الوساطة تنفي اي صلة لها بما يدور داخل الجبهة الثورية    ما فات الكبار، وعلى الشباب فهمه (2/2): معركة القوى الشبابية الحقيقية تأسيس دولة المستقبل .. بقلم: عزالدين صغيرون    كورونا والتدين الرعوي .. بقلم: د. النور حمد    نعي الشيخ أحمد حنفي    عيد الغريب عن وطنه وركوب بحر الضياع .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة    رساله حب .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    العيد هناك .. بقلم: عثمان أبوزيد    الرد السريع على صاحب الدعم السريع .. بقلم: فيصل بسمة    لم نحضر للزيارة...لأنكم في البيت .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    بشرى سارة اكتشاف علاج لكورونا!! .. بقلم: فيصل الدابي    جمعية الصحفيين السودانيين بالسعودية تنعى زوجة الزميل خليفة أحمد - أبو محيا    سكر حلفا الجديدة .. بقلم: عباس أبوريدة    رواية (هذه الضفافُ تعرفُني) - لفضيلي جمّاع .. بقلم: عبدالسلام محمد عبد النعيم    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    تسجيل (235) إصابة جديدة بكورونا و(16) حالة وفاة    أجور الحياة المنسية .. بقلم: مأمون التلب    ترامب يحرِّك الرُخ، فهل يَنْتَصِر مرّة أخْرى؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    أردوغان يتطفل على ليبيا .. بقلم: علاء الدين صالح، كاتب وصحفي ليبي    الإصلاح الاقتصاديو محن روشته صندوق الدولي .. بقلم: محمد بدوي    نداء عاجل ومناشدة بخصوص الأوضاع الصحية المتدهورة في الفاشر - ولاية شمال دارفور    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    رمضان لصناعة السكر الأهلي فى قرى السودان .. بقلم: د. أحمد هاشم    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





من (حمار كلتوم) وحتى (منقبي الذهب) الغارات الجوية على السودان.. حين تمطر السماء موتاً


الغارات الجوية على السودان.. حين تمطر السماء موتاً
تقرير:محمد عبدالعزيز
.ما حقيقة غارة (أبوطباق) في الأسبوع الماضي
(...) هذه الحيلة أفلحت في تقليل خطر الغارات الإيطالية في الحرب العالمية
كيف أحرج طيار إثيوبي هارب أديس أبابا وموسكو معاً بسقوطه في خزان خشم القربة؟+
(...) هذه التفاصيل الكاملة للغارة الإسرائيلية الأشهر على السودان
الثغرة التي أوجدها الموساد لاختراق الرادارات السودانية في مطلع العام 1984م على سواحل البحر الأحمر، كانت صغيرة نسبياً تغطيها جزئياً رادارات مصر والسعودية في منطقة جبلية بالقرب من الحدود السودانية المصرية، ولكنها كانت كافية بحيث تستطيع طائرة منخفضة التحليق، أن تمر عبرها دون أن يكتشف أمرها.
وبذلك تقرر أن تغادر طائرة (هيركوليس) القاعدة العسكرية في إيلات، وتحلق فوق خليج العقبة على امتداد الطريق لتهبط بجوار منتجع (عروس) في مدرج أنشئ خصيصاً لتنفيذ أكبر عملية تهريب في التاريخ.
تضاربت المعلومات حول غارة جوية إسرائيلية جديدة على شرق السودان، ففي الوقت الذي نفى فيه الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة العقيد الصوارمي خالد سعد وقوع غارة، بقوله: " ليست لدينا أي تأكيدات بشأن ذلك العدوان".
وكشف معتمد محلية جبيت المعادن بولاية البحر الأحمر عيسى محمد أوشيك ل(السوداني) أن حكومته تلقت بلاغاً من مواطنين بوقوع غارة إسرائيلية على قوافل مهربين بمنطقة الحدود المصرية السودانية، وقال أوشيك إن أجهزة محليته تأكدت أن الغارة وقعت خارج نطاق محلية جبيت المعادن في منطقة تسمى "أبو طباق" داخل مثلث حلايب. وأكد أوشيك أن مستشفيات محليته لم تستقبل مصابين أو قتلى للغارة ولم ترد معلومات رسمية بذلك، فيما تضاربت المعلومات حول عدد ضحايا الحادثة، حيث يرجح أن يكون الضحايا من مهربي السلاح.
وقالت مصادر إعلامية إن إسرائيل قامت بعدوان جديد على السودان خلال أقل من أسبوع استهدف منقبي الذهب بالشرق في منطقة قريبة من الحدود مع مصر. وأضافت ذات المصادر أن الغارة الأولى وقعت في الخامس عشر من الشهر الجاري واستهدفت «6» سيارات لاندكروزر تاتشر أصابت منها الطائرة الإسرائيلية سيارتين فيما فرت الأربع الباقية في اتجاهات مختلفة، ونتج عنها مصرع «4» مواطنين، ويزيد المصدر أن الضربة الثانية وقعت بعدها بثلاثة أيام حيث استهدفت طائرة إسرائيلية سيارة «بوكس» كان يستغلها أحد منقبي الذهب وتوفي مع من فيها.
اختراق جوي
ولئن كانت التدخلات السياسية في الشؤون الداخلية لدول العالم الثالث أمراً عادياً، فقد انفرد السودان دون أغلب دول المنطقة بتلقي ضربات عسكرية بين الحين والآخر، أغلبها مجهول المصدر، وإن كان معروف الهوية.
وإن كانت أولى الغارات على الأراضي السودانية تحمل الهوية الإيطالية إبان الحرب العالمية الثانية، عندما كان السودان مستعمرة بريطانية، ليعرف المواطنون في ذلك الوقت كيفية الاحتماء من الغارات الجوية، والإجراءات التأمينية المتبعة في تلك الحالات، بدءاً من صافرات الإنذار، وانتهاء بإغلاق النوافذ وإطفاء الأنوار.
وقد وجدت تلك الغارات طريقها إلى التخليد في الذاكرة السودانية عبر رائعة عائشة الفلاتية (الليمون سقايتو علي) التي تقول في بعض مقاطعها: "الله ليا.. طيارة جات بي فوق.. شايلة القنابل كوم.. جات تضرب الخرطوم.. ضربت حمار كلتوم"، لتقوم طائرات الطليان بالإغارة على مدن كسلا والقضارف والقلابات وبورتسودان والخرطوم، ويعرف حينها السودانيون الطائرة (الزريقة)، وقد تم إسقاط طائرة مهاجمة ما تزال جاثمة بالقرب من القلابات. وقد كان لمدينة كسلا نصيب الأسد من تلك الهجمات، حيث درج أهالي المدينة على الاحتماء بأحياء ومناطق الختمية، فور دوي صافرة الإنذار، حيث كانت تلك الأحياء بمنأى عن الغارات بفعل اتفاق مسبق بين الإيطاليين والختمية، وبمرور الوقت بات الكثير من المواطنين يمتلكون خنادق في منازلهم ما تزال آثارها باقية، وقد بدأت تلك الغارات في الثاني عشر من يونيو من العام 1940 بواسطة ثلاث طائرات إيطالية رداً على هجمات بريطانية على مطاراتهم داخل الحبشة.
ومن الطرائف في ذلك الوقت أن طلعت فريد لجأ إلى حيلة ذكية لتقليل خسائر الغارات الإيطالية، حيث عمد إلى ربط فوانيس في مجموعات من الحمير بمنطقة كوبري البطانة ومن ثم إطلاقها لتتحرك في مجموعات باتجاه مدينة كسلا، وكان منظر ذلك التحرك يوحي بتقدم عسكري كبير، مما جعل طائرات الطليان تمطرها بالقذائف والقنابل.
غارات الثمانينيات
ومنذ ذلك الوقت لم يألف السودان الغارات الجوية، إلا في مطلع الثمانينيات عندما وصل تدهور العلاقات بين القذافي والنميري إلى حد تفكير الأول في إرسال طائرات لقصف مواقع حيوية في الخرطوم .لتقوم طائرة ليبية (توب لوف-22) تصنف في خانة قاذفات القنابل بعيدة المدى روسية الصنع، بالهجوم على الإذاعة السودانية، وأطلقت قنبلتين ضلتا طريقهما نحو هدفهما، حيث سقطت الأولى في منطقة المشتل حالياً، بينما سقطت الثانية في منزل زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، ولحسن الحظ لم تنفجر القنبلة، وقد اعتبر بعض الأنصار أن تلك كرامة.
وقد نجحت تلك الطائرات في تفادي الرادارات شمال وجنوب مدينة أم درمان باتخاذ مسار منخفض ومتعرج، حيث أمكن لبعض المارة أن يشاهدوها بوضوح كامل.
بعد ذلك بقليل شنت الطائرات الإثيوبية في العام 1983غارات على مناطق حدودية داخل الأراضي السودانية، وعند اعتراض السودان رد نظام منقستو بأنه يطارد متمرديه.
ولعل قليلين يذكرون الطيار الإثيوبي الهارب بطائرة (MI-23) الذي نجح في الإفلات من الرقابة الإثيوبية، وتفادى الدفاعات السودانية وهو يسعى للحصول على لجوء سياسي من الخرطوم أو غيرها، ولكن عطلاً فنياً أسقط طائرته في بحيرة خزان خشم القربة، وقد مثل ذلك صدمة كبيرة لإثيوبيا وحلفائها الروس، فقد كشف جانباً من تقنيتها العسكرية للخرطوم وحلفائها في واشنطون.
عهد جديد
وبوصول الجبهة الإسلامية إلى الحكم في السودان في يونيو 1989م، تدهورت علاقات أمريكا بالسودان، فأدرجته عام 1993 على لائحة الدول الراعية للإرهاب، وكثفت عليه الضغوط السياسية والأمنية ثم العسكرية، ومنذ ذلك الوقت بدأ عهد جديد من الغارات عبر صواريخ كروز والطائرات المقاتلة، سواء أكان عبر الولايات المتحدة أم عبر حليفتها إسرائيل وبتنسيق كامل معها.
كانت أول ضربة عسكرية تعرض لها السودان في الثاني والعشرين من أغسطس 1998 حينما قصفت الولايات المتحدة بصواريخ كروز مصنع الشفاء للأدوية في العاصمة السودانية.
وزعمت واشنطن حينها أنه ينتج أسلحة كيميائية, وتحديداً غاز الأعصاب (في أكس), كما ادعت أن له صلة بتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. وجاء القصف الأمريكي لمصنع الشفاء بعد الهجومين اللذين تعرضت لهما السفارتان الأمريكيتان في نيروبي ودار السلام، واتهمت واشنطن تنظيم القاعدة بالتخطيط لهما وتنفيذهما.
وقد فندت التحقيقات المزاعم الأمريكية بشأن مصنع الشفاء الذي يمتلكه رجل الأعمال السوداني صلاح إدريس، مؤكدة أنه ينتج فقط الأدوية البشرية والبيطرية مما يوفر ثلثي استهلاك السودان منها.
قصف السوناتا
ورغم أن السودان لا يرتبط بحدود مباشرة مع إسرائيل, فإن الطائرات الحربية الإسرائيلية استهدفته بأربع غارات على الأقل خلال ثلاث سنوات.
ففي الخامس من إبريل 2011 قصف الطيران الإسرائيلي سيارة قرب مطار بورتسودان على ساحل البحر الأحمر في منطقة (كدنايب) مما تسبب في مقتل سودانيين كانا على متنها.
ونفت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) حينها مزاعم إسرائيلية بمقتل القيادي عبد اللطيف الأشقر المتهم إسرائيلياً بتهريب السلاح إلى غزة.
وقد كشفت الحكومة السودانية النقاب عن تفاصيل جديدة بشأن الغارة وشرعت في تنفيذ حملة دبلوماسية وسياسية واسعة النطاق لحشد إدانة دولية للعدوان مؤكدة تورط إسرائيل في الهجوم الجوي الذي أسفر عن مقتل مدنيين معلنة إجراءات أمنية جديدة لضمان عدم تكرار العدوان على شرق البلاد. وأكدت الخارجية السودانية أن الهجوم على بورتسودان تم بوساطة طائرتين إسرائيليتين من نوع أباتشي A64-AH أمريكية الصنع استهدفتا سيارة هيونداي (سوناتا) على بعد (15) كيلومتراً جنوب مدينة بورتسودان ودمرت السيارة تدميراً كاملاً وتفحمت جثتا الشهيدين أحمد جبريل وعيسى هداب.
رواية رسمية
وأشارت الخارجية في بيان لها إلى أن الطائرتين أطلقتا 16 صاروخاً من نوع هيل فاير hell fire وAGM 114 ورشاشات أمريكية من طراز (30) ملم و(230) ملم و(16) وقد وجدت في مكان الحادث ثلاثة صواريخ لم تنفجر وعدداً كبيراً من القذائف المضادة للدبابات والبشر. وأكدت أن نوعية الأسلحة والصواريخ المستخدمة في الهجوم تعزز الاتهام بتورط إسرائيلي في الهجوم مشيرة إلى أن هذا النوع من طائرات الأباتشي أمريكية الصنع لا يملكها في كل المنطقة إلا سلاح الجو الإسرائيلي. واخترقت الطائرتان مجال الطيران المدني بالسودان قادمتين من اتجاه البحر الأحمر وبلغتا هدفيهما بعد أن قامتا بالتشويش على أجهزة الرادار في المنطقة.
وقالت المصادر إن قصف السيارة تم بواسطة طائرة بدون طيار من نوع (شوفال) التي باستطاعتها الوصول إلى مسافة تقارب أربعة آلاف كيلومتر دون التزود بالوقود، كما تبلغ حمولتها نحو طن.
أبعاد متعددة
وبالنظر للحادثة الأخيرة فإنها تحمل الكثير من الرسائل على -المستويات السياسية –والعسكرية—والأمنية-- بحق الخرطوم والمنطقة، ويرى وزير الدفاع الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين أن الحادثة ذات أبعاد عسكرية وأمنية وسياسية، والجزء السياسي منها كبير جداً كما أن الجزء الأمني فيها لا يقل عن ذلك والجزء العسكري ليس كبيراً ولكنه جزء مهم، والإجراءات العسكرية من الممكن أن تصعب العملية العسكرية ولكن بكل تأكيد لا تمنعها، وقال: نحن الآن إجراءاتنا التي سنتخذها عسكرياً هي إجراءات تصعّب تكرار مثل هذه العملية بقدر الإمكان. المياه الدولية على بعد 12 ميلاً بحرياً فقط من بورتسودان وهي تزخر بالسفن والقطع البحرية لأكثر من 17 دولة بما فيها الوجود الإسرائيلي والغربي المكثف. ويضيف أيضاً أن هذه الأساطيل موجودة على ساحل البحر الأحمر. ويضيف أن الإجراءات تصعب المهمة العسكرية، في ظل مياه دولية على بعد 12 كيلومتراً فقط من الساحل، وهو يمتد لقرابة 750 كيلومتراً.
قصف الزوارق
وفى الثاني عشر من يناير من العام 2009 تعرض 17 صياداً سودانياً على متن أربعة قوارب للصيد بالبحر الأحمر إلى قصف قاتل، بمنطقة تلاتلا في المنطقة الواقعة شرق طوكر وجنوب سواكن، وهي على بعد 100 كليومتر تقريبًا جنوب ميناء بورتسودان، مما قاد إلى وفاة أحدهم وفقد آخر. والشمس تجري لمستقر لها، وخيوطها الذهبية تلامس موج البحر الأحمر برفق، انطلقت أربعة قوارب للصيد في رحلة العودة محملة بصيد وفير، وأمل كبير في الربح.. لم يلتفت الصيادون للمركب الراسي، الذي كان يعتليه يمنيون وصوماليون، تذمر كبير الصيادين ورمق القارب الغريب بتوجس، ووصل تبرمه إلى بقية الصيادين وهو يسب الغرباء الذين يتسللون إلى المياه الإقليمية السودانية ويسرقون ما يجود به البحر. ودون سابق إنذار ظهرت بارجة أمريكية مزقت سكون البحر بقذائفها التي ضربت قوارب الصيد دون تمييز أو رحمة، مما دفع الصيادين للنزول إلى الماء والاحتماء بقواربهم التي لم تلبث أن بدأت تتطاير وتتناثر شظاياها بفعل وطأة القذف، تناثر الصيادون وظنوا أنهم أصبحوا في كنف (عزرائيل). أسدل الليل سكونه ولم يعد أحد يتبين شيئاً، تجمع الصيادون قليلاً قليلاً، وتفقدوا بعضهم فوجدوا أحدهم قد فارق الحياة، بينما فقد آخر.
وقال مدير المصائد البحرية بمدينة سواكن؛ هجو فضل الله محمد، إن (4) قوارب صيد تقليدية تابعة لإدارته تعرضت إلى إطلاق نار مكثف من مجهولين في المياه الإقليمية السودانية حيث أدى الحادث إلى مصرع صياد واحد وفقدان آخر، مشيراً إلى أن من بينها قارباً يمنياً يحمل عشرة صوماليين اخترق المياه الإقليمية السودانية بطريقة غير شرعية وتعرض لإطلاق النار ضمن بقية القوارب.
غارة متزامنة
وبشكل متزامن مع الغارة السابقة قام سلاح الجو الإسرائيلي بقصف قافلة سيارات قالت مصادر مقربة من إسرائيل إنها كانت تحمل أسلحة إلى قطاع غزة. وقالت الحكومة السودانية إنها تعود لمهاجرين سريين تعودوا عبور المناطق المحاذية للحدود مع مصر. وقد أدى الهجوم إلى تدمير (16) عربة تهريب كانت في طريقها إلى الحدود المصرية السودانية احترقت في منطقة (أوكو قباتيت) بمحلية جبيت المعادن على بعد 280 كلم شمال غربي مدينة بورتسودان.
لم يمض وقت طويل لتعاود الطائرات تحليقها وتنفذ غارة على قافلة جديدة من السيارات بالقرب من ذات المنطقة، وقال أحد قيادات قبيلة الرشايدة؛ مبروك مبارك سليم، إن قافلتين قد تم استهدافهما بشرق السودان من قبل غارتين للطائرات الأمريكية، الأولى في الثاني عشر من يناير والثانية في الحادي عشر من فبراير من العام 2009 بحجة أنها قوافل أسلحة ومتجهة إلى قطاع غزة. وأضاف مبروك بعد تنفيذ العملية بشهرين، أن الغارات استهدفت عدداً من السيارات في منطقة تقع بين (جبل صلاح) و(جبل شعنون) كانت تخص جماعات تهريب وإتجار بالبشر، نافياً أن تكون تلك قوافل سلاح، وأشار إلى أن ما عثر عليه كان (13) بندقية خفيفة (كلاشنكوف وجيم) تستخدم للحراسة الشخصية للقافلتين.
تفاصيل العملية
وقد أكدت مصادر أمنية إسرائيلية قيام سلاح الجو بتنفيذ الغارة، بحجة أن القوافل كانت تنقل أسلحة من إيران إلى حركة حماس في قطاع غزة لدى مرورها في أراضي السودان قبل حوالي شهرين. وكشفت المصادر الإسرائيلية عن تفاصيل هذه الغارة لمجلة (تايم) الأمريكية مشيرة إلى أن العشرات من الطائرات المقاتلة والطائرات بدون طيار شاركت في هذه العملية التي جرى التخطيط لها خلال أيام معدودة فقط وذلك بعد وصول معلومات استخبارية إلى "الموساد" عن قافلة الشاحنات المزعومة. وذكرت تلك المصادر: «أن هذا الهجوم هو بمثابة تحذير موجه للجميع ويظهر قدرة إسرائيل الاستخبارية وعزمها على تنفيذ عمليات عسكرية بعيداً عن حدودها من أجل الدفاع عن نفسها». وبحسب التقرير فإن طائرات "إف16" قامت بقصف القافلة التي كانت تتألف من 23 شاحنة، في حين قامت طائرات "إف 15" بتوفير الغطاء لها في حال قيام طائرات سودانية أو من دول أخرى بمهاجمتها. وبعد شن الهجوم، قامت طائرات بدون طيار بالتحليق فوق مكان الهجوم وتصوير الشاحنات المحروقة. وعندما تبين أن الإصابات كانت جزئية، قامت طائرات "إف 16" بقصفها مرة أخرى. وبحسب عناصر الأمن الإسرائيلي فإن القافلة كانت تحمل 120 طناً من الوسائل القتالية الإيرانية، بينها صواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ من طراز "فجر 3" التي يصل مداها إلى 40 كيلومتراً، ويحمل الصاروخ رأساً قتالياً تصل زنته إلى 45 كيلوجراماً. كما نفت المصادر ذاتها أن تكون طائرات أمريكية قد شاركت في الهجوم، الذي نفذ خلال ساعات الليل. وجاء أنه تم إبلاغ الولايات المتحدة بأن إسرائيل تنوي شن هجوم جوي على السودان. ونفت أيضاً صحة التقارير التي وردت عن قصف سفينة إيرانية وقافلة سلاح أخرى. وبحسب عناصر الأمن الإسرائيليين فقد نفذ هجوم واحد فقط.
لا خطوط حمراء
ويبدو أن الغارات الإسرائيلية على شرق السودان تأتي في سياق الوضع الجديد الناشئ بعد حرب غزة الأخيرة، الذي تميز بإطلاق إسرائيل يدها لتغتال من تراهم أعداء لها في أي مكان وزمان دون اعتبار لسيادة الدول.
وبما أن السودان مصنف إسرائيلياً وأمريكياً على أنه صديق لقوى المقاومة الفلسطينية ومنها حماس, فكان عليه أن يدفع الثمن غالياً من سيادته واستقراره. وإن صحت التقارير الإسرائيلية بأن قصف بورتسودان الأخير كان يهدف لاغتيال الأشقر الذي يوصف بخليفة محمود المبحوح (القيادي الذي اغتاله الموساد الإسرائيلي في دبي)، فإن ذلك يعني أن السودان ومواطنيه باتوا عرضة للاستهداف الإسرائيلي لمجرد الاشتباه.
ويبدو أن ضعف يد الحكومة السودانية، وصمت الدول العربية، وازدياد النفوذ الإسرائيلي في الشرق الإفريقي وفي منطقة البحر الأحمر, كلها عوامل تشجع إسرائيل على التمادي دون خطوط حمراء.
غارات تشادية
لم تكن الغارات تأتي باتجاه الشرق فقط، بل أن الغرب شهد غارات أخرى وإن كان تأثيرها أقل نسبياً، وقد عرف الإعلام أربع غارات منها، تراوحت بين أول غارة في مطلع إبريل من العام 2008 على منطقة بيضة بولاية غرب دارفور وانتهاء بالهجوم الأشهر على هذه الجبهة في السادس عشر من مايو من العام 2009م، حيث توغلت الطائرات التشادية داخل الأراضي السودانية لتقصف منطقة جبل سندو جنوب الجنينة، بعد أن توغلت على بعد 60 كلم داخل الحدود السودانية. وقد كانت هذه الغارة بمثابة الغارة التشادية الرابعة داخل الأراضي السودانية، وقالت الخرطوم في بيان مقتضب "إن طائرتين تشاديتين شنتا غارات على مناطق تقع على بعد 60 كيلومترًا داخل السودان عند العاشرة والنصف صباحاً". من جهته أكد المتحدث باسم حكومة إنجمينا؛ محمد حسيني، أن بلاده ترى أن من حقها التعامل مع هجمات يشنها مسلحون من داخل حدود السودان. وقال: "هذه هي العواقب المنطقية لهجمات المتمردين، لاحقناهم إلى داخل الأراضي السودانية".
رائحة تل أبيب
لم يتوقف الأمر عند محطة باريس، بل مضت بعض المصادر السودانية المطلعة إلى أن تشاد وجهت عدوانها العسكري الجوي إلى الأراضي السودانية بإيعاز من "إسرائيل" مستكملة بذلك المخطط الدولي الذي يستهدف السودان.
ونفت المصادر أن يكون سبب الغارات التي شنتها تشاد على الحدود السودانية هو امتعاض تشادي من التمرد الحدودي. وقالت المصادر: "إن القيادة التشادية ما كان لها أن تهاجم السودان إلا بإيعاز من أجهزة الاستخبارات "الإسرائيلية" التي توجد بكثافة داخل الأراضي التشادية".
رادارات محدودة
ووفقاً لمحللين عسكريين فإن ثمة ثغرات واضحة في تغطية الرادارات السودانية، ويشرحون كيفية عمل الرادارات بالقول أنها تعمل بنظام دوائر متصلة، بحيث يسلم الرادار للدائرة التي تليه، عبر نظام مربوط بأجهزة الحاسوب. أما على مستوى جهاز الرادار نفسه فإنه يكون محمياً بمدافع 100 ملم تعمل بطريقة أوتوماتيكية في إطار منظومة التشغيل ككل، ويضيفون أن هناك دائرة أخرى لتأمين الرادار عبر حراسته بمدافع مضادة للطائرات، ويزيدون أن الغارة الإسرائيلية الأخيرة تكشف بجلاء عن وجود خطأ تأميني، جعل الأجواء السودانية مستباحة.
غير أن وزير الدفاع السوداني؛ عبد الرحيم محمد حسين، يشدد على أن الأجواء السودانية ليست مستباحة، ويستدرك أن التغطية التي يملكها السودان عبر راداراته تغطي الأجواء العليا، ويكشف حسين عن أن الرادارات السودانية تعمل بقدرات محدودة على ارتفاع 1000 متر فما دون، وهو أمر يجعل أية طائرة تطير أسفل هذا الارتفاع بمنأى عن الرصد، إلا أن وزير الدفاع يؤكد أن ما حدث من غارات كان حالات استثنائية، فعندما تكون الدولة في حالة حرب يستوجب عليك أن تكون في حالة استعداد وحماية، لكن ما حدث حالة استثنائية. ويزيد أيضاً أن الوضع يسهل هجوم الأعداء ويصعب علينا دور الحماية، وعندما تنظر إلى التقانة الموجودة لدى إسرائيل وأمريكا وبريطانيا وفرنسا بالإضافة إلى كمية العلوم الموجودة عندهم والتقنيات الحديثة وأنواع الأسلحة التي يمتلكونها إلى جانب التعاون والتنسيق الكبير بين إسرائيل وبين هذه الدول؛ فكل هذا يجعل مهمتنا صعبة.
ويضيف خبراء عسكريون أنه يمكن تجاوز الرادارات بعدة طرق، أبرزها إطلاق صفائح معدنية أو ما شابه ذلك، أو عبر التحليق بارتفاعات منخفضة، أو عبر إطلاق موجات إلكترونية تقوم بالتشويش اللازم.
من جهة أخرى يقول قائد سلاح الجو الإسرائيلي الأسبق؛ إيتان بن إلياهو، إن السودان بصفة عامة وبالتحديد معظم أراضيه لا تغطيها دفاعات رادارية، لذا فإنهم لا يعرفون أنك قادم إلى مناطق صحراوية نائية، وأضاف في تصريحات صحفية لإذاعة الجيش الإسرائيلي "من المؤكد أن القوات الجوية الإسرائيلية قادرة على تنفيذ غارات جوية تتضمن قطع مسافة 1400 كيلومتر ذهاباً وإياباً للوصول إلى السودان، لا سيما إذا كان الممر الجوي خالياً فوق البحر مثلاً فسيكون الأمر أسهل ويمكن إعادة تزويد الطائرة بالوقود في الجو".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.