عبدالمنعم عبد القادر عبد الماجد المستقرئ للصحف في هذه الأيام يشعر بالأزمات المختلفة تطوق عنق البلاد سواء أزمات داخلية أو خارجية بينما إكتملت حلقات الخصام ما بين الحكومة والمعارضة فمنذ 23عاما والمؤتمر الوطني ظل يمارس سياسة آحادية وهو منفرد بالسلطة بل معتمد على نوع هذه السياسة التى تغذي الأحلام وتدعم الأوهام مستقطبة بذلك أحلام الكثير من الناس بينما المؤتمر الوطني حفر خندقاً عميقاً وعريضاً من الخصومة السياسية بينه وبين المعارضة وتظل الخلافات السياسية قائمة حتى داخل دهاليز المؤتمر الوطني وعندما أكتب عن المشهد السياسي اليوم في البلاد أقول انه صورة بائسة لا تسر الناظرين وهذه هي الحقيقة شئنا أم أبينا فالبلاد لم تستقر سياسياً بعد والمشاكل السياسية والحدودية ما بين الشمال والجنوب لا تزال عالقة وتتأزم من وقت لآخر والبلاد تعيش أنواعا مختلفة من الأزمات وتحاول الكثير من الأقلام تشخيص نوع مرض هذه الأزمات وتصف عيوبها لكن دون أن نكلف أنفسنا بالعودة إلى الجذور وتأملها والكثير من أصحاب الأقلام لم يسألوا عن أسباب وقوع هذه الأزمات السياسية التي تقع في بلادنا من وقت لآخر أبحروا في مظهرها وأهملوا جوهرها وأسبابها فحينما اتحدث عن العودة إلى الجذور إنما أعني بذلك العودة إلى الديمقراطية الأصلية الحقيقية فبلادنا كانت تحكم منذ عام 1954م، حكماً ديمقراطياً وكان جيل رواد الاستقلال هو جيل الذين غرسوا في النفوس التربية الوطنية ثم جاء من بعدهم جيل الثمار لكنه لم يسر على درب جيل الغرس وما فعله جيل الغرس من رواد الاستقلال والحركة الوطنية من إنجازات في كل شيء وواجه التحديات والأزمات والصدمات من آثار الاستعمار البريطاني فتخلص من كل هذه الآثار بالسودنة وقبلها بالجلاء ثم الاستقلال واليوم نحن نشكل جيل الحاضر والحاضر هو ساق وفروع وأوراق وثمار بذرة الماضي والحاضر هو غرس الماضي ومن لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له وان من لا تاريخ له لا جغرافية له فأين نحن من مستوى المعيشة إلى رفع رأس الإنسان، وهذا ملك لنا جميعاً ومن حقنا ان نكتب ونتحدث عن الأوضاع السياسية عامة وعن أحوال المجتمع السوداني الذي أصبح كاشفاً بلا غطاء جوي اجتماعي لحمايته حينما تدهورت أحوال الناس المعيشية بسبب هذا الغلاء والذي هو "وباء اقتصادي" فتك بالجيوب حتي جعلها خاوية وفتك باستقرار الاسر فالكل يتساءل إلى أين يقودنا غول الغلاء؟ فلا يجد الناس الإجابة وعندما يمر عليك سؤال بلا إجابة يعيش معك هذا السؤال كل هذه الأعوام وتفشل في التخلص منه وتفشل في الإجابة عليه فلابد أن يصبح هذا السؤال أكثر من سؤال ولابد أن تصبح الحيرة ضياعاً فالناس في حيرة من أمرهم ويصبح الحزن إكتئاباً والألم الخفيف الماًَ مزمناً وقد يصبح الما ومرضاً عضالاً وهذا ما حدث فعلاً فان كان الزمان في الماضي يداوي الجراح ويشفى صدمات القلب وينسى الناس الآلام والأحزان لكن زماننا هذا بلا غطاء يداوي وبلا غطاء لشفاء صدمات القلب ونسيان الآلام والأحزان لذلك سنظل شعباً يجتر الآلام ويجرجر الأحزان ويتوسد الهموم والديون ردحاً من الزمن حتى يلاقي ربه أما عن المشهد السياسي فحدث ولا حرج فالازمات السياسية تتلاحق وكما ذكرت المشاكل السياسية والحدودية لا تزال قائمة ما بين الشمال ودولة الجنوب الوليدة وجاءت مسألة الحريات الأربع ما بين الشمال والجنوب فإذا بالبعض أقام الدنيا ولم يقعدها وراح آخر يحرض ائمة المساجد لرفض هذه الحريات وكأنما البلاد تعيش حمية الجاهلية وكأنما البلاد لا تنقصها المشاكل والمتاعب والبعض يصب الزيت على النار ولماذا كل هذه الزوبعة والفرقعة؟ وهل مثل هذه المسائل تواجه بهذا الهرج والمرج السياسي والصخب اللا مسؤول؟ فمثل هذه الأشياء يتم مناقشتها على نار هادئة لا على برميل بارود.. ان التهور السياسي في مثل هذه الحالات يقود البلاد إلى مزيد من تفجر الأزمات ثم إن أمر المسائل أو الحريات الأربع لم يبت في أمرها بعد فلماذا هذه العاصفة المفتعلة والتى للأسف الشديد يتصدر هذه العاصفة بعض المثقفين والمثقفون أساساً هم الذين واتتهم الفرصة ليتعملوا وليتولوا القيادة الفكرية والسياسية في شتى المجالات لكن في بلادنا أراد هؤلاء من المثقفين أن يثيروا زوبعة ويسابقون الأحداث بل يستبقون الأحداث فأين بلادنا تقف الآن ما بين المثقف الحقيقي والمثقف المزيف؟ فالمثقف الحقيقي هو الذي يحدد موقعه الاجتماعي أو موقعه السياسي ويطرح وجهة نظره بلا ضوضاء أو صخب أو هرج أما المثقف المزيف فهو الذي يقفز بانتهازية بين وجهات النظر المختلفة والطبقات المختلفة ليأخذ أكثر مما يعطي ويثير زوبعة سياسية تخدم أجندته الخاصة إن البلاد وهي تعيش أزماتها السياسية المتنوعة لكن كذلك نعيش أزمة مثقفين أقولها بكل أسف عميق فغياب المثقفين وهم كثر غيابهم عن المشاركة المطلوبة في الحياة السياسية العامة لعب دوراً كبيراً في الإنهيار السياسي للبلاد فهؤلاء حينما ابتعدوا عن الحياة السياسية إنما لهم أسبابهم وهو غياب الديمقراطية عن البلاد فأصطدموا بالأنظمة الشمولية وغابوا عن الساحة السياسية وهؤلاء هم قمة شريحة المثقفين وهم على حق عندما إنسحبوا في غياب الديمقراطية لان ثقافتهم ثقافة ديمقراطية حقيقية وهم الذين كانوا يشكلون صوت العقل المفكر السياسي في القضايا السياسية الاساسية إبان العهد الديمقراطي السابق ولكن اليوم أكثرهم إما في حالة اغتراب خارج الوطن وأما في حالة اكتئاب سياسي حزناً وكآبة على ما يجري في الساحة السياسية وكلا الحالتين نراهم هائمون على وجوههم بضمائر مثقلة وآمال محبطة ونفوس جريحة غير راضين عن أنفسهم أكثر مما هم راضون عن ظروفهم واقول هذا الكلام وأنا مدرك تماماً ان غيابهم كان على حق لأنهم شعروا ان المشاركة في الحياة السياسية هو إحساسهم بضعف الدور الذي يلعبونه في غياب الديمقراطية عن البلاد وإحساسهم بضعف الدور الذي يلعبونه أو إحساسهم بأن هذا الدور مجرد واجهة لا أهمية ولا قيمة له بينما خلت الساحة لآخرين يرتدون مسوح المثقفين ويتكلمون بألسنتهم ويحترفون مهنة الطاعة العمياء وهم المتملقون والآكلون على كل الموائد حينما خلت أو كادت أن تخلو الساحة من فرسانها الحقيقيين ومثلما ذكرت أن البلاد تعيش مع أزماتها السياسية تعيش كذلك أزمة المثقفين فمن أسباب أزمتهم تخلي الكثير منهم طوعاً أو كرهاً عن نصرة الحقيقة ووقوفهم إلى جانب مصالحهم الشخصية وأنانيتهم التى بلا حدود ونكوصهم على أعقابهم وتقاعسهم عن أداء الواجب الوطني من أجل تحقيق الديمقراطية فالبلاد تعيش تحت مطارق الأزمات السياسية المختلفة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية فلا داعي لهذه الزوبعة السياسية التي لا تخدم الوطن إنما تخدم أصحاب الأجندة الخاصة وأصحاب الأحقاد والضغائن فالبلاد لا تزال مثخنة بالجراح والنواح ولن تعود إلى سابق عهدها الذهبي إلا بعودة الديمقراطية للبلاد فالغوص بأقلامنا في أعماق بحار الديمقراطية هو واجب وطني وقومي يحتم على كل صاحب قلم وطني أن يغوص في أعماق الديمقراطية بقدر المستطاع لأنها هي طوق النجاة الكبير في إخراج البلاد من فوهة هذه الأزمات فلا يمكن ان يظل حال البلاد كساحة مليئة بالمتناقضات والأسلحة المتصارعة بالغرب وبالمفارقات يضطرم المشهد السياسي تارة وتارة أخرى بالصراع المسلح فلماذا لا يصبح السودان صديق الحقيقة وأرض التفاهم والتسامح والحريات والحوار الديمقراطي الذي فيه احترام الرأي والرأي الآخر فتتسع الصدور وينكمش الغرور والتعالي فكم من أناس طوتهم القبور وكم من أناس طواهم الغرور فالعودة إلى الجذور "الديمقراطية" هو الحل الصائب. ما هكذا تكون الخصومة السياسية والخصومة السياسية لها آراؤها المتمثلة في احترام الخصم الآخر بل احترام رأي الخصم حتى وان كان لا يتفق مع فكر الآخر فاذا اختلفنا فلنختلف مثلما يختلف الشرفاء وكفى بالونات سياسية كفقاعات الصابون والهواء.