتضحية في سبيل تحقيق ذلك جميعاً، ولكن سرعان ما ضمر الأمل عندما تبدت المقعدات في سبيل تحقيق تلك الآمال والمطامح. وتمثلت المقعدات في الإرث الاستعماري الذي أورث الدولة الوليدة مشكلات معقدة من حيث إهمال التنمية وسوء توزيع النذر القليل الذي تحقق منها وتركزه في منطقة وسط السودان، حيث الأرض الخصبة والماء الوفير اللذين يسرا زراعة القطن مبتغى الصناعة البريطانية، وترك العديد من المناطق رافلة في قيود الفقر والبدائية خاصة جنوب الوطن ومناطق أخرى شاسعة في شرقه وغربه وشماله القصي. ولعلَّ مما زاد حدة عدم التوازن هذا في التنمية، الهجرات الواسعة صوب العاصمة الوطنية ووسط السودان الذي كان يعرف بمديرية النيل الأزرق. ولئن تحقق بعض الأثر الايجابي الراجع لتلك الهجرة في المناطق الشمالية فإن الجنوب وبعض مناطق الغرب والشرق لم تفد من آثاره لقلة هجرة ابنائها الى وسط السودان، فتنامى لديها إحساس بالغبن وكأن أهل الوسط قد عمدوا إلى حرمانهم، على حين أن هذا الوسط وإن حقق تنمية نسبية فإنه قد كان متخلفاً كذلك بفعل الإهمال الذي رزح تحته مع بقية أنحاء الوطن.
ولقد ضاعف الإحساس بالإحباط عوامل القصور الذاتي التي اتسم بها الحكم الوطني الوليد، خاصة في أدواته الاساسية، أي الاحزاب السياسية. وذلك لأنها وإن كانت طامحة للخير فإنها لم تعد نفسها لصنعه. ومرد ذلك عائد إلى هشاشة بنيتها وضعف مناهجها الفكرية وغيبة برامجها السياسية والاجتماعية والتنموية. وكثيراً ما يُحار الانسان في ما إذا كانت هذه احزاباً سياسية حقاً أو خلقاً آخر، إن التشكيلات السياسية التقليدية التي نشأت قامت على خليط جمع زمراً من المتعلمين مع مزيج من الطرق الصوفية والتركيبات القبلية. وهنا لا بد من المسارعة إلى القول إنه لا غبار على الطرق الصوفية، بل يحمد لها انها قد قامت بنشر الهدى، وأدت وظيفة فاعلة في مسيرة توحيد المواطنين باجتيازها الحدود القبلية، إذ تداعى أبناء العديد من القبائل للانخراط في الطريقة الصوفية الواحدة. كما أنه لا غبار على القبيلة التي تشكل آصرة قربى وتكافل، وكثيراً ما جمعت القبائل جهود بنيها لتخفيف مشاق الحياة ومغالبة صعابها. ولكن المشكلة قامت عندما أُريد الخروج بخصائص هذه البنيات العقيدية والاجتاعية من سياقها الأصيل القائم في جانب منه على ركائز الولاء والطاعة إلى سياق السياسة القائمة على الرأي والرأي الآخر والجدل وقوة العارضة. فكان لذلك أثران سلبيان: إذ كان السعي إلى اقامة احزاب سياسية على مبدأ يناقض طبيعتها هو مبدأ الطاعة وتلقي التوجيه واطاعته دون تدبر أو جدال، كما انعكس أثر التحزب سلباً على الطرق الصوفية والقبائل بتحويلها إلى عصبيات تساند الأحزاب، فكسب الحزب وما ربحت تلك التشكيلات الأصيلة، إذ تحولت بعض الطرق الصوفية إلى طوائف وفسدت رابطة القبيلة بالتعقيد المنساق وراء قيادات لم تبذل كبير جهد لتطوير مناطق القبائل المساندة لها. أما خسارة الاحزاب فقد تمثلت في أن بنيتها وطبيعتها قد خالفتا المعهود في نشأة الأحزاب على أساس الفكرة الجامعة والبرنامج المعبئ لطاقاتها وطاقات الوطن على جادة تحقيق الاهداف التي تجعلها غاية لبرامجها. وهكذا دخل السودان مرحلة الاستقلال وهو يحاول بناء الجديد بأدوات القديم التي تعجز عن صنعه لتصورها عن الوفاء بمتطلباته.
ولئن كانت هذه علل نشأة الأحزاب التقليدية من حيث هشاشة البنية وقيامها على الولاء الطائفي والقبلي والشخصي والأسري، الأمر الذي اضعف بنياتها وزهد ناشئة المتعلمين والقوى الحديثة في الانضمام إليها أو لجوئها إلى اقامة علاقات سطحية معها بحكم المنابت الطائفية والقبلية، فإن جماعات من المتعلمين والمنتمين إلى القوى الحديثة بحكم الاندراج في النقابات والاتحادات القائمة على الانتاج والخدمات، قد اختطت لنفسها مسارات جديدة بالانضمام إلى الاحزاب العقيدية، فكانت المبادرة للحركة الشيوعية والحركة الإسلامية، ولحقت بهما حركة الاشتراكية الديمقراطية والقومية العربية. ولقد كان للحركة الشيوعية فضل الاهتمام بالحركة الفئوية والجماهيرية، فصار لها إسهامها المقدر في الحركة العمالية وحركة المزارعين والشباب والمرأة. وكان للحركة الإسلامية وحركة القومية العربية فضل التنبيه إلى الطاقة الهائلة للعقيدة الدينية والانتماء القومي. ولما بدأت الحركتان الشيوعية والإسلامية على وجه الخصوص ركزتا على البناء الفكري والتنظيمي، ولكنهما انجذبتا إلى التركيز على الجوانب التنظيمية والحركية بدافع الرغبة في النمو الذاتي والسعي إلى ملء الفراغ الذي خلفته الاحزاب التقليدية، فتحولتا تدريجياً من مدرستين فكريتين إلى ما يشبه عصبيتين تنظيميتين، ونشأ بينهما عداء مازال يتواصل. وهذا ما يفسر استعاضة بعض الطلاب المنتمين إليهما، خاصة، بالعنف والاقتتال عن المنطق والجدل وقوة العارضة. ولعلَّ هذا ما يفسر العداء المعوق لمسيرة الوفاق الوطني الذي تقوم عليه بعض تشكيلات المعارضة وبعض العناصر المتطرفة التي تساند النظام الحاكم في السودان وتشاكسه أحياناً.
إن قصور قدرة هذه التشكيلات السياسية عن التنبه اليقظ للمشكلات الحقيقية للوطن وعجزها عن معالجتها، قد أفضى إلى تواصل مشكلة الجنوب دون حل ناجح، باستثناء الومضة التي لاحت ثم خبت في عهد ثورة مايو في أعقاب اتفاقية اديس أبابا عام 1972م التي حققت حلاً ديمقراطياً تفوضياً أقام حكماً ذاتياً إقليمياً للمديريات الجنوبية يعتبر من أشرق صفحات الحكم الوطني في السودان. كما افضى هذا العجز إلى نشأة احزاب جهوية وقبلية. ولكن اكثر وجوه هذا العجز كلفة هو إدخال البلاد في دوامة التراوح بين نظم حزبية ليبرالية عاجزة أفضت إلى انقلابات عسكرية حققت بعض الإنجاز وألفها الناس حيناً من الدهر ثم عادوا وانقلبوا عليها فعادت ذات الأحزاب إلى الحكم، وهي ما تعلمت إلا القليل من تجاربها وما نسبت إلا القليل من طرائقها وائتلافاتها واختلافاتها. وما يزال السؤال العصي على الاجابة ماثلاً أمامنا وهو: ما الذي حال دون قدرة الفئة المتعلمة في أن تصلح شأن الاحزاب أو أن تقيم البديل المعافى من علل الاحزاب التاريخية في السودان؟
ويتضافر مع الإرث الاستعماري وعوامل القصور الذاتي مُقْعِدٌ ثالث ينبغي ألا تقلل من فعله وأثره، هو التدخل الاجنبي، واللجوء إلى الاجنبي لحل مشكلات الوطن، والتآمر معه من قبل بعض القوى، بما شكل مهدداً مستمراً لوحدة الوطن وأمنه واستقراره. ولا تصرفنا عن قول هذا خشية أن نحسب في عداد المؤمنين بنظرية المؤامرة. إذ لا ايمان لنا بهذه النظرية، ولكن ينبغي ألا نخشى الجهر بالحق إذا وقع التآمر فعلاً وهدد الوحدة الوطنية. وإنه فيما علمتم قد شاع الحديث في السنوات الأخيرة عن حروب الآخرين التي تنفذها بعض الفئات الوطنية المندرجة تحت نفوذ هؤلاء الآخرين، أو الراغبة في مساندتها في وجه أوطانها. ومن البديهيات التي يدركها النظر المجرد وليست بحاجة إلى بصيرة نفاذة لادراك كنهها، حقيقة أن الدبابات والمدافع وآليات الدمار الأخرى لا تنبت في غابات الجنوب، ولا تنحدر مع حجارة تلال البحر الأحمر، وغني عن القول إن مواصلة الحرب مكلفة، وان من يتولى وزرها ونقل كلفتها لا يفعل ذلك لوجه الله، فللأجانب دائماً أجندتهم السياسية الخاصة التي كثيراً ما تتعارض مع مصالح الدول التي يدعمون الخارجين عليها، خاصة عندما يكون لدى الدولة والقوى السياسية بها اقتناع بأهمية الوصول إلى حلول عادلة للنزاعات التي تتسبب في الاقتتال. وهذا هو حال السودان الذي التقت رؤية حكومته ورؤية القوى السياسية الأساسية المعارضة لها، والشعب كله من وراء هؤلاء وأولئك راغب في حل سياسي تفاوضي عادل يقي البلاد والعباد شرور الحرب، ويمهد السبيل لبناء الوطن بعقول وسواعد كل بنيه. ولقد صار واضحاً ومعلوماً أن بعض الدول وطائفة من الجمعيات الطوعية غير الحكومية قد ثابرت في السنوات الأخيرة على إذكاء روح الحرب والقتال، وحالت دون توقف الحرب بشتى الذرائع والافتراءات على السودان وشعبه، ورسمت له صورة شائهة لا تقوم على دليل، ولا تصدقها حقائق الواقع، وتجافي ما عُرف عن أهل السودان من سجايا التسامح والإلفة وعدم الجنوح إلى الشر والكيد والبغضاء، وقد خُصَّ السودان بقدر غير يسير من المخططات التآمرية على وحدته وأمنه واستقراره، كما أثبتت الدورات المتتالية لمجلس جامعة الدول العربية الذي أصدر القرار تلو القرار شجبا لذلك التآمر ودفاعا عن وحدة السودان ومساندة لأهله ولجهود الخير التي يبذلها الأشقاء والأصدقاء لجمع شمل بنيه وتيسير الوفاق بينهم. لقد صار سجل التدخل الاجنبي في السودان معروفا وليس بحاجة الى كبير جهد لاقامة الدليل عليه، فكم من جهة أجنبية قد اعترفت، وبعضها علنا، بمساندتها لحركتي التمرد الاولى والثانية، بل أن بعض قيادات الدول الغربية قد أعلنت على رؤوس الاشهاد أنها ستساند كل من يسعى الى تغيير نظام الحكم السوداني بالقوة. كما أن بعض دول الجوار شاركت أحيانا في المخططات الاجنبية التآمرية على السودان، فأقامت قواعد التدريب للمحاربين الذين يشهرون السلاح في وجه وطنهم ووجه قواته المسلحة. وإذا كان السودان قد أصاب نجاحا في إعمار علاقاته مع بعض دول الجوار، فإن غير واحدة من هذه الدول ما تزال تحتضن الجماعات المقاتلة وتقدم لها الدعم والسند. بل ثبت أن بعض هذه الدول قد شاركت عمليا في بعض معارك شنتها تلك المجموعات داخل الاراضي السودانية. وصلة اسرائيل مع حركة التمرد غير خافية ولا منكرة. فهل يجوز او يصح بعد هذا الذي سقنا جانبا منه أن ينكر علينا بعض الناس من أبناء وطننا وسواهم أن نتحدث عن التدخل الاجنبي في شؤون بلادنا حتى بعد تحطيم صواريخ كروز الامريكية لمصنع الشفاء المنتج للادوية؟! ان هذا التدخل حقيقة، وانه اليوم يسعى لعرقلة جهود الوفاق الوطني، ويحاول تعطيل المبادرة المصرية الليبية المشتركة للوفاق الوطني السوداني، ويقيم العراقيل في وجه التنسيق بينها ومبادرة الايقاد. وبعض هذه الجهات تساند الموقف الخاطئ الذي تتخذه بعض قوى المعارضة القائم على رفض وقف إطلاق النار الشامل، بذريعة أنه ينبغي أن يكون نتيجةً للوفاق وليس مقدمةً له. ويأتي هذا في وقت يتحدثون فيه عن وقف الحرب ويحاولون إلقاء اللائمة على الحكومة في استمرارها. إن مثل هذا المسلك ليصادم العقل ويصدم الوجدان السليم، استراتيجيتان متصادمتان: إدعاء كاذب بالحرص على إيقاف الحرب، وإصرار مقيم على عدم وقفها..!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.