مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    شاهد بالصور والفيديو.. تسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن أم درمان.. شاب سوداني يصعد أعلى الأبراج العالية ويهدد بالسقوط إذا لم يزوجوه من حبيبته "عبير"    شاهد بالفيديو.. المطرب والممثل أحمد الجقر يهدر ركلة جزاء في إحدى مباريات كرة القدم والجمهور يسخر: (كورة حبة وتمثيل حبة)    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تحكي معاناتها بعد زواجها من "دعامي" طافت معه حتى الحدود السودانية التشادية وتعرضت للضرب منه ومن أصدقائه في حضوره    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    القنصل حازم مصطفى يجتمع بلاعبي سيد الأتيام بالمنتخب في جدة    جان كلود يُسجّل هدفًا رائعًا ويقود بوروندي لانتصار ثمين أمام تشاد في تصفيات أمم إفريقيا    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    حتى لا نخسر ما كسبناه    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الوجود المغاربي في السودان كبير ومتشعب و(الحسوباب) أول من استقر بسوبا
«ملامح من العلاقات الثقافية بين المغرب والسودان منذ القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر» (2)
نشر في الصحافة يوم 08 - 07 - 2010

قدم هذا البحث في محاضرة بناءً على دعوة من معهد الدراسات الإفريقية جامعة محمد الخامس «الرباط» المملكة المغربية، وقدم موجزاً لها في محاضرة بمجمع اللغة العربية. وقد نشرت في كتيب بجامعة الملك محمد الخامس في الرباط.
الرحالة المغاربة في سودان وادي النيل
مع أن السودان لم يكن في دائرة اهتمام المغرب سياسياً أو اقتصادياً أو علمياً، فإن ممارسة الرحلة بهدف أداء فريضة الحج وطلب العلم والتوسع في العلوم الإسلامية كانت من أهم سبل التواصل بين المركز والأطراف، أو بين الأطراف فيما بينها.(14) وبهذا فإن رحلات المغاربيين، وهي كثر، كان للسودان نصيب منها رغم قلة موروثه الإسلامي. في البدء كانت مصر نقطة تجمع هام للحجيج والعلماء القادمين من الأندلس، وبلاد المغرب، وبلاد السودان عبر الطريق الموازي لساحل البحر الأبيض المتوسط ومنها تسير في طريق صحراء سيناء لزيارة الأماكن المقدسة. ولكن سنوات الشدة والمجاعات التي ألمَّت بمصر بدأً من عام 1067م، أدت إلى خراب ذلك الطريق وفضَّل الحجيج والقوافل التجارية طريق عيذاب، ولما استشرى الخطر الصليبي في منطقة سيناء استمر طريق عيذاب طريقاً رئيسياً للحجيج حتى عام 1268م.(15)
وبعد أن تخلص المماليك، حكام مصر (1253-1517م)، من بقايا الممالك الصليبية في فلسطين ومصر، انتقلت معظم قوافل الحجاج إلى صحراء سيناء، بينما ظلت القوافل التجارية تمارس نشاطها عبر ميناء عيذاب الذي توقف العبور منه إلى جدة في عام 1426. ومنذ ذلك التاريخ انتقل النشاط الاقتصادي إلى ميناء سواكن، الذي صار ميناءً مهماً للحجيج الوافد من السودان، وبلاد السودان الغربية، وبعض المغاربة، خاصة في طريق العودة.(16)
وتعود نشأة طريق الحج البري الذي يخترق بلاد السودان من المحيط الأطلسي (بلاد الشنقيط وسانغامبيا) إلى موانئ القصير وعيذاب، وسواكن على البحر الأحمر- ثم جدة في الحجاز، إلى نحو القرن السابع عشر على الأرجح. ففي البدء وعندما غلب الإسلام على الشمال الإفريقي وأجزاء من بلاد السودان، كان درب الحج المطروق عبر أقطار شمال أفريقيا حتى مصر، وعبره ارتحل حجاج بلاد السودان إلى الحرمين الشريفين.(17) فلما نشأت السلطنات الإسلامية، على شواطئ النيجر، ومنطقة شاد وسودان وادي النيل، وازدهرت الثقافة الإسلامية سلك الحجيج طريقاً أقصر مسافة، وأنسب مناخاً من طريق الصحراء وربما أقل مخاطر منه. وكان الطريق الجديد، الذي اشتهر بطريق الحج أو طريق السودان، يمر بمناطق مأهولة بالسكان تعين الحجيج على السفر بيسر. وكانت قوافل الحجيج الرئيسية تبدأ من أقصى الغرب، تغذيها أفرع صغرى من كافة البلاد التي تمر بها- ولعل دارفور كانت آخر نقطة تجمع لها لتنطلق في مرحلتها الأخيرة للحجاز. وكانت هذه القوافل تذخر بالتجار، والفقهاء، والمتصوفة المتجولين، والمهاجرين، وأصحاب الحرف. وقد لعبت قوافل الحجيج دوراً مهماً في دعم التواصل الثقافي والديني بين السلطنات التي تمر بها. وازدهر طريق الحج وتعاظم دوره منذ القرن الثامن عشر، وفي التاسع عشر خاصة بعد أن غلبت حركات الإصلاح والجهاد على المنطقة، وعندما زاد توقع المسلمين، في أواسط بلاد السودان عامة، وديار الهوسا خاصة، لظهور المهدي المنتظر- الذي أعلن دعوته في سودان وادي النيل. وظل هذا الطريق عامراً بالحركة حتى فضل كثير من الحجيج السفر جواً منذ أول النصف الثاني من القرن العشرين. وطوال القرون الماضية كان طريق الحج مصدر تواصل ثقافي، واقتصادي، وتماثل عرقي بين شعوب بلاد السودان والمغرب الأقصى- وكان نصيب السودان من ذلك كبيراً كما أبِنا في مواضع أخرى من هذه الدراسة.(18)
نلمح من هذه الخلفية التاريخية الوضع الاستراتيجي الذي كانت تتمتع به مصر، في البدء، في عملية التواصل بين المشرق والمغرب إذ كانت قبلة التجار والحجيج، وكانت نقطة النهاية لطرق القوافل التجارية الوافدة من قلب القارة الأفريقية والتي يأتي بعضها عبر السودان. كما كانت نقطة تجمع وانطلاق مهمين للعلماء والصوفية والطلاب والقاصدين حج بيت الله الحرام وزيارة المدينة المنوَّرة. وكان الجزء الشمالي من السودان، خاصة بلاد النوبه وديار البجه، يدور في فلك الدولة الإسلامية اقتصادياً وسياسياً، وذا علاقة خاصة بمصر، وعليه فلا غرابة أن اتخذهما بعض المسلمين معبراً لتحقيق بعض المهام، كما تردد عليها بعض الرحَّالة المغاربيين. ويشكل ما خلَّفه أولئك الرحالة مصدراً مهماً لدراسة أحوال تلك البلاد. ومن أشهر الرحالة المغاربة الذين زاروا السودان اثنان:(19)
أولهما: ابن جبير، أبو الحسن محمد بن جبير الكناني الأندلسي، الرحَّالة والكاتب والشاعر (540-614/1145-1217) ولد في بَلَنْسيه بالأندلس، وعمل كاتباً لدى أمير غرناطة. خرج في حجته الأولى عام 578/1183م، وسافر بالبحر حتى الإسكندرية وخرج منها إلى القاهرة ثم قوص ومنها إلى عيذاب عبر الصحراء الشرقية. وكان طريق الحج الثاني عبر سيناء معطلاً بسبب سيطرة الصليبيين عليه. أما طريق قوص- عيذاب فقد كان عامراً بالحجاج الوافدين من الأندلس وبلاد المغرب.(20) وكان ابن جبير يسجل مذكراته يوماً بيوم، وكان ما سجَّله عن الجزء الشرقي من سودان وادي النيل مصدراً مهماً لأحوال المجتمع في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. ويعكس جٌلَّ ما أورده ابن جبير المشاق التي يلاقيها الحاج من حكام عيذاب أو من الطريق. ولا شك إن ما سطَّرته يراعه يمثل صورة نادرة تغني عن التعليق: «ولا يسافر في هذه الصحراء إلا على الإبل لصبرها على الظمأ. وأحسن ما يستعمل عليها ذوو الترفيه الشقاديف وهي أشباه المحامل، وأحسن أنواعها اليمانية .... وتوضع على البعير ولها أذرع صفت بأركانها يكون عليها مظلة فيكون منها الراكب مع عديله في كن من نفخ الهاجرة، ويقعد مستريحاً في وطئه ومتكئه ويتناول مع عديله ما يحتاجه من زاد وسواه، ويطالع ما شاء من المطالعة في مصحف أو كتب. ومن شاء ممن يستجيز اللعب بالشطرنج أن يلاعب عديله تفكهاً وإجماماً لنفس لاعبه. وبالجملة فإنها مريحة من تعب السفر وأكثر المسافرين يركبون الإبل على أحمالها فيكابدون من مشقة سموم الحر عناء ومشقة».(21)
وحاول ابن جبير إحصاء القوافل العيذابية المحملة بسلع الهند، الواردة منها والصادرة إليها، ولم يستطع لكثرتها. وأكثر ما شاهده أحمال الفلفل والقرنفل الملقاة على الطريق بسبب موت الإبل الحاملة لها، وخٌيِّل إليه أنها لكثرتها توازي التراب قيمة.(22) ويصف ميناء عيذاب بقوله: «هي ميناء على ساحل بحر جدة غير مسورة أكثر بيوتها الاخصاص ... وهي من أجمل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تتردد عليها». إلا أنه يصب جام غضبه عليها بقوله «لأهل عيذاب من الحجاج «أحكام الطواغيت وذلك أنهم يشحنون بهم الجلاب، وهي المراكب، حتى يجلس بعضهم على بعض، وتعود بهم كأنها أقفاص الدجاج المملوءة، يحمل أهلها على ذلك، الحرص والرغبة في الكراء ... ويقولون علينا بالألواح وعلى الحجاج بالأرواح».(23)
وثانيهما: ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن يوسف اللواتي الطنجي المغربي، ولد في طنجة (703/1304) ومات في مراكش (770/1368) أو (779/1377). خرج حاجاً إلى بيت الله الحرام في عام (725/1325) ولكنه قضى نحو ربع قرن من الزمان متجولاً في الأقطار الإسلامية. وكان مما زاره مصر، ديار البجه، وسواكن، وهذا التجوال الكثير يجعله من أشهر الرحَّالة المغاربة، بل والعرب أيضاً. وبفضل ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله، تطور مفهوم الرحلة التقليدي، الذي يتمحور حول زيارة الأماكن المقدسة ومراكز الإشعاع العلمي، تدريجياً إلي رحلة هدفها استزادة المعرفة والكشف عن المجهول.(24)
عند مطلع رحلته كان ابن بطوطة قد نال قسطاً من المعارف الإسلامية وعلى رأسها شيء من فقه الإمام مالك مكَّنه من أن يتولى منصب القضاء وإعطاء بعض الدروس إبَّان أسفاره. وعلى عادة الرحَّالة المغاربة كان يسجل مشاهداته وانطباعاته ولذا كان ما سطَّره يحتوي على معلومات قيمة عن الشعوب التي زارها.
إلا أن نصيب بلاد البجه من تلك الأسفار كان ضئيلاً إذ لم يمكث بينهم طويلاً، بل كانت ديارهم مجرد معبر لرحلته الأولى عام (726/1326) التي خرج فيها في صحبة طائفة من عرب دغيم عبر صحراء لا عمار فيها إلا أنها آمنة السبيل حتى بلغوا عيذاب. ويصف سكانها البجه بأنهم سود اللون ويستعملون الملافح الصفراء (وما زالوا يفعلون)، ولا يورثون البنت. وكانت المرة الثانية عند عودته من مكة المكرمة عام 730/1329. عبر سواكن التي كانت على صلة وثيقة بالموانئ العربية، وكان سلطانها هو الشريف زيد بن أبي نمَّي بن عجلان، ابن أمير مكة المكرمة، وقد ورث الحكم من أخواله البجه. وتبيِّن رحلة ابن بطوطة الوجود العربي الكثيف ممثلاً في دغيم، بني كاهل، جهينة، وبعض اليمن. وكان الحداربة حكام عيذاب أكثر البجه اختلاطاً ببني ربيعة وغيرهم من العرب. ومما أشار إليه ابن بطوطة زيارته مرتين لقبر ولي الله الإمام أبي الحسن الشاذلي في حميثرا.(25) وممن التقاهم ابن بطوطة في عيذاب الشيخ الصالح (وكان قد بلغ من العمر خمساً وتسعين سنة) محمد المراكشي، الذي زعم أنه ابن المرتضى ملك مراكش.(26)
وعند انتهاء رحلاته في (754/1353) طلب منه السلطان أبو عنان المريني أن يسجل بين يدي كاتبه الأديب عبد الله محمد بن محمد بن جٌزيّ الكلبي كل ما دار في أسفاره. وقد أكمل ابن جُزيّ صياغتها وتحريرها وسماها تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.(27)
إن ما كتبه ابن بطوطة في الجزء الشرقي من سودان وادي النيل يتسم بالتوازن والصحة ولم أتبيَّن فيه خطأً في الزمان أو المكان إلا من هنات في تكرار وصف بعض الأحداث، وتحديد بُعد جزيرة سواكن من ساحل البحر الأحمر الغربي. وتمثل تلك الرحلة مصدراً مهماً للكثير من الباحثين في الجغرافيا، والتاريخ. وقد زادت أهمية سواكن وصارت المنفذ الرئيسي لبعض الحجيج الوافد من المغرب الأقصى وبلاد السودان الغربية بدءاً من السنغال عبر ديار الهوسا فبرنو ودارفور وسلطنة الفونج الإسلامية، وعرف ذلك الطريق بطريق السودان أو طريق الحج، كما نوَّهنا.
ووجدت نفس المنطقة، أي سودان وادي النيل، اهتماماً كبيراً من بعض الجغرافيين المغاربة مثل الإدريسي (ت 562/1116) الذي أورد معلومات أكثر وضوحاً ممن سبقوه فقد أشار إلى مدينة زغاوة والزغاويين ومدينة تاجوه (داجو؟) والتاجويين في الغرب، والبلويين في الشمال الشرقي.(28) ويكرر ابن سعيد (ت685/1286) نفس المعلومات عن الزغاوة والتاجو ويحدد ديارهما من قوس النيل جنوباً إلى الشمال، ويضيف أن أهل تاجوه [الداجو] قد أسلموا ودخلوا في طاعة الكانمي. ويصف البجه بأنهم سودان فيهم مسلمون ونصارى وأصحاب أوثان. ويبدو أن ابن سعيد قد نقل من الرحَّالة المغربي ابن فاطمة الذي لا يعرف عنه سوى أنه قد عاش في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي.(29)
ويلاحظ أن جملة ما قدمه الرحَّالة المغاربة قليل ومبتسر. ولعل سبب ذلك عدم وجود طريق مباشر، يقوم على مصالح مشتركة سياسية كانت أم اقتصادية، كما كان هدف الرحَّالة الأول هو وضع أطلس لدار الإسلام، ولم يخرجوا خارج نطاقها إلا نادراً، ولهذا حفلوا ببلاد السودان الغربي. أما السودان فلم يكن في دائرة اهتمامهم، كما أسلفنا من قبل، ولم تتغير هذه الصورة إلا بعد قيام سلسلة من السلطنات الإسلامية في بلاد السودان عامة، وفي السودان الشرقي منه خاصة.
الهجرات المغاربية والوجود المغربي في السودان
كانت الهجرات البشرية أولى المؤثرات الثقافية على سودان وادي النيل، ومثلما دخلت معظم القبائل العربية المهاجرة إلى السودان عبر مصر فقد تسرب جُلَّ البربر منها أيضاً وكان ذلك عام 969م عندما لعب البربر عامة، وقبيلة كتامة خاصة، دوراً مؤثراً في الغزو الفاطمي لمصر وكان ذلك بداية لهجرات متزايدة من بلاد المغرب قاطبة. فلما استقر البربر في مصر وخالطوا المصريين وصاهروا العرب نسوا أصولهم البربرية إلا من الأسماء التي يحملوها مثل لواته وهوارة. ويذكر المقريزي (1365-1441) أن قبائل مِزاته وهوارة وغيرهما من البربر كانتا تسكنان في الجيزة، والبهنسا، ومنوف، وصعيد مصر عموماً خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.(30) وفي أول عهده قام السلطان الظاهر برقوق (1382-1398)، وهو من المماليك الشراكسة، بتهجير بعض أحياء هوارة من الوجه البحري إلى صعيد مصر، وكان هدفه من ذلك أن يحد من نفوذ بني الكنز المتزايد وغيرهم من العرب الذين كانوا في حالة تمرد على سلطة المماليك. وبنهاية القرن الرابع عشر صارت هوارة أكثر شهرة من باقي الأعراب الذين فقدوا حق تعييِّن زعيم لهم من أبناء جلدتهم. وحقيقة الأمر وطَّدت هوارة وجودها على شواطيء النيل وجعلت من الوجه القبلي مأوى لها.(31)
وشهدت أجزاء من نفس المنطقة في وقت متقارب طوائف أخرى من المغاربة القاطنين في الصحراء الغربية، منهم المجموعة التي كتب عنها الرحَّالة النمساوي جون لويس بوركهاردت مؤكداً أنهم كانوا ينقضُّون من الصحراء الغربية (المنطقة الواقعة بين الواحات الكبرى وأسيوط) على النوبه من محس وسكوت وعلى بطن الحجر ووادي حلفا وحتى الدر. وكانت الغزوة عادة تتكون من مائة وخمسين من الخيَّالة، ومثلهم من ممتطيّ الإبل ولا يجرأ أحد من المسئولين بالتعرض إليهم بل يسعون لكسب ودهم.(32) وقبل خمسين عاماً من زيارة بوركهاردت للمنطقة تمكن همَّام شيخ عرب الهوارة من بسط سلطانه على الإقليم من أسيوط إلى أسوان ثم نشره على النوبه وأمتد حتى دار المحس.(33)
ومهما يكن من أمر هذه الفئات المغاربية، فإن هوارة تمكنت تدريجياً من السيطرة على معظم قرى الوجه القبلي. ومن صعيد مصر توغل هؤلاء البربر في أعداد كبيرة إلى السودان لأسباب لا تختلف عن العوامل التي دفعت العرب من قبلهم للنفاد إليه. وهنالك اشتهرت هذه الفئة تحت مسميين يكونان مجموعتان منفصلتان الأولى الهواوير، ويعيشون في منطقة دنقلا معتمدين على تربية الإبل. وكانوا يتبعون مواطن الماء والكلأ في ديار الكبابيش. وكانوا يحافظون على انتمائهم المغاربي ونسبهم البربري، ومن فروعهم الرئيسية في مطلع القرن العشرين: الحرارين، مُالكه، الروناب، الحُبازن، الخماسين، الصالحاب. أما المجموعة الثانية فهم «الجلابة هوارة»، ويبدو من مسماهم الأول أنهم وفدوا إلى كردفان ودارفور في هيئة تجار متجولين. وفي منطقة كردفان يكثر انتشارهم في قرى خاصة بهم بين بارا والأبيض وأم روابه. ويلاحظ ماكمايكل وجود أسماء أماكن ذات أصل بربري في مناطق استقرارهم في أواسط كردفان مثل: جبل الزناتي، وخور فَحْنُخه.
وتؤكد المجموعتان قدومهما من صعيد مصر، وإلى هوارة تلك المنطقة ينتسبون. ويلاحظ أنهم قد التحموا بسكان البلاد الأصليين مثل ما التحم معظم العرب الذين دخلوا هذه البلاد.
ومما لا شك فيه أن الوجود المغاربي في السودان كبير ومتشعب ولعل هذا ما حدا ببعض النسَّابة السودانيين أن يجعلوا منهم كياناً قبلياً واحداً باسم قبيلة المغاربة.(34) فمن الملاحظ أن بعضهم قد ارتبط اسمه بمدن تجمع بين الاشتغال بالعلم والتجارة مثل سوبا، حلفاية الملوك، أربجي، المسلمية، بربر، سنَّار، الأبيض والفاشر. وقد يتعذر ذكر تواريخ محددة لدخول النماذج التي سنوردها. فقد وفد بعضهم في موجة الهجرة العربية، قبل سقوط مملكة علوة، إلا أن هجرة الأغلبية منهم تمت عند قيام مشيخة العبداللاَّب، وسلطنة الفونج الإسلامية.(35)
لما قدم الرحَّالة الفرنسي، فردريك كايّو، في صحبة جيش إسماعيل باشا الغازي عام 1820م وجد المغاربة في سوبا، ووادي شعيب، والكاملين، وأبو عشر، وكلهم في نطاق مائة ميل من الخرطوم، كما انتشر البدو منهم من رعاة الإبل في البطانة بين سوبا وأبودليق، ويؤرخ لقدوم هذه الجماعات في نحو عام 900ه. ويرجح ماكمايكل أن بعض أجداد هؤلاء المغاربة كانوا يقيمون في الأربطة الموجودة في سوبا في نهاية القرن العاشر الميلادي. ولا شك أن غلبة السواد على سحنتهم يدل على قدم هجرتهم، خاصة إذا ما قورنوا مع الجنود المغاربة الذين وفدوا في صحبة الجيش التركي- المصري الغازي.(36)
المغاربة في سوبا: ولعل من أول الأسر التي استقرت في سوبا الحسوباب، أسرة حسوبه المغربي بن عبد الله، الذي قدم والده عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الخالق إلي السودان، مع أخويه القاسم ومحمد علي، وهم من مريدي وذرية الشيخ أحمد بن أحمد بن محمد زروق. وقد قدموا في صحبة عمهم أحمد بن محمد بن زروق إلى السودان بعد أن أدوا فريضة الحج ونزلوا ضيوفاً على الملك رحمة ولد سويكت (ملك الميرفاب ببربر). وتزوج عبد الله من ابنة الملك رحمه فولدت الشيخ حسوبه، الذي استقر هو وذريته وأبناء عمومته في سوبا، ولما كثر نسلهم انتشروا في ضواحي سوبا والخرطوم وطابت والمناقل وغيرها، وكان الشيخ حسوبه عالماً صالحاً وهو صاحب القبة المشهورة في سوبا.(37) وقد عاش قبل مجئ الشيخ إدريس ود الأرباب، أحد كبار رواد الطريقة القادرية في السودان. وقد ترجم ابن ضيف الله لبعض أفراد هذه الأسرة مثل تاجوري النحاسي ونعته بأنه «كان من المجاذيب وله كرامات وخوارق عادات»،(38) وقال عن الفقيه بكري: «وكان زاهداً فقيهاً عالماً عاملاً بعلمه».(39)
معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية
جامعة الخرطوم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.