محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الذكرى المائة والخمسون للحرب الأهلية الأمريكية واستفتاء جنوب السودان
نشر في الصحافة يوم 29 - 11 - 2010

السودانيون بمختلف نحلهم السياسية والجهوية، إمتداداً من جوبا في أقصى جنوبهم إلى حلفا في حافة الشمال، مروراً بقرية أسونقا الحدودية المتاخمة لحدودنا مع مدينة أدري التشادية، إلى حلايب في أقصى تخوم الشرق على الحدود مع مصر، يرتقبون ما يمكن أن تسفر عنه تلكم النتائج التاريخية المفصلية في التاسع من يناير القادم. ويتصادف موعد ترتيبات إجراء الاستفتاء هذا العام مع الذكرى المائة والخمسين للحرب الأهلية الأمريكية المريرة، التي دارت رحاها عام 1860م بين الولايات الشمالية والجنوبية، واستمرت زهاء العامين، وخلّفت وراءها حوالي مليون من القتلى والجرحى بين الجانبين، وملايين آخرين من النازحين والمشرّدين، والهائمين على وجوههم حتى اليوم، بدون عنوان، وبدون ذاكرة أو مرجعية، ففي أمريكا يقدر عدد فاقدي المأوى The homeless بحوالي 11 مليون. وكان السبب الأساسي للحرب هو مبدأ رفض الولايات الشمالية الأمريكية السماح بإنفصال الولايات الجنوبية، بعد المطالبة بتحرير العبيد، خاصة في تلك التي تمتهن الزراعة، وتعتمد على الزنوج المجلوبين من إفريقيا، الذين بدأوا يتململون من ضيق العيش، وانغلاق الآفاق أمامهم، وحرمانهم من الحقوق الإنسانية الأساسية، كالتمتع بالهوية الشخصية والانتماء للأسرة البيولوجية، والحرية الدينية والخ..
ولعل ما خلفته الثورة الفرنسية ، بعد مرور واحد وسبعين عاماً من ذلك التاريخ في 1789م، وما نشرته من أفكار سياسية، على ضفتي المحيط الأطلسي، أضحت تبشر ببزوغ فجر لحقبة جديدة في إدارة الدولة والسياسة الخارجية، تتمثل في إلغاء الأنظمة الملكية الكهنوتية، و الدعوة لقيام الجمهوريات الديمقراطية المنتخبة، كانت له آثاره في الولايات الشمالية، التي تمثل النخب المستنيرة في واشنطن ونيويورك وبوسطن وغيرها، والتي يعتمد اقتصادها على الصناعة أكثر من الزراعة، إذ أصبحت مسألة المساواة، والعدالة، والأخوة الإنسانية، من المواضيع المفتاحية التي تثار في المحافل العامة في تلك الولايات، ومنها ولاية إلينوي، التي ينتمي اليها الرئيس الحالي باراك أوباما، ورشحت الرئيس الأسبق الذي نادى بتحرير العبيد في أمريكا، أبراهام لنكولن، الذي تم انتخابه في 6 نوفمبر عام 1860م، ولكنه دفع ثمن مواقفه السياسية المناهضة للعبودية غالياً عندما اغتيل من قبل المنادين بالإبقاء على العبودية، المؤثِرين استعباد الإنسان الإفريقي في أمريكا، حتى لا ينهار الاقتصاد، الذي كان يعتمد على الزراعة الرأسمالية التي تدير المشاريع الواسعة للقطن والذرة الشامية وقصب السكر، في ولايات ألباما وجورجيا ولويزيانا وغيرها. ومما يجدر ذكره أنه حتى بعد تلك الحرب بمائة عام، فإن المواطنين من أصل إفريقي لم يحصلوا على حقوقهم الأساسية كالتصويت، والتعليم، والمساواة في استخدام المرافق العامة، ووسائل النقل، ودخول المستشفيات، عندما قامت حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كنق عام 1960م، ولكنه لاقى حتفه مثل لنكولن قبله، إذ كان السود خلال تلك الفترة لا يسمح لهم حتى بمجرد تعلّم القراءة والكتابة، على نحو ما ذكره صاحب كتاب الجذورRoots أليكس هيلي، وما ذكره مالكوم إكس في مذكراته التي حررها ذات المؤلف. وبالتالي فلم ينبغ من الزنوج الامريكيين أحد في مجال العلوم، والتقانة، والطب، وحتى الآداب، في خلال الأربعمائة عام الأخيرة، ويمكن الرجوع الى قائمة الحائزين جائزة نوبل من الأمريكيين للتعرف على ذلك ببساطة. إذ كان جزاء من يقدم على ممارسة تعلم القراءة والكتابة القتل والنفي، ولم يسمح للزنوج سوى ممارسة الرياضة والغناء التي كانوا يقومون بها لامتاع مالكيهم، الذين يتبنون معتقدات تجزم بأن العنصر الزنجي خُلق لخدمة الإنسان الأبيض، إذ يزعمون أن إلاله أوحى أنه اختصهم بالعقل والتفكير، وبتدبير شئون الحياة، بينما اختص الجنس الأسود بالقوة والمناعة وضعف العقول، ولكي يحدث التكامل الانساني، وإعمار الأرض، فعلى الجنس الأسود خدمة الرجل الأبيض لتقوم الحياة. وهذا الفكر العنصري المنحرف هو الذي تبناه مؤتمر برلين عام 1884م، بعد زهاء ثلثمائة عام من قدوم البوير Boers الهولنديين الذين أرسوا نظام الأبارثيدApartheid في جنوب أفريقيا، إذ قرر المؤتمر ما أسماه بممارسة الرجل الأبيض مسئولياته التاريخية، وتحمل العبء الأخلاقي الانساني إزاء تثقيف الزنوج في إفريقيا White Mans Burden فانطلقت الغزوات العسكرية الأوروبية التي استعمرت كل إفريقيا، ونهبت ثرواتها، ودمرت أنظمتها السياسية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، على نحو أفقرها بصورة مستدامة، وجعل شعوبها من أتعس أهل الأرض وأشقاهم لمدة قرنين متواليين، بحيث أضحَوا على الدوام متشبثين بزيل قائمة الدول في كل مكونات وعناصر التحضر والعيش الكريم، و التنمية الشاملة، سواء كان ذلك في مجال التعليم، أو الصحة، أو الإصابة بمرض الإيدز، والسل والملاريا،أوالتمتع بالحصول على مياه الشرب، أو استخدام التقانة وانتاجها، مروراً بالحكم الراشد، والشفافية والمحاسبية ومكافحة الفساد، وهلم جرا.
نرى أن هذه المقدمة مهمة لفهم أن كل ما يقدم عليه الغرب من تحركات في مجالات السياسة أوالتعامل مع الآخر هو مسألة مبادئ مدروسة، وتخطيط دقيق، ومهارات تنفيذية، تستند على رؤى استراتيجية، وأفكار فلسفية، وليس من قبيل التعاطف الانساني والكرم الأخلاقي المثالي، كما قد يتراءى أحياناً من مظاهر تستصحب هذه الممارسات. وبالتالي تظل أدوات الدولة الغربية التي تدير بها أمورها، من تلقاء القوة العسكرية والاقتصادية، والقوة الناعمة، المتمثلة في الثقافة والدين، والفلسفة السياسية والأخلاقية، مسخّرة بمهارة فائقة لتخدم هذه التحركات، ومن ثنايا ذلك نستطيع أن نتفهم تعصّب الدول في أوربا، بصفة خاصة، إزاء مطالبة بعض مواطنيها بمنح حق تقرير المصير، وخاصة لتلك القوميات التي ظلت ترزح تحت سيطرتها حيناً من الدهر، ولكن الجميع يعلم أنهم كانوا قبل نحو مائة أو مائتين عام مستقلين تماماً عن هذه الدول، من أمثلة إقليم الباسك، أو سبتة ومليلية في إسبانيا، أو جزيرة كورسيكا وجزيرة الريونيون Reunionفي المحيط الهندي، اللتين تتبعان لفرنسا، أو إيرلندا الشمالية في المملكة المتحدة. وتمضي القائمة لتشمل مناطق يضرب عنها الإعلام الغربي الذكر صفحاً كجزيرة ديقو قارسيا في المحيط الهندي، ومروراً بجزر الفولكلاند، التي تقع على السواحل الشرقية للإرجنتين، وسكانها الأصليون منهم، ولكن تسيطر عليها سياسياً وإدارياً بريطانيا، عبر الغزو العسكري والواقع الاستعماري. ولا نجد في التاريخ الحديث ممارسة راشدة للرجوع الى الحق، وتخيير السكان الأصليين للاستفتاء، وتقرير مصيرهم من قِبل الغرب سوى ما حدث في هونغ كونغ وإرجاعها للصين من قبل بريطانيا. فيما عدا ذلك، فإن الدول الأوربية تمارس سياسة فرّق تسُد على الآخرين، كما حدث في تيمور الشرقية في أندونيسيا، مع مطالبة الآخرين بصورة راتبة باحترام حقوق الانسان وحق تقرير المصير، وحتى المناداة بإقامة دولة مستقلة للأكراد، ليس في العراق وحسب، وإنما في إيران وسوريا، وأخرى للجنوب اللبناني، مثلما حدث أيام الانفصالي الموالي لإسرائيل الجنرال انطوان لحد إبان الحرب اللبنانية في الثمانينيات، والذي حظي بتأييد من بعضها سراً وجهراً.
إن التجربة السودانية في منح حق تقرير المصير لمواطني الجنوب، والسعي لحل إشكالية الوحدة والإنفصال بين السودانيين، وعلى طريقتهم الخاصة، وفلسفتهم الموروثة في إدارة الحرب والسلم، تعتبر مثالية وواقعية، وغير مسبوقة في القرن الحالي، وربما أحياناً درامية في كل فصولها. أما مثاليتها ففي كونها جاءت عبر الحوار، بعد الاتفاق على اطلاق النار والترتيبات الأمنية بين الطرفين، ثم تأكيدهما على عدم الرجوع للحرب مهما إظلمّت الآفاق وتطاولت الأنفاق، إذ تأكد ذلك مؤخراً في اجتماعات قمة الإيقاد بأديس أبابا يوم 23 نوفمبر 2010م، التي شارك فيها الرئيس عمر حسن البشير والفريق أول سلفاكير ميارديت، رئيس الحركة الشعبية رئيس حكومة الجنوب، مما يؤكد على تعزيز هذه المرحلة الفاصلة في صناعة السلام المستدام، على المستويين الفكري والنفسي، وهي مرحلة من النضال لا قتال فيها، وتمثل الجهاد الأكبر جهاد التنمية الحقيقية، هذه هي المثالية، أما الواقعية في التجربة السودانية، فتتجلى في درامية استمرار الحرب لمدة 17 عاماً متوالية منذ 1955م، ثم توقفها عام 1972م، ليشب ضرامها تارة أخرى لمدة 21 عاماً حسوماً حتى 2005م،عام توقيع نيفاشا. فهذا الواقع أمر يحتاج الى التفكر والوقوف عنده، لا استصحابه كحدث تاريخي عابر في عمر البلاد. ولعلنا بهذه المسألة نجدنا أقرب الى من يختار تجربة الطلاق منه الى البتر. ففي حالة البتر ينتهي الأمر بدفن الجزء المبتور، ولا يبقى إلا التذكار الأليم، أما في الطلاق فهناك مبدأ: «فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف» الطلاق (2)، ومبدأ: « وإن يتفرقا يُغنِ الله كلاً من سعته» النساء الآية (130). بيد أن هذا النوع من التفرق هو التفرق المسئول، والمبني على أسس ومبادئ الوفاء بالعهد واحترام الآخر، ويتفق عليه طرفا الانفصال، ويرعيانه باعتباره أصلاً مرجعياً. فمن ذلك أنه في حالة الطلاق، بالنسبة للمسلمين، توجد مسألة العِدّة التي يطلب منهم ربهم أن يحصوها بعناية وتقى: « وأحصوا العدة « الطلاق (1)، فهي بمثابة ترتيبات لمرحلة انتقالية لحياة ما بعد الانفصال، وتشمل إثبات حقوق المتأثرين بالانفصال، كالأبناء وأصحاب الالتزامات والديون وغيرهم، فمن ذلك مسألة الرضاع، التي ورد فيها ضرورة تحقق التوافق بين الطرفين:» فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما» البقرة- الآية (233). من هنا تتأتى لطرفي اتفاقية نيفاشا، ضرورة إثبات مسألتين هامتين، لا يمكن أن يتم تحقيق سلام مستدام في السودان دون تحققهما بكفاءة وشفافية وتوافق موثّق. أولاهما:- ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب بصورة واضحة، بما في ذلك وضع الخرط التي يوقّع عليها الطرفان دون لبس ولا تدليس، إذ أن التجارب من حولنا أثبتت أن المشاكل تحدث عادةً، فتجربة الحرب التي ظلت تعكّر العلاقات بين الجارتين الشقيقتين إثيوبيا وإريتريا، لا تزال آثارها ماثلة، وهناك مثلث الليمي على الحدود بين السودان وكينيا، ومثلث حلايب مع مصر، ومشكلة قطاع أوزو بين ليبيا وتشاد، التي أدت للحرب بينهما في الثمانينيات. فهذا أمر لا تجيده السياسة المبنية فقط على حسن النوايا والتآخي المظنون، بل أمر تحكمه القوانين المرعية والحقوق التاريخية. فيجب ألا يترك شريكا الاتفاقية، مهما كان مقدار الثقة التي توفرت الآن بينهما، قنابل موقوتة لتتفجر في أبنائنا وأبناء أبنائنا في جانبي الوطن، لأنها ستكون مسئولية تاريخية ومصيرية سوف تطاردهم لعناتها مادامت السموات والأرض، وسوف يلقون الله، حال تغافلهم، فيسألهم لِمَ تركوا الفتنة يقِظة ولم ينيِموها؟ وقد أشار الى ذلك الرئيس اليوغندي موسوفيني عندما حذر من الألغام الأرضية التي تنسف السلام.
أما المسألة الثانية، والتي لا تقل أهمية عن الأولى، فهي مسألة المسيرية ودينكا اُنقوك، فهي إن لم تُحل، وخاصة باستصحاب آراء الطرفين الذين ظلوا يتعايشون في هذه المنطقة التاريخية، التي أكدت الدراسات التاريخية التي أثبتها الانجليز، ومن قبلهم الأتراك، أنها كانت تتبع لمملكة الداجو، عندما كانوا حكاماً لدارفور في القرنين الخامس عشر وحتى أوائل الثامن عشر، ثم أُخرجوا منها من قبل الفور، فاستقروا في منطقة قوز بيضا التي تقع في تشاد حالياً، ثم جاء اليها المسيرية في القرن الثامن عشر، عندما نزحوا من الغرب فيما يعرف اليوم بتشاد، وظلوا يقطنونها ويترددون عليها بمواشيهم حتى جاءت الإدارة الاستعمارية وهم كذلك، فتم نقل عموديات الدينكا اُنقوك التسع عام 1905م بعد موافقة الطرفين، اللذين كانا يمثلان المجموعتين القبليتين، نمر على الجلة، شيخ عموم المسيرية، وكوال أروب، سلطان عموم الدينكا أنقوك. وظل الحال على ذلك فرعاه أبناؤهما، بابو نمر ودينق ماجوك، بعد أن نال السودان استقلاله عام 1956م، وخلال ذاك تم التصاهر والتزاوج والتمازج الاجتماعي، والتلاقي في الأفراح والأتراح، بين المسيرية والدينكا أنقوك، حتى أطل التمرد مجدداً عام 1983م، فدخلت السياسة والدنيا واُشربتها قلوب القوم، بما يُخشى أن يكون ابليس قد صدّق ظنه فيهم، يحبون المال الدنيا والنفط جمّاً، ويتطلعون لأمواله المرتجاة التي تتفتّح بها زهرة الدنيا، و تعاظمت الأثِرة والنزوع للتمتع بالعيش الرغد، أضحى هذا هو كل مجمع هموم القوم، بحيث أصبح المرعى متاحاً لحيوانهم، ولكن يحرم من الحقوق الأخرى إنسانهم، وهذه خطوة أخلاقية في التعامل مع الحيوان تستحق الإشادة، ولكن من غير الأخلاقي، ألاّ يكرّم الانسان الذي سُخّر له الحيوان في الأصل. ولذا فإن هذا الوضع يضع على عاتق شريكي إتفاقية نيفاشا مسئولية أخلاقية جسيمة، إذ يتعين عليهما أن يتيقنا حقاً أن إتفاقية السلام لا يمكن أن توصم بأنها تاريخية، إذا أفضت خواتيمها الى خلق حرب جديدة وقودها أرواح من كانوا يتعايشون قبلها 105 عاماً إخواناً متآلفين.
فيما عدا ذلك، فلا بد من التذكير بأن المسائل المتبقية لضمان سلاسة مسار أوضاع ما بعد الاستفتاء يتعين أن تدارعلى طاولة الحوار المسئول. فالواقع أنه إذا حدث الانفصال، وهذا أمر لا يُسر به الكثيرون في السودان، ولا يَسُر اصدقاءه وجيرانه، الذين عبّروا صراحة عن انزعاجهم، كمصر والسعودية وتشاد وليبيا وغيرهم ممن فضّلوا إسرار ما يعتقدون خوفاً من جرح أو خدش أحاسيس ومشاعر البعض هنا أو هناك. بيد أن المؤكد هو أن كل جيران السودان، وخاصة في منطقة الإيقاد، ومعظم دول الاتحاد الإفريقي، يتخوفون من مصير الانفصال، لما يرون من تأثيره المباشر على مواطنيهم الذين ربما يطمح البعض منهم لاقتفاء الأثر، مع ما يستتبع ذلك من تشتت للجهود، وبعثرة للموارد، والتعثر في طريق التنمية المنكوب. فما يعقب الانفصال الذي يجئ وليد اللحظة الأسيفة، والظرف المعاش، والانفعال المتعجل، وليس نتاج التفكر والتدبر للغد المجهول، المتدثر بخفايا حادثات الغيب المحتوم، إنما هو شجون تتناثر، وأحزان تتكاثر. إذ أن رغبات الساسة تجنح دوماً لتحسين صورتهم أمام من يرونهم كأبطال محررين، دون النظرإلى مآلات التحولات الجيوستراتيجية والجيوبوليتيكية المحيطة. ولذا فيرى فقهاء علم النفس الاجتماعي أن الإحتفاء الناشز بالانفصال يكوِّن لدى بعض المروّجين له نزوعاً لإشباع رغبة توهمية، تتظاهر بالاستقلال، ولكن عادة ما تثبت الأيام القوادم مدى فداحة العجز المزري في تحقيقه واستدامته على أرض الواقع، لأن قوانين اللعبة في هذه الصناعة تحكمها الأرقام الجامدة، والقوانين الرياضية والفيزيائية الثابتة. فأخطر ما في الاستفتاء، هو أننا لا نضمن إنتاج ولا إدارة ما يحدث بعده. فالطالق بعد وقوع الطلاق البائن لا تستشير زوجها السابق في شخصية القادم الذي تود الارتباط به، لأن الأمر ببساطة لا يعنيه. فبعد الاستفتاء سوف يكون الحوار بين الشمال والجنوب بين دولتين وليس بين حزبين وطنيين.
مهما يكن من أمر، فإن السودان إن نجح في إدارة الاستفتاء بذات الصورة الحضارية والواقعية التي رسمتها إنتخابات إبريل، فسيتفوق على الولايات المتحدة، فلا يخلّف ملايين من الضحايا والمشردين في حرب أهلية جديدة لا تبقي ولا تذر.
عندما يتحقق ذلك الإخراج الحضاري، وتسود روح الوئام والتفاهم، فلن يكون بين أهل الوطن سود وبيض، أو موالي وعبيد، بل مواطنون كرام، يفخرون بأداء الواجب، ويتمتعون بحق واضح في استكمال بناء وطن متحضر متقدم متطور، وسيِّد وعزيز.
_____
٭ سفير السودان لدى جيبوتي والمندوب الدائم لدى الإيقاد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.