محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خواطر حاج من عرفات : إلى مكة المكرمة مروراً بدروة الشيطان
نشر في السوداني يوم 23 - 11 - 2012

إلى مكة المكرمة مروراً بدروة الشيطان
الحج خامس أركان الإسلام سياحة روحانية تفلت الروح خلالها من ربقة الجسد وأوزاره لتعرج إلى آفاق اللامحدود من ملكوت الأرض والسماء في ضيافة الرحمن حيث الصفاء والنقاء والنعمة والرضوان .
ليس الحج في مضمونه الواسع عبادة فحسب بل فيه سياسة وفداء وتربية اجتماعية أخلاقية أيضا وعدالة ومساواة وسلام وإخاء . هكذا يعتبر الإسلام أشد الأديان ارتباطا بواقع الحياة . فالسلام والإخاء لا سبيل لتحقيقهما إلا عبر وجود التضامن والإخاء الشامل بين بني الانسان وهذا ما يدعو الإسلام إليه ويعمل على تجسيده عن طريق الحج حيث يتجمع القادرون من المسلمين على اختلاف ديارهم في حشد هائل عند البيت الحرام في مظاهرة فريدة لا مثيل لها في الأديان السماوية أو العقائد الوضعية الأخرى . إنه بعبارة أخرى مؤتمر دوري عام للمسلمين .إن فكرة الوحدة والمساواة والإخاء مغروسة في الإسلام على نحو يذهل كل من يشهد ملايين المسلمين المنتشرين في زي متواضع موحد في مكان واحد (عرفات) وفي ميقات واحد خلال يوم معين حسب التقويم الهجري . إنها وحدة ليست سياسية بالضرورة وإنما يكفي أنها وحدة من أجل هدف مشترك وغاية مشتركة مرجعها آدم أبو البشر وأبوها الروحي ابرهيم أبو الأنبياء عليه السلام مع الإيمان بسائر الرسل والأنبياء حتى خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . يشدد الإسلام على الوحدة القائمة على أسس الوحدانية والقرآن والقبلة الموحدة ( الكعبة ) . هذه هي الوحدة التي ينبغي أن يسعى المسلمون لتحقيقها من أجل هدف موحد وغاية مشتركة بدلا من وحدة مستحيلة تنصهر في أتونها حيازة الأرض والحدود الجغرافية واللغات والعرقيات . يمكن أن يقال من هذا المنطلق إن أية دعوة لوحدة سياسية اسلامية في ظل سيادة خلافة موحدة تعني مزيدا من الفتنة والشقاق بين المسلمين . ولعل المؤتمر العالمي الذي عقدته رابطة العالم الاسلامي في مكة المكرمة أيام الحج هذا العام يشكل نواة يمكن تطويرها كمشروع وحدوي ديمقراطي يبدأ بجمع كلمة المسلمين على غرار آليات الضغط المدنية ( اللوبي ) في الولايات المتحدة الأمريكية .
أعترف بأني لست من رجال الدين وانما واحد ممن يسمون في هيكل الكنيسة المسيحية Layman بمعنى "عنقالي" أي أمي ولا ختم له . غير أن ذلك لم يحرمني من الخروج من الحج هذا العام وقبله بعبر ودروس لا يخطر بعضها على بال آخرين من الحجيج كاحترام الزمن وقيمة الوقت . كل حركة في مراسم الحج تجري على نسق واتساق وفي انضباط وارتباط ابتداءً من الوقوف في عرفة ومروراً بمزدلفة ودروة الشيطان في منى ثم انتهاء بالطواف حول البيت الحرام . لماذا لا نتحلى بهذا المنهج في حياتنا العامة والخاصة حتى يأتي يوم يقال فيه " مواعيد حاج " بدلا من مواعيد انجليز ؟؟ من يدري لعل وعسى ؟؟
كنت هذه المرة على متن أول حافلة تصل من مزدلفة إلى منى بركابها الذين لا يزيد عددهم على ثلاثين حاجا . وجدنا دروة الشيطان خالية تماما باستثناء عدد قليل من العمال ورجال الأمن . . . والشيطان في انتظارنا كالبطة العرجاء لا حول ولا قوة له . هذه واحدة من بركات الحج فما ألفيت الشيطان في موقف خزي وهوان مثلما ألفيته في ذلك اليوم . رجمته رجم عزيز مقتدر بحجارة من سجيل منضود أصابت مرماها حيث الحقد والغل مصحوبة بشحنة من اللعنات . أذكر أن المرحوم محمد أحمد محجوب جاء لتهنئتي بالعودة من أول حجة لي عام 1965 ليقول لي ساخرا : طبعا لما رآك الشيطان في طليعة الحاصبين صاح مندهشا ومتحسرا " حتى أنت يا بروتس " !! . أما المرحوم بشير محمد سعيد فقد أعرب عن دهشته متسائلا : عجيبة ... كمان المنادي أصبح ينادي ناس لندن بالأفرنجي ؟؟
تكاد " جبنة منى " أن تكون من مناسك الحج عند أهل السودان ولا يكتمل بدونها . سئلت عمتنا الحسنى شقيقة الشيخ بابكر بدري طيب الله ثراه إثر عودتها متعبة من الحج عن جبنة منى . ردت عليهم :" بس (بئس هي) أريتا يا بناتي جبنة اليعادي بابكر أخوي !!. " ذهبت هذه المرة في منى مع بلدياتي أيوب صديق إلى المصرف الإسلامي لشراء " كبش الهدي " بصحبة بلدياتي الأستاذ أيوب صديق وهو كما عرفته ويعرفه كثيرون صالح أواب إذا قال لي أحد أنه رأى أيوبا يمشى على صفحة الماء أو سابحا بين الأرض والسماء لما كذبته . لم يتمالك أيوب نفسه أمام شباك المصرف إذ غلبته نعرة أهلنا الرباطاب فالتفت إلي هامسا : سوف اشتري كبشا واحدا يكفيني أما أنت يلزمك أن تشتري ملء زريبة كاملة !! . سألته أهي فتوى يا شيخنا أم قنزحة رباطابية ضربت في كرقس ؟؟
على أية حال سعدت في ضيافة رابطة العالم الاسلامي برفقة بلدياتي أيوب صديق مثلما سعدت برفقة نخبة من أشياخنا الإسلاميين القياديين الذين لم تتح الفرصة لي بلقائهم من قبل وهم مع حفظ الألقاب : عبد الحي يوسف – عصام أحمد البشير – أحمد المجذوب - أحمد بشير النفيدي – مالك علي دنقلا – أحمد خضر المادح الفنان بفضل الخؤولة – محمد أحمد منصور – حسن أبو شوك – عبد الباسط سبدرات الوجه المشرق في حكومة الانقاذ التي ظلت غارقة في ظلام حالك منذ أن فارقها . ليعذرني من سقطت أسماؤهم من الذاكرة . لقد أعجبني فيهم جميعا ظرفهم ووداعتهم وحياؤهم وعفتهم إلى آخر قائمة مكارم الأخلاق . قلت هذا لأحدهم ثم فاجأته متسائلا : لكن يا أخي لماذا عندما تتولون الحكم يلبس بعضكم أحيانا لبوسا أخرى أقرب إلى زي الشياطين وأخلاق البراذين ؟ ؟ ثم ما سر ارتباط الكبش كقاسم مشترك بين ابراهيم عليه السلام وآمون رع إله السودان في قديم الزمان الذي قيل إنه كان موحدا وأن جبل البركل مسكن روحه ويرمز إليه بتماثيل الكباش التي نشهدها عند مدخل المتحف القومي في الخرطوم ومواقع أثرية أخرى في شمال السودان ووسطه؟ . هنالك خلاف حول مسقط رأس ابراهيم عليه السلام لكن إحدى الروايات تؤكد أنه من مواليد واحة سليمى في الصحراء النوبية غربي النيل وأنه كان يتنقل بين مدن كوشية (سودانية) مثل كرمة وأرقو وفرس ونوري وربما تكون احداها معروفة في ذلك العهد باسم حران التي استقرت بها أسرة سيدنا ابراهيم ردحا من الزمن كما جاء في العهد القديم . تتفق روايات عديدة من ناحية أخرى على أن ابراهيم عليه السلام دفن في مدينة اسمها (حبرون) وهو من الأسماء التي ورد ذكرها مرارا في العهد القديم لكن ليس المقصود به حبرون أو الخليل الحالية في الضفة الغربية من أرض فلسطين وانما هو من الأسماء القديمة لبلدة نوري الكوشية السودانية القائمة في ديار الشايقية . كما أن اسم أم سيدنا ابرهيم عليه السلام وآبائها ( بونا بنت كرينا بن كرثي) اسماء كوشية صرفة لا خلاف عليها . هذه قضية ظلت تؤرقني منذ سنوات طويلة أطرحها اليوم باختصار علي أجد بين علمائنا الثقاة الباحثين من يتصدى لفك طلاسمها بعيدا عن إدعاءات المصريين وأكاذيب الاسرائيليين الذين برعوا في التحريف والتلفيق .
عقدت النية على أداء فريضة الحج دون سابق إنذار أثناء متابعتي لبرنامج المدائح النبوية الذي يقدمه على شاشة الفضائية السودانية البروفيسور القرشي وأحرص دائما على مشاهدته لأنه برنامج شيق حافل بحب النبي صلى الله عليه وسلم ومآثره وبالحنين للديار المقدسة بطعم سوداني ولأن مقدمه صهر صديقي الحميم الشريف ابرهيم رفيقي في ساحة النضال الوطني وأول من عرفت من أبناء المرحوم الشريف يوسف الهندي . كان الوقت ضيقا جدا إذ لم يبق سوى ستة أيام من الوقوف في عرفات . لكن نائب السفير السعودي الشيخ عبد الرحمن تفضل مشكورا – بتوجيه من سمو السفير الأمير محمد بن نواف – باكمال كل الإجراءات في غضون يومين فقط ومنها إدراجي ضمن حملة رابطة العالم الاسلامي . ولا يفوتني أن أشكر أيضا في هذا المقام الشيخ عبد الرحمن العنيزي (القنصلية السعودية) .
لقد وصل تعداد الحجاج هذا العام إلى أربعة ملايين نسمة قدموا من مختلف أركان المعمورة بما في ذلك حجاج الداخل وأدوا الفريضة في أمن وأمان . تستحق حكومة خادم الحرمين – بلا شك – كل تقدير واعجاب وعرفان لقاء تعاملها مع أكبر حشد ديني في العالم على الاطلاق . إنها مهمة تنوء بحملها أية حكومة معاصرة لها امكانيات وقدرات تفوق ما لدى حكومة خادم الحرمين . أقرب مثال لذلك دورة الألعاب الأولمبية الأخيرة التي لا زالت لندن تعاني حتى الآن من ما خلفته من فوضي ومضايقات واضطراب . وقد يأخذ البعض على السلطات السعودية تشددها في الاحتياطات الأمنية في موسم الحج لكن يفوتهم أن السعودية البلد الذي خرج منه جهيمان وبن لادن ومع ذلك لم تصل السلطات السعودية إلى ما وصلت بريطانيا إليه حين نصبت خلال الدورة الأولومبية منصات الصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات على سطح العمارات في قلب لندن تحسبا لأوهام من نسج الخيال . لقد وفرت حكومة خادم الحرمين لخدمة الحجاج- في ما وفرت - شبكة مترامية من الطرق المسفلتة والأنفاق والكباري المعلقة تربط مكة المكرمة بمنى كما وفرت خمسين طريقا مسفلتا بين مزدلفة وعرفات . هنالك تحسينات كثيرة أنجزت في السنوات الأخيرة جعلت من السهل إداء مناسك الحج في مواقعها المختلفة لكن من المرجو مراعاة احتياجات المعوقين عند تنفيذ مشروعات التحسين التي جرت في السنوات الأخيرة زيادة على مزيد من التحسينات المرتقبة ضمن المشروع الذي رصدت حكومة خادم الحرمين لتنفيذه 22 بليون دولار .
من المظاهر السالبة التي شدت انتباهي خلال أيام الحج اصطحاب كثيرين من الحجاج أطفالهم مما يعرضهم لأخطار العدوى بالأمراض التي لا يطيقون مقاومتها وبعضها أمراض قاتلة زيادة على ما يلاقيه الأطفال وذووهم من مشاق ومضايقات لا حد لها . رأيت في منى حشودا من الحجاج خارج النظام مسكنهم العراء وعلى جنبات الطرق العامة فيها يأكلون ويشربون وينامون ويقضون حاجتهم ومعهم أطفال صغار بعضهم في سن الرضاعة . قيل إن حكومة خادم الحرمين فرضت حظرا على هذه الظاهرة السالبة المخالفة لأبسط قوانين حماية الطفل لكن يبدو أن الحظر في حاجة لمزيد من التشدد لا سيما في ما يتصل بحجاج الداخل ومعظمهم من الأجانب العاملين في السعودية .
غاية القول إن السلطات السعودية لا تدخر جهدا في خدمة ضيوف الرحمن وما يظهر من سلبيات يرجع إلى أنها تتعامل مع حشود من الخلق قادم معظمها من بلاد مدرجة في قائمة الأقطار المتخلفة كما تشكل خليطا من اللغات والعادات والتقاليد والسلوكيات الثقافية والاجتماعية . تزامن الحج هذا العام – من ناحية أخرى – بتجدد محاولات الإساءة لنبي الإسلام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وهي محاولات لم ولن تنال منه شيئا إلا ما تناله الريح من الجبال الراسيات الشامخات . لكن على المسلمين رغم ذلك أن يثوروا ردا على دوافعها ومقاصدها للنيل من الإسلام والمسلمين . ولما كانت هي محاولات صادرة قي ظاهرها عن أفراد وجهات لا سلطان لحكوماتها عليها يجب ألا يخرج رد فعل المسلمين قولا أو عملا عن هذا الإطار ليتعداه إلى اقحام الحكومات والإيقاع بينها . هذا في الحقيقة ما يطمع فيه القائمون على أمر تلك الحملات الجائرة . ترى ماذا سنجني من الإيقاع بين حكوماتنا وحكومات بلاد أخرى كأمريكا والدول الأوروبية التي نعيش معها في عالم واحد وتربطنا بها صداقات وتحالفات وعلاقات اقتصادية وتجارية وثقافية ذات فوائد مشتركة لا غنى عنها ؟ ؟ إن ما وقع في عواصم اسلامية من اعتداءات على المنشآت الأوروبية والأمريكية وحرق للأعلام ومظاهرات عدائية أمر مرفوض أو لا طائل من ورائه على الأقل . لقد كان أجدى من ذلك أن ننفذ مقاطعة شاملة للعديد من الكماليات التي نستوردها من أوروبا وأمريكا كالمشروبات الغازية والتبغ ومستحضرات التجميل بل من الممكن أن تشمل المقاطعة سلعا ضرورية يمكن استيرادها من مصادر أخرى . حينذاك ستتصدى الشركات الأمريكية والأوروبية المتضررة لإيقاف تلك الحملات بطريقة أو أخرى تدريها كدراية أهل مكة بشعابها . تلقينا في هذا السياق خلال أيام الحج أيضا نبأ الغارة الاسرائيلية الوحشية على مصنع اليرموك للأسلحة في الخرطوم . ليس هذا أول اعتداء ترتكبه اسرائيل ضد السودان تحت ذريعة أنه معبر لتزويد المقاومة الفلسطينية بالأسلحة . ما نعلمه أن المصنع ملك للدولة لتزويد قواتنا المسلحة بأسلحة تقليدية لا للتجارة أو التصدير لجهات أخرى. وإذا كانت هنالك أسلحة تهرب عبر حدودنا الشمالية الشرقية فإن مصدرها غير السودان أو مصنع اليرموك على وجه التحديد . بل ليس السودان من دول المواجهة وليست له حدود مشتركة مع اسرائيل أو مواقع المقاومة الفلسطينية يمكن تهريب السلاح إليها مباشرة من السودان .
غني عن القول أن تجارة الاسلحة نشاط دولي كتجارة المخدرات وعصابات الجريمة المنظمة تماما لا يسلم من شرورها أي من بلاد العالم دون استثتاء ولا يمكن اتخاذها ذريعة لاعتداء دولة على أخرى في انتهاك صارخ للقانون الدولي ومواثيق هيئة الأمم المتحدة . إذن هنالك أسباب أخرى لعلها غير خافية وراء الغارة الاسرائيلية على مصنع اليرموك تتمثل في الهجمة الشرسة القائمة منذ سنوات على وحدة السودان وتقدمه واستقراره وازدهاره .
ثم أما آن لنا أن " نروق المنقا " قليلا في مواقفنا تجاه القضايا العربية ونترك لغيرنا مكان الصدارة وعجلة القيادة فنحن كما أردد دائما : " إننا مع العرب لكنا لسنا منهم متحدون معهم لا مندمجون لأن لنا طموحاتنا وأحلامنا وتطلعاتنا وتوجهاتنا الخاصة بنا " . أما قضية فلسطين فإن الاسرائيليين والفلسطينيين أنفسهم لا يريدون حلا لها لأنها أصبحت مصدر رزق وعطف للطرفين سينضب معينه لا محالة متى حلت القضية سواء بالنسبة للإسرائيليين أو الفلسطينيين . وفي رأينا من ناحية أخرى أن اقتطاع جنوب السودان وإقامة دولة عنصرية مصطنعة فيه عدوان صارخ وظلم مبين كاغتصاب الأرض الفلسطينية وقيام الدولة الصهيونية العنصرية عليها تماما دون نقصان. هكذا لم يعد استرجاع فلسطين القضية العربية الأولى وانما تقف معها– على الأقل - جنبا إلى جنب وعلى قدم وساق قضية عودة وحدة السودان شمالا وجنوبا التي يجب أن تكون وحدها موضع همنا الأول وهم العرب أجمعين أسوة بقضية فلسطين لا أكثر أو أقل . أقول هذا من منطلق التجربة التي خضتها منذ عام 1947 عندما كنت أمينا عاما للهيئة القومية لتحرير فلسطين في جنوب السودان . جمعنا يومذاك تبرعات مالية طائلة وجندنا متطوعين استشهد نفر منهم ووقع آخرون في الأسر خلال الحرب في سيناء وفلسطين. (محمد خير البدوي) .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.