تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر "تجاني كارتا" يزور الفنانة مروة الدولية في منزلها ويطالبها بالعدول عن قرار الاعتزال: (لن أتزوج ولن أكمل ديني لو ما غنيتي في عرسي)    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    حتى لا نخسر ما كسبناه    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فيما غابت مذابح (صبرا وشاتيلا) تدريس (محرقة اليهود) بمباركة وزارة التربية والتعليم السودانية (2-2)

تدريس (محرقة اليهود) بمباركة وزارة التربية والتعليم السودانية (2-2)
كتب: عطاف محمد مختار
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
طرحنا في الحلقة الماضية قضية تدريس مذبحة (الهولوكوست) ضمن مادة التاريخ لتلاميذ الفصل التاسع بمدرسة الاتحاد العليا بالخرطوم (UNITY HIGH SCHOOL)... مع عرض فيلم “Schindler's List “ (قائمة شندلر) الذي يحكي عن إنقاذ 1100 يهودي بولندي من القتل في المحرقة. بعض آباء التلاميذ قالوا إن الأمر أزعجهم خصوصاً عندما شعروا أن أبناءهم بدأوا يتعاطفون مع اليهود، باعتبار أن ماحدث لهم يعد اعتداء على حقوق الإنسان... تلميذة قالت لأبيها: "يا بابا اليهود ديل مساكين والله، واتعذبوا شدييييد، وإسرائيل دي ما بتستحق إننا نحاربها"... كلام هذه الطفلة ذكرني أنه لطالما استخدم الإسرائيليون (الهولوكوست) ذريعة يستدرون بها عطف الشعوب بحجة (معاداة السامية) للتغطية على جرائم إسرائيل... أحد الآباء قال لي إن المعلمة طلبت من التلاميذ أن يكتبوا في (الواجب المنزلي) عن اثنين من "انتهاكات حقوق الإنسان" التي يعتقدون أنها تتم في السودان، وبعث لي بورقة ال(Home work) التي تؤكد حديثه... أب آخر حدثني أن ابنته سألته: هل تحديد لبس معين للمرأة في السودان مثل (العباءة) ألا يعد انتهاكاً لحقوق الإنسان... الأب قال لابنته هل المعلمة الإنجليزية تلبس (عباءة أو تضع طرحة على رأسها)؟، فأجابت الابنة: لا؟... فقال لها الأب: هذه هي حريتها، فديننا الإسلامي يأمرنا بالاحتشام كمسلمين، ولكن لا يحجر على حرية غير المسلمين، ويأمرهم بالحجاب أو الحشمة؟.... الآباء تخوفوا من أن يكون هناك عملية (غسيل مخ) يتم لأبنائهم.
• توقفنا في الحلقة الماضية في سؤالنا لمدير المدرسة المستر "روبرت بولس": هل أجازت وزارة التربية والتعليم تدريس (الهولوكوست) للتلاميذ؟.... مستر "روبرت" اجاب: نعم أجازت وزارة التربية والتعليم تدريس (الهولوكوست) للتلاميذ، ولم تبدِ لنا أي ملاحظات عليه، فكما سبق وذكرت، الوزارة سنوياً ترسل لجنة مختصة لدراسة المنهج وتقييمه، وجامعة كامبردج هي التي تضع وتحدد المنهج سنوياً، الذي يؤهل لنيل شهادة (IGCSE).. سألته هل من الممكن أن يتم حذف جزء من المنهج إذا شعرتم أنه يتعارض مع المعتقدات السودانية؟.. قال لي: نعم.. فقد سبق وأن قمنا بتغطية صفحة من كتاب العلوم بها صورة عن التناسل بين الرجل والمرأة، وأخطرنا الوزارة بذلك، وقلنا لهم هل نحذف كذلك المادة، قالوا لنا لا واصلوا التدريس فيها، فحتى المنهج السوداني يتطرق لها.
بعدها استاذنني وتوقف عن الحديث، وطلب من الساعي منادات المستشار الأكاديمي للمدرسة المستر "ريتشارد وورز"، ومعلمة المادة ورئيسة شعبة التاريخ "ديان بيريسفورد"... ريتشارد أتى أولاً، ومن بعده أتت المعلمة ديان، التي تخوفت في بادئ الأمر من فلاشات كاميرا الزميل سعيد، وبدت على ملامح وجهها علامات التوجس والحذر، إلا أن المدير طمأنها بأنه لا توجد مشكلة في ذلك...
ردود ديان
المدير شرح ل(ريتشارد، وديان) خلفية الموضوع وبأني صحفي أبحث في الأمر... عقب ذلك سألت "ديان": من المؤكد أنك تعرفين طبيعة العلاقة بين العرب -مسلمين كانوا أو مسحيين - واليهود، فإسرائيل تستعمر فلسطين، فلماذا تقومون بتدريس مذبحة (الهولوكوست) للتلاميذ؟.. ديان أجابت: لنيل شهادة (IGCSE) يجلس طلاب الفرقة (11) للامتحان النهائي، وفي مادة التاريخ هناك سؤال إجباري حول (الهولوكوست) ودرجاته كبيرة، وإذا لم يجيب التلميذ عليه فسوف "يسقط في الامتحان"... وأضافت: مذبحة (الهولوكوست) التي راح ضحيتها (6) ملايين يهودي، موضوع من ضمن مواضيع شتى تتحدث عن انتهاكات حقوق الإنسان، ومنظمة الأمم المتحدة التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية في عام 1945، من أجل تنمية العلاقات الودية بين الأمم وتعزيز التقدم الاجتماعي، وتحسين مستويات المعيشة وحقوق الإنسان.... وتواصل ديان: لقد بدانا السنة الدراسية عن العدل والمساواة في أمريكا وما كان يحدث من انتهاكات لحقوق الأفارقة الذين كانوا يخطفونهم من بلادهم كي يجعلونهم (عبيداً) لهم، وأن (20) مليون إفريقي وقعوا في أسر العبودية... هنا قاطعتها وقلت لها: هل ينحصر تدريس الاستعمار حول أمريكا وحدها، وآلا يدخل الاستعمار البريطاني والأوربي ضمن المنهج؟... أجابت: بلى، هؤلاء أيضاً يدخلون ضمن المنهج فهم من المستعمرين، ولقد أخضعوا الشعوب واستغلوا كنوزها الطبيعية واستعبدوا الناس لصالح الدول الأوروبية، فالاستعمار قام من أجل استغلال خيرات الشعوب الضعيفة، فهو نهب وسلب منظم لثروات البلاد المستعمرة، فضلاً عن تحطيم كرامة شعوب تلك البلاد، والنقطة الجوهرية في هذا الموضوع هي أن جميع الناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وهذا مانود أن نعلمه للتلاميذ.
بعد حديث ديان، دخل المكتب الأستاذ سيف مدرس مادة التاريخ في المدرسة... وسبق أن طلب المدير من (الساعي) مناداته للمشاركة في الحوار...
قلت للأستاذة ديان: مقابل تدريس (الهولوكوست) للتلاميذ، هل تدرس القضية الفلسطينية والانتهاكات التي يقوم بها اليهود الصهاينة تجاه الفلسطينيين ضمن المنهج؟... توقفت "ديان" لبرهة وقالت: هناك بعض التلاميذ كتبوا عن القضية الفلسطينية وعن الصراع... هنا قاطعتها وقلت لها: عفواً أستاذة ديان سؤالي واضح، هل تدرس القضية الفلسطينية والانتهاكات التي يقوم بها اليهود الصهاينة تجاه الفلسطينيين ضمن المنهج؟
أجابت: المقرر يتحدث عن الاستيلاء على الجولان... قلت لها: لكن (الجولان) أراضي سورية، أنا أعني فلسطين المحتلة... قالت: نعم، هناك حديث عن قطع المياه عن غزة.
قلت: ألم يتطرق المقرر مثلاً لمذبحة (صبرا وشاتيلا) – هذه المذبحة هزت العالم، إذ قتل فيها الإسرائيليون الآلآف من الفلسطينيين العزل "نساءً وأطفالاً وشيوخاً" بدم بارد، حتى السلاح الأبيض استخدم فيها لذبح المئات منهم، ووثقتها جميع وسائل الإعلام العالمية والصليب الدولي- ؟
أجاب الاستاذ سيف؟... لا، لا توجد في المقرر.
قالت ديان: لكن المنهج تطرق للمسلمين الصرب الذين قتلوا بواسطة ضخ الغاز السام في الغرف، وتطرق "للهولوكوست الإفريقي".... وهناك بعض الأطفال متعاطفين مع الفلسطنيين جداً، بعضهم كتب عن فلسطين، ولماذا يأخذ الاسرائيليون أرض أطفال فلسطين...
سألت ديان: لماذا تم عرض فيلم “Schindler's List “ على التلاميذ؟... وهل يدخل عرض الفيلم ضمن المقرر... وهل تم أخذ إذن الآباء بعرض الفيلم على أبنائهم؟
قبل التطرق لإجابة "ديان" عزيزي القارئ، لنأخذ لمحة صغيرة عن فيلم “Schindler's List “ أو (قائمة شندلر).. الفيلم يحكي قصة "أوسكار شندلر" وهو ألماني مسيحي أنقذ 1100 يهودي بولندي من القتل في المحرقة، بالاستناد إلى كتاب (قائمة شندلر)، وأخرجه "ستيفن سبيلبرغ" وحاز الفيلم على سبع جوائز، واحتل المرتبة التاسعة ضمن قائمة المعهد السينمائي الأمريكي لأفضل مائة فيلم على مر العصور.
ديان أجابت: الفيلم تم عرضه لأنه ضمن المقرر، وهناك أسئلة عديدة يطرحها المقرر حول الفيلم، وقد طلبت من التلاميذ إخبار آبائهم وأخذ الموافقة منهم، وفي اليوم التالي أجابني جميعهم بالموافقة.
لسنا أغبياء!
سألت "ديان": هل سبق أن طلبت من التلاميذ ضمن (الواجب المنزلي) أن يتحدثوا عن الانتهاكات التي تحدث في (السودان)؟
قالت: في (السودان) لا.
هنا تدخل المستشار الأكاديمي للمدرسة المستر "ريتشارد وورز" في الحديث بقوله: منهج المدرسة منهج عالمي، يهتم في المقام الأول بتنمية وتطوير عقلية ونفسية التلميذ، والبيئة التي نشأ فيها، ويهدف المنهج إلى أن ينمو التلميذ بصورة متطورة، ولا يمكن أن ندخلهم في مثل هذه الأشياء.. وأضاف: أنا عملت في أكثر من 11 دولة حول العالم، والأستاذة "ديان" كذلك، ونفهم طبيعة البلدان، ونراعي البيئة التي نشأ فيها التلميذ.
قلت لهما: لكن أحد الآباء قال لي إن إحدى المعلمات طلبت من التلاميذ أن يكتبوا في (الواجب المنزلي) عن اثنين من "انتهاكات حقوق الإنسان" التي يعتقدون أنها تتم في السودان...!
قال لي مستر "ريتشارد" بلهجة حادة: We are not stupid (نحن لسنا أغبياء)!... لنقوم بمثل هذا الفعل.
وتدخلت "ديان" بالقول: لقد طلبت منهم في (الواجب المنزل)، كيف يمكن أن تنتهك حقوق الإنسان؟ مع اختيار 2إلى 3 مواد من ميثاق الأمم المتحدة، وإيراد مثالين من دول العالم يمكن القول أنها انتهاكات قد حدثت فيها.
فجأة قامت "ديان" من الكرسي الذي تجلس عليه، وتوجهت نحو طاولة المدير، وأخذت منها عدداً من الأوراق، وقالت لي: انظر إلى هذه الأوراق، هذه بعض النماذج من الواجبات المنزلية التي قام بها التلاميذ، وأفضل درجة تحصل عليها تلميذ، كان بحثه يتحدث عن الانتهاكات التي تتم في (التبت بالصين)... وآخر كتب عن الانتهاكات في (أفغانستان)... وثالث عن (إيران)... والبعض عن (زيمبابوي)، وهناك من كتبوا عن أطفال فلسطين ب(غزة)... الحديث لايزال لديان: الواجبات المنزلية التي سلمها التلاميذ لا يوجد بها مثال واحد عن حالات انتهاكات بالسودان، وإذا كان فعلاً طلبت منهم ذلك، لماذا لم يقدم حتى ولو تلميذ واحد بحثاً عن انتهاكات بالسودان؟...
** بعد النفي القاطع وبالبراهين لكل من (ديان ومستر ريتشارد)، ساورتني الشكوك وصرت أحدث نفسي بأحاديث من شاكلة: يا ربي المعلومة الجاتني دي معقول تكون غلط؟.. لكن أنا اطلعت على ورقة (الواجب المنزلي) التي أرسلها لي أحد الآباء؟... احتمال أكون غلطت في ترجمتها؟... لكن الأب برضو غلط في الترجمة، معقول بس؟.... ياخي أنا كنت داير أجيب معاي الورقة دي، النساني ليها شنو ماعارف...!
(هناك أمر طريف قد حدث)... بهذه العبارة قطعت عليّ "ديان" أحاديثي مع نفسي... وواصلت في حديثها: إحدى التلميذات أرسلت لي رسالة إلكترونية تقول لي فيها إنها تريد العودة إلى أوربا لأنها تشتكي من الأوضاع في السودان، وأكثر شيء يضايقها هو (التراب)... قلت لها أشكري الله على أنك في السودان، فإن موجودة فيه منذ شهر أغسطس الماضي، وهو افضل بكثير من أوربا، وبريطانيا هذه سجلت أكبر نسبة (حمل) مبكر للمراهقات في أوربا... وكثرت فيها الانتهاكات والاعتداءات والاغتصابات، وكثر العنف بسبب الزيادة الكبيرة في (شرب الخمر)، وهناك ناس دون مأوى، ويحملون بطاطينهم، وتم حرقها لهم، وانتشر الفساد حتى وصل إلى البرلمان، وحدثت زيادة كبيرة في رسوم الجامعات بنسبة خيالية... وأصبح العلاج بالمستشفيات العامة درجة ثانية بالمقارنة مع بقية دول أوربا... وأضافت: أحد التلاميذ قال لي إنه يريد الحديث عن السودان، فقلت له إذا تحدثت عن السودان سأعطيك (صفراً) في بحثك... وأنا زرت العديد من البلاد، والسودان أفضل منها بكثير.. وقلت لتلاميذي: أنتم مغشوشون بالغرب، فهو ليس بالصورة الوردية التي ترسمونها في خيالكم.
** إلى هنا ختمت حواري معهم، وودعتهم... لكن لازالت الأسئلة الحائرة عن (الواجب المنزلي) تدور برأسي... وفور عودتي إلى الصحيفة قمت بإعادة قراءة ورقة الواجب المنزلي، وكانت المفاجأة، الورقة تقول: حاول إعطاء مثالين من بلدك، تعتقد أن حقوق الإنسان قد انتهكت فيها، وكيف انتهكت؟ ومن الذين انتهكت حقوقهم؟ ومن الذي أو الذين انتهكوها؟ بالاستناد إلى المرجع 97...
حملت الورقة وعدت أدراجي إلى المدرسة سريعاً، ودخلت على المدير مستر "روبرت" وواجهته بورقة (الواجب المنزلي)، وبدت الحيرة على وجهه، وطلب بمناداة (ديان وريتشارد) سريعاً... قلت للمدير ماهو المرجع رقم 97؟... قام المدير بفتح الكتاب وقلب صفحاته، وفتح كمبيوتره وقال: إنها بنود (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان): ألخصها لك في التالي:
((يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء... ولكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء.. لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.. لايجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما.. لايعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.. كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة عنه دون أية تفرقة.. لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً.. لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات... لكل فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد.. لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.. لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها... لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة)).
بعد أن قرأ عليّ المدير المرجع رقم97، الذي يدرسه التلاميذ، قلت في نفسي، شيء جيد وجميل أن يتعلم صغارنا هذه الحقوق، لكن لابد من أن يتعلموا اولا ما يتماشى مع ديانتهم وعقيدتهم، فهناك بعض البنود التي تتعارض مع العقيدة، فنحن لم نتعلمها إلا في الجامعات، وبعضنا لا يعلمها حتى بعد تخرجهم منها، في ظل مناهجنا التعليمية (المعلولة)...
بعد ذلك قدم مستر ريتشارد، ولكن ديان كانت قد غادرت إلى مقر سكنها، فطلب المدير ارسال عربة تحضرها على الفور...
اطلع ريتشارد على الورقة ووضع يده على خده، وأخذ يهمهم ببعض كلمات لم اتبينها جيداً، فقلت له: ما رأيك؟... قال لي: صمت لبرهة، وهو ينظر إلى الأرض وكانه يبحث عن شئ ما... وقال: لا أريد أن أبرر، على كل حال هذا الأمر إذا صح فهو خطأ كبير، نحن لا نهتم بالسياسة، وهمنا ينحصر بتربية التلاميذ وأن لا يأخذوا الأمور بطريقة شخصية.
بعد ربع ساعة أتت ديان، وقدم لها ريتشارد الورقة... لم يظهر عليها الارتباك أو التردد، قالت لي على الفور: نعم كنت قد وزعت للتلاميذ هذا الواجب قبل (الكريسماس) ولم أكن أعني السودان فهناك تلاميذ من (الهند والصين وكوريا) وأرادوا أن يتحدثوا عن بلدانهم، فوزعت الواجب على هذا الأساس، ولم أكن أعني السودان... وإضافت ديان: بعدها أدار معي أستاذ سيف نقاشاً، وقال لي إن الامر بهذه الطريقة قد يفهم خطأ وقد يسبب مشكلة، فقمت فوراً بسحب ورقة (الواجب المنزلي)، وأبدلتها بأخرى تتحدث عن بلدان العالم وليس السودان... بعدها طلبت مني ديان مرافقتها، فاصطحبتني إلى الفصل، وارتني (ورقة الواجب المنزلي) مكتوبة على ورقة بوستر كبيرة معلقة في الحائط، تعضد كلامها... كذلك اصطحبتني إلى مكتبها وأخرجت لي ورقة الواجب الجديدة، وفتحت كمبيوترها، وأطلعتني على بريدها الإلكتروني، والرسائل المتبادلة مع تلاميذها، التي تعضض قولها حول السودان وحبها له...
في الختام قلت لها لماذا لم تخبريني منذ البداية إن الورقة قد قدمت بالفعل، ولكن قد تم معالجة الأمر بسحبها؟... أجابتني بأنها لم يدر بخلدها أن الأمر متعلق بهذه الجزئية، ولأنني ذكرت لها أن (الواجب المنزلي) كان يعني التحدث عن السودان، وأنها كانت تعني بلدان عديدة بحسب جنسيات التلاميذ المتعددة بالفصل.
... إذن بعد عرض القضية بكل أبعادها وتفاصيلها، برزت لي العديد من الآراء المختلفة، لكن يبقى النقاش الهادئ والمفتوح بين الجميع، هو الحل الأنسب، لأن تعليم الصغار يعني صناعة (الأمل) في المستقبل... للحقيقة مدرسة (الاتحاد العليا) التي تأسست في عام (1902) تتميز بالاهتمام بالتلاميذ وتطوير قدراتهم، ولكن تبقى المعادلة الأصعب هي الموازنة ما بين الأفكار الغربية والمعتقدات الشرقية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.