هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    العليقي يؤكد اكتمال الترتيبات.. ورايون سبورت الرواندي يعلن دعمه الجماهيري للهلال في مهمته الأفريقية    عودة صلاح عادل لتشكيلة الهلال قبل موقعة بركان المرتقبة    فيصل محمد صالح يكتب: العيد في كمبالا    بالصواريخ والمسيّرات.. هجوم إيراني يستهدف 5 دول عربية    البرهان: نجدد ألا هدنة ولا وقف لإطلاق النار بدون استيفاء إنسحاب وتجميع هذه المليشيا تمهيدا لاستكمال أي عملية سلمية    رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة السودانية يؤدي صلاة عيد الفطر بمسجد القيادة العامة    القائد العام للقوات المسلحة يشارك مواطني منطقة شمبات فرحة عيد الفطر المبارك    الهلال السوداني يعلن وصول السوباط إلى رواندا    شاهد بالصور.. فنانة تشكيلية تبيع لوحة للمطربة إيمان الشريف بمبلغ مليار جنيه وتعرض أخرى للسلطانة هدى عربي    رسالة من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي    د.إبراهيم الصديق يكتب: الفولة تتفازع..    القتال وضعف الميليشيا..موسى هلال يفجرها مدوية    الهلال السوداني يؤدي البروفة الأخيرة مساء اليوم.. و«ريجيكامب» يجهز خطته لعبور نهضة بركان    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    شاهد بالصور والفيديو.. لقطة طريفة.. طفل سوداني يرتبك أثناء محاولته التقاط "سيلفي" مع "البرهان" وقائد الجيش يقابل الموقف بضحكات عالية    شاهد بالفيديو.. قيادي بالدعم السريع: (مرتزقة من جنوب السودان يسيطرون على مدينة "الفولة" ويطردون قواتنا وأفرادنا عردوا وتركوا نساءهم)    شاهد بالفيديو.. مليشيا الدعم السريع تهدي فنانة "سيارة" بعد أن اتهمت أفراد المليشيا بسرقة منزلها ومنازل المواطنين بالفاشر وساخرن: (العربية مشفشفة يا فنانة)    إيران تفتح باب المشاركة في كأس العالم 2026    مشيتك تفضحك.. هكذا يعرف الآخرون إن كنت غاضباً أو حزيناً    غوتيريش يخاطب إسرائيل وأميركا: حان وقت إنهاء الحرب    السيسي يفاجئ الإمارات بزيارة خاطفة.. ويوجه رسالة بشأن الضربات الإيرانية    ترامب: سندمر حقل بارس للغاز إذا قررت إيران مهاجمة قطر    للعام التاسع على التوالي.. الفنلنديون أكثر الشعوب سعادة    القوات المسلّحة السودانية تعلن استرداد محطة مهمة    بالصورة والفيديو.. ناشطة سودانية تحكي قصة ارتباطها وزواجها من نجم السوشيال ميديا "برهومي": (الشاريك وعايزك بحارب عشانك وعمرو م يلعب بيك)    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بعد تجريد منتخب بلاده من كأس أفريقيا..الاتحاد السنغالي يعلن أول قراراته    ظهور لنجاة الصغيرة يفرح جمهورها.. والفنانة ترد    "رجعت الشغل تاني".. مطرب المهرجانات مسلم يعلن انتهاء أزمته    مشهد الولادة بمسلسل محمد إمام يثير غضباً.. والممثلة توضح    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    6 عادات يوصى بتجنبها في المساء لحماية القلب    دراسة : الأطعمة فائقة المعالجة تهدد كثافة العظام    ابتكار علاج لسرطان القناة الصفراوية من الحليب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وردي شجون خاصة


مدخل
هذه الوقفات ليست توثيقا أو محاولة توثيق لمسيرة الراحل الأستاذ محمد وردي، إنما هي فقط لحظات عايشتها ارتبطت به بطريقة ما.
فلاش باك
في أوائل عام 1957م احتفلت عائلتنا بزواج أحد أبنائها أحمد مهدي ضيف الله، خال المشير عبدالرحمن محمد حسن سوار الدهب على إحدى بناتها عائدة الزبير صالح، شقيقة الاقتصادي صلاح الزبير صالح فوجئ الحضور بفنان جديد شاب نحيل طويل القوام أتى به محجوب بابكر أرو وزيادة ساتي حمد غنى وشدا بكل ما لديه ويحفظ من أغنيات لمدة خمسة أيام كاملة مكثها هذا الفنان الناشئ في كنف وضيافة هذه العائلة العريقة بحي ود أرو العريق .... بعد عدة أشهر عرف الجميع هذا الفنان الناشئ الواعد المتوعد محمد وردي بعد أن صدح من خلال هنا ام درمان ... و
التاريخ يعيد نفسه، فها هو مرة أخرى يعود لنفس البيت بعد حوالي سبعة عشر عاماً ولكن هذه المرة بعد أن عرفه الجميع وصار ملهم الكل، ففي شهر يوليو من عام 1973م وبعد خروجه مباشرة من السجن بعد أحداث يوليو 1971م، أحيا حفل زواج عمتي صافيناز الصديق عبد الرحمن من ابن خالتها صالح محمد حسن سوار الدهب ... في هذا الحفل اكتظ الفناء الواسع لذلك المنزل بالحضور من المدعوين وغير المدعوين العطشى لفنه بعد طول غياب، وتسلق الكثيرون أسقف البيت والبيوت المجاورة .... كانت لحظة رائعة عندما نزل من المسرح لتحية والدتي العريس والعروس الشقيقتين السريرة وبنت المنا مهدي ضيف الله عندما رقصتا بكل الوقار والشموخ رقصة الرقبة التقليدية فرحاً بابنيهما ....
يا ناسينا والإسكندرية
في أواخر شهر يناير من عام 1985م ونحن طلبة بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية، أقامت الجمعية الطبية الصيدلية للطلاب السودانيين بالإسكندرية حفلا لخريجي ذلك العام بمسرح كازينو الشاطبي ...
أحيا هذا الحفل الراحل الأستاذ محمد وردي ومعه الأستاذ يوسف الموصلي (الذي قام بقيادة الأوركسترا)، أقيم هذا الحفل قبل الانتفاضة بأسابيع قليلة وهو من ضمن حفلاته التي أقامها خارج السودان إبان خروجه الأول (1983 1985) والذي كانت من أشهر حفلاته حفلتا عدن والكويت ....
كانت الأجواء وقتها مشحونة والأحداث في السودان متلاحقة ... محاكم الطوارئ، إعدام محمود محمد طه، إيقاف العربات بالليل وتفتيشها .... إلخ الممارسات التي كانت سائدة وقتها ... غنى وردي في هذا الحفل كما لم يغن من قبل، كيف لا والحضور جله من الطلبة بالإضافة إلى بعض المقيمين من السودانيين والذين ولدوا ونشأوا بالإسكندرية كنا نطلق عليهم لقب جالية وللتخفيف جلاجل استهل الحفل بالرائعة الخالدة (اليوم نرفع راية استقلالنا) .... بدأت الفرقة الموسيقية في عزف أغنية (يا ناسينا)، في أثناء عزف الموسيقى تحدث وردي للحضور وقال ( الأغنية دي أكبر منكم كلكم، إتألفت وإتلحنت هنا في الأسكندرية سنة 57) وهي ضمن رحلته مع إسماعيل حسن لمصر والتي ألف فيها إسماعيل حسن بين الشلال ووادي حلفا "أغنية لو بهمسة" ....
كان لوردي ميزة غريبة جداً (لم ألحظها عند أي فنان آخر) وهي شخصيته وسيطرته على خشبة المسرح بشكل يجعل المشاهد لا يفارق بصره خشبة المسرح على الإطلاق وذلك بحضوره الأخاذ وطوله الممشوق وبحركة يديه وجعل الحضور مشاركاً معه في الأداء وسيطرته على الفرقة الموسيقية ويتم كل ذلك في تناغم مبهر رائع .... حدثي والدي رحمه الله بأن المرحوم الحاج محمد أحمد سرور كان يتصف بمثل هذه الشخصية على المسرح وكان دائم الحركة على خشبة المسرح .
بين أحد فواصل هذا الحفل وفي الصفوف الخلفية وقع شجار بين بعض أفراد الجالية (جلاجل) ووقتها كان وردي يجلس في الصفوف الأمامية، فما كان منه إلا أن اعتلى خشبة المسرح وتناول المايكروفون وقال للجميع " مالكم؟ في إيه؟ الناس لمن تكون في حضرة الوطن بتتسامى عن أي شيء " ووضع المايكروفون ونزل، التهبت القاعة بالتصفيق وانتهت المشكلة كأن شيئاً لم يكن ....
عام 1976 والنيولوك
بدأ ربيع عام 1976م كئيباً ففيه (ككل الأعوام السابقة) إمتحانات جميع المراحل التعليمية بالسودان، لكن في هذا العام فقد كنت ضمن الجالسين لامتحانات الشهادة الثانوية العامة للدخول للثانوي العالي، وفي أثناء الامتحانات حدث الحدث الرياضي الجلل والذي أودى بالرياضة السودانية إلى دركٍ سحيق لم تخرج منه إلى الآن، وهو حل الأندية الرياضية وإعلان الرياضة الجماهيرية كانت الصدمة بالغة على الشعب السوداني الذي فجأةً وبين عشية وضحاها وجد نفسه دون الهلال والمريخ والموردة والتحرير، تلك الصروح التي شكلت وجدانه بجانب حقيبة الفن ورموزه الوطنية والفنية والثقافية ...
في شمال الوادي كان ربيع 1976م مختلفاً، ففي مساء ربيعي حالم وفي ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة تجمعت حشود بشرية هائلة ضاقت بها مقاعد مسرح نادي الترسانة بالقاهرة حيث وقف العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ ليفاجئ الحضور والمتابعين عبر شاشة التلفزيون وأثير الإذاعة بعمل استثنائي جمع ثلاث قمم قل ما تلتقي في عمل واحد نزار قباني، محمد الموجي وعبدالحليم حافظ والفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن فكانت قارئة الفنجان
جلست والخوف بعينيها
تتأمل فنجاني المقلوب
قالت يا ولدي لا تحزن
فالحب عليك هو المكتوب
يا ولدي
لعلنا استمعنا إليها وتلمسنا غرابتها في صيف ذلك العام الذي حمل لي في تلك الأثناء خبراً مفرحاً وهو نجاحي في اجتياز امتحانات الشهادة الثانوية العامة وتأهلي لدخول مدرسة الأهلية الثانوية العليا بأم درمان ... انتهى هذا الصيف بنهاية مأسوية دموية بأحداث 2 يوليو 1976م والتي عرفت باسم أحداث المرتزقة ...
كان موعد دخولي للأهلية صباح السبت 21 أغسطس 1976م ولكن فجر ذلك اليوم حمل فاجعة كبرى لنا في العائلة وهي وفاة ابن خالتي الأستاذ الأديب أبوبكر خالد مضوي. وتشاء الصدف الغريبة أن ينزل له مقال في الملحق الثقافي لجريدة الصحافة الصادرة صباح ذلك اليوم مقال يؤبن فيه صديق عمره الأديب الراحل عبدالله حامد الأمين والذي توفي قبل حوالي شهر من ذلك اليوم ...استهل المقال بعبارة " الناس في بلادنا لا يعرفون قدر الأديب إلا بعد رحيله أو اختفائه بطريقةٍ ما" .... يا سبحان الله يا لها من عبارة ! حدث أن كان كثير من الناس يطالعون هذا المقال وفي نفس اللحظة يسمعون نعيه في آخر نشرة السادسة والنصف صبيحة ذلك اليوم ... بعد مراسم الدفن توجهت تلقاء ذلك الصرح العتيد المدرسة الأهلية الثانوية بأم درمان للتعرف على ذلك العالم الجديد والذي كنا نسمع عنه الكثير والمثير ... الأهلية وأحداث شعبان عام 1973م وطلبتها في ذلك الوقت حسين خوجلي، الهادي الشيخ و آخرون ...
في تلك الأيام كان صدى وتأثير قارئة الفنجان هو سيد الساحة، وأذكر أن الأخ والصديق أبوعاقلة الفاضل أبوعاقلة (شقيق الفنان نجم الدين الفاضل) كان معجباً جداً باللازمة الموسيقية التي تعقب كلمة جلست وكان يرددها باستمرار .... شخصياً كنت معجباً بأداء عبد الحليم في المقطع الذي يقول : بحياتك يا ولدي إمرأة سبحان المعبود ... كنا نتناقش ونتحاور في تلك الرائعة وفي موسيقاها وتركيبتها الغريبة العجيبة، لكن أتى شهر سبتمبر ليحمل لنا ما هو أعجب وأغرب ...
في ليلة خريفية رائعة أقام المسرح القومي بأم درمان حفلاً ساهراً أحياه عدد من الفنانين، كان هذا الحفل إستثنائياً في كل شئ، شارك فيه كبار الفنانين وكان منقولاً إذاعياً وتلفزيونياً . كان ممن شاركوا فيه الفنان النور الجيلاني وظهر فيه بإسلوب جديد للغناء (أسلوبه الحالي) وقدم فيه لأول مرة أغنيتي (كدراوية) و(يا إنت) حيث لاقتا رواجاً كبيراً فيما بعد ...
مسك ختام ذلك الحفل كان فريداً، فتحت ستارة المسرح العريق لتكشف عن فرقة موسيقية كبيرة غير تلك التي كانت تعزف مع الفنانين الآخرين، فرقة تتكون من قرابة ال 13 فردا.
صلاح خليل جيتار
فيصل السيد إمام بيزجيتار
المرحوم جعفر حرقل إيقاع
المرحوم الزبير محمد الحسن طبلة
المرحوم عبدالعزيز حسن محجوب (عصفور) أوكورديون
محمد مصطفى ساكسفون
صلاح دهب فلوت
دفع الله ترومبيت
المرحوم عبدالرحمن عبدالله (أبونظارة) كمنجة
أحمد بريس كمنجة
عوض رحمة كمنجة
نورالدين مسمار كمنجة
عبدالله عربي كمنجة
أطل وردي بقوامه الممشوق بشكل جديد لم يكن مألوفا، شعر كثيف جداً معتن به لأبعد حد (خنفس بتعبير ذلك الوقت) وبهندام في غاية الأناقة، حيا الحضور ومن ثم دار نحو الفرقة الموسيقية وأخذ في قيادتها لتبدأ في عزف موسيقى غير مألوفة تركيبة غريبة مقدمة موسيقية استمرت حوالي خمس دقائق، حوار بين آلة الجيتار وباقي الأوركسترا مع تداخلات لآلة الفلوت تارة وحوار آخر بين الأوركسترا وآلة الساكسفون ليمهد الجيتار بأكورد في غاية الروعة والإتقان لدخول وردي في الغناء ليصدح وهو ممسك بالمايكروفون في يده في حالة غير معهودة تحدث لأول مرة
يا جميلة ومستحيلة
إنتي دايماً ذي سحابة
الريح تعجل برحيلا
عيوني في الدمعات وحيلة
أسمحيلا
أسمحيلا تشوف عيونك
أسمحيلا
أنا لا الصبر قادر علي
ولا عندي حيلة
بدأ المقطع الثاني بسؤال ملهوف جداً من الأوركسترا بكاملها ليرد عليها الساكسفون بكل هدوء وحنية ليدخل الجيتار بتساؤل أكثر لهفة وتأكيد من باقي الأوركسترا كأن لسان حالها يقول للجيتار وهو كذلك، ليحسم الأمر وردي في النهاية وهو يرد للجميع
حدثت عنِك نجمة جارة
وزرعت اسمك حارة حارة
في مناديل العذارى
في مشاوير الحيارى
في لحا الأشجار
كتبتو نحتو في صم الحجارة
بحت للشمس البتقدل في مدارها
عيوني في الدمعات وحيلة
أسمحيلا
أسمحيلا تشوف عيونك
أسمحيلا
أنا لا الصبر قادر علي
ولا عندي حيلة
المقطع الثالث كان أعجوبة، حوار في منتهى الرقة والحنية والحزاينية بين الفلوت وباقي الأوركسترا سرعان ما يتحول إلى سؤال مشروع من الجيتار لتجيب عليه الأوركسترا بإجابات مقتضبة ليتداخل وردي في أثناء هذا الحوار بين الجيتار والأوركسترا منادياً بإلحاح مراسي الشوق لكي تأتي
يا مراسي الشوق تعالي
تعالي تعالي تعالي
لا الليالي تمر بدونك
هي الليالي
من ضواحي الدنيا
جيت وعلّي رحالي
لمداين في عيونك يا محالي
ريحيني أستري حالي
عيوني في الدمعات وحيلة
أسمحيلا
أسمحيلا تشوف عيونك
أسمحيلا
أنا لا الصبر قادر علي
ولا عندي حيلة
المقطع الرابع كان مفاجئاً تسيده الجيتار على إيقاع تمتم مع تداخلات من الأوركسترا في منتهى الروعة والاحترافية ليتحول إلى مناجاة من الأوركسترا على إيقاع الفالس العالمي .... يا لك من عبقري كيف مزجت بين إيقاع سوداني محلي (التمتم) مع إيقاع عالمي (الفالس) في نفس الحوار؟ كيف لا وقد كان هذا المقطع هو الحاسم وفيه البوح الخالد
إنتي منك لا بداية
عرفت لسة ولا نهاية
مرة أسرح ومرة أفرح
ومرة تغلبني القراية
ولما أكتبلك وداعاً
قلبي ينزف في الدواية
يا صبية الريح ورايا
خلي من حضنك ضرايا
أثارت (جميلة ومستحيلة) ضجة وحراكا ثقافيا كبيرا جداً وعلى الفور انعقدت المقارنات بينها وبين صنوتها من شمال الوادي (قارئة الفنجان) ...
تحصل الأخ والصديق عبد الله قاسم علي بخيت على تسجيل لهذه الحفلة وكنا دائمي السماع لهذه الحفلة ول(جميلة ومستحيلة) على وجه الخصوص حتى حفظناها بكل لازماتها الموسيقية عن ظهر قلب ...
غنى وردي في هذا الحفل بعد (جميلة ومستحيلة) ثلاث أغنيات كانت على التوالي (يلا وتعال يلا)، (الحنينة السكرة) وهي أيضاً تقدم لأول مرة وأخيراً (نور العين) بشكلها الجديد (الحالي) ...
تلك كانت أسطورة عام 1976م (جميلة ومستحيلة) والتي أطلق اسمها على أكبر صرح تعليمي في السودان (جامعة الخرطوم) ... وعلى ذات النسق سميت جامعة القاهرة (الفرع) ب(الحنينة السكرة) ...
تصوير التلفزيون في (جميلة ومستحيلة) كان خرافياً، كانت هنالك كاميرا فوق خشبة المسرح حرة الحركة تتحرك تارة خلف الفرقة الموسيقية وتارة تأخذ كادراً مقرباً لوردي من إحدى الجانبين أو كليهما مما أعطى بعداً إخراجياً غير مسبوق ...
ألم أقل بأنه كان حفلاً استثنائياً
بكل تأكيد كانت (جميلة ومستحيلة) بداية مرحلة جديدة وشكلا آخر مختلفا في مسيرة الأستاذ الراحل وردي ....
رثاء عبد الحليم حافظ
في حفل أقيم على المسرح القومي بأم درمان ليلة 31/3/1977م وكان مشاركاً فيه الأستاذ وردي، وقبل تقديم وصلته بقليل وصل نبأ وفاة العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ في لندن، وعند صعوده لخشبة المسرح تناول المايكروفون ونعى للحضور العندليب الأسمر وطلب من الفرقة الموسيقية الوقوف دقيقة حداداً ... توقع الجميع بأن يفتتح وصلته ب(جميلة ومستحيلة) كعادته في تلك الأيام التي أعقبت تقديمه لها أول مرة، لكنه فاجأ الجميع بأغنية لم يتوقعها أحد، كانت البداية بأغنية الحقيبة
قسم بمحيك البدري
قسم بمحيك البدري
غرامك منه ضاق صدري
حبيبي بالعلي تدري
في تقديري كان وردي يرثي عبدالحليم حافظ بتلك الكلمات
ما بين وردي وبيليه
كنت في كثير من المناقشات التي تدور حول المقارنة بين العملاقين محمد وردي ومحمد الأمين أشبهما بالكرة البرازيلية والألمانية ... يتبع الأستاذ محمد الأمين أسلوبا ملتزما جداً فتجد نفس الموسيقى بنفس أداء العازفين سواء أكانت الحفلة جماهيرية كمسرح نادي الضباط أم في حفل زواج أم حتى تسجيلا داخل الاستديوهات مع أداء وجودة على أعلى مستوى وهو بالضبط ما يشبه التزام الكرة الألمانية ...
أما وردي فقد كان إذا غنى أي أغنية ففي كل مرة تجد لها أداءً جديداً وروحاً جديدة كأنها تغنى للمرة الأولى كما أنه يترك كثيرا من الحرية لأفراد الفرقة الموسيقية لإظهار مهاراتهم وإبداعاتهم الفنية الفردية داخل إطار اللحن الأساسي مما يطفى على موسيقاه حيوية ومتعة وأبلغ دليل على ذلك عندما قدم أغنية (الحنينة السكرة) لأول مرة ارتجل البارع صلاح دهب صولو بآلة الفلوت في بداية المقدمة الموسيقية وصار بعد ذلك أساس المقدمة الموسيقية لها، بالرغم من أن هذا الأسلوب يبدو سهلاً إلا إنه يتطلب تركيزا وانتباها على مستوى عال جداً وهذا هو أسلوب الكرة البرازيلية من زمن بيليه وجارنيشيا مروراً بسقراط وفالكاو وحتى كاكا ورونالدينيو.
حسن الخاتمة
حكت لي زوجتي بأن زميلتها في العمل (وهذه الزميلة من المتصوفة إحدى مريدي وحوار الشيخ دفع الله الصايم ديمة بأمبدة) جاءها أحد الأشخاص يوم تشييع جثمان الفقيد العزيز (الأحد 19/2/2012م) وقال لها لا يمكن أن يكون تشييع مغنٍّ بهذا الشكل والكم الهائل من الناس في حين أن تشييع فلان (سماه باسمه وهو في تقديره من الصالحين) لم يحظ بأي حشود أو جموع .... فكان رد هذه الزميلة المتصوفة ويا للعجب " إنت ما ح تقدر تحكم ولا تعرف مكانة أيٍّ من البشر عند الله سبحانه وتعالى .... وأحكي ليك حكاية، مرة ونحنا في مأمورية في الشمالية كنا نمر على قرى عديدة، وفي كل قرية كنت أسأل عن وجود أي مسجد، وفي إحداها وجدنا مسجدا وقيل لنا إن من شيد هذا المسجد هو وردي "
ولم يكن إلا لقاءً


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.