والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودان في مذكرات كوندليزا رايس
نشر في السوداني يوم 11 - 05 - 2014

اتساقا مع ما درج عليه الرؤساء، ووزارء الخارجية في الإدارات الأمريكية المختلفة، أصدرت كوندليزا رايس أول امرأة سوداء في تاريخ أمريكا تتقلد منصبي مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية مذكراتها بعد مضي ثلاث سنوات على مغادرتها كرسي الوزارة في فوقي بوتوم بواشنطون. سبقها في إصدار المذكرات من طاقم الإدارة، الرئيس بوش ونائبه ديك شيني الذي هاجمها في كتابه منتقدا أداءها عندما كانت تتقلد منصب مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي. خرج الكتاب إلى السوق في نوفمبر 2011 عن دار نشر شركة سايمون أند شوستر البريطانية العريقة تحت عنوان: (لا شرف أعلى). وهذه المذكرات، وإن غلب عليها الطابع الروتيني في تسجيل الوقائع وشرح ملابسات الأحداث والقرارات التي شاركت فيها، فهي أيضا تسلط الضوء على رحلة مواطنة أمريكية نشأت في مدينة برمينجهام في ولاية ألباما، حيث عاصرت جزءا من مشاهد الاضطهاد العرقي ضد السود في الجنوب الأمريكي، وكذلك رأت تمظهرات وانتصارات حركة الحقوق المدنية. برزت رايس في مسيرتها التعليمية في إطار برامج التمييز الإيجابي لإيجاد فرص تعليمية أفضل للأقلية السوداء في أمريكا. وتدرجت في مسار الترقي والتميز الأكاديمي حتى درجة الأستاذية في جامعة أستانفورد في مدينة باولو ألتو في ولاية كاليفورنيا. نسبة لتخصصها في مجال الدراسات والشؤون السوفيتية اختارها أسكوكروفت مستشار الأمن القومي للرئيس بوش الأب لتعمل ضمن طاقم إدارته مسئولة عن ملف الاتحاد السوفيتي وأوروبا. وأصابت قدرا من النجاح عندما ساهمت إدارة بوش في تفكيك الاتحاد السوفيتي، وإنهاء الحرب الباردة، وتوحيد الألمانيتين، وإطلاق موجة الديمقراطية في منطقة شرق أوروبا. نسبة لعلاقتها الوطيدة مع الرئيس بوش الأب، وجه اليها الدعوة لزيارة منزل الأسرة لمقابلة حاكم تكساس حينها بوش الابن الذي كان يفكر في الترشح للرئاسة. وظلت من يومها ضمن الدائرة الضيقة التي يثق فيها بوش الابن، لذا لم يكن غريبا أن يوكل اليها منصب مستشار الأمن القومي في فترة رئاسته الأولى، ومنصب وزير الخارجية في فترته الثانية.
كانت رايس تدرك منذ اليوم الأول لرئاسته اهتمامه المبكر بقضية السودان نسبة للضغوط الموجهة من قواعد اليمين الديني التي تمثل جزءا كبيرا ومؤثرا من قاعدته السياسية لا سيما مجموعة الكنائس الإيفانجليكية. و أعرب لها الرئيس بوش عن رغبته في دفع عملية السلام في السودان لإنقاذ المسيحيين المضطهدين في الجنوب، من عسف العرب المسلمين في الشمال حسب وصفها. لذا جاءت رايس إلى المنصب وهي تحتقب قدرا من التحيز ضد الحكومة السودانية، زادها في ذلك أكثر، موقف جوانداي فريزر المساعد الخاص في البيت الأبيض للشؤون الأفريقية التي تضمر مواقف عدائية حادة ضد السودان.
اختارت كوندليزا أن تؤدي عملها في البيت الأبيض وفقا لفلسفة أسكوكروفت مستشار الأمن القومي السابق الذي فضل أن يعمل منسقا بين الوكالات الأمريكية المختلفة وأن يمثل وجهة نظرها بحيادية أمام الرئيس. اختارت هذا الأسلوب، مقابل مدرسة أخرى يمثلها هنري كسينجر الذي فضل أن يوجِد مركز قوة موازيا بدلا عن الدور التنسيقي ،عندما تقلد المنصب في عهد نيكسون.
وفقا لهذا النهج كانت كوندليزا تواجه الضغوط من الوكالات المختلفة، لا سيما عندما اشتعل الخلاف بين وزارتي الدفاع والخارجية، أو بين كولن باول ودونالد رامسفيلد. ولما استحال التعايش بينهما اضطر الرئيس بوش إلى التضحية بكولن باول، والاحتفاظ برامسفيلد لضرورات الحرب في العراق وأفغانستان. وبمقارنة بسيطة كما تقول رايس، فأن ميزانية البنتاغون تمثل خمسين ضعفا من ميزانية وزارة الخارجية. وإذا كان عدد دبلوماسيي وزارة الخارجية 57 ألفا فأن عدد الموظفين المدنيين فقط في وزارة الدفاع 750 ألفا. لذا فإن كفة وزارة الدفاع دائمة الرجحان في أي صراع مع وزارة الخارجية. ولكن الأغرب كما تكشف هذه المذكرات، فإن رؤية بوش لاستخدام القوة العسكرية ضد السودان لم تعترض عليها وزارة الخارجية كما هو متوقع، بل عارضتها وزارة الدفاع.
وأنا أطالع هذه المذكرات تذكرت ذلك المشهد الدرامي في الطابق السابع في وزارة الخارجية الأمريكية يوم 11 سبتمبر عام 2006 بين جونداي فريزر مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية وبين وزير الخارجية الأسبق د. لام أكول، وهما خارجان للتو من اجتماع مع وزيرة الخارجية كوندليزا رايس. كانت جونداي فريزر تصرخ في وجه لام أكول وتهدده بطريقة لا تمت إلى الدبلوماسية بصلة وذلك في رد فعل لرفضه تسليم كوندليزا خطابا رئاسيا من الرئيس البشير إلى الرئيس الأمريكي بوش الابن، مشيرا إلى أنه غير مخول بتسليم الخطاب إلى اي مسئول آخر. كانت رايس قد استقبلت وزير الخارجية السوداني بشيء من الفتور، وابتدرت الحديث بنبرة هجومية وتجريمية ضد السودان. وعندما بدأ د. لام أكول في الرد قاطعته بطريقة جعلته يحتج على الأسلوب غير الديمقراطي. ومن ثم اعتدلت واقفة في إشارة إلى انتهاء الاجتماع. وما إن خرج د. لام أكول من مكتب رايس حتى تجهمته مساعدتها جونداي التي قالت متوعدة إن القطار الأمريكي قادم في الطريق، وسيكسر عظام السودان إذا لم يستجب للمطالب الأمريكية دون تلكؤ. تصرف د. لام أكول بما يليق بالموقف الحرج، حيث حافظ على هدوئه مستدعيا كل خبرته الدبلوماسية وحنكته السياسية، حتى خرج من مبنى الخارجية الأمريكية. وعلق بعد ذلك ضاحكا أن نساء أمريكا (الفاتيات) تحرشن به سياسيا، و لولا مسئوليته كوزير لتصرف بطريقة تشفي غليله كرجل أفريقي إزاء تهجم أمرأة أجنبية تصرخ في وجهه.
هذا الموقف عبر بطريقة رمزية مختزلة عن مشاعر العداء السياسي والشخصي الذي تكنه كل من كوندليزا رايس ومساعدتها جنداي فريزر للسودان. كانت (جونداي) ومنذ عملها كمساعد خاص للرئيس بوش في البيت الأبيض للشؤون الأفريقية تعمل جاهدة عبر مكنزمات الإدارة لاتخاذ خطوات متشددة ضد السودان. وكادت أن تبلغ قمة نجاحها عندما أصدر الرئيس بوش أوامره عام 2006 بإعداد خطة للتدخل العسكري في السودان. ولكن اعتراض البنتاغون حينها على أي تدخل عسكري في بلد مسلم آخر، تنعدم فيه أي مصلحة حيوية لأمريكا أجبر بوش على التراجع عن قراره واستبدله بحزمة من العقوبات السياسية والاقتصادية القاسية ضد السودان.
(مرحبا كوندي.. شكرا أمريكا).. كانت هذه بعض الشعارات التي رفعها الأطفال والنساء في معسكر أبوشوك بالفاشر ترحيبا بزيارة كوندليزا رايس إلى دارفور في شهر يوليو 2005. وعندما شق موكبها الطريق إلى معسكر أبوشوك تتقدمه سيارات الحماية وصافرة النجدة السودانية. كان كل شيء معدا بإحكام. ترجلت من السيارة وتدافع نحوها الأطفال، وتفقدت مركزا نسائيا لصناعة المعجنات اليدوية كان يتكاثر حوله الذباب. ضحكت في سرها لأن هذا الإنتاج إذا قصد منه التصدير فلن يجتاز أدنى المعايير الصحية. وذهبت إلى خيمة منصوبة في ساحة المعسكر، ووجدت عشر نساء في صحبتهن عدد من منسوبي المنظمات الطوعية. وبدأن بانتظام في حكاية تعرضهن للاغتصاب بواسطة الجنجويد. تكاد تكون ملامح القصة واحدة، حيث روت كل واحدة منهن ذات التفاصيل. (خرجت لجمع حطب الوقود في الصباح. هاجمني عدد من الرجال الملثمين، ورموني أرضا وبدأوا في نزع ملابسي.. . و.. . ) ثم تنخرط في موجة من البكاء. فيربت منسوبو المنظمات على كتفهن تعاطفا. فتقول رايس هازة رأسها، نعم.. . نعم.. فهمت، لا داعي لإكمال القصة. في هذا المسرح المفتوح، تختلط الحقائق بالأكاذيب. كانت الدراما هي سيدة الموقف،لأنه لا توجد معايير لمعرفة الضحية الحقيقية من التي تم تلقينها لتؤدي هذا الدور أمام وزيرة خارجية أقوى دولة في العالم. خرجت رايس من هذه الزيارة وهي أثقل صدرا تجاه السودان، لتتبنى إصدار قرار من مجلس الأمن حمل الرقم 1820 في العام 2008، الذي أكد أن الاغتصاب يعتبر جريمة حرب.
لم تنته دراما زيارتها إلى دارفور عند هذا الحد، بل عمدت رايس إلى خرق بروتكول الزيارة إلى دارفور، حيث كان من المفترض أن تلتقي بالوالي عثمان كبر بمكتبه. ولكن كما جرت العادة دائما من الجانب الأمريكي، اعتذر السفير نسبة لضيق الوقت. واعترفت رايس في مذكراتها أنها لم تكن تريد أن تكرس لشرعية الوالي من خلال مقابلته، وبينما هي تهم بركوب طائرتها في مطار الفاشر، اقترب منها رئيس طاقمها الأمني، مشيرا إلى أن الوالي يود مقابلتها في غرفة الاستقبال بالمطار. وكان رأيه ألا تتم المقابلة لأنه لم يتم تفتيش غرفة المقابلة. وافقت رايس على المقابلة على مضض شريطة ألا تتعد دقائق معدودة. ذهبت إلى غرفة الاستقبال بالمطار ورئيس طاقمها الأمني يكاد يحيط بها من كل جانب. وحسب روايتها فوجئت بوجود ما يقارب الخمسين رجلا مع الوالي يحملون العصي ويعتمرون العمائم البيضاء، ويهتفون (الله أكبر). واختزلت رايس في روايتها طبيعة النقاش السياسي الذي تم بينهما، وذكرت فقط أن الوالي قدم لها هدايا في صناديق أثارت شكوكها لاحتمال زرع قنبلة في احداها. شبيه بذلك ما ذكرته وزيرة الخارجية الأسبق مادلين ألبرايت التي ذكرت في كتابهاMighty and Almighty (الجبروت والجبار) أنها أمتنعت عن تناول مشروب الضيافة مع الرئيس البشير خوفا من أن يكون مسموما.
ولا تكاد تخلو زيارة مسئول أمريكي إلى دارفور من الدراما السياسية. ففي زيارة وزير الخارجية الأسبق كولن باول في نهاية شهر يونيو 2004، طلب منه والي ولاية شمال دارفور مقابلته في المطار، فاعترض ميلنغتون القائم بالأعمال حينها على المقابلة. فتحدث وزير الخارجية مصطفى عثمان مع باول الذي صحبه في طائرته من الخرطوم إلى الفاشر، فوافق على الفور وتوجه إلى صالة الاستقبال بمطار الفاشر. وحينها صرخ ملينغتون بصورة درامية (إنكم تختطفون وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية). فهدأ السفير الخضر هارون القائم بالأعمال بواشنطون من روعه.
وشبيه بهذا ما حدث لروبرت زويلك نائب وزير الخارجية الأمريكي في منطقة شعيرية يوم 10 نوفمبر 2005. أراد زويلك أن يلتقي بالنازحين، فأصر المعتمد على مرافقته. ولما رفض زويلك مؤكدا أنه لا يثق في حكومته وأنه يريد أن يسمع شكاوي النازخين مباشرة دون مرافق حكومي. ساعتها أحس المعتمد بالإهانة، فتمسك برفضه واعترض طريقه. فقال له زويلك اعطني اسمك وسأشكوك إلى الرئيس البشير. فقال له المعتمد غير آبه : أنا البشير هنا.
كانت رايس أول مسئول أجنبي كبير يستقبله قرنق كنائب أول لرئيس الجمهورية في مكتبه بالقصر الجمهوري، ووصفت اللقاء بالحميمية والإيجابية، وأعلنت حزنها على وفاة قرنق بعد ذلك كقائد لشعبه في هذا المنعطف التاريخي المهم. بعد مقابلة قرنق بدأ نوع جديد من دراما زيارات المسئولين الأمريكيين إلى السودان. حسب الجدول الرسمي المعد، ستقابل رايس رئيس الجمهورية في بيت الضيافة. كان الجو مشحونا ومتوترا. الترتيبات البروتكولية كانت مختلة شيئا ما نسبة لضخامة الوفد الرسمي والإعلامي المرافق للوزيرة الزائرة. هناك روايتان لما حدث في بيت الضيافة. رواية الجانب السوداني، ورواية كوندليزا رايس في مذكراتها.
كما وصف الرئيس الروسي بوتين الدبلوماسية الأمريكية بسوء النية، بعد أن كشفت ويكيلكس التقارير الرسمية لسفارات واشنطون بالخارج، فإن مذكرات رايس تكشف كذلك سوء النية المضمر تجاه السودان. تذكرت رايس وهي تدلف إلى صالون الاستقبال لمقابلة الرئيس البشير ما قالته لها جونداي فريزر، وهي أن الرئيس البشير يتحدث الإنجليزية، ولكنه يتحول إلى العربية عندما يتخذ مواقف أكثر صعوبة. ونسيت رايس أن الحديث باللغة الرسمية للدولة هو من أوضح مظاهر السيادة. وعندما دخلت رايس على الرئيس البشير، حسب الرواية السودانية الرسمية، تدافع وفدها الرسمي والإعلامي للدخول، فتدخل أفراد الحراسة وحبسوا بقية الوفد في الخارج. وأثناء هذا التدافع سقطت الصحفية أندريه ميتشل على الارض وهي تكافح لتوجيه أسئلة للرئيس البشير، فوجه بقية الصحفيين كاميراتهم لتصوير المشهد باعتباره وثيقة ضد جلافة الحكومة. رغم سوء التقدير الذي لازم هذا الموقف، إلا أن الصحفية خرقت بروتكول الزيارة لأنها توجهت بعدة أسئلة للرئيس البشير قبل بدء الاجتماع في السانحة المتاحة لالتقاط الصور فقط. وبدأ مدير الإدارة السياسية في الرئاسة غاضبا ومشيرا إلى أن البيت الأبيض لا يسمح بدخول مثل هذا الوفد على الرئيس بوش. كانت ميتشل تبلغ من العمر 59 عاما عندما زارت السودان مع كوندليزا رايس في يوليو 2005. وكانت وقتها تتقلد منصب كبيرة المراسلين للشؤون الخارجية لقناة NBC. وحسب رواية ميتشل نفسها بعد ذلك، فإن شين ماكروماك الناطق الرسمي باسم الخارجية، ومسئولا سودانيا آخر تحدثا حول ضرورة تنظيم التغطية الإعلامية. الجانب السوداني أكد عدم توجيه أسئلة للرئيس. قال ماكروماك إنه سيبلغ الصحفيين الأمريكيين بذلك ولكن لا يستطيع أن يلزمهم لأن الصحافة في بلاده حرة. رد عليه المسئول السوداني بشيء من الحدة قائلا: لا توجد حرية صحافة للأمريكيين في بلادنا. سرعان ما التقطت الدوائر المعادية للسودان في واشنطون مشهد سقوط الصحفية على الأرض، وبدأت في بثه ونشره وتوزيعه على نطاق واسع. ولعل مما زاد الأمر تعقيدا هو الحديث الدائر عن أن ميتشل هي زوجة آلان قرين أسبان مدير مؤسسة الاحتياطي الفيدرالي واسعة التأثير والنفوذ.
أشارت رايس الى أنها دخلت إلى الاجتماع بشيء من الاشمئزاز، وهو ذات الإحساس الذي كان يبادله لها الرئيس البشير. وقالت إنها عندما اكتشفت عدم تمكن بعض أعضاء وفدها الرسمي من الدخول بما في ذلك السفير، رفضت بدء الاجتماع حتى ينضموا اليها. دخل الوفد يتقدمه بعض أفراد طاقم الحراسة. ومن ثم بدأت الاجتماع شاردة الذهن، ناقلة للحكومة السودانية رسالتها المعدة سلفا، وهي أن أمريكا تتوقع تعاونها مع الأمم المتحدة لوقف العنف ضد المدنيين في دارفور. لم تنقل رايس رد الرئيس البشير، وركزت على طريقة حديثه فقط التي وصفتها بالبطء والهدوء وكلمة أخرى غير لائقة. عندما صعدت إلى طائرتها متجهة إلى الفاشر، طلبت من سفيرها الاحتجاج لدى الحكومة السودانية ومطالبتها بالاعتذار جراء وقوع الصحفية أندريه ميتشل. قبل أن تحط طائرتها في مطار الفاشر كان د. مصطفى عثمان وزير الخارجية يبلغ اعتذاره لرايس عبر الهاتف.
قالت كوندليزا رايس إنها عندما غادرت موقعها في الخارجية لم تترك وراءها موضوعا مؤرقا للدبلوماسية الأمريكية أكثر من السودان.
لم تكشف كوندليزا رايس في مذكراتها شيئا جديدا عن علاقة بلدها بالسودان. وعمدت إلى تقديم روايتها للأحداث بطريقة تقريرية، واجتهدت أن تقدم رؤيتها بطريقة إنسانية وقيمية أكثر منها سياسية. وهو بعض أهداف نشر مثل هذه المذكرات، التي تقدم مبررات أخلاقية باردة لأحداث ساخنة بطريقة لا تخلو من التبسيط والاختزال والتجافي عن احترام ذكاء الآخرين. وبالتالي فأن ما كتبته رايس في مذكراتها عن السودان يفتقر في كثير من أجزائه إلى المصداقية الأخلاقية والصدقية السياسية، وهي بعض صفات إدارة بوش وسلوكها السياسي خلال الثماني سنوات التي تقلد فيها مسئوليات الرئاسة، مخلفا تركة مثقلة من الدماء والفشل الذريع وذلك بشهادة الأمريكيين أنفسهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.