رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«عجز الشخصية في معرفة الآخرين»
رواية أمير تاج السر «صائد اليرقات» في القائمة الأولىللبوكر العربية
نشر في الصحافة يوم 28 - 12 - 2010


فإن شئت أن تسأل صورتك
في ليلة دافئة
بعينين غمضتين والسؤال على آلشفتين
فلا تبحث عن ذاك في المرآة
إنه حوار مخنوق لا تسمع منه شيئا
بل أنزل إلى الشارع في بطء وأبحث عن ذاتك
بين الآخرين،
هنا تجد الجميع وأنت بينهم...
مقطع اسباني
إن رواية «صائد اليرقات» للدكتور أمير تاج السر هي آخر اصداراته وهي الآن في القائمة الأولى لجائزة بوكر العربية، ودخول هذه القائمة يعتبر إنتصارا للرواية والكاتب السوداني. وقد كانت رواية «توترات القبطي» قد دخلت قائمة الستة عشر في العام السابق، وقد شهد النقاد لأمير تاج السر بأنه يتطور في كل عمل جديد يكتبه، والنقد الحديث قادر بميزانه الدقيق، أن يقيس درجة التطور، أو النكوص والارتداد، أوالتوقف في محلك سر عند الكاتب عموما والروائي خصوصا،
وهو من الروائيين السودانيين الأكثر كتابة في الرواية.
ورواية «صائد اليرقات» والاسم يدخل محفزا كبيرا للمتلقي.
«تحفيز العنوان» فصائد اليرقات، هي رواية رجل أمن متقاعد، كانت مهمته مراقبة الكتاب والمثقفين في المقاهي والكافتيريات، وقد احيل إلى الاستيداع، بعد ان بترت ساقه في مهمة عمل. واصبحت امنيته أن يصبح كاتبا روائيا، ويتعرف بأحد كتاب الرواية المشورين «أ، ت» صاحب الرواية المشهورة «على سريري ماتت إيفا» وينصحه الكاتب بأنه إذا أراد أن يصبر كاتباً مشهورًا عليه أن يطور شخصياته الانساني من مرحلة اليرقة إلى الحشرة الكاملة، لأن التقارير الأمنية التي يرفعا لا ترقى إلى مستوى العمل الكامل حتى يصبر موضوعا لشخصيات روايته. ويبدأ «عوض فرفار» وهذا هو اسمه في البحث عن تطوير الشخصيات التي يعرفها «حفار القبور، المدلك، ، المشجع الكروي، وغيرهم من المحيط الذي يعرفه. ورغم انها» يرقات جاهزة لكي تنمو وتتحول ولكنه لا يستطيع ذلك. لأنه ليس بكاتب، وهو يبدأ في الخوف من أن يسرق منه الروائي «أ،ت» هذه الشخصيات التي يسرد له حياتها وتطورها، فيلجأ للتجسسس مرة اخرى خوفا من ذلك.
وفي نهاية الرواية يكتشف «عوض فرفار» رجل الأمن السابق بأنه هو نفسه قد أصبح موضوعا لرواية يكتبها «أ، ت» وقال له لقد اعدتك للخدمة في هذا النص الجديد حتى تكتمل دوره الحياة للرواية واسميتها «صائد اليرقات».
وتقنية الكتابة الروائية في هذا النص «او ما يسمى آلية إنتاج النص الروائي» فقد كانت متقدمة ومتطورة حين كان هناك صوتان، داخل النص، وهو صوت الراوي، عوض فرفار وصوت الكاتب «أ، ت» بحيث يوجد نصان يسيران جنبا لجنب دون أن يفقد الخيط السردي قوته وتماسكه، بمعنى أن الكاتب أمير تاج لسر قد استطاع في هذا النص والذي تؤكد الدلائل على فوزه، إن شاء الله، أن يثبت ان تعدد الاصوات، او «البوليفونية» في النص الروائي هو تعدد الخطاب الروائي، او اللغة التي يصيغ بها الكاتب العملية السردية. وهذا التعدد يظهر في المقاطع التي تظهر من رواية «على سريري ماتت إيفا» وهي الرواية التي يحلم «عوض فرفار» بتقليدها والكتابة مثلها. وقد ظهرت في هذه الرواية «تقنية الربط والتلحيم» بين نصين كل واحد يختلف حتى في لغته عن الآخر. بدون ان يفقد النص المنطقية والترابط والتواصل مع المتلقي.
والتحفيز القوي في هذه الرواية، وفي اغلب اعمال أمير تاج السر الأخيرة «هو تحفيز الشخصية» فهو قادر على إلتقاط الشخصية المنسية في الكتابة ولكنها معروفة في الوسط الواقعي والحياتي اليومي في المجمع السوداني، وكما هو معروف عن الشخصية في الرواية الحديثة، فإنها إما أن تكون علامة على شخصية واقعية، في الماضي بعيدا ام قريبا، اوفي الحاضر، حية ومعروفة تمشي بين الناس. او متخيلة، او محتملة، قابلة أن تكون موجود ولا يعرفها إلا الخاصة، او قابلة أن تظهر وتتكون في المستقبل، أو هي شخصية قابلة أن يقوم بتركيبها القارئ، أكثر مما يقوم بتركيبها النص... فأمير تاج السر يأخذ الشخصية الروائية في اغلب اعماله، بوصفها علامة على شخصية واقعية، ولكنه يصنع لها افعالاً متخيلة، حتى يستطيع، تعرية المجتمع والسلطة التي تعيش فيها، وهو بهذا قادر على ان يعيد إنتاج صورة الشخصية عبر هويتها الموزعة، والمقصودة في داخل النص. وهذا لا يتم بمعزل عن سياقها الإعلامى، المشخص، الذي وضعت فيه، وامير تاج السر يلجأ دائما في سياقاته للكشف عن تمذجة خاصة بالشخصية، رغم دورها الحقيقي والمهمش في المجتمع. وكل شخصيات رواياته وخاصة في رواية «صائد اليرقات» فهي شخصيات واقعية مشفرة، فالشخصية «شفرة» (CODE») والنص يحاول ان يقوم بفك هذا التشفير بمعاونة المتلقي( DECODING ). ويبدأ التشفير إبتداء من العنوان «صائد اليرقات» وهو الشفرة الكبرى، التي رغم محاولة النص والراوي، ان يساعد في تفكيكها، ولكن يبقى بعد ذلك مفتاح الشفرة عند القارئ والناقد والمحلل لهذا النص، فليس كل صائد يمتلك ادوات الصيد الجيدة، حتى لو اختار الفريسة وصوب اليها شباكه وادواته. واليرقة كما نعلم هي الطور قبل الأخير، من اطوار النمو عند اي حشرة في هذا الكون الكبير.
وواحدة من دلالات النص أن الكاتب يقصد بأن هناك من يعرف الصيد، ولا يعرف كيف يختار فريسته، وهناك من لا يعرف الصيد، ويعرف فريسته وهناك من يمتلك ادوات الصيد ولا يعرف كيف يصطاد، وهناك من لا يعرف الصيد، ولا يعرف الفرائس التي من حوله. وهذا ينطبق على مناحي كثيرة في الحياة من حولنا، ومنه الكتابة التي لها ادواتها، ولها فرائسها.
والروائي امير تاج السر، قد خلق عالما فعليا حيا لشخصيات، انسانية، موجودة في المجتمع السوداني، فتوترات القبطي مأخوذة من مذكرات «يوسف ميخائيل»، وزحف النمل «هي حياة حد الفنانين الكبار، وصائد اليرقات هي لشخصية امدرمانية حية وموجودة، فالكاتب هنا اخذ نماذجا حياً من المجتمع السوداني. فهو يأخذ شخصية معروفة في الواقع العام، وليس الواقع الخاص، الذي لا يعرفه الا الذين من حوله، ويعطيها اسمها مشفرا وسافرا، وينسج من خياله افعالاً وحركة ولغة، وهي شخصيات مساخرة وخادمة لفكرة الكاتب، وعوض فرفار نفسه الراوي الذي يريد ان يكتب الرواية يتحول هو إلى رواية داخل الرواية. يقول في آخر صفحات الرواية «بالمناسبة لا تغضب حين ترى في نهاية الرواية، انني جعلتك تعود مرة اخرى الى الخدمة ، وتندس في وسط الذين عرفوك كاتبا ومحبا لكتابة، لتدون التقارير عنهم، هذه ليست الحقيقة كما تعلم إنه الخيال الذي طالما حدثتك عنه، الخيال الذي يعطي الكتابة طعمها، ، والآن سأقرأ لك الفصل الأول... الأول فقط، واتركك متشوقا حتى ينشر الكتاب، كان قد فتح الملف الأبيض، واخرج مجموعة من الأوراق البييضاء مكتوبة بخط اسود أنيق واستطعت وأنا على حافة الإنهيار أن أنظر إلى الصفحة الأولى: - «صائد اليرقات:«رواية» لقد تحول الراوي إلى فريسة، ولأن الكاتب يمتلك ادوات الصيد ولا يمتلكها الراوي آخر فقد اصطاده وصار غنيمة لنص كله «صائد اليرقات» أما «عوض فرفار» والذي اصبح غنيمة فإن تجربة ما قبل الإعاقة ما كانت تتيح له أن يكون روائيا، فهي تجربة محدودة، ومبرمجة، فهي ليست تجربة انصهار وتعايش عفوي مع الناس فقد كان هناك حاجزا نفسيا بينه وبينهم. لذلك فشل في إن يكتب لهؤلاء الناس بعد أن اعتزل مهتها قسرا وغصبا. يقول: «سأكتب رواية، نعم سأكتب، لابد إنها فكرة غريبة حقا، حين تردت إلى ذهني رجل أمن متقاعد مثلي، انا عبدالله حرفش ، او عبدالله فرفار كما القب منذ الصغر، في الحي الذي نشأت فيه، وكبر معي اللقب، لكنها لن تكون غريبة ابدا وقد قرأت مؤخرا في عدد من الصحف والمجلات التي وقعت بيدي، واستطعت قراءها بلا تعجل، إن بائع ورد «بنغالياً» في مدينة «نيس» الفرنسية، كتب رواية عن الورد بطلتها امرأة من المهاجرات الافريقيات، ظلت تشتري الورد الأحمر عشرون عاماً من محله، دون أن تغير لون، وتخيل البائع إنها تبغه الى حبيب ضائع في حرب بشعة. ونسج قصته عن ذلك الاسكافي الفقير في «رواندا» حين كتب رواية حول الحرب الاهلية الجماعية في ذلك البلد الافريقي الفقير لم يكتبها حتى مشعلُ الحرب انفسهم. وبائعة الهوى كاتبة في سايفون كتبت روايتين رائعتين عن حياتها القديمة حين كانت نكرة في زقاق مظلم والجديد حين أنشأت مصنعا صغيرا لحلوى النعناع، والآن ترجمت الى كل اللغات ، حيث إنبهر بهما القراء».
والكاتب استخدم لغة السخرية الهازلة، وليس القصد ان يسخر بهذه اللغة من شخصياته وانما يسخر بها من المجتمع الذي صنعها والسلطة استغلتها «أحس بمدى تخلف الوظيفة التي عملت فيها أكثر من عشرين عاماً، وانتهت بساقٍ خشبية.. »
والشخصية توظف هنا كحامل دلالي لوعي الكاتب بهذا المجتمع، ولهذه السلطة. وهذا التوظيف الدلالي محكوم بقوانين داخلية لا محيدع الالتزام بها، ونعني به الضبط المحكم للأفكار التي يريد تمريرها، من خلال هذه الشخصيات الانسانية الواقعية. حتى لا تصبح السخرية منها وليس بها كوسيلة توصيلية. وهذا الضبط المحكم هو الذي يميز بين الكتابة الروائية الواعية، وغيرها ، وقد استطاع الروائي أمير تاج السر أن يحول الشخصيات في هذه الرواية «صائد اليرقات» من شخصيات محكية شفاهيا إلى شخصيات عامة، اي شخصيات ذات مسارات سردية محكمة، ثم تأتي القدرة ايضا، رغم صعوبتها من تحويل بناء الفكرة، او الآيديولوجيا الموجودة في ذهنية الكاتب، والموجودة كحكاية في ذهنية المتلقي او القارئ للرواية، الى عملية « تحبيك» الحكاية الشفاهية عن الشخصية في المجتمع «عبد الله فرفار، حفار القبور، المدلك والمشجع الكروي المشهور» إلى عملية سردية او إلى فعل يخضع للضبط الروائي، تشعيب السرد وتمييز غاياته، وتطهير ، فكره وآيديولوجيا الكاتب، وتظهر السخرية من الرواي عوض فرفار بعدم المقدرة على الدخول في فجوات الواقع الذي يعيش فيه ممن قبل، وهو شخصية مزدوجة كانت متسلطة، ويخاف منها الناس، فهو تعود أن يرى أمامه، النموذج الخائف، والمتملق، وهذه أقنعة وقتية، لا تظهر الحقيقة الانسانية، وبعد الإعاقة وزوال السلطة، ما كان ايضا يرى الشخصية على حقيقتها، فهي تنظر اليه محتفرة ومزدرية وشامتة.
لما اصابه من إعاقة، لذلك لم يستطع الكتابة، ما قبل السلطة وما بعدها، فهو بذلك، يجد ذاته قبل ان يجد الآخرين. «والذي لا يجد ذاته لا يجد الآخرين» فقد كان في مهنته يبحث عن سقطات الآخرين «اذكر أول مرة دخلت فيها ذلك المقهى القديم، كنت في بداية حياتي المهنية، شاباً وخشناً، ومدرباً على استخراج خامات التآمر حتى من نسمات الهواء، واجنحة الذباب، وابتسامات الشفاه، حين تبتسم.»
وكما يقول النقد الأدبي الحديث «النقدالثقافي» أن العمل الأدبي يقبل في الغالب، أن يكون رافداً مخصوصاً من روافد نهر «الآيديولوجيا» الذي لا ينضب، ويمكنه ان يؤثر إذا استطاع ذلك على مدى بعيد، لأنه لا يمرر أفكاره التي يمكن ربطها بالخطاب الآيديولوجي، إلا من خلال بنية خطاب الرمزي، محاولاً لتحقيق ذلك، خلق نسيج قصدي لمكونات النص بغية التأشير الى فكرته تلك، مع ضرورة المراهنة على قارئ مجرد، من سماته القدرة على فك سنن الكاتب الخفية. والكاتب في هذه الرواية جعل من النص كله حتى بعنوانه، وعتباته الأولى نصاً رمزياً، محاولاً تفكيك الرمزية العادية واقامة رمزية بديلة غيرعادية.. «الشخصية المشفرة»، وفي سبيل بناء الشكل الرمزي لم يتخلَ عن البناء الواقعي للشخصية في داخل النص، فهذه الشخصيات، استطاع ان يرسم لها اطارها الزمني، وفضاءها المكاني. والعلاقات بينها، وبين المحيط الذي تعيش فيه، ثم تأتي مهمة التطهير اللغوي بحسب القالب الذي يختاره الكاتب بحسب مقدرته وبصمته اللغوية، والكاتب قد اختار في هذا النص الروائي «صائد اليرقات» لغة السخرية التي ذكرنها ، وهي التي جعلت النص في شكل عالم فعلي حقيقي، يتعالق ويتماهى مع الوقع الفعلي الذي نعيش فيه الآن، بل وينطبق على عدة مجتمعات من حولنا. في افريقيا، او العالم الثالث. وهذه اللغة الساخرة او الهازلة التي ذكرنها، فقد عملت ووظفت يسيرورة خفية، لأنها مبنية، وفق قصدية دقيقة، وهي تظهر بمؤشرات محددة، وهذه المؤشرات موجودة مسبقا ومهيأ لها القارئ، الذي قرأ أعمال «أمير تاج السر» الأخيرة «العطر الفرنسي، مهر الصباح، توترات القبطي، واخيرا صائد اليرقات»...
وكما نعلم بأن قصدية الكاتب القوية والمحتملة في هذه الرواية «صائد اليرقات» ان الذي لا يعرف الناس لا يعرف ذاته، والذي لا يعرف ذاته لا يعرف الناس، واذا اردت ان تعرف الناس يجب أن تعيش معهم وبينهم بدون خوف منك، او منهم. وهو بقصدية ايضا قد خدم الكتابة، بحيث اراد ان يقول ان الكتابة هي معرفة الذات والناس والعيش بينهم ايضا.
والكتابة معرفة بعيدة عن الخوف، لذلك لم يستطع عوض فرفار، أن يكتب رواية، لأن الناس كانت تخاف منه قبل الإعانة ، وتزدريه بعدها ايضا..
لم تكن شخصية الراوي «عوض فرفار» شخصية مشوهة او معقدة، فقد إكتشف العجز الداخلي الذي كان يسيطر عليه وقد حاول أن يعوضه بمحاولة الكتابة، والتي لم يكن يملك ادواتها، اي كان صيادا لم يمتلك ادوات الصيد، وكانت فرائسه يرقات لم تكن مكتملة النمو، ولكنه هو نفسه كان فريسة كاملة للكاتب «أ.ت» بحيث حوله بخياله إلى بطل في رواية لها بداية ونهاية. لأنه اكتملت دورة الكتابة به حيث تحول من بيضة، إلى يرقة، ثم شرنقة، حتى صار مخلوقا كاملا، وهذه المراقبة لم يستطعها فرفور حيث يقول له الكاتب «أنا أشبه الكتابة بأطوار النمو... أنت كتبت يرقة لن تنمو إلى شرنقة وتكمل دورتها، هذا التقرير الأمني مجرد يرقة ميتة خرجت من ذهنك، حاول أن تطورها إلى بقية الأطوار، هل تفهم الآن؟
لقد خرجت هذه الرواية، من جلباب الواقعية المحلية الضيقة إلى الواقع الانساني الأرحب، بحيث إنها شخصت وحللت أفعال شخصيات لا تملك أفقا، ولا مشروعا، كان الكاتب يسخر بها من الذين حرموها من هذا الحق الانساني صادروا حتى خيالها، ومعرفتها لنفسها ولمن حولها، وعجز الكتابة عند شخصية «عوض فرفار» هو فقدان الوعي بالآخرين، وهو نموذج موجود في كثير من بلاد العالم لذلك كان نموذجا انسانيا، وليس محليا ضيقا. والكاتب لم يقصد مهنة عوض فرفار في ذاتها، وانما كان يقصد كل من لم يخرج إلى الشارع ليرى ذاته في الآخرين ويُرى الآخرين في ذاته، وكل من تسبب ويتسبب في ذلك ..
إن الكاتب أمير تاج السر يستحق أن يقف الوطن كله معه، لأن روايته تستحق الفوز، فالمحاباة هنا مشروعة لأن فوزه هو وسام في جبين الوطن الكبير، ونحن في زمن التنافس، وحروب الآداب واللغات والثقافات المشروعة ايضا والتي لا ينهزم فيها إلا من تقاعس وأبى. ونحن للأسف لا نعرف كيف نسوق ادبنا وثقافتنا ولا كيف نقف مع كتابنا. واهلنا في مصر يفعلون ذلك خاصة في حرب الجوائز والمسابقات ولهم الحق في ذلك، وفرنسا وقفت كلها حكومة ومعارضة تهاجم جائزة نوبل وتشكك في نواياها، لأن فرنسيا لم يفز بها منذ عشرين عاما، ولم تهدأ إلا عندما فاز بها «لوكليزيو عام 2008م» تعالوا نقف مع ابننا دولة ومعارضة حتى ينال الجائزة التي سترفع رأسنا عاليا. لننسى ونضع جانبا الحقد والحسد الثقافي والتصنيف السياسي للأدب والاُدباء، والثقافة بريئة من كل ذلك.!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.