اجراءات عاجلة على خلفية إطلاق النار على المتظاهرين    استمرار التدهور في وزارة الصحة بولاية الجزيرة إلى متى؟ .. بقلم: نجيب ابوأحمد    مفوضية حقوق الإنسان تكون لجنة تحقيق في أحداث القيادة العامة    سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 12 مايو 2021 في السوق السوداء    محلل اقتصادي يدعو لإعداد سجل جيد لأداء السياسات الاقتصادية المالية    تفاصيل جلسات مؤتمر باريس المرتقب لدعم السودان    بروتوكول عابر القارات: ما بين ارتباك الأطباء وحيرة المرضي .. رسالة فى بريد مجلس الصمغ العربي السوداني .. بقلم: د. أحمد آدم حسن    بيرني ساندرز يصدع بكلمة الحق والجامعة العربية والحكام العرب مازالوا يناضلون بالإدانة والشجب !! .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    ضبط كميات من العملات الأجنبية بالسوق العربي    براءة أجنبي من تهمة خيانة الأمانة    حِلِيل الزمان، محمد أحمد الحِبَيِّب & معاوية المقل!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    من قاموس أغنية الحقيبة: الخُنتيلة اسم للمشية أم صفة للموصوف؟ .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    التسامح وتطهير الروح .. بقلم: أمل أحمد تبيدي    فى رحاب التصوف: الاستدلال على وجود الله .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه/باريس    "شروط واتس أب" الجديدة التي أثارت الجدل.. ماذا سيحدث إذا لم توافق عليها؟    رونالدو في عزلة بغرفة ملابس يوفنتوس لهذا السبب    صحة غرب كردفان تعلن تسجيل حالة جديدة بكورونا في النهود    خطر يهدد صحتك.. احذر تناول المشروبات المخزنة في علب الألمنيوم    القوات المسلحة السودانية: كل من يثبت تورطه في قتل الثوار سيحاكم    الشعر والموسيقى على تلفزيون السودان اليوم    الأمانة العامة بنادي الهلال تُصدر بياناً تؤكد فيه عدم صحة حرمان النادي من التسجيلات    هل اقترب راموس من الرحيل عن ريال مدريد؟    المريخ يخوض تجربتين في يوم واحد .    إخراج عدد خيالي من القطع المعدنية والمغناطيس من بطن رضيعة    الخارجية تدعو لوقف التصعيد الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني    الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم وزوجته    تغيير يفرح مستخدمي واتساب ويب    سعر بيع وشراء الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 12 مايو 2021 في بنك السودان المركزي    المؤتمر السوداني يطالب بمساءلة كل من وقف خلف احداث قيادةالعامة    حركة عبد الواحد: ما حدث ردة خطيرة عن أهداف الثورة وتأزيم للواقع المأزوم    لا تغفلي عنها.. نصائح تجنبك المشاكل الصحية في أول أيام العيد    المجلس الاعلي للشباب و الرياضة بطلا لدورة المؤسسات الرمضانية لكرة القدم بالقضارف    أمريكا تدعو السودان لإجراء تحقيق وتقديم جُناة أحداث 29 رمضان إلى العدالة    النيل الأبيض تجدد عزمها لتوفير إمداد مائي مستقر لجميع المحليات    صندوق النقد الدولي يقرّ خطة تمويل لتخفيف ديون السودان    مرض "غريب" يطارد أثرياء العالم.. قائمة تضم 5 مليارديرات    في ذكرى فض الاعتصام ..    نتنياهو يتوعد الفصائل الفلسطينية بأن "تدفع ثمنا باهظا، وحماس "مستعدة" للتصعيد الإسرائيلي    ليستر سيتي يهدي لقب الدوري الإنجليزي لمانشستر سيتي بعد بالفوز على مانشستر يونايتد    مباحث شرطة ولاية الخرطوم توقف شبكة إجرامية تخصصت في السرقات و تسترد مسروقات قيمتها اكثر من 115مليارجنيه    شرطة ولاية الخرطوم تنهي مغامرات شبكتين لتزوير المستندات الرسمية والسرقات النهارية    برشلونة يغلق أول صفقات الصيف    صور دعاء اليوم 30 رمضان 2021 | صور دعاء اليوم الثلاثين من شهر رمضان    بنك السودان يرفع السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الأربعاء 12 مايو 2021    محمد رمضان يرد بصورة على أنباء انفصاله عن زوجته    فنانة سعودية تعلق على مشهد مع زوجها في مسلسل"ممنوع التجول"..    نتنياهو يتوعد حماس بهجمات لم تتوقعها والمقاومة ترد بأكبر ضربة صاروخية    حزب التحرير في ولاية السودان: تهنئة بحلول عيد الفطر المبارك    قصص قصيرة .. بقلم: حامد فضل الله /برلين    فيفا يعلن مواعيد تصفيات بطولة كأس العرب و السودان يواجه ليبيا    الصاروخ الصيني والكيد الغربي .. بقلم: نورالدين مدني    ختام فعاليات أسبوع المرور العربي بالنيل الأزرق    استمرار حملة التطعيم بلقاح كورونا بولاية القضارف    كورونا تؤخر وصول شركة تدوير النفايات الأمريكية للجزيرة    الكشف عن حقيقة انتشار"السلالة الهندية" في مصر    الشيوعي: هنالك مماطلة في كشف نتائج تحقيق فض اعتصام القيادة العامة    توقيف أخطر شبكة متابعة بالعمارات    لنا آلهة كما لهم آلهة ..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





متفرقات
نشر في الصحافة يوم 21 - 02 - 2012


واسيني الأعرج: انتمي إلى عصر شديد القسوة
٭ الى صديقي الاعز والحاضر دوماً، الروائي السوداني الفذ الطيب صالح، هذا النص الحياتي عن المنفى، لأنه كان هاجسه المركزي وحرفته الدائمة في الكتابة، بين قوس مفتوح دائماً هو جاذبية وطن في القلب، وقوس مغلق، هو منفى لا يمنح إلا قسوة الموت وبعض أطياف الحياة المشتهاة، في زمن شديد الهشاشة، والصعوبة والقسوة.
كل ما كتبه الطيب صالح يقع داخل هذا القوس، الذي هو قوس الحياة.
(1)
ترحال الموريسكي الضائع
٭ في لحظة الغفو المسروقة عندما التفت نحوي اجدني ضائعاً داخل المسافات التي لا ينتهي امتدادها، يبدو لي ان حياة الترحال المستمر ورثتها عن جدي الموريسكي الذي عندما انغلقت عليه سبل الدنيا في غرناطة في نهايات القرن السادس عشر وبداية القرن السابع، التفت نحو العدوة الاخرى، لمَّ كتبه او ما بقى منها بعد رماد المحرقة التي اكلت كل شيء وولى وجهه شطر مدينة المارية التي حملته سفنها وقذفت به نحو ارض لم يكن يعرفها ولكنه كان يحس بأنينها. قيل له: سيقتلك أهلك هناك فلا أحد يعرفك قال: لن ابقى في ارض لذتها في حرق الكتب، سأذهب مهما كانت العواقب. قيل له: واذهب ولكنك ستعود، المنفى دائماً شيء مؤقت يبدأ بكلمة عابرة وينتهي بسؤال معقد. قال: عندما نحط الرحال في مكان ما ونستقر فيه، لا يوجد المؤقت ابداً، المنفى ليس لعبة مؤقتة نفككها ونرتبها كما نشاء، صيرورة تتحكم في ذواتنا اكثر مما نتحكم فيها، تأكلنا الحياة ولكن عندما يطل علينا الموت من شقوق النوافذ تقفز في اذهاننا ارضنا الاولى، حبنا الاول وتربتنا الاولى وحماقاتنا الاولى، اغمض عينيه وسافر ليستقر على حافة بحر امسيردا، عندما يكون الجو جميلاً تبدو جبال اسبانيا واضحة، واعتقد ان جدي في لحظات الالم والغبن والكبرياء وصفاء الذهن كان يصعد الى أعلى قمة من قمم جبل زندل التي تطوق منطقتنا، ويرمي بصره ويستعيد اندلساً صارت ضباباً وذرات حلم مستحيل.
عندما حملت حقائبي للمرة الاولى في ذلك الشتاء البارد لم اتذكر الشيء الكثير من حياتي البسيطة واليومية، فقد صار كل شيء امامي ابيض لامعاً وبلا لون، ولكني لم استطع ان اتفادي خزرة جدي الساخرة من الحياة وهو يرحل بكتبه ويحاول أن يحمي منها من حرائق محاكم التفتيش المقدس ما استطاع متحملاً الادخنة ولسعة النيران المشتعلة.
المسافة بيني وبين جدي الاندلسي الموريسكي كانت كبيرة، اكثر من اربعة قرون، ومع ذلك وانا احمل حقائبي بمشقة رأيته امامي ينظر الى بحزن ثم يلتفت نحو جباله الاولى لكي لا يراني أرحل. بلا دراية ولا قصدية، كنت أقوم بفعل عكسي وكأن السنوات والقرون اختزلت لأقوم بنفس فعله، لكن هذه المرة مقهوراً من بشر يشبهونني في كل شيء إلا في اليقين؟ كل ما كان فيَّ كان هشاً وممزقاً ومهتزاً. يقيني الوحيد كان هو الحرية في أن أكون أنا قدر ما استطيع الحرية فقط. ولم يكن الطلب صعباً ولكنه كان مستحيلاً.
في الطائرة الشتوية التي سحبتني إلى باريس في شهر ديسمبر من سنة 3991م، تساءلت وأنا معلق في الفراغ: هل يبدأ المنفى هكذا، بلعبة لفظية، ثم بكلمة مبهمة ثم بسؤال مربك لكل يقين، يعمق الحيرة أكثر مما يفكها؟ أدركت يومها أن ما كان يحدث للآخرين في الدنيا، يمكن أن يمسنا نحن كذلك، الذين نعوم في لذة اليوم الذي لا نتصور درجة قسوته التي تصل إلى حد فصلنا عن تربتنا؟
(2)
لا يحدث إلا للآخرين
٭ المنفى؟ ننسى ونظن ان ذلك لا يحدث إلا للآخرين. المنفى كلمة صغيرة تخبيء وراءها إرثاً بشرياً ثقيلاً ومراً، مخترقاً بالأشواق والفقدان ومؤثثاً بالسعادة الصغيرة غير المرئية، ولهذا فكلما سمعت كلمة منفى ينتابني إحساس غريب بالبياض، وهذا السؤال المرتبك والهش: ما معنى المنفى بالنسبة لفنان منفاه الأول هو عتاده ولغته التي يكتب بها كما يقول رولان بارث؟ هو في المنفى من حيث هو كاتب؟ اللغة تصنع عالماً موازياً يعج بتفاصيل الحياة التي نحس بانتماءاتها لنا، ولكنها لا تنتمي في نهاية المطاف إلا الى اللغة ونظامها الصارم. وإذن اين يتجلى هذا المعنى العميق الذي تتبطنه هذه الكلمة المولدة للخوف ولمختلف الاهتزازات الداخلية؟ هل المنفى هو افتقاد الأرض التي شيد عليها الفنان ذاكرته واشواقه؟ فكم من ارض يملك الكاتب اذن: ارض الطفولة التي يفقدها في سن مبكر ولا تستعيدها إلا الكتابة بشهواتها المختلفة ومخيالها الذي يهزنا بمتعته كلما توغلنا فيه؟ أليس فعل الكتابة عن المكان هو اعتراف ضمني بالفقدان؟ هل هى أرض الشباب، التي سرعان ما تنطفئ داخل مجتمعات متخلفة تحاسبك في حبك وفي تنفسك لأنه لا يشبه تنفس الآخرين، وخرج عن نظام المجموعة الذي يجب ألا يشبه تنفس الآخرين، وخرج عن نظام المجموعة الذي يجب ان تخترق، إذ ليس لك في نظام الهيمنة والسيطرة، ان تحب، أن تتحرك كما تشتهي، أى ألا تكون انت ولكنك تكون الآخر الذي يشتهي ان يرى صورته المقهورة والمتخلفة فيك مما يضطرك الى ترك ارضك والذهاب بعيداً نحو ارض اخرى، وربما كانت الكتابة والفن هى وطنك الموازي؟ هل المنفى إذن هو الارتحال عن ارضك، التي ليست هى ارضك الاولى، باتجاه ارض اخرى يفترض ان تمنحك الامان والمحبة وبعضاً من الراحة والحرية خصوصاً لأن التنقل لو اختزل في الرغبة في العيش والاستمرار في الحياة، يفقد معانيه العميقة والحية. فالمشكلة ليست في الحفاظ على النوع لأنه آيل الى الزوال ويحمل موته ضمن رصيده الجيني الثابت؟ عن أى شيء يبحث الكاتب إذن وهو يغسل يديه من وطن ورثته له التربة وخطابات الاهل والساسة المحنكون؟ عن وطن الحياة الكريمة؟ عن وطن العيش الحر، حيث يمشي ولا يلتفت وراءه كلما سمع وقعاً خشناً لأحذية لم يتعود على سماعها؟ عن وطن الكتابة الذي ينشئ فيه كل حياته الموازية الجميلة؟ وإذن ما هى الخسارات اللاحقة المتولدة عن هذا الترحيل القسري من ارضه الصغيرة التي نبت في حدائقها كأية زهرة باتجاه توطين ليس دائماً فعلاً هيناً؟ وماذا يمنح له هذا التنقل من اكتشافات جديدة يحافظ بها على الاستمرارية بمعناها الوجودي وليس البيولوجي فقط؟
أي أسئلة اختار للإجابة عنها وسط هذه الغابة من المبهم، وانا اشعر بنفسي معنياً بها كلها؟
معنياً بقوة، لأن بها كلها رائحة ما من حياتي الصغيرة التي لا اراني بدونها. المنفي كالمرض، لا يأتي دفعة واحدة يتربى في الاعماق الى ان يصير قنبلة موقوتة تنفجر حين تشاء.
(3)
شجاعتي في اختفائي
لنبدأ من أرضي الاولى
٭ خسرت قريتي التي بنيت فيها الذاكرة الاولى وشيدتها على فقدان الوالد 9591 في الحرب التحريرية ولم احتفظ في ذاكرتي إلا بوجهه الطيب وهو يعود من منفاه الاختياري كعامل مهاجر في فرنسا، وهو يغسل وجهي صباحاً ثم يضع على رأسي المنشفة الكبيرة وهو يضحك: هل تراني الآن يا واسيني؟ واتذكر اني كنت اقول له: اراك، وأحاول ان اصنع له صورة من وراء المنشفة تشبهه، واحياناً اجمل. ولماذا ذهبت الى فرنسا؟ افضل دائماً ان اسأله تحت ظلام المنشفة لكي اتجرأ على طرح اسئلتي التي لا تنتهي فيجيب: للعمل، قريتنا فقيرة جداً ولا تمنحنا الشيء الكثير للعيش ونضطر للخروج قهراً وليس اختياراً. بلاد فرنسا (هكذا كان يسميها، وهى ترجمة حرفية لكلمة كان يقولها المغتربون Le pays de la francr) متعبة لأننا نعمل بمشقة فيها ونحمل الاشياء الثقيلة على ظهرنا وبين ايدينا ولا نتشكى، لأننا اذا فعلنا ذلك سنطرد. الكثير منا يموتون بفعل التعب او الحوادث المؤلمة، يسقطون من أعالي البنايات او تسقط على رؤوسهم الكتل الثقيلة، أعاود السؤال: وانت لا تخاف من ذلك كله؟ احياناً، ولكن ماذا بإمكاني ان افعل؟ يجيبني بعد صمت طويل لكن.. في فرنسا حدائق وأمكنة للراحة، ومدن نظيفة كذلك، نتعلم فيها كيف نقرأ ونكتب، اسأله من جديد وانا مستمتع بظلام المنشفة التي تمنحني حرية الكلام بحيث احسه وآراه كما اشتهي ولا يراني: هل تعلمت القراءة والكتابة هناك؟ يجيب وهو لا يخبئ ابتسامته التي احسها ترتسم على شفتيه الرقيقتين، والتي تزيد من يقينه: تعلمت، سيدة طيبة تعمل معي علمتني، اتساءل ولا اطرح السؤال: امرأة تعلم والدي؟ هذا الامر لا يوجد عندنا بملعنة وخبث طفولي، اتذكر اني ادخلت والدي في المصيدة لا بد ان تكون هى نفسها المرأة التي تتحدث عنها كل نساء العائلة والتي يقال إنها سرقت والدي من أمي. هناك من يتمادى في خياله ويقول ان له ابناء معها. امي لا تصدق أو تحاول ان تتظاهر بذلك. اسأله مرة اخرى بلغة اقل يقينية: فرانساوية؟ فرانساوية، يجيبني والدي اتوغل في السؤال: لماذا لا تأخذ امي معك ترتاحان هناك. يرد ولا اشعر انه تأثر لسؤالي: هي هنا في بيتها وارضها وتسهر على الجميع وانا هناك احاول ان اخفف عليكم مشقة الحياة. اكاد اسأله: بابا هل هى نفس الرومية التي يتحدثون عنها؟ مثلما سمعت في حوارات جدتي وامي وخالاتي على الهامش عندما استرق السمع مثل أى طفل شقي كبر بسرعة ولم يتفطن لسنه الآخرون؟ فجأة ينزع المنشفة من على رأسي ويتضح النور فأتوقف عن أسئلتي في باحة الدار واجلس في حجره وانا وحسن اخي نشرب القهوة الصباحية. يقول وهو يضحك لا أدري صدق ما كان يقوله سيدنا علي هكذا كان يفعل، يضع الحسن على اليسار والحسين على اليمين.
(4)
كتابي السري؟
٭ والدي الذي أدخلني الى المدرسة الفرنسية والجامع، استشهد حتى قبل ان اطرح عليه كل اسئلتي التي ما تزال الى اليوم معلقة في الذاكرة كأية آنية عتيقة تحمل سرها في قدامتها. امي سارت على هدى وصيته التي تركها وراءه قبل أن تأكله حيطان ثكنه سواني العسكرية ويموت تحت التعذيب الهمجي في صيف 9591. تسألني امي من حين لآخر عن احوالي في الجامع: فارد بحماس: انتهيت من حفظ الربع الاول من القرآن الكريم، وزوقت لوحتي العديد من المرات وبدأت أجلس في الاماكن الخلفية للجامع. الاماكن الخلفية تعني انه اصبح بإمكاني ان اخذ نسخة من النسخ العشرة من القرآن واطلع عليها واسأل الفقيه عند الضرورة . احزن احياناً لأن والدي ذهب قبل ان اخبره بقصة نسخة القرآن في الاماكن الخلفية. استشهد وهو لا يعرف اني تعلمت كما كان يشتهي واصبحت اقرأ واكتب. لكني لم احك له عن نسخة القرآن العجيبة التي عثرت عليها في رف المكتبة في نهاية القاعة التي كنا نتعلم فيها. كانت النسخة تحمل نفس الغلاف الاحمر. لم تكن تشبه النسخ الاخرى في محتواها مطلقاً ولا حتى في خطها الذي كان اكثر رقة من الخط القرآني. قلبتها طويلاً بسرية كبيرة ولم افهم من أين كان يأتي سحرها ولا تلك الرغبة التي انتابتني فجأة لاخراجها من المكان، أو بلغة ابسط لم اكن قادراً على تحملها: سرقتها فقد فهمتها بسهولة كبيرة لأن كلامها لم يكن كالقرآن الذي تعودت عليه، فكرت ان اسأل سيدي الفقهيه (المعلم في الكتاب) ولكني لم افعل ابداً. عاودت التهجي ومحاولة الفهم، الغريب اني لم أكن اجد اية صعوبة في القراءة، بل ان شهوتي كانت تستيقظ كلما قرأت النص. كلما انتهيت من القراءة، كنت أخبئ نسختي من وراء النسخ الاخرى حتى لا تأخذها يد غيري. ربما كانت أنانيتي أو ربما كان خوفي من أن تسرق. فجأة صرت احلم بها وبما قرأت ليلاً، عندما استعد للنوم، ارى كل ما فيها يرفرف حول رأسي ويتحول الى نساء جميلات وعفاريت وحيوانات خرافية وغابات لا حدود لها وذئاب كثيرة. ولكن هذا كله لم يشفني من حبي لهذه النسخة، كان الكتاب في عيني كبيراً وبداية الدروس في المدرسة الفرنسية تسرق من وقتي في احدى المرات وانا في الخلفية افكر في ما يمكن فعله، بدأت اعطي لنفسي كل مبررات الدنيا لاخراج النسخة من الجامع: قرآن لا يشبه القرآن؟ مكتوب بخط غير خطه؟ فيه حديث غريب عن الحب والنساء والسلاطين والعفاريت؟ فيه حتى الخرافات التي تشبه ما كانت ترويه لنا جدتي؟ هل يعقل أن يبقى الكتاب في الجامع وهو مكان مقدس؟ وانتهيت الى تحريم بقاء النص في الرف الخلفي. في ذلك الفجر البارد، كنت اول من دخل على الجامع. صبحت على سيدي الفقيه، غافلته ووضعت النسخة في صدري واعتذرت منه وقلت له اني متعب وخرجت عند الباب اوقفني. لم استطع ان ارفع رأسي مخافة ان يرى كل شيء في عيني تذكرت منشفة والدي، كم كانت جميلة إذ كانت جميلة إذ كان بإمكاني ان اقول ما اشاء بدون خوف من ان يروا ما يتراقص في عيني من كذب جميل. وشعرت بالكتاب ثقيلاً في صدري، فكرت أن اتركه واهرب. قال لي: ما بك وتلمس رأسي ثم أردف: حرارة؟ مازلت اسمع صوته وانا اتخطى عتبة الجامع: اسمع يا وليدي، قل لامك تضع لك الزعتر وقشور الليمون وقطرة من عسل النحل.. عسل النحل الحقاني، مش الفالسو، أسمعت وإلا لا؟ فجأة صرت خفيفاً وصار الكتاب لا يزن شيئاً. عندما وصلت الى البيت كنت محموماً بالفعل ولكن من شدة الخوف، قلت لأمي غطيني ونمت محتضناً قرآني. لم أحلم يومها، ولم ار أى كابوس ولكني كنت داخل غيمة بنفسجية جميلة. بعد ايام خاطت له جدتي كيساً خاصاً وهى تقول: هذا كلام الله يجب ان يوضع في مكانه اللائق. كنت اضع الكتاب داخله كلما انتهيت من القراءة. كانت جدتي كلما مرت في باحة البيت بعصاها وسطل مائها للوضوء، ورأتني اقرأ بلا توقف، ابتسمت من فرط السعادة. لا تخبئ فخرها أمام خالاتي: واسيني، وليدي، هو الوحيد من ابنائي الذي تعلم لغة اجداده وقرآنهم. جدتي مثلها مثل امي، مثل بقية افراد العائلة الكبار سناً، لا يعرفون لا القراءة ولا الكتابة، يعرفون القرآن من غلافه الاحمر ومن ورقة الطيب المائل الى صفرة ما ومن رائحته المتأتية من رائحة الورق وحبر المطابع القديمة. أحياناً كنت أشم في سيدي الفقيه رائحة القرآن. عندما كبرت قليلاً، اكتشفت انه لم يكن قرآناً ولكنه كتاب الف وليلة في جزئه الاول، بأوراق وحروف ورائحة لم تكن بعيدة عن رائحة القرآن، وربما كانت رائحة المكان نفسه.. الى اليوم ما زالت انقاد نحو رائحة الكتب قبل ان اكتشف عناوينها، لا اعرف طبعاً اليد التي وضعته هناك، في ذلك الرف الصغير، ولا أعلم اذا ما كان على ان اشكرها واقبل يدها بحرارة أو ارفضها لأن كل ما حدث لي فيما بعد مترتب عن تلك اللحظة التي فتحت فيها خطأ كتاب الف ليلة وليلة. تلك اللحظة غيرت نظام حياتي واحاسيسي نحو الاشياء وادخلتني غمار التجربة وقذفتني داخل عالم لم أكن مهيأ له، إذ كان يمكن في احسن الظروف ان اتحول الى فقيه يدرس القرآن في القرية، ومع بعض الحظ، الى مهرب للكتان والخضر والفواكه، على حدود المغربية الجزائرية. ولهذا كلما صفوت الى نفسي، اقول: طوبى لتلك اليد واعتذر منها لاني سرقت متعتها، فقد وضعت في مسلكي اجمل نص قربني من الخيال والكتابة واللذة وابعدني عن مهالك اليقين.
تلك ارضي ووطني الاول الذي فقدته وتحول اليوم الى عالم من الرموز لا وجود له إلا داخل اللغة والاحاسيس وذلك منفاى، إذ كلما تذكرته تمنيت ان اراه ثانية فقط لاقول ما خبأته وافعل ما لم استطع فعله وقتها.
مشاركة في احتفالية جائزة الطيب صالح
ليلى العثمان في شهادة عن تجربتها الإبداعية
أجيئكم وأنا على مشارف عمر يسمونه سن اليأس واسميه سن الأمل الذي نتآخى فيه مع شمس أكثر اشراقاً ونواصل صياغة احلامنا. نصف قرن مضى كم جميل ان اقف على شرفته متطلعة الى الغد تطلعاً مشروعاً لا يمنع التفافة الى سنوات العمر الغاربة، ليس اجترارا لما مضى ولا رغبة في التأسي والبكاء على ذكريات لم تشخ بعد في ذاكرتنا، بل هو اعتراف بالجميل لتلك السنوات التي هيأتني لأن اكون كاتبة وأحقق احلامي.
ما كان صعباً أن أحلم لكن الصعوبة كانت في الكيفية التي تخرج بها احلامي من مكامن الخوف ومكائد الذين اشهروا اسلحتهم بوجهي مدفوعين بمشاعر قلوبهم التي تمدد بها الشيطان وبرماد إرث ثقيل. لقد واجهت الرياح بصبر واصرار، وكانت الكتابة وحدها بوابة الرحمة التي دخلتها ليس تطفلاً ولا غواية شيطان أو بحثاً عن شهرة، فقد كنت مهيأة لهذا الدخول بموهبة تلمست بوادرها فسعيت رغم كل العوائق إلى أن أنميها واضيف لروافدها ما يدفع بها الى مكان مضيء.
ايها الاعزاء:
إن كان للكتابة من روافد ودوافع، فقد كانت طفولتي التعسة احد روافدي المهمة، فحين تبدأ الحياة بفقد الأبوين نتيجة انفصالهما فلن تكون هناك أحضان أخرى حنونة. لقد تنقلت بين بيوت ثلاثة، بيت زوج الأم، وبيت زوجة الأخ غير الشقيق، وبيت زوجة الأب، كلها بيوت كرهتني دون ذنب جنيته، وعوملت معاملة كائن تافه لا قيمة لوجوده.. تلك الكراهية والازدراء لإنسانيتي كانت أكبر دافع ومحرض لأحقق حلمي، فتصبح الكتابة فعل الانتقام الجميل الذي لم يكن دافعه أذية الآخرين، بل هو التحدي أن أثبت لهم أن الموهبة الحقيقية لا تتحطم مهما حطموا لي من اقلام، وان اثبت لهم ان الحب الذي لم يسكن القلوب التي تمدد بها الشيطان قد سكن قلب الطفلة، وبقدر ما كرهتهم وأنا طفلة وجدتني حين كبرت أحبهم وأغفر لهم واشكرهم لأنهم بقسوتهم شحنوا الموهبة فكانت تلك الآلام خزيناً ووقوداً ثرياً ورافداً مهما لمشروع الكتابة. وكان الرافد الثاني الذي رش مطره على بذار الموهبة المخبوءة هو الحكايات الشعبية التي كانت تحكيها لنا الامهات والجدات والجارات.. حكايات يتفتق عنها خيالهن أو تلك التي توارثنها عبر الأجيال، كانت عيناي تشخصان إلى ثغور الحاكيات اسمع واطوف في عوالمها الذي اسرى بي الى حلم اتشهى فيه أن اكبر وابتدع حكاياتي.
لقد تأثرت كثيراً بتلك الحكايات التي كانت الحاكية لا تكتفي فيها بالقص المعتاد، بل تأتي بالحكاية مدعومة بحركات مباشرة او ايمائية من جسدها او بيديها وبتعابير وجهها، وكانت تلون في صوتها مقلدة اصوات البشر والطبيعة والحيوان. كانت كمن تمثل على خشبة المسرح.. اكتشفت هذا بعد أن كبرت وتعرفت على فنون المسرح. ولم تكن المدرسة إلا أحد الروافد المهمة للكتابة، فقد نقلتني من مرحلة الاستماع والتخيل الى مرحلة القراءات، فوجدت في مكتبة المدرسة ما يمتعني ويثريني. وانكببت على السير الشعبية وألف ليلة والاساطير وروايات جورجي زيدان، ثم بدأت بالأدب الرومانسي، فقرأت جبران ومي زيادة وعبد الحليم عبد الله وغيرهم، فوجدتني بحماسة أكتب القصص والروايات الطويلة التي مازلت احتفظ بها حتى اليوم رغم سذاجتها وركاكة لغتها وبساطة أفكارها، فقد كانت البذرة الاولى لطفلة تشبعت بالحكايات وبالقراءات الأولى.
كانت المدرسة هي الجنة التي رأفت بالطفلة المحرومة من حنان الأبوين واحتضنت الموهبة، لكن باب الجنة أغلق وأنا في المرحلة الثانوية، حين أصدر أبي أمره القاسي بأن أترك المدرسة رغم تفوقي. وأذكر كيف وقفت مصعوقة، ضعيفة نازفة بألمي أنبس بذل عجيب: «أمرك يا أبي» كان بداخلي شيء يصرخ أن ثوري.. تمردي.. قولي: لا، ولكن كيف للا أن تخرج وقد تعطلت قبلها لاءات كثيرات بسبب الخوف والانكسار.. كم كرهت أبي تلك اللحظة لقسوتها التي حرمتني من فضاء الحرية وحنان المدرسات ورفقة الصديقات، لكنه رغم قسوته فتح لي باب جنة أخرى.. كان شاعراً ولديه مكتبة زاخرة بكل الثقافات، فسمح لي بأن أسقط في ذاك النعيم.
وأصبحت القراءة هي الخلاص من الوحدة والفراغ، وهي النوافذ التي سافرت بي إلى بقاع العالم والمعرفة، وهي الرافد الأهم لمشروع الكتابة.
لقد تعرفت على كل الأسماء الشهيرة من كتاب عرب وأجانب أمثال يحيى حقي، يوسف إدريس، زكريا تامر، يوسف حبشي الأشقر، توفيق يوسف عواد، موباسان، تشيخوف، سومرست موم وغيرهم، ذلك ما دفعني إلى أن أكتب القصة القصيرة واظن بل اؤكد ان حماسي قد تفاقم حين قرأت لكاتبات من النساء عربيات وأجنبيات أمثال غادة السمان، ديزي الأمير، سميرة عزام، لطيفة الزيات، فرجينيا وولف، بيرل باك، الاخوات برونتي وغيرهن.. لقد أصابتني الغيرة المشروعة أن اصبح قاصة وروائية. وحين قرأت نجيب محفوظ وتلمست العلاقة المتينة بينه وبين القاهرة القديمة عدت بذاكرتي الى مدينتي القديمة داخل السور بأحيائها وأزقتها وتراثها الشعبي وعوالم ناسها. وأدركت ما للمدينة من قيمة دفعتني أن أمسك بفأسي وانكش ما تجذر بقلبي وذاكرتي من ذلك السحر والواقع الذي عشت جزءاً منه، وهكذا أخذت مدينتي القديمة الجزء الأكبر والحار من كتاباتي، فكان ذلك الواقع المصطخب رافداً من روافد الكتابة ايضاً.
وصدقوني بعد التجربة اكتشفت أن المكتبة أشد تأثيراً وفائدة للكاتب، فالزاد الذي حصلت عليه اثرى موهبتي ومعرفتي، وليس تقليلا من شأن الدراسة، فقد اتيحت لي الفرصة بعد أن تزوجت وغادرت بيت ابي، أن أكمل تعليمي، لكنني لم افعل لانني اعتدت على عالمي في القراءة، ثم بدأت انجب الاطفال وأردت التفرغ لهم وامدادهم بالحنان الذي افتقدته.
وفي عام 5691م خرجت من بيت أبي حاملة اعباءه الاجتماعية إلى بيت اكثر وعيا واحتراما للمرأة. إن زواجي من فلسطيني هيأ لي مساحة من الحرية واعاد صياغة الانثى المتخمة بالخوف والقهر والاستسلام لطاعة الاوامر. كان الزوج الاب والصديق الذي حين اكتشف الكتابات فرح بها وشجعني على نشرها، ومنذ ذلك العام بدأت حريتي حين فتحت الصحافة ابوابها، فاندفعت اكتب المقالة والوجدانيات والتحقيقات الصحفية التي بدأتها بالدخول الى سجن النساء وكم اكتشفت من اسرار.
أيها الأعزاء:
إن تجربة الطفولة بكل قسوتها والصبا بكل حرمانه وتجربة القراءة لا تكفي، فتجربة الحياة والغوص في دهاليزها تساعد على نضج الكاتب وامتلاك ادواته وتنوع معرفته، وقد عشت تجربة حياتية ثرية شملت بيئتي المحلية والبيئات العربية الاخرى، ثم كانت الاسفار العديدة الى العالم والمشاركة في المؤتمرات والتعرف عن كثب على كبار المفكرين والادباء الذين قرأتهم، اضافة الى ممارسة عادة التأمل واحلام اليقظة وتجربة الامومة الرائعة.. كل ذلك اضاف لتجربتي وعمقها، وجعلني اكثر صلابة في مواجهة التحديات بكل اشكالها.
إن كل حدث في حياة الكاتب هو مشروع قصة او رواية، وقد أردت من خلال قصصي أن اقدم وثيقة وشهادة تعكس بصدق معاناة الانسان رجلاً كان ام امرأة، فهمومنا مشتركة.
لقد حررتني الكتابة من أسر الخوف، وقد كنت محظوظة يوم بدأت النشر، فقد كان مجتمعي منفتحاً تتحقق فيه الديمقراطية مع اول برلمان مجتمع آمن بحرية المرأة وحقها في التعليم والعمل والتعبير عن مشاعرها بصوت صريح وجريء كما يفعل الرجل. وحين أعود بذاكرتي إلى تلك السنوات الذهبية يقرص الحزن والاسى قلبي ونحن اليوم عصافير يشحذ القناصة من اعداء المرأة بنادقهم ليطاردوا أصواتنا وأفكارنا، ويجهدون في محاولاتهم لغلق نوافذ الحرية.
الرواية بين التغيير والتزوير
د. خالد المبارك
«تتجلى عظمة الروائيين الكبار في أنهم يغيرون أبعاد الرواية للقراء ولباقي الكُتاب، كما يغيرون ويعززون الوعي باحتمالات الحياة».
ف.ر. ليفيز (1895-1978)
حينما تبلورت معالم ما يعرف الآن بالربيع العربي، فوجئ كبار المحللين السياسيين في الغرب كما فوجئت مراكز الابحاث والاستخبارات التي نشرت تقارير، بأن الوضع سيظل راكدا كما هو. وواقع الامر أن الانتفاضات لم تحدث من فراغ. بل أتت نتيجة تراكم كمي عبر عشرات السنين في عدة ساحات منها الآداب والفنون. ويلفت الانتباه أن الانتفاضات العربية زامنتها حركة «احتلوا وول ستريت» التي رفع بعض معتصميها في شارع المال والأعمال العلم المصري، مما يبرهن لمتطرفينا أن الغرب ليس كتلة واحدة صماء معبأة ضدنا، وان حملة الاسلاموفوبيا لم تضلل كل الشباب!!
لا يعلم كثير من الخبراء الاوروبيين والاميركيين أن الادب الذي ابدع في السجون العربية كثير لدرجة ان ندوة عقدت بالقاهرة في شهر ابريل 2009م نادت بإنشاء متحف أ السجون، يعنى بتجميعه وتنقيحه وتحليله. ومن منشورات اتحاد الكتاب العرب بحث نشر عام 1983م بعنوان «السجن السياسي في الرواية العربية» يعالج فيه سمر روحي الفيصل أعمالا عن تجارب ومعاناة وجدت تصويرا ادبيا. فالتغيير في ابتكار الشكل واستكشاف احشاء المجتمع بتشريح جريء اهم معالم الرواية. ورغم أن الاستاذ فاروق خورشيد جادل بأسانيد مقنعة في كتاب «الرواية العربية» مفندا القول القاطع بأن العرب لم يعرفوا الرواية، ومستشهداً بالقصاص والمقامات، فإن المقصود بالرواية في حديثنا هذا هو الجنس الادبي الحديث الذي انتقل الينا من الدول الغربية، وبه حيوية وحرية لأنه لا يكبل بقيود التاريخ الموروث مثل بحور الخليل بن أحمد في الشعر.
نبهنا جابر عصفور في كتاب «زمن الرواية» إلى أن نجيب محفوظ جادل عام 1945م بأن الرواية حلت محل الشعر «الذي ساد في عصور الفطرة والأساطير». «اما هذا العصر فيحتاج لفن جديد يوفق على قدر الطاقة بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنانه القديم للخيال».
لم يذكر الرائد الراحل شيئاً عن السينما التي تفتح نافذة للمنافسة ايضا (رغم صلته الحميمة بها).. ومن الذين اهتموا بدور الرواية في التغيير ادوارد الخراط الذي ذكر في مقاله بمجلة «ألف ياء» عام 2001م بعنوان «دور الكاتب الإفريقي في التغيير الاجتماعي» أن الكاتب لديه وظيفة اجتماعية لكن نتاج غرسه لا يبين عاجلاً، بل على المدى الطويل، وانه يواجه هجمة «شبه الثقافة» التي تقدمها قطاعات حاكمة في الغرب فتشوه الهوية الوطنية وتغرقها في التسلية السلهة. ورصد الخراط ايضا قلة القراء ورواسب التقاليد المكبلة كعوامل فعَّالة ضد الكاتب. ونادى بمواصلة «الشوق اللاعج للحرية، وتلك النشوة في التواصل» التي لا تجد تحقيقاً إلا في الأدب الجيد والفن الجيد رغم القيود السياسية والاجتماعية التي يساعد الأدب على تجاوزها وتبديلها.
وخليق بنا في السودان ان نفاخر بمحمد أحمد محجوب الذي نادى في مقالة بمجلة «النهضة» عام 1932 «بدور القصص والغناء والأدب» في إذكاء الشعور القومي وتجاوز القبلية. وأكد ذلك عام 1941م عندما كتب في «الحركة الفكرية في السودان» عن إبداع أدبي تمثله حركة منظمة: «وتنقلب فيما بعد هذه الحركة الأدبية إلى حركة سياسية تؤدي الى استقلال البلاد سياسيا واجتماعيا وفكريا»، ونال بالفعل شرف المشاركة في الانجاز التاريخي عام 1956م. ونستحضر أن المحجوب كتب عام 1946 في «موت دنيا» عن حقوق الإنسان سابقاً بذلك الذين يوظفون حقوق الإنسان هذه الايام للركوع للأجندة الأجنبية المغرضة. فالطيب صالح لم ينبت من فراغ لأنه استقى من تراث المحجوب العريق.
وما أوضحته الانتفاضات العربية، وما أكده أدب السجون وشعر السجون، هو أن التغيير والتحول الديمقراطي المنشود لا يتأتى بيسر. وقد كان الطيب صالح طرفاً واعياً في صراع مرير. وحرم من جائزة نوبل أو أية جائزة غربية كبرى لأنه كتب باللغة لعربية، ولم يفعل ما فعله كتاب نيجيريا أمثال المسرحي وولي سوينكا. صحيح أن نجيب محفوظ كتب بالعربية ونال جائزة نوبل، لكنه ليس في بلاد حدودية تتعرض فيها اللغة العربية والثقافة العربية لمحاولات الإزالة. كما أن له مواقف سياسية تعتبر معتدلة نسبياً. وهذه قضية محورية واجهها جيمس نقوقي فغير اسمه إلى نقوقي واثيونغو، وأخذ يكتب بلغة الكيكويو بدلاً من الانجليزية، ونشر كتابه عن ضرورة «تحرير العقل من الاستعمار» الذي أعيد نشره خمس مرات حتى عام 1992م.
فالرواية عند الطيب صالح أداة تغيير لكنها عند شينوا أشيبي على سبيل المثال أداة لتغييب اللغة الوطنية ومخاطبة القراء البريطانيين او الاميركيين أو الناطقين بالانجليزية ودور نشرهم بامكاناتها الهائلة. أي أن الرواية عند البعض أداة تزوير للهوية الوطنية. ونتذكر أن تشوسر وشكسبير كتبا بالانجليزية عندما لم تكن اللغة الأولى، بل كانت اللاتينية والفرنسية أكثر أثراً.
وصمد الطيب صالح أيضا في وجه الحملة التي أرادت له أن ينحاز إلى تيار الحركة الشعبية لتحرير السودان، ويوظف رواياته لأطروحات الهامش والتهميش. وقد أفادنا الدكتور الإسرائيلي آفي شليم في بحث بدورية تاريخ الامبريالية والكومنولث (عام 1999م) أن «استراتيجية تأليب الهامش» والمهمشين من ابتداع ديفيد بن غوريون عام 1948م، وغرضها هو تحريض الأقليات في الوطن العربي لتفتيت وحدة بلدانه الوطنية.
ولا يولد النص من فراغ كما يذكر عمار علي حسن في كتاب «النص والسلطة والمجتمع» (القاهرة 2003م)» وهو على الرغم من فرديته الإبداعية نتاج اجتماعي يبين جانباً من أفراح البشر وأتراحهم بشكل غير مباشر.. لكن هذا التصوير قد يتجه إلى ناحيتين إما التغيير الإيجابي التراكمي الذي قد يجد تعبيراً في الانتفاضات على المدى الطويل، أو تزوير الهوية وتغييب اللغة الوطنية والتنكر للدور الطليعي.
والرواية أداة تعبير وتغيير لا يظهر أثرها عاجلاً بل آجلا، لكنها يمكن أيضاً أن تصير أداة تزوير إذا ما وظفت لإزالة اللغات الوطنية والانقياد لدور النشر العالمية التي تنشر لقراء في قارات أخرى ولا تخاطب القاريء المحلي حيث تسود الأمية والعقلية التبعية.
ورواية التغيير رواية باقية، أما روايات التزوير فهي وليدة مرحلة ستنتهي بانتشار التعليم وبروز دور نشر تنشر للقارئ المحلي بلغته الوطنية كما فعل الطيب صالح، وكما فعل الطاهر وطار في الجزائر.
لندن
يناير 2012م
الربيعي وعمار
علي حسن في ود مدني
استضافت وزارة الثقافة والإعلام بولاية الجزيرة ورابطة الجزيرة للآداب والفنون، الاستاذ عبد الرحمن مجيد الربيعي (العراق) ود. عمار علي حسن (مصر)، وهما من ضيوف جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي التي ترعاها الشركة السودانية للهاتف السيار (زين).
وفي بداية اللقاء الذي احتضنته قاعة اتحاد المزارعين بود مدني، تحدث البروفيسور إبراهيم القرشي وزير الثقافة بولاية الجزيرة عن معاني ودلالات الاحتفاء بالطيب صالح، وقد افاض في حديثه عن العلاقة التي ربطته بالطيب وتقديمه لمؤلفه.
وتحدث مجذوب عيدروس الأمين العام للجائزة، عن الجائزة ولقاءات المثقفين العرب وتعرفهم على الوطن الكبير، وعن علاقة الرابطة بإنتاج الربيعي حينما عقدت ندوة في السبعينيات لمناقشة مجموعة (ذاكرة المدينة)، وبالذات قصة (مغامرات أحمد العبد في لياليه الحافلة) التي كانت منشورة في مجلة الآداب البيروتية، ثم مناقشة روايته الوشم التي جرت في رابطة الجزيرة للآداب والفنون أيضاً.. ثم المقارنة التي عقدها بين قصة «رجل شفاف» لأحمد الفضل أحمد و «مملكة الجد» للربيعي، وقد نشرت في مجلة الدستور اللندنية عام 1989م، وقد تحدث الربيعي عن ضرورات اللقاء بين المثقفين العرب، وعن سعادته لمعرفة كتاب ونقاد سودانيين لأعماله واهتمامهم بها... وتحدث عن علاقة المثقفين بالسياسة، وعن المسافة الفاصلة بين السياسي والثقافي.. ومما قاله إن بداية انهيار العراق كانت مع بداية الحرب العراقية الايرانية.. وتناول المشهد الثقافي العربي، حيث أن إقامته الطويلة في تونس واستقراره بها منذ عام 1989م، أتاح له أن يكون صاحب إلمام طيب بالمشهد الثقافي المغاربي، إلى جانب تتبعه للحركة الثقافية في المشرق العربي.
وتحدث الدكتور عمار علي حسن معبراً عن سعادته بزيارة مدينة ود مدني التي درس بمدرستها اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر، ودعا الى رد الاعتبار لهذا الرجل الذي آمن بالديمقراطية ودعا الضباط الاحرار الى تسليم السلطة للمدنيين، ثم قضى بقية حياته بعد عزله في معتقل لعشرات السنين.. وتطرق الى التماس بين الثقافة والسياسة، وضرورة مواجهة القمع والاستبداد، مؤكداً أن الربيع العربي سيتواصل لتحقيق أقصى ما يستطاع لإسعاد المواطن وحرية الوطن.
وتوالى على المنصة عدد من الأساتذة معقبين على ما جرى من حديث، فكانت مداخلة القاص أحمد الفضل أحمد عن قراءتهم للربيعي، واستخدامه للتقنيات الحديثة في الكتابة السردية، وأمن على ما ذهب إليه الربيعي من حيوية جيل الستينيات في مصر والعراق والسودان ولبنان وكل مكان من الوطن العربي.
كما تناول الحديث الشاعر والكاتب المسرحي والناقد محمد محيي الدين، متناولاً الأثر العراقي في كتابات الشعراء الشباب في السودان وغيره، وإضافات الربيعي إلى الكتابة السردية.
وقد أدار هذه الجلسة القاص مبارك الصادق، وقد دارت مناقشات ثرة حول هموم المثقفين العرب، وعلاقة المثقف بالسياسي.
الدبلوماسية الوقائية وصنع السلام
كتاب جديد صدر عن المركز العالمي للدراسات الافريقية، للدكتور محمد احمد عبدالغفار، بعنوان (الدبلوماسية الوقائية وصنع السلام)، الجزء الاول، مقدمة في علم النزاعات ونظام الانذار المبكر...
ويقع الكتاب في 385 صفحة من القطع المتوسط ويتناول ظاهرة النزاعات العصرية ومفهوم الدبلوماسية الوقائية.
كتب جديدة في جائزة الطيب صالح:
صدرت مجموعة من الكتب عن مجلس امناء جائزة الطيب صالح العالمية للابداع الكتابي، وتضمنت الاعمال الفائزة بجائزة القصة القصيرة في العام الماضي وهي: يناير بيت الشتاء لاحمد ابو حازم ، (السودان) و(همس خفي) لعمار علي حسن (مصر) و(عسل اللقالق) لاسماعيل غزالي (المغرب) وفي الرواية (اول النهار) لسعد القرشي (مصر) و(مخمسات ضوينا الاعرج) للزين بانقا (السودان) و(بوح اخير) لمحمد حسن الحضري (سوريا). وفي النقد الادبي صدر كتاب (البنية السردية في ادب الطيب صالح) للجزائري د. عمر عاشور، وجدلية الرمز والواقع في موسم الهجرة الي الشمال) للمصري د. احمد كريم.
منتدى الخميس الدوري
٭ يخصص منتدى الخميس الدوري لنادي القصة السوداني، ليلة كبرى للقراءات القصصية، يشارك فيها عدد من الكُتاب وكاتبات القصة من مختلف الأجيال، وسيقدم الناقد عز الدين ميرغني في بداية الأمسية ورقة موجزة عن تقنيات كتابة القصة القصيرة، وذلك يوم الخميس 32/2/2102م الساعة السابعة والنصف مساءً بمركز مهدي للفنون بالخرطوم شرق.
المكتبة الوطنية
٭ في إطار تمكين المكتبة الوطنية من أداء رسالتها باعتبارها أحد مشروعات الدولة الطموحة لنشر الوعي والمعرفة، أجاز الأستاذ علي عثمان محمد طه النائب الأول لرئيس الجمهورية، التصميم الجديد للمكتبة الذي سوف يتم تنفيذه غرب المتحف القومي، ليتكاملا معاً صرحاً من صروح الثقافة الوطنية في البلاد، وتبلغ تكلفة تشييد مباني المكتبة الجديدة «04» مليون دولار.
هذا وقد فرغت المكتبة الوطنية حالياً من إصدار أول قائمة بمقتنيات الرقم الدولي المعياري للمؤلفين السودانيين على قرص مدمج.
وفي ذات السياق يقدم الدكتور نور الدين ساتي الأمين العام للمكتبة محاضرة بعنوان (مشروع المكتبة الوطنية، مستودع الذاكرة السودانية للإنتاج الفكري والثقافي) بجامعة العلوم والتقانة في يوم الأربعاء 22/2/2102م الساعة الحادية عشرة صباحاً. ويشارك في التقديم البروفيسور قاسم عثمان نور، خبير وأستاذ علوم المكتبات، والدكتورة شادية أحمد محمد من المكتبة الرئيسية بجامعة العلوم والتقانة، ويديرها الاستاذ/ محمد المكاوي مصطفى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.