٭ حقيقة ما كنت أنوي الحديث عن (الربيع الحبشي)، لقناعتي الراسخة أن الأعمال العظيمة كافية بنفسها، ولا تحتاج إلى كلام، وأن (التاريخ) بالرغم من تساهله مع بعضهم، إلا أنه و(عندما تحك بركها)، لا يحتفي إلا بصناعه، وأما الزبد فيذهب جُفاء ويبقى ما ينفع الناس. ٭ أجد كبير عذر للأخ عادل الباز، فيما كتب ويكتب عن الربيع الحبشي، والباز ليس أول طاغوت سقط من سدة الحكم، بأمر شعبه، غير مأسوف عليه.. فبكى واستبكى!! ٭ ولا زلت أذكر، وكنت حاضراً في مطار القاهرة الدولي ( 6 أبريل 5891م)، عندما انتابت رئيس جمهورية السودان آنذاك، جعفر محمد نميري (رحمه الله) حالة من الهياج أقرب إلى اللوثة، وبدت يداه تعاركان الهواء، كما عاركت يدا دون كيشوت الطواحين، والسلطات المصرية تأمر بسحب البساط الأحمر، من تحت قدميه، وتستقبله بصفته مواطناً عادياً، لا رئيس جمهورية يُستقبل بقرقول الشرف والسلام الجمهوري، ولوجستيات البروتوكول. ٭ وحسب معلوماتي البسيطة، كل الطغاة الذين سقطوا من ذروة سدة الحكم الى قاع الهاوية، وخلعتهم شعوبهم، كما تخلع الفتاة الثوب البالي، فقدوا أعصابهم، وظلوا في حالة جنون، بقية حياتهم خارج القصور وبعيداً عن الحاشية والحشم و(الهيلمانة). وصفافير (السرينا). ٭ وأشهد الله، ولمحبتي الشديدة بالصديق عادل، طلبت من الأخوين عبد المحمود الكرنكي ومزمل أبو القاسم أن يقنعاه ب (التنازل) مع التزامي بضمان كافة مخصصاته وتشريفاته و(حماقاته) مدى الرحلة. قلت للكرنكي ومزمل: هذه سانحة أن يدخل الباز التاريخ بالطريقة التي دخل بها المشير عبد الرحمن سوار الذهب التاريخ. المشير سوار الذهب أول جنرال في العالم وافريقيا، أعاد السلطة إلى شعبه بنفسه، وذهب إلى بيته (محترماً) ومحفوفاً بالدعوات الصالحات. قلت لمزمل أبو القاسم والكرنكي: أرجو أن يهتبل الباز السانحة، ويرحل في هدوء.. لكنه طغى وتجبر، فلم يدرك النصيحة إلا ضحى الغد، يبدو أن مخابرات دول العالم الأول، قد ضللته كما ضللت سلفه من القادة الأفارقة، الذين خرجوا من قصورهم فلم يعودوا إليها. ٭ عندما طلب الأخ عادل من الصديق مسفن (سائق العربة التي تلازمنا في اديس ابابا)، لكي يساعده في الهروب إلى ماليزيا، قال مسفن لعادل: Sorry time out وهي ذات العبارة التي قيل أن القنصل الأميركي في الخرطوم قد قالها للواء عمر محمد الطيب النائب الأول للرئيس نميري في 5/4/5891م. ٭ ذهبنا إلى أديس أبابا (الوردة المشرقة الجديدة)، لتغطية فعاليات الاتحاد الافريقي، الذي انعقد هناك في الفترة 91 - 72/4/3102م. وهذه ليست المرة الأولى، التي يذهب فيها رئيس للمشاركة في اجتماعات الاتحاد الافريقي، باديس ابابا، ويعود ليجد الكرسي من تحته قد تحول بسيف الشعب إلى (نار منقد)، نار منقد بالمعنى الطبيعي وليس الشاعري ذاك الذي نشِّبه به النساء الساحرات. ولا زالت اديس ابابا تتحدث عن الحاكم الافريقي الذي جاءها مشاركاً في قمة افريقية، فلم تجد بداً من مؤاساته فقد تم خلعه، وهو في اديس. والباز عندي صنوه، ذهب الى اديس، وطغى وتجبر، ونصب نفسه حاكماً، وانفرد بالقرارات، غير آبهٍ بأحد، بل واستغل موارد الوفد، وصارت (مخصصاته) بلا سقف، وبلا كابح، ما أوقعه في براثن الفساد، وظن أنه فوق المساءلة، بل تهكم بالذين حاولوا نصحه. قلت للباز (وهو في سدة الحكم): يا باز نحن لا نمانع في أن تكون رئيسا بل رئيساً مدى الحياة، فقط (أشركنا) فيما تفعل؟ قال لي (بعنجهية): أنا سليل السنهوري وحاج الريح أعلى ما في خيلكم أركبوه!! قلت له: نحن لا يقعقع لنا بالسنان، وأخشى عليك أن تعض أصبع الندم، وأخاف عليك من صغيرتك أمل (تلك التي لا تملك من حبها فكاكا) ولا أعرف قصاصاً أقوى من الحب!! ستقول لك أمل: أبي مالي أراك تبكي ملكاً (شعراً).. لم تحافظ عليه عدلاً واصلاحا!! قلت لصديقيي الكرنكي ومزمل أبو القاسم في بياني الأول: هذه مرحلة، ستجدون فيها مزيداً من (الوساع) وتوطئة الأكناف، وأضفت: أنا لست نابليون ولا الأمير هاملت، وليس في حسابي، أن أكون كذلك، أنا مثلكم أو أقل قليلاً. وفي أول مؤتمر صحفي عقدته هناك: سُئلت: ماذا ستفعل بعادل؟! قلت: سأنزله منزلاً حسناً.. وبالفعل خصصت له أوفر الحجرات في الجناح تهيئة وجمالاً، وجعلت الكرسي الأمامي في العربة، حكراً له، وأوقفت الحملة الاعلامية التي بدأت لفضح مملكته، قلت لهم: عفا الله عما سلف. وأنا على ثقة بأن قلميَّ المؤرخين، وشاهدي العيان عبد المحمود الكرنكي ومزمل أبو القاسم، ستؤرخ لتلك الأيام الزاهيات: خروف كل يوم، وسلة فاكهة بكل ما لذ وطاب، وبرامج ترفيه وخدمات بلا حدود. غادر الباز الكرسي، إثر ثورة الربيع الحبشي، ونزل رحيله برداً وسلاماً على الرعية. وتاريخ الباز، الآن محفور جنباً الى جنب مع الحكام الذين فارقوا الكرسي والصولجان، بفعل الانقلابات أو الانتفاضات الشعبية، والتي يعتبر (الربيع الحبشي)، من أنصع وأنبل نماذجها في الوصول إلى السلطة، والالتزام بالديمقراطية والعدالة وحقوق الانسان في ممارستها. تاريخ الصديق عادل الباز (لمزيد من التصفح والدراسة)، في ذات السفر الذي يحمل اسم مولاى أحمد الميرغني والامام الصادق المهدي والمشير جعفر النميري والفريق ابراهيم عبود. وفي ذات السفر الذي يحمل اسماء أحمد بن بلا، وحسني مبارك وصدام حسين، ومعمر القذافي وزين العابدين بن علي وخليفة بن حمد آل ثاني وسالم ربيع علي وصلاح جديد وعبد الكريم قاسم وفيصل الثاني وسعود بن عبد العزيز آل سعود والملك فاروق... وفي ذات السفر الذي يحمل أسماء باتريس لوممبا، وكوامي نكروما والمختار ولد دادة وتانجي مامادو وتوماس سانكارا وجان بيدل بوكاسا وجوان برناردو فييرا، وسيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وشيخو شاجاري. وفي ذات السفر الذي يحمل اسماء بيدرو الثاني، وتاكسين شيناواترا، وسلفادور اليندي، وسليمان ديميريل، وسيميون الثاني، وعبد الله بوكرم وعدنان مندريس، وقربان بيك باقايف ومحمد ظاهر شاه وسعيد بن تيمور ولويس السادس عشر. تاريخ عادل الباز (والباز ما خمج)، موجود، جنبا بجنب مع تاريخ هؤلاء الزعماء، الذين هبت عليهم نسمات الربيع (السلمية أو الانقلابية)، فدكت عروشهم، وأبعدتهم عن الصيت والصولجان. ولمزيد من التقصي حول تاريخ الباز، يمكن الرجوع الى الشاهدين العدولين، والموثقين البارعين، الأستاذين المبجلين عبد المحمود الكرنكي ومزمل أبو القاسم. ما أجمل تلك الأيام في رياض المعرفة ومغاني الامتاع في اديس.. وما أجمل تلك الصحبة: الباز والكرنكي ومزمل أبو القاسم. ٭ جزى الله اللي كان السبب، ومتعه بالصحة والعافية