شاهد بالفيديو.. حكم كرة قدم سعودي يدندن مع إبنته بأغنية للفنان السوداني جمال فرفور    شاهد بالصور.. رصد عربة حكومية سودانية قامت بنهبها قوات الدعم السريع معروضة للبيع في دولة النيجر والجمهور يسخر: (على الأقل كان تفكوا اللوحات)    شاهد بالصورة والفيديو.. المذيعة شهد المهندس تشعل مواقع التواصل بعد ظهورها وهي تستعرض جمالها بأزياء مثيرة للجدل ومتابعون: (لمن كنتي بتقدمي منتصف الليل ما كنتي بتلبسي كدة)    هل فشل مشروع السوباط..!؟    بلومبيرغ: قطر تستضيف اجتماعا لبحث إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا    سوق العبيد الرقمية!    مخاوف من قتال دموي.. الفاشر في قلب الحرب السودانية    صلاح في مرمى الانتقادات بعد تراجع حظوظ ليفربول بالتتويج    أمس حبيت راسك!    راشد عبد الرحيم: وسقطت ورقة التوت    وزير سابق: 3 أهداف وراء الحرب في السودان    علماء يكشفون سبب فيضانات الإمارات وسلطنة عمان    الصين تفرض حياة تقشف على الموظفين العموميين    (المريخاب تقتلهم الشللية والتنافر والتتطاحن!!؟؟    معتصم اقرع: لو لم يوجد كيزان لاخترعوهم    وكالة الفضاء الأوروبية تنشر صورا مذهلة ل "عناكب المريخ" – شاهد    والي ولاية الخرطوم يقف على إنجاز الطوف المشترك لضبطه متعاونين مع المليشيا ومعتادي إجرام    دخول أول مركز لغسيل الكلي للخدمة بمحلية دلقو    والي ولاية الخرطوم يقف على إنجاز الطوف المشترك لضبطه متعاونين مع المليشيا ومعتادي إجرام    "منطقة حرة ورخصة ذهبية" في رأس الحكمة.. في صالح الإمارات أم مصر؟    مصادر: البرهان قد يزور مصر قريباً    شركة توزيع الكهرباء في السودان تصدر بيانا    تصريحات جديدة لمسؤول سوداني بشأن النفط    برشلونة: تشافي سيواصل تدريب الفريق بعد تراجعه عن قرار الرحيل    إيفرتون يصعق ليفربول بثنائية    لطرد التابعة والعين.. جزائريون يُعلقون تمائم التفيفرة والحلتيت    إقصاء الزعيم!    الحلم الذي لم يكتمل مع الزعيم؟!    دخول الجنّة: بالعمل أم برحمة الله؟    حدثت في فيلم كوميدي عام 2004، بايدن كتبوا له "وقفة" ليصمت فقرأها ضمن خطابه – فيديو    السودان..رصد 3″ طائرات درون" في مروي    كواسي إبياه سيعيد لكرتنا السودانيةهيبتها المفقودة،،    خادم الحرمين الشريفين يدخل المستشفى    جريمة مروّعة تهزّ السودانيين والمصريين    عملية عسكرية ومقتل 30 عنصرًا من"الشباب" في"غلمدغ"    تطعيم مليون رأس من الماشية بالنيل الأبيض    إثر انقلاب مركب مهاجرين قبالة جيبوتي .. 21 قتيلاً و23 مفقوداً    العين إلى نهائي دوري أبطال آسيا على حساب الهلال السعودي    مدير شرطة ولاية نهرالنيل يشيد بمجهودات العاملين بالهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس    سعر الريال السعودي مقابل الجنيه السوداني من بنك الخرطوم ليوم الإثنين    صلاح السعدني ابن الريف العفيف    أفراد الدعم السريع يسرقون السيارات في مطار الخرطوم مع بداية الحرب في السودان    بالصور.. مباحث عطبرة تداهم منزل أحد أخطر معتادي الإجرام وتلقي عليه القبض بعد مقاومة وتضبط بحوزته مسروقات وكمية كبيرة من مخدر الآيس    جبريل إبراهيم: لا توجد مجاعة في السودان    لمستخدمي فأرة الكمبيوتر لساعات طويلة.. انتبهوا لمتلازمة النفق الرسغي    عام الحرب في السودان: تهدمت المباني وتعززت الهوية الوطنية    مضي عام ياوطن الا يوجد صوت عقل!!!    مصدر بالصحة يكشف سبب وفاة شيرين سيف النصر: امتنعت عن الأكل في آخر أيامها    واشنطن: اطلعنا على تقارير دعم إيران للجيش السوداني    إصابة 6 في إنقلاب ملاكي على طريق أسوان الصحراوي الغربي    مفاجآت ترامب لا تنتهي، رحب به نزلاء مطعم فكافأهم بهذه الطريقة – فيديو    راشد عبد الرحيم: دين الأشاوس    مدير شرطة ولاية شمال كردفان يقدم المعايدة لمنسوبي القسم الشمالي بالابيض ويقف علي الانجاز الجنائي الكبير    الطيب عبد الماجد يكتب: عيد سعيد ..    بعد نجاحه.. هل يصبح مسلسل "الحشاشين" فيلمًا سينمائيًّا؟    السلطات في السودان تعلن القبض على متهم الكويت    «أطباء بلا حدود» تعلن نفاد اللقاحات من جنوب دارفور    دراسة: القهوة تقلل من عودة سرطان الأمعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نَفَّاج بين محجوب شريف وعمر الدوش (22)

قدم الكاتب في الحلقة الاولى نقدا عن شعر الدوش ومحجوب شريف وادناه الحلقة الثانية والاخيرة .
كان هم السودانيين، السودان. يكون أو لا يكون وبعد 6591م، كان.. ولكن كان الحكم عظم نزاع بين «الساسة والجيش» ما استقر حتى هذه اللحظة حتى يلتفتوا للتنمية والعمران.. نقول للحق والتاريخ ما نعم السودان بشيء قليل من التنمية إلا في العهود «الشمولية»، لكنه كان محروماً من الديمقراطية وحرية التعبير والافصاح في معظم العهود.. ديمقراطية كانت أو شمولية..
الاستاذ عمر الطيب الدوش.. شاعر سوداني.. بدأ حياته استاذاً، معلماً ومدرساً.. عمل بالمدارس الأهلية..«الشعبية» هذا النوع من المدارس التي بناها السودانيون عندما أصر المستعمر على عدم التوسع في التعليم في السودان.. واستلم مؤتمر الخريجين هذا الامر.. واشرف على فتح عدد من المدارس الاهلية داخل البلد.. ولكن كان المستعمر ينظر اليها على أنها قلاع لصنع الرجل. كم حاول أن يهدمها.. كان يلاحق المعلمين الوطنيين.. وكان يأمر ارباب المدارس برفدهم.. وإلا قفلت المدرسة.. «مدرسة رفاعة الأهلية نموذجاً عندما طلب المستعمر من الشيخ لطفي أن يفصل سيد أحمد نقد من المدرسة».
بنى الشيخ الطيب الدوش مدرسة وسطى أهلية في ام درمان.. اشتغل فيها عمر الطيب الدوش معلماً.. كان معلماً ممتازاً.. بعث الى بخت الرضا.. ليتلقى علم النفس التربوي وطرق التدريس.. وكان عمر الطيب الدوش مهموماً بقضايا الوطن.. كان يهتم بالنشء وتعليمه.. كان يكره الذل والعبودية.. كان يحب الحياة خالية من المنغصات.. صافية من كل الشوائب رأى أن يكون معلماً هذا لا يكفي ولا يفي بالغرض والأمل الذي يجول في خاطره هنالك هم يجثم على صدره.. إنه يعذبه ويؤرقه.. كم حاول أن يتخلص منه فما أفلح.. لذلك هاجر وذهب الى شرق أوربا.. يلقى صنوفاً من العلم الراقي «المسرح» وجاء الى السودان.. محاولاً التغيير.. كان يعتقد: عن طريق المسرح يمكن للأديب أن يغير المجتمع.
هل أفلح عمر الطيب الدوش في التغير.. هل نجح في تطوير الاداة التي عبرها يستطيع تحريك المجتمع وقيادته لما يصبو؟ كل محاولاته وتجاربه باءت بالفشل.. وأخيرا اصابه ما أصابه..لم يكن الذي اصابه هو الذي أصاب معاوية نور أو ادريس جماع.. بل أصابه الذي اصاب الهادي العمرابي.
أهتم عمر الطيب الدوش بالادب والمسرح والشعر.. لكن اهتمامه وحبه للوطن فاق كل الحدود.. لكنه لم يكن حال محجوب شريف.. لقد قلنا إن استاذنا محجوب شريف كان صريحاً و«دُغري» في حبه للوطن. لكن صديقنا عمر كان يميل الى التورية والرمز والتمويه أحياناً.. لذلك لجأ الى «سعاد» وما ادراك ما سعاد؟.. إنها «السودان»..
«بناديها
ولما تغيب عن الميعاد
بفتش ليها في التاريخ
وأسأل عنها الأجداد
وأسأل عنها المستقبل
اللسه سنينو بعاد
بفتش ليها في اللوحات
محل الخاطر الما عاد» بناديها ص «82»
«بتطلعي إنت من غابات
ومن وديان
ومني أنا
ومن صحية جروف النيل
مع الموجة الصباحية
ومن شهقة زهور عطشانة
فوق أحزانها متكية
بتطلعي إنت من صوت طفلة
وسط اللمة منسية». الحزن القديم ص «05»
يختصر الشاعر عمر الدوش السودان «كله» في هذه الأبيات.. تطلع حبيبته من الغابات.. غابات الاستواء وغابات السافنا الغنية والشبه غنية.. والغابات المدارية والصحراوية إن كانت للصحاري غابات. وتطلع حبيبة عمر الدوش من الوديان.. وسهول البطانة ووادي الملك وهور ووادي الرويان والعطشان. وتطلع حبيبة شاعرنا منه هو «ذاته».. أى انسان السودان.. وتخرج حبيبته من جروف النيل تلقط اللوبا وتحش القش في عز وإباء مع الموجة الصباحية التي تتهادى من وسط النيل حتى ترتضم بالشاطئ فتتكسر.. تطلع سعاد من شهقة الزهور العطشانة وهى الزهور البرية.. فتتكئ هذه الزهور على نفسها وأحزانها.. ويرى عمر سعاد طالعة من صوت طفلة وسط اللمة منسية.. إنها طفلة سودانية.. لكنها ليست ذات حسب ونسب.. انها طفلة عادية وربما كانت من بنات «الشماسة» لأنها وسط هذا الزحام والزخم الذي يعم السوق.. السوق العربي أو سوق ليبيا، إنها منسية لا أحد يعلم بها ولا أحد يعرفها.. إنها الحال التي صار اليها السودان.. فهو رغم كل هذه الجلبة وهذه المؤتمرات العالمية والتكتلات الشرقية والغربية، نجد أن السودان مجهول الهوية.. لا أحد يعلم بفرده أو بقطره.. إن قلت للهولندي أنا من السودان يقول لك سودان عيدي أمين؟! في المقطع أعلاه.. ذكر عمر الدوش السودان كله من جنوبه حتى شماله.. يفتخر الشاعر بغابات السودان.. بوديانه.. بسهوله، بتلاله، بنيله وجروفه، بتسابق الامواج ضحىً. بصحاريه.. ورماله وصباره وزهوره العطشى.. يتذكر الشاعر الشعب السوداني المكافح.. الفقير، البائس.. الذي يتجول في شوارعه أطفال «الشمس» يبحثون عن فتات الخبز داخل براميل القمامة.. يستحمون في مياه البِرك الراكدة الآسنة.. يسيرون عراة حفاة يمدون أيادي خشنة كان الواجب أن تكون ناعمة.. للسابل أعطوهم أو منعوهم.
ويغير عمر الدوش من سعاد إلى تاجوج.. والسبب واضح.. هى تنوع الاجناس والاعراق في السودان، لكن الحال من بعضه وكلنا لآدم وآدم من تراب وسعاد سودانية، وكذلك تاجوج.. سعاد هى تاجوج وتاجوج هى نفيسة ونفيسة هى ميري وميري هى نبوية.. الجميع هم السودان.
«تاجوج سؤال
تاجوج غزال
تاجوج محال
تاجوج خيال
اتخيلت انو المحلق ساكها
بى طريق شاقي الغمام
يا يتامى
ويا غلابى
شوفوا لى تاجوج زمام». تاجوج ص «13»
تاجوج هى السودان وهى سؤال كبير.. كل هذه السنين.. يسأل العالم عن السودان.. أين هو؟ من يسكنه؟ ما هويته؟ هل تستطيعون أن تحددوا لى «الهوية السودانية»؟
تاجوج غزال.. نعم تاجوج السودان هى جميلة.. جمال الغزال.. واجمل شيء في الغزال عيناه.. ودلالة أخرى تدل على جمال الغزال، خطط تقاطيعه الخارجية.. ويشاركه في هذه الملاحظة «الفرس» والأرنب.. فخريطة السودان ذات حدود مستقيمة طويلة تدل على جمال متمدد.. قال عنه سيد احمد الحاردلو :0 وطني جناح الفراش همّ بالتحليق».
تاجوج خيال.. والسودان بلد كبير واسع.. يمكن للمتأمل أن يتوه خياله فيه اذا ما حاول سبر أغواره وادراك حدوده ومعانيه.
تاجوج تجري وتتلفت خلفها.. تظن أن علي ود محلق جارياً خلفها.. ليلحقها ويرجعها اليه.. لتعيش معه حياة الذل والمهانة لأنه يشتهيها لحماً عبيطاً لا روحاً شفافة ونفساً زكية.. نحن ما عرفنا كنه السودان بعد.. هذا القطر الممتد اكبر من قارة.. يجري خلفه الساسة ليحكموه ويقيدوه.. ويسجلوا اسمه في قائمة الدول المتخلفة التي تعيش تحت خط مستوى الفقر والجهل.
فقد عمر الدوش الثقة في السياسيين والمحترفين والمتحدثين وأصحاب الفكر والرأى فأخذ ينادي التعابى واليتامى والغلابى.. علهم يسمعونه فيهبوا وينقذوا السودان من هذه الوهدة.. انهم سيجلبوا لتاجوج زماماً تزين به أنفها الاشم.. وعندها يجدون حلاً ناجعاً لمشكلة السودان العويصة.
شخصية سعاد عند عمر الدوش هى السودان الوطن الواحد:
« ومشيت عليك أنا يا سعاد
مربوطة عيني على خطاك
في عيونك اتجمع كلام
في صوتك اتجمع ظلام
حسيتو في الحشا والعظام
وقريتو في سعف النخيل
ولمحتو في طوق الحمام
في العفة والخصلة الحنينة
اللفتة والتوب والحزام
بارت مواعيد الغرام
ونذرتو حبك للزنازين
والمساجين والهوام».
عندما قابل الشاعر محبوبته.. وصل الى حقيقة مُرة وهى أنه لمح في عيونها كلاما مهماً تجمع.. وأنها عندما ارادت ان تبوح له بما تعاني- تلعثمت وتكدس الظلام.. حس به الشاعر في حشاه بل في نخاع عظامه.. اسكت سعاد عن البوح.. فكل شيء صار واضحاً.. فلا بد من التقدم ولا بد من المواجهة والجأر بالقضية عالياً وبوضوح وليكن ما يكن.. اسكت الشاعر حبيبته عن الافصاح عما تعاني.. فهو قرر النزال.. ونذر حياته لخوض المعركة ولتفتح الزنازين أبوابها فهو لا يعبأ ان يساق اليها ويزج به مع المساجين أو مع الهوام. سقطت مواعيد الغرام وبارت الرومانسية والجلسات المنمقة تحت أشجار الزيزفون والاضواء الحالمة والمناضد المفروشة بالملاءات المخملية.. وحانت ساعة الصفر.. وجاء وقت الجهاد والخروج الى الشارع.. وستشق الهتافات عنان السماء.. «يحيا السودان.. عاش السودان حراً مستقلاً.. الموت للخونة والمأجورين.. مزيد من الحرية.. مزيد من الديمقراطية»..
القضية معقدة.. ليست قضية عمر الدوش مع الحاكم الجائر الذي مَصّ دم الشعب حتى تخم.. وانما قضيته مع آليات الحاكم.. وهى تجنيده «للادارة الاهلية».. وتعبئتها لمطاردة الثوار والأحرار والمسحوقين الذين يتوقون الى الحياة الكريمة الآمنة، حتى يتسنى لهم أن يربوا أبناءهم وأهلهم.. ويبنوا وطناً حراً آمناً.. وطن حدادي مدادي سليم من كل المنغصات.. سليم ليس به «شق أو طق».
وضع الإدارة الأهلية.. أسلوباً «سلطوياً» استنه المستعمر.. لأغراض معلومة.. ولكن نستغرب لمداومتها للسلطة بعد أن حزم المستعمر هدومه وغادر البلاد؟!
قلنا إن سعاد عند عمر الدوش هى الوطن:
« ومشيت عليك أنا يا سعاد
حِتة معلم مبتدئ
غاوي وبسيط».
ولشاعرنا «المدرس» رأي في الادارة الأهلية.. قاله عمر الدوش بصراحة:
«العمدة فوق رأس الفرح
جمع جريراتو ونبح
«مسؤول كبير زاير البلد»
قلت ليهو يا عمدة اختشي
مسؤولك الزاير الكبير
يا ريتو بس لو شاف سعاد
كان رسم للعفة
اوصافاً وتقاطيع ومقاساً».
يواجه الشاعر وهو أحد المواطنين.. الذين جمعهم «العمدة» لمقابلة الزائر الكبير للحلة.. ينبري له الشاعر.. ويطلب منه أن يختشي من الذي يفعله.. ليت هذا المسؤول الكبير «شاف» سعاد وشاف هنا بمعنى علم بحال سعاد وسعاد هى الوطن.. فالوطن «الآن» يرزح تحت نير الاستعمار أو الحاكم الظالم.. الشاعر يطلب من «العمدة» هذه الآلة الصماء «القوية» أن يمحص الأمر ويقلبه في ذهنه.. وعليه أن يكون عفيفاً.. فهذا المجتمع، مجتمع أصيل نزيه لا تشوبه شائبة دناءة.. هذا العمدة يجهل أوصاف العفة وتقاطيع خطوطها ومدى مقاييسها.. العمدة «ممثل الادارة الاهلية» هذه العصا الغليظة، يرى شاعرنا كم جارت على المواطنين البسطاء الوادعين.. كم نزعت اللقمة من فك اطفالهم وقدمتها طعاماً سائغاً على صحاف من ذهب الى المستعمر والحاكم الجائر.. كم أوشت هذه الادارة باولاد البسطاء الثائرين الذين هبوا يطالبون بالجلاء وتحكيم العدالة.. فزجوا بهم الزنازين والسجون..
«عيني ضاقت نظرتها
والجوف يطقطق بالكلام
قبال أقولوا لى سلام
اتلموا حولي بلا نظام
شال وعمة
توب وغُمة
فاس وطورية وحزام
شالوني بكل احترام
ورموني في قعر السجن». محمد ود حنينة ص «46»
الشاعر داخل الزنزانة.. يهتف لسعاد وسعاد هى الشعب:
«يا سعاد تعالي ولمي من كل البيوت
عدة السفر الطويل
زخرفي الكفن الجميل
شخبطي الفجر النهار
اربطي الضحى والأصيل
المغرب
الفجر
النجوم
في صُرة وأرميها البحر
خلينا فوق الشك نعوم» ص «26»
دخلت الجماهير السجون «عشان البت سعاد» وعشان سعاد يهون كل غالٍ ويرخص.
الشاعر يقاوم ليس الاستعمار والحاكم الظالم فقط، بل يقاوم معاوني الحكام الظالمين جهاز الأمن، الدرك، العسس المدجج بالسلاح نهاراً وليلاً.. الجستابو المندس وسط الزحام وقاعات الدرس في أروقة الجامعات.. النظار، العُمد المشايخ.. وغيرهم وغيرهم..
كان المستعمر والحكام الظالمون «يجهجون» المواطنين أصحاب القضية المظاليم المساكين.. تصدى لهم الشاعر:
«قامت سعاد من رقدتها
الكون جميع كان انحصر ما بين
قيامها ووقفتها
النخلة والهجليجة والسيالة
والشوق والمطر
الغابة والهم القديم
الفرحة والذل والخطر
كلو انجمع في كفتها
قامت سعاد من رقدتها
قامت قيامة العمدة مليون اتجاه
من كل أنة وكل آه
ومشيت عليك أنا يا سعاد
حتة معلم مبتدئ
غاوي وبسيط» ص «27 37»
قامت سعاد من رقدتها.. قام السودان.. هبّ وثار واشعلها نار في نار. نهض الكون كله وعامة الشعب.. كل الاقاليم.. اقليم الصحراء «النخلة» واقليم شبه الساڤنا الفقيرة «السيالة» واقليم الساڤنا «الهجليجة».. والاقاليم الممطرة والمشتاقة للمطر.. لقد هب الشعب وقامت قيامة «العمدة» في كل الاتجاهات داخل المليون ميل مربع.. وساهمت كل الجموع بأنواعها وأشكالها.. خاصة قبيلة المعلمين «حتة معلم مبتدئ» أي يعني معلم تحت التدريب.
قام الدوش وواجه «العمدة».. كان يعتقد أنه لو صرع العمدة، قضى على فم الأفعى،، وسيبتلع الرأس الذنب.
«والعمدة.. أو سلاطنو قام:
«الحلة إيه..؟؟
حتة معلم مبتدئ
الحلة إيه..
مسؤول كبير زاير البلد
لا ود خدوم
ولا ألف شوم
أو ألف بوم
حيعلم الوِز كيف يعوم!!»» ص «001»
هذا الشعب معلم، وقد علم الشعوب كيف تثور وكيف تأخذ حقها من حكم عسكري مدجج بالسلاح 12/01/4691م.. عندما قال عمر الدوش يا «سعاد»، «فك علىَّ كلب الحراسة».
أخيراً تبقى المواجهة يقرر الشاعر أن يقابل العمدة، يحدثه بما يجول بخاطره.
تبدأ «المقاومة»
«صحاني صوت العمدة قال:
«مسؤول كبير زاير البلد»
قال لنا:
«وكت الزول يجي، لازم تقيفوا صفوف صفوف
وتهجو الخلا بالكفوف
وتقولوا عاش.. يحيا البطل»
صلحت طاقيتي الحرير
واتنحنح الحشا بالكلام
ورميتو من حلقي الوصل
قت ليهو يا عمدة اختشي
مسؤول كبير في الدنيا غير الله انعدم
ما شفنا زول نجح بهم
ما شفنا زول لملم رمم
لا صحينا عاجبنا الصباح
ولا نُمنا غطانا العشم
والحلة من كل الجهات محروسة
بالخوف والوهم». ص 06، 16
كان الشاعر يخاف من ملاقاة المستعمر والحاكم الظالم ويكره النظرة الى وجه العمدة القميء.. العمدة الذي يتربع على صدر الشعب يعطي الاوامر والنواهي.. ويساعد الحكام في التسلط على رقاب البشر الأعزاء البسطاء.. نصبه الحاكم عليهم وما هو أخيرهم.. وعندما تولى السلطة، ما بنى لهذا الشعب مستشفى أو مركزاً صحياً. ما بنى لهم مسجداً أو خلوة يتعلم فيها الكبار والصغار أمور دينهم.. ما بنى لهم مدرسة أساس ناهيك عن الثانوي.. ما شاد سبيلاً تشرب منه العامة السايرة نهاراً والداجة ليلاً. ما حفر لهم بئراً يردها الظمآن عندما يعطش.. كيف تسول له نفسه ان يحكم هذا الناظر أو العمدة هذه الأمة البسيطة الطيبة.
مواجهة مثل هذا العمدة لا تطاق، والحديث معه عن شؤون الناس يحتاج الى شجاعة ورجالة.. فعمر الدوش تعوزه هذه الصفات لكنه يلجأ الى وسيط:
«بقيت قزازاتي
مرقت من طرف البلد
وسكرت حَدْ
وأنا جاي راجع أجهجهو
لاقاني هو
سايق العساكر والكلاب
رامي بين عيني وعينو
كلب وتكشيرة وحراب
ضاقت نعالي من الزعل
من تحتها اتململ تراب
الغيم سكب ضلو ومشى
والدنيا غيما سراب سراب» ص «36» و «46».
عاقر كثير من شعرائنا الخمر ردحاً من الزمن.. ما كانوا يقلدون عمر الخيام ولا كانوا يجارون ابي نواس.. كان كلما ضرب باحدهم أمر لجأ الى الخمر.. عله ينسى او يتناسى ما تربع على ذاكراته.. حتى لا يشل عقله ويقض مضجعه.. اذا أدمن الشارب، صار شخصاً مختلفاً عن اصله الاول السوي.. تصيبه شحنة من الشجاعة إن كان جباناً.. وتنطلق عقدة لسانه ان كان عيياً.. فيصبح بليغاً تجري الحكم والامثال، وربما تتبارى بنات الشعر وتخطر مبدعات من طرف لسانه.. لذلك يلجأ الشعراء الى معاقرة الخمر واحتسائها حتى يتجولوا في وادي عبقر ويأتوا بالبديع الفصيح.. يقول عمر الدوش:
« حأفتح في الجدار تاني
مكان على قدر أحزاني
أعاين في جروف الليل
واكتب في سروج الخيل
وبى سعف النخيل
تفصيل
حكاية فقدي، عنواني» مشوار «2» ص «601»
ويقول محجوب شريف:
«حنبنيهو
البنحلم بيهو يوماتي
وطن شامخ
وطن عاتي
وطن خير ديمقراطي
وطن مالك زمام أمرو
ومتوهج لهب جمرو
وطن غالي
نجومو تتلالي في العالي
ارادة، سيادة، حرية
مكان الفرد، تتقدم قيادتنا
الجماعية» حنبنيهو ص «17»
أخيراً نقول إن شعر محجوب شريف وعمر الدوش، امتاز بالنظم الدارجي وبالأصح «الشعبي» نعم لأنهم أبناء الشعب وقلوبهم مع الشعب، ومهمومون بقضايا الشعب.. لذلك جاءت أشعارهم محبوبة لدى عامة الشعب خلت مفرداتهم من الكلمات الرومانسية الكلمات التي يتحدث بها سكان ناطحات السحاب.. كانت مفرداتهم عامية يتحدث بها التعابى الغلابى.. لا تحتاج الى قاموس يفك طلاسمها.. وقد انجازوا للشعب وغنوا له.. وحملوا همومه واستشرفوا مستقبله الحر المعافى الذي ينعم فيه المواطن «بالحرية والديمقراطية».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.