كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شكل التمرد قاصمة الظهر للنسيج الاجتماعي بجبال النوبة
النسيج الاجتماعي لولاية جنوب كردفان بقطاعاتها الثلاثة الغربي والأوسط والشرقي «2-2»

كما أسلفت في السطور السالفة فإن من أسباب نجاح النسيج الاجتماعي وتماسكه هو المؤتمرات القبلية التي كانت تعقد سنوياً في كل من بحيرة ابيض ورشاد وكاكا التجارية والتي كانت تحول دون حدوث أى مشكلات داخل جبال النوبة وايضاً على الحدود مع اعالي النيل وبحر الغزال، وكان الضباط الاداريون والمفتشون السودانيون النابهون امثال عبد الودود حسين ومختار الطيب والنو ومحمد ابراهيم، كانوا هم أبطال هذه المؤتمرات، وبدأ التراخي في انعقاد المؤتمرات الوقائية مع تغيير الحكومات المركزية من نظام ديمقراطي الى نظامي شمولي عسكري بدءاً من حكومة عبود «1958 1964م» وكذلك نظام نميري بعد الديمقراطية الثانية، وكل نظام له رؤية في طريقة حفظ الأمن وحل المشكلات التي تنشأ بين القبائل عبر قوانين الحكم المحلي «1951 1971 1981م»، فهذه السياسات المتناقضة احدثت هزة في العلاقات بين القبائل في جبال النوبة.
3/ تسمية المديريات باسماء المناطق والقبائل مثال دار حامد دار المسيرية دار حمر دار تقلي الجبال الشرقية والجبال الجنوبية والوسطى، وظهور نعرات وسط الشباب الذين يعتبرون فاقداً تربوياً لعدم الجدية من ذويهم في مواصلة التعليم حتى الجامعات، وهم خريجو مرحلة الاساس والمرحلة المتوسطة، وهم الذين لم يكملوا التعليم الثانوي، أما لاسباب مادية أو اجتماعية، وكان هناك الشباب وخاصة أبناء الاسر الغنية سواء من التجار والرعاة الذين يملكون ثروة حيوانية ضخمة مما يغري الشباب بأن يفضلوا عيشة البادية والترحال ما دامت الدنيا قد سخرت لهم هذه الامكانات المالية الضخمة، فلماذا وجع الرأس في سبيل تحصيل العلوم الذي في النهاية سيؤدي الى ان يتعينوا أى الشباب أفندية في الدولة. وهذه المجموعات من كل الاثنيات والقبائل في جبال النوبة بدأت التميز الذاتي، وترى أنها الكيان القبلي الافضل، وتفشى التفاخر والتنافس في الحياة الاجتماعية، وبدأت الاشارات والتلميحات حول ملكية الارض بجبال النوبة، ومن الذين قدموا اولاً على هذه المناطق القبائل العربية ام الاثنيات الاخرى؟
وبدأت الانفاس الشريرة مصحوبة بالشياطين تدق عطر منشم بين العرب وهذه الاثنيات، وبدأت عبارات «شم التراب وشوف جدك جاء من وين».
وبالتالي بدأت كل اثنية او قبيلة تتحسس موقع أقدامها، وتتجمع لتتوحد بوصفها أثنية أو قبيلة كياناً مستقلاً، وأعطت نفسها السيادة على الاثنيات الاخرى في تلك المنطقة.
4/ وكان التمرد قاصمة الظهر للنسيج الاجتماعي بجبال النوبة في هذا الجو المشحون بالتوتر والتحفظ بين القبائل العربية من جهة والقبائل النوبية من جهة أخرى. واستطاع الاستاذ يوسف كوة مكي، وهو من أبناء ميري، ان يلتحق بقادة التمرد باديس ابابا، وبدأ يجند ابناء النوبة لحركة تحرير السودان التي يقودها جون قرنق، وذلك على ضوء ميثاق عرف بالمنفستو، بحيث أقنع جون قرنق أبناء النوبة والهدندوة وأبناء جبال الانقسنا وجزءاً يسير من أبناء دارفور، بأنه يحارب الشمال الاسلامي العربي لانتزاع حقوق المهمشين والمضطهدين الذين تعتبرهم حكومة الشمال العربية مواطنين من الدرجة الثانية.
٭ بهذه المفاهيم استطاع يوسف كوة أن يقنع عدداً كبيراً من شباب وأبناء جبال النوبة بالانضمام الى صفوف الحركة. وتصدت الحكومة كأمر طبيعي للمتمردين الذين دخلوا منطقة الجبال من البوابة الجنوبية عن طريق مناطق الليري، تلودي وفارينق. وكذلك كونت الحكومة الدفاع الشعبي من المجاهدين وخاصة بعد الفتوى الدينية التي اخرجها علماء كردفان بقيادة الشيخ عبد الرحيم البرعي، والعالم موسى عبد المجيد، واخونا قرشي محمد احمد إمام مسجد القوات المسلحة بالهجانة بالابيض، والشيخ مشاور جمعة سهل مدير الخلاوي في شمال كردفان الذين افتوا بإباحة دماء المتمردين وليس كل النوبة. وبذلك تمايزت الصفوف بأن المجاهدين والدفاع الشعبي اغلبهم جنود وقيادة من قبائل معينة مع قليل من أبناء النوبة والاثنيات الاخرى من أبناء البرقو والفلاتة والبرنو الذين يقطنون هذه المناطق كما أسلفنا.
ومن هنا بدأت المحاولات لرأب الصدع بين هذه القبائل والاثنيات واعادة احياء النسيج الاجتماعي بإخراج الحراب والنشاشيب والدانات والكلاشنكوفات التي مزقت جسم النسيج الاجتماعي اشلاء اشلاء محاولين من خلال اتفاقية نيفاشا الشاملة 2005م التي افردت لجبال النوبة والنيل الازرق وأبيي بروتكولاً خاصاً لمعالجة أوضاع هذه المناطق بما يعرف في جبال النوبة والانقسنا والنيل الازرق بالمشورة الشعبية. أما أبيي فقد صارت قنبلة موقوتة لا نرى لها حلاً او نزع فتيل الفتنة منها الا بتطبيق حدود 56م ما بين الجنوب والشمال التي تضع ابيي داخل الشمال بأكثر من 75 كلم، والا سيستمر النزاع والقتال والاقتتال بين الحكومة والمسيرية والحركة الشعبية ودينكا نقوك الى الابد، وتكتوي الاجيال القادمة بهذه الحروبات القادمة، مثل كشمير الهندية الباكستانية.
5/ تمرد عبد العزيز الحلو وأثره في دمار النسيج الاجتماعي:
٭ تعود أصول عبد العزيز الحلو القبلية الى دار مساليت بدارفور ولكنه كردفاني المولد، وغالباً ما يكون مسقط رأسه ما بين الفيض ابو عبد الله وابو جبيهة وخور الدليب.
وتلقى تعليمه بجميع مراحله حتى نهاية الثانوي في منطقة تقلي، وتخرج في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم، ولم تكن بيني وبينه معرفة لصيقة، إلا إنني عملت قاضياً بمحكمة رشاد في الفترة ما بين نوفمبر 1973 1975م، وكنت اتنقل بمحكمتي في كل من العباسية وامبرمبيطة وابو جبيهة وكالوقي وتلودي، وقد حدثني بأنه كان يحضر إحدى الجلسات المفتوحة التي كنت أترأسها في مباني المحاكم التي أسستها الادارة الاهلية، ولم يخف عبد العزيز الحلو اعجابه بالطاقم الحكومي آنذاك في منطقة تقلي بدءاً بمفتش المركز الرجل العالم حسن عثمان جبرنا المدير التنفيذي لمحلية رشاد، والذي كان يضع الامكانات الحركية للقضاة في تجوالهم لاجراء المحاكمات الفورية مما ادى للاستقرار الامني من كاكا التجارية جنوباً والمقينص شرقاً وطوطاح شمالاً وجبال الضباب والرهد في الشمال الشرقي لمناطق تقلي. ويحكي لي زملاؤه أنه كان طالباً مهذباً متديناً في سلوكه ولا يميل نحو الشر. ولا علم لي بمرحلة انتقال الحلو الى جيش تحرير السودان بقيادة جون قرنق، ولكن تواترت الأخبار بأن الحلو وابن عمه حاولا الدخول الى دارفور محاولين الفتنة فتنة التمرد ولكن حسمت القضية بحسم المتمرد البولاد زميل عبد العزيز الحلو وفرار عبد العزيز الحلو الى الجنوب مرة أخرى.
وتوالت الاخبار ايضاً بأنه التقى بالاستاذ يوسف كوة استاذ اللغة الانجليزية الذي انضم قبله الى جيش جون قرنق. وكان من سياسة يوسف كوة ان يبعد أبناء النوبة من منصة القيادة ويختار بدلا منهم ابناء المنطقة من غير النوبة ليكونوا خلفاً له في حالة حدوث الضرر او الوفاة له، وكان الشخص المستهدف هو عبد العزيز الحلو، على الرغم من وجود قيادات من أبناء جبال النوبة وأبناء عمومته امثال اللواء تلفون كوكو ابو جلحة من قبيلة المورو والقائد جقود وهلم جرا. إلا ان يوسف كوة لشيء في نفس يعقوب قد قام بإبعاد أبناء النوبة من القيادة من بعده وتسليم السلطة لعبد العزيز الحلو «مسلاتي القبيلة»، ويوسف كوة يعرف أن المساليت لا وجود لهم في كردفان بل هم أهل عز وسلطنة مستقلة في دارفور منذ عصور قديمة بقيادة السلطان بحر الدين، فوضع يوسف لعبد العزيز الحلو ليقود النوبة بالحركة الشعبية وقطاع جبال النوبة كان امراً غريباً للغاية لا يقبله العقل والاعراف ولا تاريخ الثورات، إلا انها كانت مكيدة من يوسف كوة لخلق فتنة في الايام المقبلة على غرار «علىَّ وعلى اعدائي» التي نفذت في يوليو 2011م.
فهذه الفتنة اشعل نارها عبد العزيز الحلو وأدت الى أزهاق أرواح بريئة غافلة في مدينة كادوقلي وضواحيها، وادت الى نزوح اكثر من ألف أسرة لم يجمع شملها حتى الآن.
وكل ذلك لا لمصلحة المواطن في جبال النوبة، بل المصلحة كل المصلحة للاجندة الغربية التي خططت لإسقاط حكومة الخرطوم الاسلامية بالتحرك من جنوب كردفان، لكن خاب فأله ومن شايعه في افكاره وفي خططه امثال ياسر عرمان ومالك عقار والي ولاية النيل الازرق الذي تمرد، وتم سحق جيشه بواسطة القوات المسلحة السودانية التي استطاعت أن تحرر النيل الأزرق من قوات الحركة الشعبية حتى تم تحرير الكرمك التي تعتبر القلعة الحصينة لقوات الحركة الشعبية، وكان يوماً تاريخياً أبلج في دفتر الاحداث لعام 2011م، حيث صلى رئيس الجمهورية المشير عمر حسن أحمد البشير صلاة عيد الاضحى هناك في العاشر من ذي الحجة 1432ه الموافق السادس من نوفمبر 2011م.
الآثار المدمرة لهجمة الحلو في جسد النسيج الاجتماعي بين الإثنيات والقبائل في جنوب كردفان «جبال النوبة»:
٭ بينما كان والي جنوب كردفان القاضي سابقاً والمنسق العام للشرطة الشعبية سابقاً وابن كردفان البار مولانا أحمد محمد هارون، بينما كان يبذل الجهود المضنية لتماسك الجبهة الداخلية في جنوب كردفان ومحاولة خلق التواصل والإلفة بين القبائل لإحياء سُنة الاحلاف التي كانت سائدة بين القبائل النوبية والعربية والاثنيات الاخرى، كما كان يقود حركة تنموية في مجال البنية التحتية في مجال رصف الطرق وسفلتتها لتسهيل التواصل وتقريب المسافات البعيدة لسكان جبال النوبة بجنوب كردفان، جاءت هجمة الحلو لتولد المرارات والمواجع بين القبائل العربية والنوبية، معيدة الى الاذهان دخول التمرد لاول مرة في جنوب كردفان 1986م، وقد درجت القبائل العربية على الوقوف مع الحكومة في أي ظرف من الظروف العدائية، ويسود الاعتقاد بأن الذين تمردوا في جبال النوبة هم النوبة فقط، وبالتالي تكون المواجهة ما بين النوبة والقبائل العربية والاثنيات الاخرى من الفلاتة والبرقو والبرنو، وعلى الرغم من أن النوبة منذ عام 1986م عند دخول التمرد جبال النوبة وحتى عام 1997 الى ظهور اتفاقية سويسرا بقيادة الاستاذ محمد هارون كافي رئيس فصيل الحركة الشعبية قطاع جبال النوبة، الذي وقع مع حكومة الخرطوم اتفاقية السلام المنفردة التي ادت «أى الاتفاقية» الى سلام امتد حتى الهجمة الاخيرة لعبد العزيز الحلو عندما فقد النجمة بفوز مرشح المؤتمر الوطني مولانا احمد هارون، هذه الهجمة ونعني بها هجمة عبد العزيز الحلو اوقفت التنمية، وبالتالي اوصدت أبواب التواصل نفسياً وجسدياً وبدأ النفور يدب في نفوس البشر في جبال النوبة، وبدأ التوتر والتوجس وعدم الثقة يمزق جسد النسيج الاجتماعي.
ويحتاج السياسيون والدعاة الى التواصي بما قاله الله ورسوله والصالحون من أبناء المنطقة وبقية أخوانهم في مناطق السودان العريض، حتى يعود النسيج الاجتماعي في جبال النوبة شامخاً وقوياً خالياً من الجروح والامراض المزمنة التي فتت في عضده وكيانه.
كيف نعيد جبال النوبة الى سيرتها الاولى؟ من حيث النسيج الاجتماعي الراقي العملاق الذي يرضى فيه إنسان جبال النوبة بأخيه الإنسان من القبائل والإثنيات الاخرى؟
أولاً: على الدولة حسم وضعية الحركة الشعبية قطاع الشمال سلمياً وبقوانين البلاد وخاصة الدستور القادم. ووقف التدخل في شؤون جبال النوبة «جنوب كردفان» من قبل حكومة جنوب السودان الوليدة التي تسير في مخطط الدول الغربية منذ مشاكوس ونيفاشا 2005م. فبعد ان كسبت حكومة جنوب السودان الجولة الاولى بالانفصال استهدفت في الجولة الثانية إسقاط حكومة الخرطوم الإسلامية ذات الثقافة القرآنية والعربية، وهذا الأمر لا يقلق حكومة جنوب السودان ولكنه يقلق الدول الافريقية الاخرى ذات الاغلبية لمسيحية، ويقلق امريكا ودول الاتحاد الاوروبي التي تسيرها اللوبيات المسيحية واليهودية الصهيونية، اذا بعدت حكومة جنوب السودان من التدخل في جنوب كردفان وعاشت بعلاقات ودية طيبة مع حكومة شمال السودان، فإن النسيج الاجتماعي في جبال النوبة وجنوب كردفان سيرتق بين القبائل، وتعود السيرة الاولى الوفاقية، مطبقين في ذلك قانون المحنة.
ثانياً: عودة المؤتمرات القبلية كما في الخمسينيات من القرن الماضي، وتشمل زعماء ورجال الإدارة الاهلية في قبائل شمال وجنوب كردفان، تضاف اليهم التنظيمات الحديثة كاتحاد الرعاة واتحاد المزارعين، وتعقد المؤتمرات كما في السابق في بحيرة أبيض وكيلك وقمة سلسلة جبال رشاد ومحلية ام كريدم في شمال كردفان ومحلية أم روابة.
ومهمة هذه المؤتمرات التي نطلق عليها اسم المؤتمرات القبلية الوقائية، وتعقد سنوياً ما بين شهري ديسمبر ويناير، تقديم تقارير حول النزاعات بين الرعاة والمزارعين ونزاعات القبائل في حدود المناطق والمحليات، ووضع أسس للتعايش السلمي بين القبائل في كل ولاية. وبعد ذلك يعقد مؤتمر قبلي اهلي لكل ولايات الغرب، ولايات دارفور الكبرى وولايات كردفان، ويعقد هذا المؤتمر مرة في نيالا ومرة في مليط، وايضاً مهمة هذه المؤتمرات ان تكون تحت اشراف مكاتب الحكم المحلي في كل ولاية، وتقدم المقترحات لسن قوانين بواسطة سلطات الحكم المحلي لترشيد تحرك الرعاة بظعائنهم في رحلتي الخريف والصيف، في الخريف نحو الشمال وفي الصيف نحو المناطق الجنوبية كما كان في السابق، تفادياً للصدام بين الرعاة وأصحاب المزارع. ولا بد لي ان اضيف من أن ضمن الأماكن التي تعقد فيها المؤتمرات بالنسبة لجنوب كردفان منطقة كاودا، التي تعيش فيها القبائل التي تعتنق الدين المسيحي، لرعاية وتعميق مفهوم التصالح الديني بين الإسلام والمسيحية في السودان عموماً ومناطق جنوب كردفان بصفة خاصة ومنطقة كاودا بصفة أخص.
ثالثاً: على أهل الدعوة الاسلامية تفعيل الدعوة بإشراف الدولة وبإنشاء خلاوي قرآنية، وتحويل مدارس الاساس الى مدارس قرآنية بوصفها أنموذجاً في بعض الولايات مثل ولاية الخرطوم، وذلك لخلق جيل جديد بعيداً عن المفاهيم العنصرية والقبلية التي بدأت تسود الآن، وأن تعيد تجربة الشيخ محمد الامين القرشي في منطقة الدلنج، والشيخ البرناوي في منطقة الليري وكلوقي وتلودي والشيخ الحمدابي في مناطق كادقلي وتجربة الشهيد عبد السلام سليمان في كادقلي وما جاورها.
رابعاً: على الدولة أن تضمن مناهجها الدراسية من الاساس الى الجامعة مادة التربية الوطنية التي كانت تدرس في المدارس الثانوية السودانية منذ مطلع الخمسينيات حتى نهاية السبعينيات ان لم تخني الذاكرة، بحيث تتضمن مناهج التربية الوطنية وحدة السودان من شرقه وغربه وشماله وجنوبه، وخاصة بعد انفصال الجنوب، ليشعر أى طالب أو أى مواطن تلقى هذه الدروس في التربية الوطنية بأن نيالا هى همكشوريب وان همكشوريب هى زالنجي وان زالنجي هى دنقلا وان دنقلا هى الابيض، ولا يشعر الفرد بأنه في كل مكان وزمان لديه رقعة جغرافية تخصه وحده، وان كل السودانيين الشرفاء في هذه البقعة سواء أكانت خضراء مندية جميلة أو صحراء قاحلة، وان يكون الخطاب السياسي والخطاب الاجتماعي والخطاب الاقتصادي نغمة واحدة على جيتار الوطن وموسيقاه، وفي سبيل ذلك لا بد من العودة الى إنشاء المدارس الثانوية القومية على غرار حنتوب، خور طقت ووادي سيدنا. وتكون هذه المدارس بوتقة لابناء السودان عموماً يلتقون فيها بحميمية صادقة لخلق أجيال تعرف السودان الواحد، ويسخرون من الذين ينادون بالانفصال في بعض المناطق، ويعلنون عليهم حرباً شعواء، لأن الاطفال أو الشباب الذين يعيشون معاً ويتشاركون في المأكل والمشرب، ويتناقشون ويتدارسون أمور أهاليهم لن يتطاحنوا حين يصيرون كباراً.
خامساً: إن للنوبة في جبالها في جنوب كردفان إحساساً صادقاً بأنهم منحدرون من سلالة الكوشيين والعنج، وان جدهم الاكبر الملك كاشا او كوشتا حكم السودان هو واولاده واحفاده منذ عام 750 ق.م وأنهم حكموا مصر والشام والعراق في عصر الاسرة الفرعونية 25 بمصر. وخاصة في فترة بعانخي وابنه ترهاقا، وأنهم أيضاً حكموا ليبيا وصحراء كلهاري وجنوب إفريقيا وأكسوم «الحبشة»، وانتهت دولة الكوشيين عام 350م على يد ملك الاكسوم عيزانا الذي جاء في التاريخ انه حارب وهزم النوبة الحمرة في الشمال، وهزم النوبة الزرقاء في الجنوب «القسيس فولنتيني في كتابه الممالك النوبية المسيحية» المرجع كتاب النوبة رواق افريقيا، وكتاب «لمحات من دويلات كوش رسالة دكتوراة للأستاذ إدريس عبد الله البنا مطبعة الجامعة»، وكتاب ممالك النوبة المسيحية للقس الايطالي فولنتيني.
وهذا الاحساس الذي ذكرته آنفاً لدى النوبة يجعلهم يتمسكون بالسودان الشمالي مع أخوانهم العرب من القبائل الاخرى، الذين اختلطوا بالمصاهرة، وعاشوا في الدنيا مقاتلين ومنافحين للاستعمار منذ قيام السلطنة الزرقاء «سنار» وطرد حكومة الاتراك والانجليز بواسطة الإمام المهدي الذي اتخذ جبل قدير مقراً لتكوين الجيش الضارب الذي هزم جيش هكس باشا في شيكان ودخوله الخرطوم الذي انتهى بمقتل غردون باشا على يد محمد شطة مكين من أبناء الكواليب الذي سكت عنه المؤرخون، وحتى الآن مازالت هذه الحقيقة ضائعة ومخفية عند المؤرخين والباحثين، ولكن الروايات الشفاهية أكدت ذلك.
ثم عندما اعاد الانجليز فتح السودان 1898م ونهاية الدولة المهدية قاد النوبة في نفس أماكن التمرد الآن، تسع ثورات ضد الانجليز عرفت بثورات المورو، والاطورو، مناطق ام دورين، عقب، اجرون، أم دليبة، كروراك، التيس، جبال الدقيق والأحمر وجبال ابل، هيبان، تيرا وكاودا، بالاضافة الى ثورات الفقير علي الميراوي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.