قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    المريخ في اختبار صعب أمام أمام روستيرو عصرا    دعم إفريقي واسع للهلال السوداني..سيكافا والرواندي في المقدمة واتحادات موريتانيا والسنغال والكاميرون تلوح في الأفق    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محاولة للفهم: الحداثة المنتقاة!
نشر في السوداني يوم 14 - 01 - 2022

يرى المؤرخ والفيلسوف البريطاني آرنولد توينبي، اتساقاً مع تفسيره لقيام وسقوط الحضارات في دراسته الكلية الموسومة ب "بحث في التاريخ " A Study of Historyبأن قيام حضارة ما ، يكون بسبب عامل غير متوقع أو حدث طارئ كتغير في المناخ أو غزو خارجي يهدد الأسس التي تقوم عليها الحياة في تلك الحضارة ثم تأتي ردة الفعل على ذلك الحدث التي قد تنجح في التصدي له بتبنِ جديد يحافظ على تلك الحضارة أو لا تأتي فتسقط تلك الحضارة وتصبح أثراً بعد عين .
والمصطلح المعتمد لتلك العملية هو (التغيير ورد الفعل ) (Change & Response. واستناداً إلى هذا التعريف لحركة التاريخ، فإن تأريخ الاسلام المعاصر وتاريخ الحضارات الأخرى كذلك، يبدأ كردة فعل لاحتكاكها بالحضارة الغربية المعاصرة.
وتلك خلاصة فصّل فيها البروفيسور الأمريكي جون فول في اطروحته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد عام 1971 عن تاريخ الطريقة الختمية في السودان. يقول جون فول، إن انهيار الامبراطوريات الاسلامية الكبرى في العالم الإسلامي: الدولة العثمانية والدولة البويهية ودولة المغول في شبه القارة الهندية حدث نتيجة للغزو الغربي لتلك الدول وأن ذلك قد حدد مسار التاريخ للمجتمعات المسلمة وكتب صفحة جديدة في تاريخ تلك الدول حيث تعددت الرؤى والتفسيرات لتلك الهزائم لدى المسلمين وتعددت وتباينت بالتالي ردود الفعل على ذلك الحدث الهام، زوال ممالك وامبراطوريات إسلامية راسخة.
عزت الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر الميلادي ذلك السقوط المدوي لتفشي الخرافات والشعوذة وعبادة القبور التي انتقصت من عقيدة التوحيد لدى المسلمين وقامت على إثر ذلك الدولة السعودية الأولى شراكة بين الإمامين مُحمّد بن عبدالوهاب ومُحمّد آل سعود للإصلاح بمحاربة تلك الظواهر بينما استند تيار آخر إلى فكرة المجدد للدين على رأس كل مائة وفشت بذلك في المسلمين فكرة المهدي المنتظر وهي ليست فكرة محورية لدى أهل السنة كما الحال عند الشيعة الإمامية وأنه يتعين على المهدي إعلان الجهاد وسيؤيد من السماء بالجند من الملائكة والخوارق .
وهكذا برزت الصوفية الجديدة التي طوت صفحة الصوفية القديمة المنقطعة للتبتل والذكر.
ويرى بروفيسور فضل الرحمن (ج شيكاقو) أن ذلك التطور كاد يزيل الفوارق بين الاسلام الأرثوذكسي (بأصوله المعروفة) وبين الصوفية (التجانية والإدريسية ما تفرع عنها كالرشيدية والصالحية والختمية والسنوسية) والتي تماهت مع الوهابية لدرجة أنها خاضت معارك الجهاد ضد الغزو الأجنبي في أكثر من بقعة في العالم الإسلامي.
وتيار آخر رأى ضرورة التماس التقدم في محاكاة الغرب واتباع خطاه، القذة بالقذة.
وبالفعل انتشرت فكرة المحاكاة في العرب والمسلمين بالنقل الحرفي والتقليد لبعض ما ظهر في أوروبا.
وكمثال على ذلك ،ما أن ظهرت القوميات في أوروبا قبيل وبعد الحرب العالمية الأولى حتى تأسست: القومية العربية والقومية الطورانية في تركيا والتي قضت في نهاية المطاف على الخلافة العثمانية.
وقد استعرض المستشرق البريطاني بيرنارد لويس في كتابه ما الخلل الذي وقع؟ what
Went Wrong ? كل السبل التي التمسها الأتراك للتماهي التام مع الحضارة الغربية لكنهم لم ينالوا
بغيتهم! وعزا ذلك لعدم التزامهم الليبرالية المطلقة التي لا تعرف القيود وخلص إلى القول إلى أن الانتقاء لا يحقق الغاية المرجوة ونحا نحوه فريد زكريا في كتاب عن اللا ليبرالية الديمقراطية illiberal
Democracyوهو ما يصف به الغرب ديمقراطيات روسيا وتركيا وغيرهما، ديمقراطيات يقول تلتزم
بإجراء الانتخابات وتأسيس المجالس النيابية ومنح بعض الحريات وحجب أكثرها المتعلقة بالحريات السياسية في التعبير والتنظيم نزولاً على اعتبارات سياسية أو عقائدية أو لمجرد المحافظة على الوجود في السلطة.
وكثيرون في الغرب يعتبرون ذلك التماهي مع الحداثة منقوصاً وليس في مستوى السائد في مجتمعات غرب أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث الحداثة الحقة كما يصفونها وانه بذلك لا يحقق النهضة المرجوة.
فما هي الحداثة إذن؟ الحداثة بدأت في حضن الدين لدى الكنيسة الكاثوليكية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تروم تعديل المعتقدات التقليدية القديمة لتتلاءم مع الأفكار الجديدة.
وفي مجال الفنون هي حركة أرادت إحداث قطيعة مع الفن التقليدي الكلاسيكي الذي كان سائداً في العهد الفيكتوري تأثراً بالخلاصات التي نشأت بعد الثورة الصناعية المعتمدة على التجربة والملاحظة. ويقر كثيرون بصعوبة توصيف الحداثة بصيغة موحدة جامعة مانعة. وأورد من تلك التعريفات هذا التعريف الحداثة حركة
فلسفية بالإضافة إلى تيارات ثقافية وتغيرات برزت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من تحولات واسعة وبعيدة الأغوار في المجتمعات الغربية .
وعرّف بعض المعلقين الحداثة بأنها تيار اجتماعي تقدمي للفكر يركز على قدرة البشر على الخلق والتطوير ووضع الأطر لبيئاتهم بالاستعانة بالتجريب العملي والمعرفة العلمية والتكنولوجيا .
ويسرد هنري كيسنجر في مقالة له مراحل تطور الفكر الإنساني وصولاً لمحطة الحداثة بأن البداية كانت باختراع المطبعة في القرن الخامس عشر الميلادي وهو الاختراع الذي أفسح المجال للمعارف التطبيقية التي حلت محل الطقوس الدينية والشعائر (أي التي كانت تلتمس لحل المعضلات)، ثم انبلج عهد العقل ليحل محل عصر الدين . وعصر العقل هو أصل الفكر والتطبيقات المبنية عليه وهي التي شكلت النظام الدولي المعاصر.
ولو أنه أنصف وتخلص من المركزية الاثنوية الأوروبية، لحفظ حظ الصين في اختراع الطباعة قبل ذلك وحظوظ حضارات وادي النيل وبلاد الرافدين بل وحضارة المايا في أمريكا الوسطى وحضارة إمبراطورية إنناكا في منطقة الانديز في أمريكا الجنوبية وحضارة المسلمين في الأندلس وأن ذلك كله كان القاعدة الصلبة التي قامت عليها الحضارة المعاصرة.
وفي خضم الظروف التي اكتنفت ظهور الحداثة أولاً في عصر النهضة في المدن الإيطالية وما صاحب بروزها من حفاوة بالحضارة الهيلينية القديمة وإدارة الظهر بالكلية لتسلط الكنيسة الكاثوليكية بل والانعتاق التام من سيطرتها على الحياة العامة، غلب في الظن أن الحداثة هي نقيضة الدين والتدين لكن الفيلسوف الألماني ماكس ويبر (ت1920) أثبت عكس ذلك وأن الحركة التصحيحية التي قام بها مارتن لوثر الألماني والفرنسي جون كالفن والتي نتج عنها المذهب البروتستانتي في القرن السادس عشر الميلادي هي السبب في الثورة الصناعية والتقدم وما تلاها من أفكار الحداثة حيث أطلقت عقال الإنسان ليلحق بالله مباشرة بلا وسيط لعمارة الأرض وفعل الخير. ومثله يرى فيلسوف التأريخ الذي ابتدرنا به هذه المقالة، آرنولد توينبي (ت 1975) ،معارضاً كارل ماركس أن الروح وليس الاقتصاد هي التي تحرك مسار التاريخ.
انتقائية الأخذ بالحداثة:
وعندي أن البعد الإنساني في الحياة العصرية أو قل إن شئت في الحداثة، هو تأكيد كرامة الإنسان التي هدفت لها الأديان السماوية وطمح لتحقيقها فلاسفة الخير من البشر منذ عصر اليونان وظلت المهمة عصية على التحقق محفوفة بالحروب والمجازر إلى أن أفضى التجريب البشري إلى الوصول إلى صيغة سلمية لتنظيم الخلاف فكانت الحريات والديمقراطية : حق الإنسان في الحياة والمعتقد والتملك والترحال والمشاركة في صناعة الحياة في اطار نظم وتدابير يتفق عليها كل الناس . ورغد العيش ورفاهه وتيسير حياة الناس بالمخترعات والطبابة والتعليم عبر الثورة الصناعية مكمل لذلك وليس الغاية البعيدة المتوخاة منه. فمقالة السيد المسيح في موضعها فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
إذن فالنظم الديمقراطية التي تنظم الخلاف وتضمن حق الإنسان في الحرية والتعبير عنها والممارسة ،هي أعظم مكسب تحقق في العصر الحاضر.
وبالحرص على هذا المكسب تجوز الانتقائية في الأخذ من التجربة الأوروبية الغربية التي تستند الى خصوصياتها وتاريخها منذ عصر اليونان دون أن تنتقص الانتقائية من تلك الكرامة الإنسانية فهي غاية الغايات وأنبل ما يجب الحفاظ عليه باعتبارها إرثاً إنسانياً ساهمت في صنعه كل الحضارات.
وعلى عكس ما أورده برنارد لويس وفريد زكريا فإن الانتقائية في كافة الأفكار هي الدالة على صلاحيتها فالشرط اللازم لعالمية الأفكار والرؤى هو قدرتها على التكيف والملاءمة مع أحوال البشر في كل مكان بما ييسر توطينها وليس العكس.
لذلك ليس دقيقاً القول إن الحداثة بالفهم المتقدم شرحه قد أخذت بحذافيرها من قبل العالم المغلوب في آسيا وإفريقيا بل أخذ ذاك العالم منها ما حقق به قدراً هائلاً من تطبيقات العلوم والمعارف فأقام الأبنية التي تناطح السحاب وبنى السفن والطيارات والأسلحة الفتاكة وبعض دوله تكاد تتفوق على ما يعرف بالعالم الأول في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
والشاهد هنا أن هذا الضرب من الحداثة متاح وممكن التحقق ولا علاقة له بما في رؤوس الخلق من معتقدات وتستخدمه أنظمة حكم مستبدة بل يطول عمرها بالمباهاة بتحقيقه على حساب العدل والحرية والمساواة بين الناس. هذا الضرب من الحداثة تجده في الصين وفي اليابان وسنغافورة كما تجده في لندن وواشنطن وباريس وموسكو.
والشاهد أن تحقيق الرفاه المادي وتبني مظاهر العصرنة المادية في العمارة واللباس وصنوف الحياة الاجتماعية المختلفة متاح وميسور عبر الاستبداد والقهر كما هو متاح بانتهاج الديمقراطية والحكم الرشيد.
وخصوصيات المجتمعات تفرض أنواعاً من الانتقائية حتى في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية والتي قد
تعتبر ثقافة فرعية واحدة، تتباين فيها النظم السياسية والحياة الاجتماعية بل ومواقفها من الدين. فدول غرب أوروبا الغربية وأوروبا الشمالية باستثناء فرنسا تحكمها نظم ملكية .
صحيح أن الدين فيها خارج نطاق الحياة السياسية بل ونظم التعليم لكن ملكة بريطانيا هي رئيسة الكنيسة الافانجيلكية . وتنشط المنظمات الكنسية في النرويج والسويد في التبشير ونشر المسيحية بل والانغماس في سياسات البلدان الفقيرة في افريقيا.
والحريات الدينية في بريطانيا متاحة أكثر منها في فرنسا التي تضيق كل يوم على المسلمين ويشكو حتى اليهود فيها من عداء يتزايد للسامية، في مناهضة تامة لمبدأ الحداثة الليبرالي. ويحدثنا اليساري البريطاني مالك كنعان (من أصول هندية) في مقالة في شؤون دولية عن فشل سياسة التعددية الثقافية في أوروبا المتسقة مع مبدأ الحداثة في طلاقة الحريات، ويقول إن فرنسا تنتهج سياسة صارمة تصر على ضرورة إدماج المهاجرين في السياق الثقافي الفرنسي!
أما الدين فلا يزال يلعب دوره في الولايات المتحدة ويفسر الاستقطاب الحاد في الولايات المتحدة اليوم والذي عبر عن نفسه برفض أكثر من سبعين بالمائة من الجمهوريين فوز الرئيس الحالي جون بايدن بل سعوا قبل عام لإجبار الجهاز التشريعي على عدم المصادقة عليه باقتحام مبناه . والذي يخشى منه أن يفضي هذا الاستقطاب الحاد إلى حرب أهلية جديدة بسبب التباين الثقافي بين المحافظين والليبراليين ويلعب الدين دوراً كبيراً فيه بل وترد أسبابه إلى ما بات يعرف بالحرب الثقافية.
وقد كتبت الأكاديمية الأمريكية الدكتورة (باربرا اف وولترز- ليست تلك الصحافية) كتاباً بعنوان كيف تبدأ الحرب الأهلية تحذر من احتمال وقوعها الوشيك في الولايات المتحدة (راجع حديثها مع مهدي حسن في اليوتيوب MSNBC). هذا في بلد يعتبر من أرسخ الديمقراطيات في العالم ،يكاد الاستقطاب يعصف به . فكيف بنا ونحن في بداية الطريق نتلمس السبل للوصول إلى الديمقراطية؟ وقد سبق أن استعرضنا مقالة الكاتب المحافظ والذي لا ينسب نفسه لدين، جورج ويل لدور الدين في أمريكا وأهميته. الدين والجمهورية الأمريكية.
الحداثة والعالم الإسلامي:
كنت قد استعرضت أطروحة الأستاذ جمال محمد أحمد لنيل درجة الماجستير تحت عنوان جدل الدين والحداثة في كتاب جمال محمد أحمد: الأصول الفكرية للوطنية المصرية. جاء فيه ما يلي من موقف علماء المسلمين من الحداثة على لسان ألبرت حبيب حوراني حيث أورد فيه رؤية أبرز علماء الإسلام في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهو الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية. يقول حوراني :
لمذهب محمد عبده عنصران سواء بسواء. أكد الحاجة لأن يتمسك بثبات بما كان غير متغير في الإسلام والحاجة لأن يغير ما قد يجوز تغييره. و استطرد ليقول : وسط المسلمين المصريين كان السؤال بارزاً ومثاراً للجدل : بأي شروط يمكن للمسلمين أن يكونوا جزءاً من العالم الحديث؟ ص17 و18. أجاب حوراني بأن الذي تولى الإجابة على السؤال هو الإمام محمد عبده وأن ذلك يتحقق فقط في رؤية الإمام بالتوفيق بين ثوابت الإسلام وبين الحداثة الأوروبية. قال كان ذلكم بالفعل هو العمل الذي نذر له محمد عبده حياته وهو موجد هذه الجماعة، أهم مفكر أنجبته مصر ثم أشار إلى أن ما فعله (أي محمد عبده) جعله بطل كتاب السيد أحمد (أي جمال محمد أحمد. ص19. وكان عباس محمود العقاد قد كتاباً كاملاً بعنوان عبقري الإصلاح محمد عبده.
بالإضافة إلى ذلك إن كان من ثمرات الحداثة نظافة البدن والمدن والشوارع وتنظيم الحياة في الحواضر، التي بهرت المبتعثين الأوائل أمثال رفاعة الطهطاوي في باريس، فقد قدم المسلمون في الأندلس قبل بزوغ النهضة الأوروبية بقرون، شواهد عديدة على تفوقهم على الأوربيين أنفسهم في ذلك أقر بها الأوربيون قبل غيرهم وبدأوا محاكاتها لاحقاً في بلدانهم عندما تهيأت لذلك الظروف.
ومن المحير أنه رغم تكرار الردود التي أشرنا إليها صدر هذه المقالة إزاء الهجمة الغربية على بلاد المسلمين لا يزال المسلمون يكررون ما اجترحوا من قبل. من حداثة أتاتوركية أو بورقيبيه معادية للدين والتدين تبطش بالمخالفين وتصادر حرياتهم في المشاركة في صنع الحياة في مجتمعاتهم بشتى الذرائع باعتبار أن معتقداتهم تلك من عوائق التقدم . أو يكون التكرار بتجارب نظماً تحاكي أنظمة اشتراكية سادت لبعض عقود في شرق القارة الأوروبية بالبطش والقهر ثم طواها الزمن، حفيت بالبعد الاجتماعي للحداثة، مناهضة لمضامين الحريات الأخرى الأكثر إلحاحاً ، حريات الرأي والتنظيم والتعبير.
والمتأمل بعمق يجد أن ردود الفعل الثلاثة المتباينة على الغزو الغربي والآنف ذكرها تروم غاية واحدة : هي اللحاق بركب العالم الحديث! يستبدل فيها الإنسان وسيلة النقل والتنقل القديمة عن طريق الدواب بالسيارة والطيارة والقطار ويرغب في شرب المياه النقية والمأكولات الشهية والصحية وبالتماس كل ما يجعل الحياة سهلة منسابة بلا عقبات.
ولحسن الحظ لا يوجد خلاف بين الناس أجمعين على ذلك لكنهم يختلفون في أنجع السبل لتحقيق تلك الغايات .
البعض باستصحاب الدين وما ثبت نجاعته في إثراء الحياة من كريم التقاليد والموروثات والبعض بدون ذلك كله أو بمزيج من ذلك . هل يستدعي ذلك التخوين والتقتيل والتشريد ونفي كل فضيلة عن الخصم لمجرد اختلاف الوسائل؟ وهل مثل هذا الخلاف في الوسائل ينزع عن الإنسان كل الفضائل الإنسانية والوطنية ليصبح بلا قيمة بما يبرر قتله وتشريده والتعدي على حقوقه؟ ألا يكون ذلك من أقبح ألوان الظلم؟ كيف يجوز إذن الإعجاب برموز بعيدة عن ثقافاتنا وعن معتقداتنا مثل نيلسون مانديلا وديزموند توتو وشي جيفارو ومهاتما غاندي وهوشمنا؟ ومارتن لوثر كينق جونير؟ كيف يجرد بعضنا بعضاً من كل خير لمجرد اختلاف الرؤى توطئة لاستباحة عرضه وحقه في الحياة والستر والعيش الكريم؟
والديمقراطية تستلزم التعايش اعترافاً بأزلية اختلاف البشر ولم تبلغ من حفاوة الناس بها إلا لكونها أفضل ما توصلت إليه البشرية عبر التجريب لتنظيم الاختلاف والخلاف ولم تأت لجمع شمل المتفقين أصلاً في كل شيء!.
القبول المشترك مع تباين الرؤى وتقنين الخلاف ووسائل حسمه سلمياً. كانت غاية سعت إليها الإنسانية عبر تاريخ اتسم بالمجازر والقتل الجماعي والإبادات الجماعية. لا تقوم الديمقراطية والناس ممسكة برقاب بعضها البعض ويستقوي بعضها بأغراب يستثمرون في هذا العراك. وتجارب التأريخ في الاستقواء بالأعداء أوضح من أن يشار إليها . التقاليد والدين والموروثات يمكن أن تكون عوناً للتقدم لا خصماً عليه تحفظ خصوصيات كل حضارة وتجعل العالم حديقة متعددة الألوان. التقدم والرفاه المادي والعيش في العصر يتحقق بالدين وبغير الدين. واليوم تهبط في عواصم ومدن تتباين فيها النظم والمعتقدات فلا تكاد تميز بينها بسبب تشابه العمارة والطرق والجسور والمطاعم العالمية. فلماذا يقتتل الناس ويؤجلون عجلة الفعل حتى تصبح الأجيال الناقمة على القديم أغلبية تعيد هيكلة الحياة ظناً بأن هذا التدبير يحقق التقدم.
تم تجريب ذلك في أكثر من بقعة وتحقق نقيضه. حرق المراحل وإضاعة الجهد وإهدار الطاقات بلا طائل من شأنه تعميق الجراحات وتكريس البغضاء التي قد تفضي للزوال وسقوط السقف على الجميع. الاتفاق على حد أدنى لإدارة الخلاف الذي يعترف بالحق في الاختلاف مع الحق في الحياة للجميع، سيجعل استئناف دورة عجلة الدولة ممكناً تمهيدا للانتقال السلس لتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الذي يضمن بقاء الدولة.
والذي يرى غير التراضي حلاً، مستبد بضاعته وصاية وإكراها لن تدوم وشعارات الديمقراطية والحرية والعدل لديه تبقى مجرد دعاوى يستعين بها على الإبقاء على الأزمة والفوضى وضياع جيل كامل من الشبان والشابات وربما ضياع الوطن بأسره . التحشيد والتحشيد المضاد لا يصنع ديمقراطية مستدامة بل قد يصل بأحد الحشدين للسلطة ويجعل المهزوم اليوم رصيدا مدخراً للتربص والمؤامرة والتعاون مع الشيطان لإزاحة الأول! وهكذا تستمر الدورة الخبيثة التي يخشاها الناس وتضيع أجيال وتهدر إمكانات ويظل الثلاثي، الجهل والمرض والتخلف هو الوحيد البطل الذي لا ينهزم. نحن بحاجة لغرس ثقافة التسامح والتراضي والقبول المتبادل وتنشئة الأجيال على ذلك لا على الكراهية والبغضاء والتقتيل!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.