مرت ثلاثة اعوام منذ غادرت مكاني ذاك علي سفح التلة بجوار دكان (حاج صديق) ذاك الدكان الذي كان يمثل ملتقي ذكريات الشيوخ ومنتدي الشباب الذين كانوا يحلمون بالجنة الموعودة علي أرض (أمري الجديدة) التي لم يكن يفصلهم عنها سوي أشهر قلائل . مازلت أذكر النقاش الحاد بين جيل الشيوخ وجيل الشباب والقرية تودع آخر أيامها . كم كنت سعيداً وانا أستانس بهؤلاء البشر! ولكم حزنت لفراق أخوتي وعائلتي. كنت لاعلم مآلي عندما احتوتني تلك الفتاة الخرطومية بيد بضة واعجبت بلوني وتكويني وكانها لم تر في حياتها حجرا مثلي .أحسست حينها بالزهو والغرور وحملتني في حقيبتها مع أشيائها التي لم اتعرف علي واحدة منها في حياتي .أحسست أنني شئ نادر ومميز لامثيل له في الوجود وتركت التفكير في مستقبلي مع الفتاة . عادت بي الي المنزل المخصص لفتيات (الحصر) وصرخت بلهجة منتشية: - لقد وجدت ماأبحث عنه - أجابتها صديقتها : عن ماذا كنت تبحثين؟ - كنت أبحث عن حجر صلب يصلح ان يكون مقشراً لأقدامي التي كادت تتقشف من هذه البيئة . آه..... هذا هو الغرض الذي حملتيني من أجله . من تظن نفسها هذه الفتاة أنا أخرج من هذه الديار سيداً لأصبح خادماً لأقدام هذه !! صحيح أنني كنت في هذه القرية النائية تدوسني الأقدام البشرية منها والحيوانية ولكن كان لي مع كل هؤلاء حديث وصداقات . تلك حاجة (السرة) المرأة التي تعيش وحيدة كنت أشعر بالأسي لهذه المرأة كنت اتعمد أن اعترض طريقها في نزولها لتشرف علي ثلاث نخلات من بقايا إرث بائس كانت دوماً تتعثر بي فتسب وتلعن نفسها وتلعنني معها فأضحك سراً . مازلت أذكر كارو (عبد الجبار) التي كان يجلب بها ماء الشرب من النهر وصوت الجلبة الذي يحدثه البرميل القابع علي ظهر الكارو وصوت (عبد الجبار) يلعن الحمار عندما يحرن: - أمشي تمشي بطنك كنت اعطف علي حماره عندما ياتي الي شاكياً من الظلم وتحميله فوق طاقته .. كنت أستمتع بهمس العشاق في تلك الليالي المقمرة ..هناك كنت احدق الي السماء لاأدري لماذا يبدو القمر مختلفاً هناك عن هنا ؟ كنت أطرب بأصوات الحياة ليلاً، كما أستأنس بها نهاراً ...صرير الحشرات .....فحيح الأفاعي ....وثغاء الشياه الحبالي . في مثل هذا الوقت من الليالي تبدأ النميمية بيني وبين أفراد عائلتي - هل رأيت فاطمة اليوم لقد بدأت تكبر كم أتعبتني عندما كانت صغيرة! - اليوم غادر (سرالختم) الي الخرطوم للجامعة - عاد بوكس (سيدأحمد) خالياً من (مروي) اليوم دون ان يحمل معه بضائع جديدة قال ان الأسعار هناك صارت مرتفعة . - اليوم لاحديث لمرتادي برندة(حاج صديق) سوي عن أفراد فريق (الحصر) الذي يتكون معظمه من (الحريم ) وعن العربات التي تجوب الطرقات مما يثير دهشة الصغار - ذاك الحديث هو هم القرية الأوحد هذه الأيام - سمعت أن السكان يرغبون في المزيد من (التعويضات ) وقالوا انها ليست مجزية أبي: هذا الأتجاه يقودوه الشباب المتعلم الذي عرف دروب القرية أخيراً . وقالوا ان لجان التعويضات قد قامت بتقييم كل المنقولات للمتأثرين أخي الأصغر مقاطعاً: بكم قيمونا ياأبي ؟ أبي: هل نسيت ياولدي أننا مجرد حجارة! رغم أنهم يتحدثون عن ان تراب الوطن لايقدر بثمن . أصابت لعنة المال وأوهام الثراء ذلك العالم . وتغلغل فيروس الطمع في خلايا النفوس المطمئنة . في هذه الأيام أصبحنا نسمع أصوات الشجار تتعالي حول شبر من الأرض بين هؤلاء الطيبين . أو تنازع أخوة أشقاء حول(فسيلة) لم ترق بعد لتصبح مثمرة . إيه..... ياولدي يبدو أن هذا العالم أصابته حمي المدنية مبكرةً جداً . أخي : إذن نحن بلاثمن ياأبي؟ أبي: وأغرب من كل ذلك ياأبنائي هذه الزيجات التي تمت بين عشية وضحاها طمعاً في الحصول علي بيوت منفصلة تضخم قيمة التعويض . هل تصدقون أن (حامد) ذاك الذي لم يغادر سنين الطفولة عقلياً رغم بلوغه سن العشرين قد تزوج (عائشة) أبنة عمه بدعوي أنه لم يتبق غيرها من الفتيات . أمي من أقصي التلة: هل سمعتم عن تلك البيوت قرب النهر التي يسكنها الجن منذ مولدنا في هذه المنطقة.. قال شيخ القرية أن أصحابها قد عادوا . ليسكنوا فيها أيام (الحصر) . قالت لي أمي فيما مضي أن تلك البيوت لم يعرف لها مالك منذ نشأة القرية . عندما انقضت أيام (الحصر) في قريتنا حملتني الفتاة الي القرية المجاورة التي كنت أسمع عنها من أصدقائي .كم أرهقني السفر ....كدت أتصدع من فرط أرتطامي بالأدوات الغريبة في حقيبة الفتاة ..مكتث في تلك القرية أياماً لم أغادر خلالها مكاني سوي برهة قليلة هي فترة غسل (صاحبتي) لأقدامها ومن ثم اعود للظلمة . وفي ذات يوم سمعت من قائل : انه حان الرحيل الي (مروي) سمعت بعدها أصوات صرخات الفتيات يعبرن عن فرحهن ? كما أدركت فيما بعد- كم تختلف هؤلاء الفتيات عن فتيات ونساء قريتي .لاأدري كنه الفرق فذلك ربما يعود لتقديرات بشرية لااعلم عنها شيئاً . أدركت حينها أنني خلفت ورائي عالمي الي الأبد وحزنت جداً لفراق هذا الجزء من العالم الذي لايلبث أن يصبح ذكري بعد ان تغمر مياه (البحيرة) كل شئ في القرية. النخل الذي يعانق السماء ....والبيوت...والأرض الخصبة ... والتلال الصغيرة موطن أهلي وعشيرتي. أين هم الآن ؟ لهفي عليهم غرقوا دون ثمن . لابد انهم الآن في قاع البحيرة ينشأون عالماً آخر يختلف عن عالمي هذا . اليوم أنا أقبع وحيدا علي طاولة مسطحة ملساء بجوار فرش الأسنان وانواع الصابون الفاخر والشامبو ذو الرائحة النفاذة في أحايين كثيرة كنت أرقب (صاحبتي) عندما تلجأ الي الحمام لتجهش بالبكاء وتهمهم بكلام غير مفهوم وتخرج بعدها وقد عادت الي طبيعتها، وأحيان أخري كانت تغني طرباً بصوت رفيع يطربني .. حسب التقسيمات البشرية لطبقاتهم يبدو أنني أعيش مع أسرة ثرية بعض الشئ .. لقد أصبح لوني براقاً ففي الماضي كانت المياه لاتلامسني إلا عندما تسقط سهواً من كارو(عبدالجبار) في رحلة الذهاب أو العودة أو عندما تسقط أمطار علي قلتها في تلك الديار .. أفتقد أصوات الحياة هنا لا شئ يشي بوجود حياة . حسبت انني محظوظ إذ نجوت من موت محقق غرقاً ولكن يبدو أن الأمر سيان. الجهاز المركزي للإحصاء