وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    حاكم النيل الازرق يصدر قرارا بتعديل ساعات حظر التجوال واستعمال المواتر    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    الله يستر.. الناس دي ح تبدأ تدور..!!    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    محاولة قصقصة (أجنحة) الهلال    رئيس لجنة المنتخبات الوطنية يتابع تفاصيل المنتخب أولا بأول    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وقائع ومشاهد يوم 6/6/2011
«الكتمة» (3)

الموقف الحكومى تجاه جبال النوبة ظل وباستمرار ينهض على إستراتيجية مؤداها فصل قضية جبال النوبة عن الجنوب مع السعى الجاد لحل المشكلة، ووفقاً لهذا المنظور فقد عملت الحكومة على التعاطي بشكل إيجابي مع أية مبادرة تصب فى هذا الاتجاه، وسعت الحكومة لفتح قنوات اتصال مع قيادات أبناء الجبال بالحركة، فنشطت دائرة السلام باللجنة السياسية لمجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطنى التى كان يقودها الأخ العقيد الركن محمد الأمين خليفة فى فتح قناة اتصال مباشر مع قيادة الحركة الشعبية بالجبال، وتم تبادل رسائل بينه وبين الراحل يوسف كوة، وقد أسهم فى هذا الجهد د. كبشور كوكو والشهيد العميد حمد عبد الكريم وآخرون.
محطات في طريق فصل قضية جبال النوبة عن الجنوب:
كما قاد الشهيد موسى علي سليمان جهداً لا يعرف الملل فى فتح قنوات اتصال مع القادة العسكريين والسياسيين من أبناء المنطقة بالحركة الشعبية، بيد أن الاختراق الإيجابي حدث نتيجة اتصالات قادها محافظ كادقلى آنذاك المقدم الركن/ محمد الطيب فضل، وأسفرت تلك الاتصالات عن مؤتمري بلينجا وأم سردبة فى أبريل مايو من عام 1992م، وعلى الرغم من بعض التقاطعات التى نشأت أثناء المبادرة فيما بين محافظ كادقلى ووالى كردفان الكبرى وقتها اللواء الركن بحرى/ سيد الحسينى عبد الكريم نتيجة اختلاف تقديرات حول ترتيب أسبقيات العمل، إلا أن توجيه المركز كان حاسماً بضرورة المضي قدماً فى تلك المبادرة، وفى هذا الشأن عقد اجتماع فى الأول من سبتمبر 1992م بمقر جهاز الأمن العام بالخرطوم برئاسة نائب رئيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني الشهيد المشير/ الزبير محمد صالح، وبحضور كل الأطراف ذات الصلة والمعنية بأمر السلام والمنطقة على مستوى الأجهزة الاتحادية والولائية.. قيمة ذلك الاجتماع الجوهرية هى تأمينه على ضرورة استمرار المبادرة لأنها تصب فى صالح الهدف الإستراتيجي «فصل قضية جبال النوبة عن الجنوب»، كما وفر هذا الاجتماع دعماً سياسياً كبيراً للمبادرة، وذلك بتكليف عضو مجلس قيادة الثورة ورئيس جهاز الأمن العام وقتها العقيد الركن/ بكرى حسن صالح للإشراف على عملية التفاوض، وتمت إعادة تكوين فريق التفاوض بقيادة الأخ حسب الله أحمد عمر، وضم الفريق ممثلين للأجهزة المختصة اتحادياً وولائياًً وعلى مستوى محافظة كادقلى، شملت المهندس/ عبد الجبار حسين، أحمد الشين الوالى، وسراج الدين عبد الغفار وآخرين كان كاتب المقال من ضمنهم، إضافة إلى لجنة المحافظة.
ورغم وصول الوفد الميداني للتفاوض لكادقلى للاستمرار فى التفاوض مع وفد الحركة الشعبية بجبال النوبة بقيادة القائد/ تلفون كوكو «فك الله أسره» إلا أن المفاوضات لم تستمر بعد ذلك نتيجة لعدة أسباب منها:
أ/ عدم رغبة قائد الحركة الشعبية بالجبال وقتها الراحل يوسف كوة في المضي قدماً فى المفاوضات، وتركيزه على اقتصار عملية التفاوض على المسائل المتصلة بالجوانب الإنسانية فقط «السماح بتمديد عمليات شريان الحياة لتشمل جبال النوبة»، وفى هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الأجهزة المختصة التقطت إشارة لاسلكية مرسلة من الراحل يوسف كوة إلى د. جون قرنق يشرح فيها أسباب تفاوضه مع الحكومة ويصف العملية بالتكتيكية.
ب/ الظلال التى ألقاها التقاطع فى التقديرات ما بين المحافظ والوالى والزمن الذي استغرقته عملية إزالة ذلك الاختلاف فى التقديرات بشأنها.
انقطعت تلك المبادرة عند ذلك الحد.. بيد أنها أحدثت آثاراً مهمة نجملها فى الآتي:
1/ وضعت لبنة قوية تم البناء عليها فى مسار تحقيق هدف فصل قضية جبال النوبة عن الجنوب.
2/ أظهرت أهمية الدور الشعبي فى السلام من خلال ما عرف وقتها بالنفير الشعبي للسلام الذى قادته القيادات الأهلية والشعبية والسياسية، وأهمية هذا الدور تكمن فى تهيئته للقاعدة الشعبية للسلام بالمنطقة، ونتيجة لذلك الجهد فقد عاد عشرات الآلاف من المواطنين من مناطق سيطرة الحركة إلى كادقلى كان من بينهم «716» مقاتلاً في صفوف الجيش الشعبى.
3/ نقلت دور قيادات تنظيم الكمولو إلى دور أكثر إيجابية بمشاركتهم المباشرة فى الترتيب لتلك المفاوضات وتقريب وجهات النظر. و «الكمولو» تنظيم سري ضم أبناء جبال النوبة ونشأ التنظيم فى فترة مايو عقب حل الأحزاب السياسية ومن ضمنها اتحاد عام جبال النوبة.
4/ الأثر المهم والحاسم كان هو استعادة الحوار الداخلى داخل الحركة ما بين التيار الذي كان يرى ضرورة بلورة رؤية خاصة لعلاقة أبناء الجبال بالحركة الشعبية الأم، ولهذه المسألة أثرها وثقلها الكبيران فهى مسألة تستحق أن نلقى عليها الأضواء لأنها ظلت مسار نقاش جدى فى بدايات التحاق أبناء الجبال بالحركة وأثناء مسارها وحتى الآن.
من الكمولو إلى الحركة الشعبية:
ففى بادئ التحاق أبناء الجبال بالحركة كان هناك تياران داخل تنظيم الكمولو، تيار يرى ضرورة أن تكون العلاقة فى شكل تحالف جبهوى مع الحركة الشعبية، وتيار آخر كان يرى أن ديناميات النضال تجاوزت تنظيم الكمولو لإطار آخر أكبر بقيام الحركة الشعبية كوعاء أشمل.
وبالرغم من أن الحوار الداخلى أسفر عن صيغة يمكن القول بأنها توفيقية بمقتضاها أرسل التنظيم عدداً من قياداته لاستطلاع الأوضاع داخل الحركة الشعبية، وبموجب ذلك سافر عدد من القيادات إلى إثيوبيا وفقاً لتلك المهمة منهم يوسف كوة، تلفون كوكو، وآخرون، إلا أن د. جون قرنق وبشخصيته الطاغية وتكتيكاته استطاع أن يؤجل النقاش حول تلك العلاقة إلى حين آخر، وقام بابتلاعهم، وأصبحت العلاقة من ناحية عملية هى التخلى عن التنظيم القديم والانخراط بشكل كامل داخل التنظيم الجديد ألا وهو الحركة الشعبية «من ذهبوا لم يعودوا مرة أخرى لإبلاغ التنظيم بشكل العلاقة رغم أن تلك كانت مهمتهم الرئيسية»، رغم نصائح الأب فيليب غبوش لهم بأن يحذروا كل الحذر فى علاقتهم بالجنوبيين، وقد بذل لهم ذلك النصح وفقاً لتجاربه السابقة مع الجنوبيين فى الأنيانيا الأولى بقيادة جوزيف لاقو وعملية مطار جوبا ومحاولاته المستمرة لقلب نظام مايو وآخرها محاولة عام 1984م التى أشرك فيها بعض الجنوبيين ومنهم المقدم / نكنورا أشيك «التحق نكنورا أشيك بالحركة الشعبية وكان القائد العسكرى لأول حملة عسكرية للحركة الشعبية أرسلت لجبال النوبة مع يوسف كوة».. أيضاً بذل يعقوب إسماعيل نصحه بأن تكون العلاقة مع الحركة الشعبية علاقة تحالف جبهوى، ولذلك لم ينخرط مع الحركة الشعبية وظل شاهراً رؤيته تلك فى وجه الحركة الشعبية ومحافظاً على تنظيمه.
الإعدام والسجن ثمناً للسعي لتأطير العلاقة مع الحركة الشعبية:
وعلى العموم جدلية تلك العلاقة وتفاصيل نسجها جديرة بالتوثيق، فالذين ظلوا أوفياء لما يعتقدون دفعوا الثمن غالياً ... فعوض الكريم كوكو ويونس أبو صدر وغيرهم تم إعدامهم فى مطلع التسعينيات ليس لأية جريرة سوى أنهم أصروا على ضرورة بحث تلك العلاقة وتأطيرها فاتهموا بأنهم انقلابيون وانقساميون، وتم القبض عليهم بواسطة قيادة الحركة بجبال النوبة وأرسلوا إلى الجنوب حيث تم إعدامهم، كذلك القائد تلفون الذي كان من المهتمين جداً ببحث وتأطير تلك العلاقة، اتهم بأنه سلم ريفي البرام دون قتال للقوات المسلحة فى عمليات شتاء 1993م التى سبقت الإشارة اليها، وأرسل بموجب هذا الاتهام إلى السجن بالجبال، ومن بعد ذلك تم نفيه إلى الجنوب، وظل مبعداً من الجبال وعن أية مفاوضات لاحقة، وقد شرح فى مقالات صحفية يومية تلك المواقف التى دفع ثمنها بوجوده حتى الآن معتقلاً بسجون الجيش الشعبي.
الأثر الأكبر هو أن عدم بلورة رؤية مجمع عليها داخل قيادات الحركة من أبناء الجبال حول علاقتهم مع الحركة الشعبية ورؤيتهم لقضيتهم يكون مجمعاً عليها بينهم ومن ثم تشكل موقفهم التفاوضي، هو ما أفقدهم معايرية القياس لما تحقق لهم من كسب أثناء مفاوضات نيفاشا، والخطأ الأكبر كان ذلك الشيك الموقع على بياض الذى منحوه لقرنق فى مؤتمر كاودا، تلك المواقف مجتمعة شكلت أساس النفير الأول الذي استغله الجنوب بانتهازية بالغة، وتشكل أساس النفير الثاني للحرب الحالية كما سنفصل لاحقاً «أنتو مهمشين واصلوا الحرب، لم تكسبوا شيئاً من الاتفاقية، هذا ما استطعنا تحصيله لكم «جنى بتاع تقرير مصير»، وهكذا قد أفلحت قيادة الحركة فى تعبئة أبناء الجبال للحرب دون أن تتيح لهم فرصة استبصار النهاية.. «مهمشين مظلومين، محرومين، والنضال مستمر ... شعارات فقط دون رؤية لحل»
وأشعر بأننى أنجرفت كثيراً لإلقاء الضوء على تلك الحقبة ولكنها كانت ضرورية بل ولا تزال تحتاج لكثير من الضوء، وسنفعل ذلك فى حلقات قادمة، وأهيب بكل أولئك الذين كانوا طرفاً فيها للكتابة عنها فهى التى «ستطلع الدرب» حتى نستطيع أن نوقف الحرب ليس فقط من أجل تحقيق هدف إنهاء الحرب «رغم أنه مقصود لذاته» ولكنها ضرورة أكثر لبلورة إجابة يحتاجون لها لسؤال قد يبدو بسيطاً ولكنه فى تقديري تشكل الإجابة عليه مهمة ليست بسيطة بأى حال من الأحوال.. ماذا نريد؟ ولماذا قاتلنا؟ ولماذا نقاتل من جديد؟
ما هي قضية جبال النوبة:
ومن جانبنا باعتبارنا حكومة ومن قبل ذلك باعتبارنا تنظيم كانت الرؤية فى غاية الوضوح وبأقوى العبارات أن لجنوب كردفان قضية جديرة بالحل، وهى قضية ضمن قضايا أخرى جاءت الإنقاذ لإنقاذ الوطن منها، ووفقاً لهذا المنظور كانت اتفاقية سلام جبال النوبة لعام 1997م بين حكومة السودان واللجنة المركزية للحركة الشعبية قطاع جبال النوبة «فصيل محمد هارون كافى» استناداً إلى إعلان المبادئ لحل قضية جبال النوبة الموقع فى نيروبى فى 31/7/1996م. وحينها لم تنظر الحكومة إلى كم معه من الجنود ولكن نظرت له ولرفاقه بوصفهم قادة اتخذوا قراراً شجاعاً وصائباً بأن «يحشوا بجرايتهم فى جبراكتهم لا أن يشاركوا فى نفير غيرهم ودونما مبرر». وينظر الكثير من أفراد المجتمع بجنوب كردفان بتقدير كبير لتلك الاتفاقية لوضوحها فى تأطير القضية بشكل عميق.. ولا أملك منع نفسى من أن أورد مقتطفات من ديباجة تلك الاتفاقية فى هذا السياق إذ جاء فيها:
«إيمانا منا بالديانات السماوية، وتقديراً لموروثاتنا الثقافية والاجتماعية، واعترافاً بأصولنا التاريخية فى وطننا السودان، وحفاظاً على الوحدة الوطنية القائمة على مبادئ الحرية والعدل والمساواة فى الحقوق والواجبات.
ونظرا لأن السلام هو الأصل الذى ارتضاه الحق تعالى لتعايش الأجناس فى حياة آمنة ينعم الجميع فيها بالطمأنينة والاستقرار، كما كان اسماً ربانياً ونداءً إلهياً إلى العالمين «أن أدخلوا فى السلم كافة» فى بلد لم تضع الحرب الأهلية فيها أوزارها منذ فجر الاستقلال إلا لسنوات محدودة.
فإن العوامل والمؤثرات التى ظلت تؤجج استمرارها بين البلد الواحد لا تشبه أصالة الشعب السوداني وعزيمة أبنائه. ولن يكون التعدد الاثنى أو الثقافى أو الدينى عائقاً أمام الوحدة الوطنية، إن التعارف بين مختلف الانتماءات سنة ماضية وحتمية نصت عليها الدساتير السماوية وشهدت بها تطورات العالم المعاصر.
وقد أحدث اختلال موازين تنظيم العلاقات بين القوميات وجهاتها، فى مختلف شعاب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، لأهداف تتعلق ببسط النفوذ أو السيادة، اضطراباً فى الأسس والمعايير التى تصون حقوق الفرد والجماعة.
وكانت منطقة جبال النوبة أكثر المناطق تأثراً بهذا الاختلال، فسياسات الاستعمار التى استهدفت المنطقة وعملت على عزلها عن مراكز المدنية، لعبت دوراً مهماً فى تكريس واقع التخلف. ولم تتدارك الحكومات الوطنية التى تعاقبت على حكم البلاد الأمر، وإنما ساعدت ممارساتها على إثارة الغبن الاجتماعي والسياسى والاقتصادي، فضلاً عن حجر الرأى، والمعاملة بالنظرة الفوقية، فكانت أسباباً ألهبت الشعور بالظلم وهضم الحقوق وشجعت على اللجوء إلى النضال المسلح كخيار لحل قضية جبال النوبة. وبالرغم من استماتة بعض القوى الأجنبية لإعاقة جهود السلام فإن عزم أبناء السودان يزداد مضاءً كل فجر جديد، حفاظا على الوحدة الوطنية وحقناً للدماء ودرءاً للمخاطر التى تهدد وحدة وسيادة البلاد.
ولقد انتظمت الخطى على هذا الطريق بتوقيع الميثاق السياسى للسلام ثم إعلان مبادئ حل قضية جبال النوبة، وتأسيساً على هذه الخلفية، فإن حكومة السودان واللجنة المركزية تنطلقان من إيمانهما بمبادئ الحق والعدل والمساواة التى جاءت بها الرسالات السماوية، وأقرتها الدساتير الوضعية، وتعبران عن حرصهما الأكيد على تحقيق سلام عادل قائم على الثقة المتبادلة والعدالة فى قسمة السلطة والثروة، وعلى احترام الانتماء العرقى والثقافى والدينى. كما تؤكدان عزمهما على بناء أمة سودانية موحدة رغم هذا التعدد، وتجددان تمسكهما بإعلان مبادئ حل قضية جبال النوبة بنيروبى فى 31/7/ 1996م، الموقع بين الحكومة وفصيل محمد هارون، ومن الضرورى تركيز الضوء على بعض الفقرات التى جاءت فى إعلان المبادئ وهى:
1 الاعتراف بوجود قضية فى جبال النوبة ولفترة طويلة، وهذه القضية هى التى أدت إلى دخول النزاع المسلح بالمنطقة منذ عام 1984م.
2 يؤكد الأطراف التزامهم بالحل السياسى السلمى عبر الحوار البناء وسيلة مثلى لحل كافة مشكلات الوطن.
3 يتمسك الطرفان بوحدة السودان بحدوده الجغرافية والسياسية منذ 1956م.
4 يؤكد الأطراف ضرورة اتخاذ وقفة إقليمية وطرح إقليمي فى إطار السودان الموحد وسيلةً لحل مشكلة الجبال بعيداً عن طرح الحركة الشعبية لتحرير السودان «فصيل جون قرنق».
5 إزالة كافة أنواع المظالم المثيرة للغبن الاجتماعي والاقتصادي والثقافى، ويشمل ذلك أية أراضٍ زراعية أو غيرها تم بشأنها تخصيص غير عادل، وعلى رأس ذلك إعادة توزيع المشروعات الزراعية بما يراعى حرمة القرى وحقوق السكان المحليين وإتاحة فرصة أكبر وأولوية لأبناء المنطقة فى استثمار وتنمية أرضهم.
6 العمل على إنهاء كافة أشكال التخلف والأمية والجهل التى كانت سبباً نتج عنه الظلم والغبن، مع تطبيق برنامج خاص لتنمية المنطقة بما يحقق أغراض التنمية المتوازنة بين هذه المنطقة ورصيفاتها من مناطق السودان الأخرى وبما يحقق رفاهية شعب هذه المنطقة.
7 الاعتراف بالثقافات المحلية وتطويرها وإتاحة فرص متوازنة لإظهار التعبير عنها ضمن الثقافات الأخرى للشعب السودانى فى كافة منابر التعبير الجماهيرية الولائية منها والفيدرالية».
الإضاءة السابقة كانت ضرورية جداً لفهم السياق الذي تمت بموجبه عملية الاستجابة لمبادرة وقف إطلاق النار التى كان اشتراط الحكومة الوحيد فيها أن تتفاوض مع أبناء الجبال بالحركة.
إبعاد الجنوبيين وعرمان من طاولة التفاوض بسويسرا:
وعوداً إلى مفاوضات سويسرا فعلى الرغم من الموقف الميداني الممتاز للقوات المسلحة على الأرض وسيطرتها على معظم أنحاء الولاية وتطهيرها من المتمردين، وانحسار التمرد فى جيوب صغيرة لا تتعدى ال 5% من مساحة الولاية، إلا أن الإرادة السياسية لقيادة الدولة عقدت العزم على أن تنجز هدفها المتمثل في وقف الحرب وتحقيق السلام، وفصل قضية جبال النوبة عن الجنوب بوصفه هدفاً محورياً، جعل توجيهات القيادة السياسية للوفد فى الليلة السابقة لسفرهم إلى سويسرا فى عشاء عمل بمنزل د. غازى صلاح الدين مستشار الرئيس للسلام وقتها وبحضور البروفيسور إبراهيم أحمد عمر أمين عام المؤتمر الوطني بألا خط أحمر سوى التمسك بأن يكون وفد الحركة ممثلاً لجبال النوبة ومفوضاً للتوقيع، والحال كذلك لم تستغرق المفاوضات سوى خمسة أيام وتحقق الهدف من المفاوضات بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار رغم مشاكسات وإعاقات د. جاستن ياك وياسر عرمان التى تم تجاوزها بأن تم الاتفاق بناءً على مقترح من وفد الحكومة بتكوين مجموعة مصغرة من الوفدين من الأعضاء الميدانيين الموجودين بالمنطقة على معالجة المعضلة الوحيدة التى واجهت المباحثات، وتلك المعضلة تمثلت فى كيفية إنفاذ عملية لإعادة انتشار القوات المسلحة للطرفين من منطقة وادى المورو وأطورو بهدف إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمكن المواطنين الفارين في أعالى الجبال بمناطق كاودا وسلسلة جبال المورو من النزول للأرض وممارسة حياتهم الطبيعية، على أن يتم حفظ الأمن فيها بواسطة الشرطة، والتأمت مجموعة العمل المكونة من «اللواء محمد توم واللواء محمد مركزو وأحمد هارون وعيسى أبكر من جانب الحكومة/ الحلو ودانيال ونيرون من جانب الحركة» واستطاعت تلك المجموعة في أقل من ساعتين الاتفاق على المطلوب، وهذا هو سر الصورة التى ضمت تلك المجموعة وتم نشرها فى الحلقة السابقة.. وتم ذلك ببساطة لأن د. جاستن ياك وياسر عرمان لم يكونا طرفاً فيها.
لقد مثل ذلك الاتفاق مفاجأة للكثيرين، واقتبس في هذا السياق ما أوردته هيلدا جونسون فى مؤلفها اندلاع السلام ص «79» «جاءت اتفاقية جبال النوبة لوقف إطلاق النار مفاجئة لمعظم المراقبين وكانت واعدة جداً».
لقد صمدت تلك الاتفاقية لالتزام الأطراف بها دون أية خروقات، ولترحيب أهل الولاية بها وتملكهم لها، ولغياب الجنوبيين عنها، لذلك لم تحتج لأكثر من «38» مراقباً لمراقبة التزام الأطراف بها.. كيف تم ذلك؟ هذا ما سيكون موضوع حلقتنا القادمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.