أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قضية الهوية بجنوب السودان في حالتي الوحدة والانفصال
نشر في الصحافة يوم 14 - 12 - 2010

يعد السودان القطر العاشر من حيث المساحة في العالم، وهو الثاني في المساحة في العالم الاسلامي بعد كازخستان، والأول في العالم العربي وإفريقيا من حيث المساحة، من ناحية السكان فإن السودان يجيء في المرتبة الخامسة في إفريقيا، بعد نيجيريا ومصر واثيوبيا وجنوب افريقيا،السودان قطر متعدد المزايا فهو رواق لافريقيا والعالم العربي، وبوابة إفريقيا للعالم، وبوابة العالم لإفريقيا، حيث يطل علي تسعة اقطار مفتوحة علي كل شعوب إفريقيا، كما يطل علي شمال إفريقيا المفتوحة علي مكونات البحر الابيض المتوسط واوروبا، كما أن السودان فوق ذلك هو أرض هجرات، حيث ظلت تقصده الجماعات الإفريقية والعربية، طلبا للكسب وسعيا للرزق في شهول السودان، واختلطت الهجرات الاقتصادية بالهجرات الدينية القاصدة مكة والمدينة،والجماعات المسيحية القاصدة بيت المقدس،كما احتضن السودان اقليات مبدعة من اليهود والآرمن والاغاريق والطوائف القادمة من مصر والحوض المتوسط .
السودان بشخصيته الحاضرة، زواج بين كيانات ثلاثة هي:دولة الفونج التي تأسست عام 1504م، وسلطنة دارفور التي ظهرت في الوجود في القرن السادس عشر الميلادي،وقبائل جنوب السودان التي ظلت دون رباط سياسي جامع حتي توسع دولة الخديوي محمد علي في القرن التاسع عشر الميلادي، ثم إعلان ميلاد السودان علي يد الخديوي اسماعيل باشا في العام 1876م بإسم السودان المصري، الذي ضم هذه الكيانات، بالإضافة إلي ملحقات أخري ممثلة في سواكن، ومصوع، وبقية سواحل البحر الأحمر الغربية.
ولكن هذا الزواج لم يعمر طويلا، نسبة لبروز حركة راية دينية مقاتلة بإسم المهدية في عام 1881م، أي بعد خمس سنوات فقط من إعلان ميلاد هذا الكيان ،ولم تكن الخمس سنوات كافية لتركيز ميلاد الكيان، لأن دارفور دخلت الكيان عمليا في عام 1876م، بينما دخل الكيان الجنوبي إسميا عام 1839م، ولكن لم يكن هناك تفاعل نشط بين الكيانات الثلاثة، نسبة لبعد المسافات ،وضعف وسائل الاتصال،وضعف ميزانية الدولة.
كما أن العقد التاريخية، مثل تجارة الرقيق، وحروب القبائل، ورفض الضرائب والخوف من الدولة، والشك في نواياها كانت ناجحة وفاعلة.
واستفادت الراية الدينية التي رفعتها المهدية في خلق حركة مقاومة جارفة، أنهت السلطة المركزية الناطقة باسم الدولة المصرية والدولة العثمانية في سنوات خمس أي في يناير 1885م، ولأن المهدية في ذاك الوقت إنشغلت ?بالحروبات الأهلية، والصراعات الداخلية، والحروب مع اثيوبيا، وبريطانيا القابضة علي زمام الإمور في مصر ?عن مطلوبات بناء الداخل، ومطلوبات الدمج القومي، ومطلوبات بناء الكيان الجديد،ولعل أكبر اسهامات المهدية في هذه الفترة الهجرة التي صاحبت الثورة من القبائل الرعوية في كردفان والنيل الابيض إلي أمدرمان، وبقية مناحي سلطنة الفونج القديمة،واسهمت في الدمج القومي لكثير من مكونات هذه القبائل مع القبائل النيلية،ولكن مع ذلك فإن بداية التواصل بين مكونات هذاالكيان، ازدادت مع الغزو الانجليزي المصري، بعد استيلاء الإدارة الانجليزية علي السودان بعد سلسلة من المواقع، كانت خاتمتها معركة كرري في سبتمبر 1898م، ثم معركة أم دبيكرات التي قتل فيها الخليفة عبدالله التعايشي، وأسر فيها رجاله.
لتبدأ صفحة مايسمي الحكم الثنائي وكان من أهم انجازات هذه الفترة مد خطوط السكك الحديدية من حلفا حتي الخرطوم، وبناء جسور نهر عطبرة، والنيل الازرق والابيض في امدرمان، وقيام مشروع الجزيرة، وكلية غردون التذكارية، والنقل النهري، وخطوط التلغراف والهاتف، ودخول منتجات الحضارة الحديثة بصورة متصلة، كما مثلت الخدمة العسكرية أساسا ومرتكزا لمشروع السودان الحديث،لأن الخدمة العسكرية نجحت في بسط الأمن، وإقامت خدمة مدنية موازية، تم بها ضبط الإدارة،وفرض الضرائب، واقامت النظام القضائي والإداري، مما عنا قيام ركائز الدولة الحديثة، المستندة إلي سلطة مركزية وتدفقات مالية، وعملة موحدة، وانسياب في السلطات والصلاحيات، وتأكيد لحكم الدولة والقانون.
ولد مشروع السودان الحديث في رحم مختلط وكان هذا الرحم يتشوف للثقافة الإسلامية، ويتشوف للتواصل مع العالم الخارجي، في إطار الثقافة الإسلامية، التي تمثلت أساسا في المذهب المالكي، والبنية الصوفية، ولكن كانت الدولة الحديثة لها مشروعها الخاص بتوطين التجارة الخارجية، المرتبطة بمصالح بريطانيا، وتوطين النصرانية في جنوب السودان والمناطق المتخلفة، وتوطين الحضارة الاوروبية في بيئة إسلامية متخلفة، وتوليد إسلام هجين متصالح مع هذه الثلاثية أي النصرانية، والحضارة الغربية، والتجارة الدولية.
ومع أن المشروع التنصيري نجح تماما في جنوب السودان، لأنه أثمر بنخبة جنوبية أصبح لسانها هو الانجليزية، ووجدانها متصالح مع النصرانية، ومتشكك في جدوي الثقافة الإسلامية، وتطلعاتها في اتجاه الحضارة الغربية ومنتوجاتها المادية والثقافية .
إلا أن االمشروع لم يصادف ذات النجاح في أواسط نفوذ دولة الفونج القديمة، وكذلك سلطنة دارفور، بل أن النخب التي أنتجها المشروع حافظت علي لسانها العربي، وثقافتها الإسلامية، مما مكن بروز دعوات لقيام دولة إسلامية علي أساس مشروعية دينية وبرز ذلك علي مراحل
المرحلة الاولي مرحلة السودنة التي سبقت رفع العلم، ثم جاءت مرحلة رفع العلم وإنزال العلمين الانجليزي والمصري، كما برزت في هذه الدعوة لكتابة الدستور الإسلامي وتطبيق الشريعة.
وبعد ثورة اكتوبر اتفقت النخبة السودانية علي التعريب، والتأصيل، فتم تعريب التعليم الثانوي، مع زيادة الجرعة الدينية،ثم في الفترة 1977- 1985تم إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية، وابتداءاً من 1989م تم تنزيل مفاهيم قيام الدولة الاسلامية أو ما يسمي باستراتيجة التمكين.
ابتداءاً من 2005م دخل السودان في مرحلة جديدة علي إثر اتفاقية السلام بفصولها الستة ، وهي الفصول المتعلقة بوضعية جنوب السودان وقيام مشروع حكمه الذاتي، وقسمة السلطة والثروة بين شقي البلد، والاتفاق علي تقرير المصير لجنوب السودان باستفتاء يؤدي للوحدة أو الانفصال، والاتفاقية الأمنية والعسكرية، واتفاقية المناطق الثلاث المتعلقة بابيي، وجبال النوبة، والنيل الازرق
وجود ذلك مع التفاعلات السياسية، والصراعات، والحراك السكاني علي مستوي السودان يمكن القول أن هذه التفاعلات ومايصاحبها من حراك سكاني، بدلت تماما المفاهيم القديمة المتعلقة بالجغرافية السياسية، القائمة علي شمال وجنوب وشرق وغرب، لأنها جعلت الجنوب حاضرا في الشمال وفاعلا في الخرطوم، وكذلك جعلت الشرق والغرب، موصولا بالشمال، وحاضرا في الخرطوم. وأصبحت القضية من يحكم الخرطوم؟ وماشكل الدولة في الخرطوم؟ وما علاقة المواطنة بالتعريب والتأصيل وتطبيق الشريعة؟ وهل يسير السودان في ركاب الدولة الحديثة القائمة علي فصل الدين عن الدولة واختفاء النموزج الغربي ؟ام أن الدولة ستمضي في اتجاه اتفاقية نيفاشا التي نصت علي تطبيق الشريعة في الشمال وإعفاء الجنوب من ذلك؟ كما أن ما هي دلالات انفصال الكيان الجنوبيظ في ظل الحراك السكاني، والتفاعلات السياسية، التي جعلت الاساس هو الاستحواز علي السلطة والثروة، والسيطرة علي المركز، من خلال التحول السياسي؟ وما هي آثار هذه التفاعلات علي الهوية السودانية الغالبة القائمة علي ثلاثية الثقافة الإسلامية، واللسان العربي، ومطلوبات التواصل مع الحضارة الانسانية الغالبة؟ وكيف يتم ضبط الهوية من منظور اتفاقية السلام، ومنظور الدولة، ومنظور التفاعلات الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية، والعقدية التربوية والتعليمية، في إطار التواصل العالمي، وغلبة المنظور العولمي؟
كذلك كيف يمكن النظر إلي إشكالية الرؤية التي تبسطها الحركات الإصولية، الطالبة للنقاء الثقافي، ووهم إقامة مجتمع إسلامي، خالي من المحركات العرقية والاجتماعية، ومتقولب في القوالب النظرية للنص الاسلامي.
يمكن القول بأن الإعلان عن الهوية السودانية، أو بروز الهوية السودانية في شكل صيرورة سياسية، أو اجتماعية أو روحية فكرية، عملية معقدة ومركبة، ومع أنه يمكن أن تكبت الهوية إلا أنها تنداح، وتعبر عن نفسها، في رمزيات وأشكال مختلفة، ولأسباب كثيرة فإن كثير من مكونات العالم الإسلامي تكبت هويتها، والمثال علي ذلك إن كثير من المحجبات يتخلين عن الحجاب في اوروبا، ليس بسبب قناعتهن، ولكن بسبب الخوف والمصانعة وأحيانا من باب الأمن أو (من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) النحلة (106) ولعل أكبر مثال علي قضية المصانعة في قضية الهوية، هو مسلمي اثيوبيا الذين علي اغلبية عددهم إلا أن وزنهم السياسي والاقتصادي، كان لا يتناسب مع حجمهم، وكان كثير منهم يخفي إسلامه، ولكن الآن، أصبحت اثيوبيا كأنها دولة إسلامية، حيث برز الحجاب في الجامعات، وكثرت المساجد، كما أخذ المسلمين وضعهم في حركة السياسة، والإدارة وشيء من ذلك يحدث في نيجريا .
بل أن مصر الخمسينات، لجأت إلي التخفيف من الهوية الإسلامية للمجتمع المصري، وعملت السينما الغربية والمجلات الغربية كمجلة الكواكب وغيرها، لإبراز المرأه في إطار الإنوثة الغربية، ولكن ما لبث كل ذلك أن تبدد وبرزت الهوية الإسلامية المجتمعية المصرية، علي ضغوط الدولة، وأصبح الأصل هو الحجاب في المكاتب، وفي الحركة المجتمعية.
أما في السودان ظل صراع الهوية يدور حول موقف الدولة من الهوية، وهل الدولة محايدة؟ أم إنها تتبني إطروحات الأغلبية، وإطروحات الثقافة السائدة، وإلي حين من الدهر، كانت لغة التعليم بالأغلبية هي اللغة الانجليزية، والمرافعات في المحاكم تدور باللغة الانجليزية، والقوانين والتشريعات مقننة بالانجليزية، ولكن تغير الحال وأصبحت اللغة العربية هي اللغة السائدة، ولغة الخطاب الرسمي، وظل الجنوب يمثل اَداة ضبط إيقاعات الهوية في الشمال، علي الأخص في بعديها السياسي، والتشريعي، وكان الجنوب يحتج علي الشمال بأنه يهمل بعده الافريقي، لمصلحة بعده العربي، كما كان يرفض إعطاء أولوية لمطلوبات الثقافة الإسلامية، بحجة المواطنة، وبحجة أن ذلك يجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية .
علماً بأن الصراع لم يكن بين الثقافة الإفريقية، والإسلامية، وإنما كان يدور بين الثقافة الإسلامية، والعولمية بمحدداتها اللغوية، والروحية، أي ثقافة العولمة بلغاتها اللاتنية (إنجليزية- فرنسية )ومحدداتها الأخري الاجتماعية، والسياسية، والروحية الفكرية، وبمعني اَخر فأن ضبط الهوية الإسلامية، كان يقتضي التوظيف للجنوب، ليس لإبراز العادات والتقاليد والاعراف الجنوبية، وإنما لفتح المجال لمكونات الثقافة الغربية، العولمية، علما بأن الجنوب فيه المسلم الذي ينافح عن الهوية الإسلامية السودانية، ويتمثلها،وفيه النصراني المعاكس لذلك، وفيهم غير المكترث بماَلات قضايا الهوية، والمحددات الثقافية والروحية الأخري .
سواء انفصل الجنوب أو اتصل فإن حركة الثقافة الإسلامية، وتجلياتها بالهوية في اتجاه الصعود، حتي وإن حدثت نكثة وقتية في جنوب السودان، نتيجة الحسابات اللحظية، ويمكن قراءة ذلك من خلال تقبل الجنوبيين للغة العربية، فقبل عقود كانت القلة تتكلم اللغة العربية في جنوب السودان، ولكن اليوم أصبحت اللغة العربية هي لغة التفاهم السائدة بينهم، كما أن الأزياء السودانية، خاصة وسط المرأة الجنوبية أخذت تكتسب أراضٍ جديدة في جنوب السودان، كذلك الزواج، والختان والموت، وغيرها وغيرها.
أما في شمال السودان فإن مد الثقافة الإسلامية يتسع، ويكفي أنه ذات يوم كانت الكنائس أكثر من المساجد في قلب الخرطوم، فإذا بعدد المساجد في الثلاثين سنة الاخيرة يتضاعف أضعاف مضاعفة، ويصبح المسجد يطبع بهيئته قلب الخرطوم واطرافها، بل إن المساجد إتسعت حتي تجاوزت وافاضت عن الحاجة في بعض المناطق، كما أن أعداد المصليين تضاعفت أضعافا مضاعفة، كما أن سنة الزواج أصبحت الاصل حتي وإن تدثرت بمسميات مختلفة، مثل الزواج العرفي، وزواج المسيار وغيرها .
أما علي مستوي الدولة، فقد أصبح اَداء الزكاة من الفرائض المألوفة، كما أصبح الخطاب الديني جزءا من خطاب النخبة السياسية, والاقتصادية والاجتماعية، كما توسعت الجامعات الإسلامية، وكليات اللغة العربية، والثقافة الإسلامية، كما تم تعريب مقدر للكتاب الجامعي، والخطاب الجامعي، و تعريب القوانين والتشريعات، بل وأصبحت مستمدة من الثقافة الإسلامية وكذلك دنيا المال والاقتصاد.
لم تكن هذه التحولات ميسورة فقد تمت في ظل تنديد داخلي وخارجي وضغوط وعقوبات.
ومؤكد أنه إذا انفصل الجنوب أو اتصل، فإن خط الهوية السامية سيكون في اتجاه الصعود، وإن انفصل فإن مسلمي الجنوب سيبرزون ككيان له إشكالاته، وربما يجدون أن وضعهم وضع المواطن من الدرجة الثانية، مما يدخلهم في مجابهات مع الجنوب، ومن المؤكد إنهم سيجدون المدد من الشمال، مما قد يؤدي إلي توترات وصراعات هنا وهناك، ولكن هذا أيضا سيصب في محفظة دفع المد الإسلامي شمالا وجنوبا، كما أن البيئة الخارجية للسودان ستكون مواتية في إتجاه الثقافة الإسلامية، لأن خط الهوية الإسلامية ينمو في إثيوبيا وإريتريا والصومال وكينيا ويوغندا وتشاد، وكلها من الدول المؤثرة علي تكييف قضايا الدولة والهوية في السودان .
وسواء إتصل الجنوب أو انفصل، فإن علاقات التكامل مابين السودان والدول العربية وعلي الأخص مصر والسعودية ستزداد، وبما أن هذه الدول نقحت فيها الهوية الاجتماعية تماماً، علي تحالفاتها السياسية والاقتصادية، شرقا وغربا، فإن الكيان الشمالي سيجد نفسه غير متخلف عن تصاعد مد الهوية شمالا وشرقا، وبذلك فإن الضغط الذي يمثله الجنوب في إتجاه تشكيل الهوية السودانية، أو ضبطها أو تغيرها لن يكون فاعلا، بل ستنغلب القضية بحيث يمكن للشمال أن يكون ضاغطا لضبط إيقاع الهوية الجنوبية، حسب مطلوبات الكيان الإسلامي الجنوبي، كما أن حركة المد الإسلامي في الأغلب ستجد نفسها متناغمة ومتاَزرة مع بروز تيارات المد الإسلامي في العالم العربي، والإسلامي، ودول الجوار، علي الأخص تشاد واثيوبيا، وبذلك فإن الضغط العالمي علي السودان لن يجدي، لأنه سيجد الظاهرة ظاهرة عامة، ويصبح القبول بها والتعاطي معها أجدي من مجابهتها وكبتها.
وبذلك فإن مقولة أن العالم يتجه في اتجاه القبول بالاخر، وفي إتجاه التعددية الثقافية ؛هو الأقرب، فإن تجلي الهوية السودانية في إتجاه الثقافة الاسلامية، ومطلوباتها، ومعطياتها سيظل في خظ الصعود.
إذا كان المزاج الجنوبي انفصالي في هذه اللحظة ، وإذا كان هناك خوف على السودان شماله وجنوبه، من قفزة في الظلام لماذا لا نفكر في طريق ثالث ? جنوب على صلاحيات سياسية أكثر مما عند كردستان العراق ? جنوب منفتح على افريقيا بل ومتكامل معها . وله أوضاعه الأمنية والعسكرية والاقتصادية وسيادة على موارده المعدنية والبترولية وسياسة خارجية مع الحدود المفتوحة، كما له الحق متي ما استكمل مقومات الدولة في الانفصال التام مع مراعاة أدب الوحدة والتكامل الذي هو أساس الحياة الحديثة.
جنوب بؤرة للتواصل والتداخل ما بين شمال السودان وشرق إفريقيا. جنوب اليوم ليس كياناً جغرافياً فحسب ، أساسه الحدود ولكنه جملة من التفاعلات والواردات التي تتشكل يومياً ? لذا يجب الا نقطع الطريق أمام ما يحدث من واردات وتفاعلات.
والله أعلم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.