ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل يُعيد عام 1848م الأوربي نفسه في العالم العربي؟
نشر في الصحافة يوم 21 - 02 - 2011


مهدي داريوس نازيمروايا مركز بحوث العولمة
مدخل: هل يعيد التاريخ نفسه؟ وهل أعادت أحداث عام 1848م نفسها في العالم العربي؟ وهل سيشهد عام 2011م ذات النتائج التي شهدها عام 1848م؟ الشعب العربي وحده يمكن أن يقرر ذلك، فمصير العرب في أيديهم لكن يجب عليهم أن يتعلموا من أخطاء عام 1848م وأن يعالجوا بصورة جادة دور الطبقة الرأسمالية.
الوثبة الأوربية لعام 1848م والوثبة العربية لعام 2011م:
اندلع الحماس الثوري في عام 1848م عبر القارة الأوربية حيث بدأت أمواج الثورة في فرنسا ولم يستنفد الأمر طويل وقت قبل أن يضرب أوربا تسونامي الانتفاضات والثورات الشعبية. وأثرت الثورة على القارة قطراً إثر قطر كما قطع الدومنيو: الدنمارك، المقاطعات الألمانية، المقاطعات الإيطالية، بلجيكا، رومانيا، وإمبراطورية هابسبيرج النمساوية جميعها اهتزت بالثورة الشعبية. وكانت أسس الثورات الأوربية هي ذات الأسس في العالم العربي اليوم، فالتباين الاقتصادي وانتهاك حقوق العمال وغياب المساواة السياسية كانت جميعها أسباباً لموجة الثورات التي انتظمت أوربا في عام 1848م. إن الطفرات الصناعية والاقتصادية والتكنولوجية أحدثت تغييراتٍ اجتماعية/ اقتصادية كبيرة في المجتمعات الأوربية قبل عام 1848م وحتى بلوغ ذلك العام في حين أن هذه التغييرات وفي سياق تاريخي مختلف أصبحت أيضاً تحدث في العالم العربي اليوم. وفي أوربا القرن التاسع عشر تسببت التغييرات الاقتصادية الأساس التي اتسمت بتمكين الثروة في عطالة واسعة فضلاً عن بروز المجاعات، وحدث هذا أيضاً في السنوات الأخيرة في العالم العربي نتيجة لوطأة الإصلاحات التحريرية الجديدة وأسعار الغذاء المرتفعة. إن الغضب جراء قلة التوظيف وقلة الفرص والممارسات الحكومية الفاسدة وأسعار الخبز والغذاء المرتفعة بات في الواقع يثير أعمال الشغب والاحتجاجات في العالم العربي وتحديداً في الدول الواقعة جوار البحر الأبيض المتوسط وذلك لعدة أعوام قبل حلول عام 2011م حيث كانت أعمال الشغب والاحتجاجات الفائتة مقدماتٍ للأوضاع المتوترة لدرجة عالية في مصر وتونس والعالم العربي.
الثورة الفرنسية في 1848م: أهي تونس أوربا أم إيرانُها؟
كانت فرنسا عام 1848م تحكمها الطبقة الإقطاعية والطبقة الصناعية الكبيرة والطبقة المصرفية، وكانت الطبقة العاملة هي سبب بروز هذا الثالوث (الطبقة الإقطاعية والصناعية والمصرفية) وذلك عبر الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789م. وبالمقابل فإن هذا الثالوث أو «الرأسمالية الضخمة» أدى بصورة منهجية إلى حرمان الطبقة العاملة وذلك بإلغاء حق التصويت العام. وقد فرض الملك لويس فيليب الأول معياراً جديداً للإقامة في فرنسا، وكان الملك لويس يخدم مصالح الرأسمالية وقد سُمي كما ينبغي أن يسمى ب»ملك البرجوازية». كان على المواطنين الفرنسيين أن يثبتوا أنهم ظلوا يعيشون في قسمٍ إداري لمدة ثلاث سنوات، وكانت الطبقة العاملة الفرنسية تحتاج من أجل إثبات الإقامة لخطابات إثبات من طرف مستخدميهم. وبهذا فقد حُرمت الطبقة العاملة وأغلبية طاغية من الفرنسيين من التصويت وأصبحت رهينة للرأسمالية، وكان الفرنسيون يهاجرون من مكان إلى مكان ومن قسمٍ إداري إلى قسمٍ إداري طلباً للعمل بسبب الظروف الاقتصادية المتغيرة، الشيء الذي يجعل التاهيل للتصويت مستحيلاً. لقد قبضت العطالة بخناق فرنسا وكان هناك فائض كبير من العمالة الذي كان جاهزاً للاستغلال من قبل الرأسمالية المنظمة بيد أن هذه الظروف غير المحتملة قادت إلى اندلاع الثورة الفرنسية في 1848م. لقد تحالفت الطبقة العاملة في الثورة الفرنسية عام 1789م مع الطبقة الرأسمالية (الطبقة الإقطاعية والصناعية والمصرفية) ولكن هذا التحالف تغير في عام 1848م، ففي الوقت الذي كانت فيه الطبقة الرأسمالية تتصارع بينها أصبحت الطبقة العاملة حليفة للبرجوازية الصغيرة في مطالبتها بنصيب في حكم فرنسا وتوجيه دفة المجتع الفرنسي حيث أطيح بمجلس الأورليانز وبالنظام الملكي مع تأسيس الجمهورية الفرنسية الثانية. ومع ذلك لم تؤمِّن الطبقة العاملة حقوقها بعد عام 1848م فقد تبوأت مقعد السلطة لفترة وجيزة حيث فشل النظام الضريبي الجديد واستعادت الطبقة الرأسمالية سيطرتها وحيَّدت بالتالي الجهود المبذولة للإصلاح الاجتماعي/ الاقتصادي الحقيقي في فرنسا. وقاد هذا إلى انقلاب باريس في عام 1851م والذي جعل من تشارلس لويس نابليون بونابرت إمبراطوراً للامبراطورية الفرنسية الثانية. وكانت النتيجة الأخرى بعد هزيمة الإمبراطور بونابرت في الحرب الفرنسية البروسية هي تأسيس الحكومة الفرنسية قصيرة الأجل عام 1871م والمعروفة لدى المؤرخين باسم «كومونة باريس». وأصبحت فرنسا بموجب كومونة باريس وحكومتها الاشتراكية والفوضوية المختلطة أول جمهورية اشتراكية في التاريخ وقبل أكثر من سبعين عاماً من تأسيس الاتحاد السوفيتي. وفي النهاية وتحت الاحتلال البروسي لفرنسا تم القضاء على كومونة باريس عبر اتفاقية وتفاهم استراتيجي تم التوصل إليه بين الألمان والرأسمالية الفرنسية المنظمة.
فما هي الدروس التي يمكن أن نتعلمها من ثورة 1848م؟ إن الثورة الفرنسية لعام 1848م توضح كيف يمكن للرأسمالية أن تؤثر في رغبات الطبقة العاملة وتوجه دفة المجتمع، وتوضح أيضاً أن الطبقة الرأسمالية كانت مسيطرة على الدولة رغم التغييرات التي طرأت على القيادة السياسية. وأخيراً فإن حصيلة ثورة 1848م في فرنسا توضح أن السياسات كانت تتقلب عمداً بواسطة الرأسمالية المنظمة باعتبار ذلك وسيلة لتهدئة المجتمع، وفي هذا السياق يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه في العالم العربي.
1848م وبروز دولة الرفاه والديمقراطية الليبرالية:
ارتجت أوربا بسبب ثورات عام 1848م فقد كانت هناك أصداء لهذه الثورات على نطاق أوربا وعلى مدى عقدٍ من الزمان تقريباً بيد أن الثورات في أوربا لم تصل لمستوى الثورة الحقيقية كما لم تلبَّ أهداف معظم الجماعات الأوربية، ولكن في حالة هنغاريا تمت تلبية الأهداف القومية وأعيد تشكيل إمبراطورية هابيسبيرج في عام 1867م لتصبح هنغاريا النمساوية إذ لم يعد النمساويون الألمان يسيطرون على المجر «الهنغاريين». وكان عام 1848م أيضاً حافزاً لتوحيد إيطاليا وألمانيا، ولكن الدول الأوربية ظلت حكومات لصوصية تعمل لحماية ثروة الطبقات الحاكمة وتوسيعها وتحصينها، ففي الغالب الأعم ما تزال أطر الامتياز والثروة موجودة في أوربا اليوم. وربما يسأل المرء بل يجب أن يسأل أنى يكون ذلك ممكناً؟
لقد أحدثت الثورات الشعبية في أوربا تغييراً في تفكير الطبقات الأوربية الحاكمة، فالطبقة الحاكمة والتي كانت أساساً طبقة رأسمالية شرعت في العمل الاستثماري كالعادة ولكن بأسلوب أكثر تحرراً وتمويهاً، فالدولة ترسل موظفي الحكومة بناءً على طلب الطبقة الرأسمالية الحاكمة للتسلل داخل الحركات والنقابات السياسية وتحويلها إلى ما يسمى ب»القنوات السلمية». وتم أيضاً تشريب المجتمعات الأوربية ثقافياً بفكرةٍ وسلوكٍ فحواهما أن التغيير يعني «التقدم» وبالتالي فهو عملية بطيئة تحدث بالتدرج. وقد عكست النظريات العلمية أيضاً هذا السلوك الثقافي، فمثلاً نجد تشارلس دارون طرح نظريته حول الاختيار الطبيعي في بريطانيا بعد مدة قليلة من أحداث عام 1848م، فالنزعة الثقافية التي عُكست في نظريته تمثلت في فكرة أن التغيير عملية تدريجية. ولكن ليس هناك أدلة معقولة تقول بأن التغيير الثوري مرتبط بالضرورة بخطوة تدريجية أو بطيئة، ولم يكن دارون وحده هو الذي ينظر إلى التغيير باعتباره عملاً بطيئاً فعلماء ودارسون آخرون في مختلف المجالات تحدثوا أيضاً عن التطور التدريجي، ويعزى هذا إلى البيئة الثقافية التي أنشئت لحماية مصالح الطبقة الرأسمالية. هذه الدعاوى المؤسسة ثقافياً حيكت للمجتمعات الأوربية لأن هذه الدعاوى كانت في صالح الطبقة الرأسمالية لكي تطرح التغييرات للمجتمعات الأوربية باعتبارها «تقدماً» وللإصلاح باعتباره شيئاً «تدريجياً». إن الطبقة الرأسمالية المنظمة كانت تعمل لاستئناس المجتمع لكيما يتقبل ثقافة التحمل على أمل أن يحدث التغيير بصورة تدريجية، وهذا شبيه ب»فترات الانتقال» التي ينادي بها البيت الأبيض والاتحاد الأوربي والأنظمة العربية نفسها في العالم العربي. وقدمت الطبقة الرأسمالية أيضاً تنازلاتٍ بسيطة لتهدئة المجتمع ليتطور إلى ما عرف لاحقاً ب»دولة الرفاه»، فالدولة لم تهدر وقتاً لمنع بروز ثورات الطبقة العاملة ذلك أن الحكومات الغربية الأوربية لم تهدر وقتاً في إعطاء مجتمعاتها عمليات تجميل وجهٍ سياسية استباقاً لبروز الشيوعية في غرب أوربا والتي تنبأ أوغست كونت ببروزها إذا لم تحسم الفوارق الاجتماعية.
أحدثت بريطانيا وهولندا بعد عام 1848م تغييراً حكومياً عبر العملية الدستورية وأصبحتا ديمقراطيتيْن ليبراليتيْن وما يسمى بالمملكتيْن الدستوريتيْن، كما أصبحت معظم البلدان الأوربية الغربية بنهاية الحرب العالمية الثانية ديمقراطياتٍ ليبرالية و»دول رفاهٍ ليبرالية». ويجب أيضاً الإشارة إلى أنه كانت هناك مرحلتان لدولة الرفاه حيث تمثلت المرحلة الأولى في بروزها بعد عام 1848م في معارضة الطبيعة الراديكالية للطبقة العاملة المتزايدة باضطراد وأما المرحلة الثانية لدولة الرفاه الليبرالية فقد كانت بعد الحرب العالمية الثانية وذلك لمنع الحركات الشيوعية من السيطرة في أوربا الغربية واليابان.
انهيار دولة الرفاه وعلاقته المباشرة بانهيار «التهديد الشيوعي»:
باتت أهمية دولة الرفاه الليبرالية حالياً موضع اهتمام كثير من المناقشات، فدولة الرفاه الليبرالية هي أساساً دولة لديها برامج لتقليل الفوارق وسط مواطنيها، وتشمل هذه البرامج اهتمام الدولة بالطبقات الأكثر فقراً أو أفراد المجتمع الأكثر فقراً كما تولي اهتماماً أكثر بالبرامج الاجتماعية لتقليل الفوارق وسط المواطنين. وبعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي ظلت دولة الرفاه الليبرالية في تدهور ويعزى هذا إلى ما يسمى بالأزمات المالية التي خلقت سياسات احتواء تطورت فيما بعد إلى تمييع الحكومة للبرامج الاجتماعية. ولكن هناك موضوع وجيه لمناقشة العكس ذلك أن دولة الرفاه الليبرالية برزت في وقتٍ كان فيه هناك خيار شيوعيٌّ جاد في أوربا بل وعلى مستوى العالم، فبعد الحرب العالمية الثانية كانت هناك حركات شيوعية قوية ودعم كبير للشيوعية في أوربا وآسيا، فقد أصبح العمال ثوريين راديكاليين منذ عام 1900م. لقد عمل بروز دولة الرفاه الليبرالية على تحييد أي تحفيزٍ في اتجاه الشيوعية في غرب أوربا واليابان وذلك بإشباع مطالب شرائح المجتمع الواسعة. لقد كانت دولة الرفاه الليبرالية في الواقع هدهدةً لمطالب الطبقة العاملة. وبعد انهيار الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتي لم تعد الطبقات الرأسمالية الحاكمة في الكتلة الغربية تحتاج لدولة الرفاه الليبرالية لتهدئة المجتمع في مواجهة فرض الشيوعية، فبعد بداية الأزمة الاقتصادية الحالية تم تطبيق الاستقطاعات للبرامج الاجتماعية بل وللترتيبات التقشفية الأوسع في مجابهة دولة الرفاه الليبرالية. فمن منظور التحليل التاريخي الماركسي خدمت دول الرفاه الليبرالية الطبقة الرأسمالية في تقويض مطالب الطبقة العاملة والمجتمع العريض.
الديمقراطية في مواجهة دولة اللصوصية: أكثر مما تراه العين
يجدر بنا السؤال: كيف كانت «ديمقراطيةً» هذه المسماة بديقراطيات العالم؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب أن ندرس الديمقراطية باعتبارها «حكم الشعب»، فالديمقراطية المباشرة التي تعني المشاركة المباشرة لأي مواطن هي الديمقراطية في صورتها الأكثر إحقاقاً. ويمكن جدلاً أن تعتبر الديمقراطية المباشرة متماشية مع الفوضى أو تكون هي ذاتها. إن الديمقراطية النيابية أو الديمقراطية غير المباشرة هي طريقة يتم فيها تمثيل عدد من المواطنين أو الناخبين بواسطة مسؤول أو مسؤولين، فبادئ ذي بدء إن انتخاب ممثلين لا يعني أنهم سيمثلون الإرادة الديمقراطية لناخبيهم، ومن الواضح كانت هذه هي القضية في معظم ما يسمى بالبلدان الديمقراطية، لماذا؟ لأن الديمقراطية لم تمارس مطلقاً في شكلها الحقيقي. ويُنسب إلى أثينا من منظور التوجه الأوربي أنها موطن الديمقراطية بحسبانها نظاماً سياسياً ولكن حتى في أثينا لم تمارس الديمقراطية الحقيقية، فبغض النظر عن الاسترقاق الصناعي في أثينا نجد الأغلبية الغالبة من الأثينيين لم تشرك في العملية الانتخابية وحتى أولئك الذين صوتوا كانوا مرغمين على التصويت أو بسبب التأثير عليهم أحياناً، كما كانت هناك أيضاً نخبة أثرت على مجرى اتخاذ القرار في مدينة أثينا. إن الكلمة المفتاحية هنا هي كلمة «يُروَّض»، فما يسمى بالديمقراطيات الليبرالية في هذا العصر مثلها مثل أثينا كانت «تروَّض» بواسطة طبقة حاكمة حيث يتم ذلك من خلال السيطرة على المؤسسات المختلفة والأحزاب السياسية والإعلام والملاهي ووسائل أرزاق عامة الناس. فالناس تتم إثارتهم وتوجيههم بالطريقة التي يصوتون بها حيث تفقد الموافقة الحقيقية في حالاتٍ كثيرة، ففي الولايات المتحدة تم تقديم باراك حسين أوباما باعتباره خياراً خارج الوضع الراهن ولكنه كان في الواقع مجرد وجه جديد لذات المؤسسة الحاكمة التي تسيطر على طريقة العيش الأمريكية. إن ديمقراطيات اليوم هي ديمقراطيات لصوصية فاسدة بطريقة أو أخرى، فمن ناحية تجريبية هناك قدر كبير من المعلومات التي تعكس ذلك فلا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية حتى يكون الرجال والنساء أحراراً في التفكير وفي البنية وفي العيش ولكن طالما أنهم كانوا محاصرين اجتماعياً أو سياسياً بأشياء مثل الرأسمالية المنظمة سيكون هناك تأثير مفسد على الليبرالية الحقيقية، فإذا لم تسيطر الطبقة الرأسمالية على الدولة فإنها تمارس قدراً كبيراً من التأثير على الدولة وفي المقابل فإن الدولة تخدم الطبقة الرأسمالية وتوصي بالسيطرة على المجتمع لصالح الطبقة الرأسمالية كما تفعل وسائل الإعلام وهياكل الحياة الاقتصادية. وكما يقول الدستوريون بحق وحقيقة فإن الديمقراطيات يمكن ترويضها والتأثير عليها، فمنذ عام 1848م قررت الطبقة الرأسمالية أن تعوق الديمقراطية الحقيقية في كل أشكالها في الوقت الذي قررت فيه تعزيز دولة اللصوصية والفساد، فطبقة رأس المال الكبيرة ظلت دائماً تقرر خلق مكانٍ لها في قيادة الدولة كما قررت الحفاظ على نفسها بفضل رحمة الليبرالية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.