ضبط 12 طناً من المخدرات في صناديق عصير مُتوجِّهة إلى السودان من لبنان    أول تعليق لمنى زكي عن "أصحاب ولا أعز".. فماذا قالت؟    "مثل شعبي" قادها للسجن.. مطالبات بإطلاق سراح صحافية تركية    السوباط يعلن تكريم بويا مع قادة الهلال السوداني    أصحاب ولا أعز" بعيدا عن الجدل.. هل يحمل الفيلم قيمة فنية؟    إن كنت من هؤلاء… عليك الحذر لدى تناول السبانخ    تعرف على القناة الناقلة لقرعة الدوري الممتاز    وكيل وزارة العدل تلغي فتوى المحامي العام حول قرارات لجنة إزالة التمكين    إستطلاع متلقي لقاحات كورونا بمركز صحي الشعبية ببحري    إستراتيجيات جديدة لترويج لقاح كورونا بولاية الخرطوم    آخرها طلب "الأمة" بالتنحي .. الضغوط .. هل تعجل برحيل البرهان؟!    السعودية: غرامة 200 ألف ريال أو السجن وخروج نهائي لهذه الفئة    الطاهر ساتي يكتب.. المفسدون الجُدد..!!    تذمر وسط المواطنين من زيادات أسعار الكهرباء    أصحاب مصانع: زيادة الكهرباء ترفع أسعار المنتجات    ندى القلعة تكشف سر اهتمامها بالتراث السوداني    (أنا جنيت بيه) تجمع بين عوضية عذاب ودكتور علي بلدو    أبناء الفنانين في السودان .. نجوم بالوراثة    صباح محمد الحسن تكتب: الشارع لن ينتظر مجلس الأمن !!    فولكر بيرتس يتهم المؤتمر الوطني بتنظيم التظاهرات أمام مقر البعثة    رسالة غامضة على واتساب تقود الشرطة إلى مفاجاة صادمة    تزايد مخيف لحالات كورونا بالخرطوم وأكثر من ألفي إصابة في أسبوع    تراجع نشاط السريحة بسوق الدولار "الموزاي"    درجات الحرارة بشقيها الصغرى والعظمى تواصل انخفاضها بالبلاد    حركات ترفض دمج القوات    توقف صادر الماشية الحية للسعودية    نجاة فنان من الموت بعد تحطم سيارته    تعيين لجنة تطبيع لنادي أكوبام حلفا الجديدة    إفتتاح مكتبة الاستاذ محمد الحسن الثقافية بكوستي    زراعة أكثر من (121) ألف فدان قمح بالشمالية    ترباس يطمئن على الموسيقار بشير عباس    كشف تفاصيل حول عودة "لي كلارك" و "إسلام جمال" للمريخ    الجاكومي يحذر تحول القضايا المطلبية لأهل الشمال إلى سياسية    كوريا الشمالية تجري سادس تجربة صاروخية في أقل من شهر    تفاصيل جديدة في قضية المخدرات المثيرة للجدل    مزارعو الشمالية يشكون من انعدم السماد    دراسة: كيم كاردشيان تدمّر النساء    اختطاف المدير التنفيذي السابق لمحلية الجنينة بجبل مون    اتحاد كرة القدم يزف خبراً سعيداً للجماهير    الانتباهة : تحريك بلاغات ضد وزارة الثروة الحيوانية حول "الهجن"    القون لا عرفناه جابو الغربال لا عرفناه جابو المضمار    من أنتم؟    سلطات مطار الخرطوم تضبط أكثر من 2 كيلو جرام هيروين داخل زراير ملبوسات أفريقية    لواء ركن (م) طارق ميرغني يكتب: الجاهل عدو نفسه    تبيان توفيق: الي قحط وكلبهم (هاشكو)    شاهد بالصورة والفيديو.. فتاة سودانية وزميلها يثيران دهشة الحضور ويشعلان مواقع التواصل الاجتماعي بتقديمهما لرقصة (أبو الحرقص) المثيرة للجدل    إحباط محاولة تهريب كمية كبيرة من (الهيروين) عبر مطار الخرطوم    ميتا المالكة لفيسبوك تصنع أسرع كمبيوتر في العالم    داعية يرد على سيدة تدعو الله وتلح في الدعاء لطلب الستر لكنها لا ترى إجابة فماذا تفعل؟    البيت الأبيض يكشف عن أول زعيم خليجي يستقبله بايدن    اختفاء ملف الشهيد د. بابكر عبدالحميد    الشرطة تصدر بياناً حول تفاصيل مقتل العميد "بريمة"    بالصور.. بعد غياب لأكثر من 20 عاماً.. شاب سوداني يلتقي بوالده في أدغال الكنغو بعد قطع رحلة شاقة    البنتاغون يضع 8500 جندي بحالة تأهب قصوى بسبب الأزمة الأوكرانية    لماذا حذر النبي من النوم وحيدا؟.. ل7 أسباب لا يعرفها الرجال والنساء    الفنان معاذ بن البادية طريح فراش المرض    طه مدثر يكتب: لا يلدغ المؤمن من جحر العسكر مرتين    حيدر المكاشفي يكتب: الانتخابات المبكرة..قميص عثمان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وردي شجون خاصة


مدخل
هذه الوقفات ليست توثيقا أو محاولة توثيق لمسيرة الراحل الأستاذ محمد وردي، إنما هي فقط لحظات عايشتها ارتبطت به بطريقة ما.
فلاش باك
في أوائل عام 1957م احتفلت عائلتنا بزواج أحد أبنائها أحمد مهدي ضيف الله، خال المشير عبدالرحمن محمد حسن سوار الدهب على إحدى بناتها عائدة الزبير صالح، شقيقة الاقتصادي صلاح الزبير صالح فوجئ الحضور بفنان جديد شاب نحيل طويل القوام أتى به محجوب بابكر أرو وزيادة ساتي حمد غنى وشدا بكل ما لديه ويحفظ من أغنيات لمدة خمسة أيام كاملة مكثها هذا الفنان الناشئ في كنف وضيافة هذه العائلة العريقة بحي ود أرو العريق .... بعد عدة أشهر عرف الجميع هذا الفنان الناشئ الواعد المتوعد محمد وردي بعد أن صدح من خلال هنا ام درمان ... و
التاريخ يعيد نفسه، فها هو مرة أخرى يعود لنفس البيت بعد حوالي سبعة عشر عاماً ولكن هذه المرة بعد أن عرفه الجميع وصار ملهم الكل، ففي شهر يوليو من عام 1973م وبعد خروجه مباشرة من السجن بعد أحداث يوليو 1971م، أحيا حفل زواج عمتي صافيناز الصديق عبد الرحمن من ابن خالتها صالح محمد حسن سوار الدهب ... في هذا الحفل اكتظ الفناء الواسع لذلك المنزل بالحضور من المدعوين وغير المدعوين العطشى لفنه بعد طول غياب، وتسلق الكثيرون أسقف البيت والبيوت المجاورة .... كانت لحظة رائعة عندما نزل من المسرح لتحية والدتي العريس والعروس الشقيقتين السريرة وبنت المنا مهدي ضيف الله عندما رقصتا بكل الوقار والشموخ رقصة الرقبة التقليدية فرحاً بابنيهما ....
يا ناسينا والإسكندرية
في أواخر شهر يناير من عام 1985م ونحن طلبة بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية، أقامت الجمعية الطبية الصيدلية للطلاب السودانيين بالإسكندرية حفلا لخريجي ذلك العام بمسرح كازينو الشاطبي ...
أحيا هذا الحفل الراحل الأستاذ محمد وردي ومعه الأستاذ يوسف الموصلي (الذي قام بقيادة الأوركسترا)، أقيم هذا الحفل قبل الانتفاضة بأسابيع قليلة وهو من ضمن حفلاته التي أقامها خارج السودان إبان خروجه الأول (1983 1985) والذي كانت من أشهر حفلاته حفلتا عدن والكويت ....
كانت الأجواء وقتها مشحونة والأحداث في السودان متلاحقة ... محاكم الطوارئ، إعدام محمود محمد طه، إيقاف العربات بالليل وتفتيشها .... إلخ الممارسات التي كانت سائدة وقتها ... غنى وردي في هذا الحفل كما لم يغن من قبل، كيف لا والحضور جله من الطلبة بالإضافة إلى بعض المقيمين من السودانيين والذين ولدوا ونشأوا بالإسكندرية كنا نطلق عليهم لقب جالية وللتخفيف جلاجل استهل الحفل بالرائعة الخالدة (اليوم نرفع راية استقلالنا) .... بدأت الفرقة الموسيقية في عزف أغنية (يا ناسينا)، في أثناء عزف الموسيقى تحدث وردي للحضور وقال ( الأغنية دي أكبر منكم كلكم، إتألفت وإتلحنت هنا في الأسكندرية سنة 57) وهي ضمن رحلته مع إسماعيل حسن لمصر والتي ألف فيها إسماعيل حسن بين الشلال ووادي حلفا "أغنية لو بهمسة" ....
كان لوردي ميزة غريبة جداً (لم ألحظها عند أي فنان آخر) وهي شخصيته وسيطرته على خشبة المسرح بشكل يجعل المشاهد لا يفارق بصره خشبة المسرح على الإطلاق وذلك بحضوره الأخاذ وطوله الممشوق وبحركة يديه وجعل الحضور مشاركاً معه في الأداء وسيطرته على الفرقة الموسيقية ويتم كل ذلك في تناغم مبهر رائع .... حدثي والدي رحمه الله بأن المرحوم الحاج محمد أحمد سرور كان يتصف بمثل هذه الشخصية على المسرح وكان دائم الحركة على خشبة المسرح .
بين أحد فواصل هذا الحفل وفي الصفوف الخلفية وقع شجار بين بعض أفراد الجالية (جلاجل) ووقتها كان وردي يجلس في الصفوف الأمامية، فما كان منه إلا أن اعتلى خشبة المسرح وتناول المايكروفون وقال للجميع " مالكم؟ في إيه؟ الناس لمن تكون في حضرة الوطن بتتسامى عن أي شيء " ووضع المايكروفون ونزل، التهبت القاعة بالتصفيق وانتهت المشكلة كأن شيئاً لم يكن ....
عام 1976 والنيولوك
بدأ ربيع عام 1976م كئيباً ففيه (ككل الأعوام السابقة) إمتحانات جميع المراحل التعليمية بالسودان، لكن في هذا العام فقد كنت ضمن الجالسين لامتحانات الشهادة الثانوية العامة للدخول للثانوي العالي، وفي أثناء الامتحانات حدث الحدث الرياضي الجلل والذي أودى بالرياضة السودانية إلى دركٍ سحيق لم تخرج منه إلى الآن، وهو حل الأندية الرياضية وإعلان الرياضة الجماهيرية كانت الصدمة بالغة على الشعب السوداني الذي فجأةً وبين عشية وضحاها وجد نفسه دون الهلال والمريخ والموردة والتحرير، تلك الصروح التي شكلت وجدانه بجانب حقيبة الفن ورموزه الوطنية والفنية والثقافية ...
في شمال الوادي كان ربيع 1976م مختلفاً، ففي مساء ربيعي حالم وفي ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة تجمعت حشود بشرية هائلة ضاقت بها مقاعد مسرح نادي الترسانة بالقاهرة حيث وقف العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ ليفاجئ الحضور والمتابعين عبر شاشة التلفزيون وأثير الإذاعة بعمل استثنائي جمع ثلاث قمم قل ما تلتقي في عمل واحد نزار قباني، محمد الموجي وعبدالحليم حافظ والفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن فكانت قارئة الفنجان
جلست والخوف بعينيها
تتأمل فنجاني المقلوب
قالت يا ولدي لا تحزن
فالحب عليك هو المكتوب
يا ولدي
لعلنا استمعنا إليها وتلمسنا غرابتها في صيف ذلك العام الذي حمل لي في تلك الأثناء خبراً مفرحاً وهو نجاحي في اجتياز امتحانات الشهادة الثانوية العامة وتأهلي لدخول مدرسة الأهلية الثانوية العليا بأم درمان ... انتهى هذا الصيف بنهاية مأسوية دموية بأحداث 2 يوليو 1976م والتي عرفت باسم أحداث المرتزقة ...
كان موعد دخولي للأهلية صباح السبت 21 أغسطس 1976م ولكن فجر ذلك اليوم حمل فاجعة كبرى لنا في العائلة وهي وفاة ابن خالتي الأستاذ الأديب أبوبكر خالد مضوي. وتشاء الصدف الغريبة أن ينزل له مقال في الملحق الثقافي لجريدة الصحافة الصادرة صباح ذلك اليوم مقال يؤبن فيه صديق عمره الأديب الراحل عبدالله حامد الأمين والذي توفي قبل حوالي شهر من ذلك اليوم ...استهل المقال بعبارة " الناس في بلادنا لا يعرفون قدر الأديب إلا بعد رحيله أو اختفائه بطريقةٍ ما" .... يا سبحان الله يا لها من عبارة ! حدث أن كان كثير من الناس يطالعون هذا المقال وفي نفس اللحظة يسمعون نعيه في آخر نشرة السادسة والنصف صبيحة ذلك اليوم ... بعد مراسم الدفن توجهت تلقاء ذلك الصرح العتيد المدرسة الأهلية الثانوية بأم درمان للتعرف على ذلك العالم الجديد والذي كنا نسمع عنه الكثير والمثير ... الأهلية وأحداث شعبان عام 1973م وطلبتها في ذلك الوقت حسين خوجلي، الهادي الشيخ و آخرون ...
في تلك الأيام كان صدى وتأثير قارئة الفنجان هو سيد الساحة، وأذكر أن الأخ والصديق أبوعاقلة الفاضل أبوعاقلة (شقيق الفنان نجم الدين الفاضل) كان معجباً جداً باللازمة الموسيقية التي تعقب كلمة جلست وكان يرددها باستمرار .... شخصياً كنت معجباً بأداء عبد الحليم في المقطع الذي يقول : بحياتك يا ولدي إمرأة سبحان المعبود ... كنا نتناقش ونتحاور في تلك الرائعة وفي موسيقاها وتركيبتها الغريبة العجيبة، لكن أتى شهر سبتمبر ليحمل لنا ما هو أعجب وأغرب ...
في ليلة خريفية رائعة أقام المسرح القومي بأم درمان حفلاً ساهراً أحياه عدد من الفنانين، كان هذا الحفل إستثنائياً في كل شئ، شارك فيه كبار الفنانين وكان منقولاً إذاعياً وتلفزيونياً . كان ممن شاركوا فيه الفنان النور الجيلاني وظهر فيه بإسلوب جديد للغناء (أسلوبه الحالي) وقدم فيه لأول مرة أغنيتي (كدراوية) و(يا إنت) حيث لاقتا رواجاً كبيراً فيما بعد ...
مسك ختام ذلك الحفل كان فريداً، فتحت ستارة المسرح العريق لتكشف عن فرقة موسيقية كبيرة غير تلك التي كانت تعزف مع الفنانين الآخرين، فرقة تتكون من قرابة ال 13 فردا.
صلاح خليل جيتار
فيصل السيد إمام بيزجيتار
المرحوم جعفر حرقل إيقاع
المرحوم الزبير محمد الحسن طبلة
المرحوم عبدالعزيز حسن محجوب (عصفور) أوكورديون
محمد مصطفى ساكسفون
صلاح دهب فلوت
دفع الله ترومبيت
المرحوم عبدالرحمن عبدالله (أبونظارة) كمنجة
أحمد بريس كمنجة
عوض رحمة كمنجة
نورالدين مسمار كمنجة
عبدالله عربي كمنجة
أطل وردي بقوامه الممشوق بشكل جديد لم يكن مألوفا، شعر كثيف جداً معتن به لأبعد حد (خنفس بتعبير ذلك الوقت) وبهندام في غاية الأناقة، حيا الحضور ومن ثم دار نحو الفرقة الموسيقية وأخذ في قيادتها لتبدأ في عزف موسيقى غير مألوفة تركيبة غريبة مقدمة موسيقية استمرت حوالي خمس دقائق، حوار بين آلة الجيتار وباقي الأوركسترا مع تداخلات لآلة الفلوت تارة وحوار آخر بين الأوركسترا وآلة الساكسفون ليمهد الجيتار بأكورد في غاية الروعة والإتقان لدخول وردي في الغناء ليصدح وهو ممسك بالمايكروفون في يده في حالة غير معهودة تحدث لأول مرة
يا جميلة ومستحيلة
إنتي دايماً ذي سحابة
الريح تعجل برحيلا
عيوني في الدمعات وحيلة
أسمحيلا
أسمحيلا تشوف عيونك
أسمحيلا
أنا لا الصبر قادر علي
ولا عندي حيلة
بدأ المقطع الثاني بسؤال ملهوف جداً من الأوركسترا بكاملها ليرد عليها الساكسفون بكل هدوء وحنية ليدخل الجيتار بتساؤل أكثر لهفة وتأكيد من باقي الأوركسترا كأن لسان حالها يقول للجيتار وهو كذلك، ليحسم الأمر وردي في النهاية وهو يرد للجميع
حدثت عنِك نجمة جارة
وزرعت اسمك حارة حارة
في مناديل العذارى
في مشاوير الحيارى
في لحا الأشجار
كتبتو نحتو في صم الحجارة
بحت للشمس البتقدل في مدارها
عيوني في الدمعات وحيلة
أسمحيلا
أسمحيلا تشوف عيونك
أسمحيلا
أنا لا الصبر قادر علي
ولا عندي حيلة
المقطع الثالث كان أعجوبة، حوار في منتهى الرقة والحنية والحزاينية بين الفلوت وباقي الأوركسترا سرعان ما يتحول إلى سؤال مشروع من الجيتار لتجيب عليه الأوركسترا بإجابات مقتضبة ليتداخل وردي في أثناء هذا الحوار بين الجيتار والأوركسترا منادياً بإلحاح مراسي الشوق لكي تأتي
يا مراسي الشوق تعالي
تعالي تعالي تعالي
لا الليالي تمر بدونك
هي الليالي
من ضواحي الدنيا
جيت وعلّي رحالي
لمداين في عيونك يا محالي
ريحيني أستري حالي
عيوني في الدمعات وحيلة
أسمحيلا
أسمحيلا تشوف عيونك
أسمحيلا
أنا لا الصبر قادر علي
ولا عندي حيلة
المقطع الرابع كان مفاجئاً تسيده الجيتار على إيقاع تمتم مع تداخلات من الأوركسترا في منتهى الروعة والاحترافية ليتحول إلى مناجاة من الأوركسترا على إيقاع الفالس العالمي .... يا لك من عبقري كيف مزجت بين إيقاع سوداني محلي (التمتم) مع إيقاع عالمي (الفالس) في نفس الحوار؟ كيف لا وقد كان هذا المقطع هو الحاسم وفيه البوح الخالد
إنتي منك لا بداية
عرفت لسة ولا نهاية
مرة أسرح ومرة أفرح
ومرة تغلبني القراية
ولما أكتبلك وداعاً
قلبي ينزف في الدواية
يا صبية الريح ورايا
خلي من حضنك ضرايا
أثارت (جميلة ومستحيلة) ضجة وحراكا ثقافيا كبيرا جداً وعلى الفور انعقدت المقارنات بينها وبين صنوتها من شمال الوادي (قارئة الفنجان) ...
تحصل الأخ والصديق عبد الله قاسم علي بخيت على تسجيل لهذه الحفلة وكنا دائمي السماع لهذه الحفلة ول(جميلة ومستحيلة) على وجه الخصوص حتى حفظناها بكل لازماتها الموسيقية عن ظهر قلب ...
غنى وردي في هذا الحفل بعد (جميلة ومستحيلة) ثلاث أغنيات كانت على التوالي (يلا وتعال يلا)، (الحنينة السكرة) وهي أيضاً تقدم لأول مرة وأخيراً (نور العين) بشكلها الجديد (الحالي) ...
تلك كانت أسطورة عام 1976م (جميلة ومستحيلة) والتي أطلق اسمها على أكبر صرح تعليمي في السودان (جامعة الخرطوم) ... وعلى ذات النسق سميت جامعة القاهرة (الفرع) ب(الحنينة السكرة) ...
تصوير التلفزيون في (جميلة ومستحيلة) كان خرافياً، كانت هنالك كاميرا فوق خشبة المسرح حرة الحركة تتحرك تارة خلف الفرقة الموسيقية وتارة تأخذ كادراً مقرباً لوردي من إحدى الجانبين أو كليهما مما أعطى بعداً إخراجياً غير مسبوق ...
ألم أقل بأنه كان حفلاً استثنائياً
بكل تأكيد كانت (جميلة ومستحيلة) بداية مرحلة جديدة وشكلا آخر مختلفا في مسيرة الأستاذ الراحل وردي ....
رثاء عبد الحليم حافظ
في حفل أقيم على المسرح القومي بأم درمان ليلة 31/3/1977م وكان مشاركاً فيه الأستاذ وردي، وقبل تقديم وصلته بقليل وصل نبأ وفاة العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ في لندن، وعند صعوده لخشبة المسرح تناول المايكروفون ونعى للحضور العندليب الأسمر وطلب من الفرقة الموسيقية الوقوف دقيقة حداداً ... توقع الجميع بأن يفتتح وصلته ب(جميلة ومستحيلة) كعادته في تلك الأيام التي أعقبت تقديمه لها أول مرة، لكنه فاجأ الجميع بأغنية لم يتوقعها أحد، كانت البداية بأغنية الحقيبة
قسم بمحيك البدري
قسم بمحيك البدري
غرامك منه ضاق صدري
حبيبي بالعلي تدري
في تقديري كان وردي يرثي عبدالحليم حافظ بتلك الكلمات
ما بين وردي وبيليه
كنت في كثير من المناقشات التي تدور حول المقارنة بين العملاقين محمد وردي ومحمد الأمين أشبهما بالكرة البرازيلية والألمانية ... يتبع الأستاذ محمد الأمين أسلوبا ملتزما جداً فتجد نفس الموسيقى بنفس أداء العازفين سواء أكانت الحفلة جماهيرية كمسرح نادي الضباط أم في حفل زواج أم حتى تسجيلا داخل الاستديوهات مع أداء وجودة على أعلى مستوى وهو بالضبط ما يشبه التزام الكرة الألمانية ...
أما وردي فقد كان إذا غنى أي أغنية ففي كل مرة تجد لها أداءً جديداً وروحاً جديدة كأنها تغنى للمرة الأولى كما أنه يترك كثيرا من الحرية لأفراد الفرقة الموسيقية لإظهار مهاراتهم وإبداعاتهم الفنية الفردية داخل إطار اللحن الأساسي مما يطفى على موسيقاه حيوية ومتعة وأبلغ دليل على ذلك عندما قدم أغنية (الحنينة السكرة) لأول مرة ارتجل البارع صلاح دهب صولو بآلة الفلوت في بداية المقدمة الموسيقية وصار بعد ذلك أساس المقدمة الموسيقية لها، بالرغم من أن هذا الأسلوب يبدو سهلاً إلا إنه يتطلب تركيزا وانتباها على مستوى عال جداً وهذا هو أسلوب الكرة البرازيلية من زمن بيليه وجارنيشيا مروراً بسقراط وفالكاو وحتى كاكا ورونالدينيو.
حسن الخاتمة
حكت لي زوجتي بأن زميلتها في العمل (وهذه الزميلة من المتصوفة إحدى مريدي وحوار الشيخ دفع الله الصايم ديمة بأمبدة) جاءها أحد الأشخاص يوم تشييع جثمان الفقيد العزيز (الأحد 19/2/2012م) وقال لها لا يمكن أن يكون تشييع مغنٍّ بهذا الشكل والكم الهائل من الناس في حين أن تشييع فلان (سماه باسمه وهو في تقديره من الصالحين) لم يحظ بأي حشود أو جموع .... فكان رد هذه الزميلة المتصوفة ويا للعجب " إنت ما ح تقدر تحكم ولا تعرف مكانة أيٍّ من البشر عند الله سبحانه وتعالى .... وأحكي ليك حكاية، مرة ونحنا في مأمورية في الشمالية كنا نمر على قرى عديدة، وفي كل قرية كنت أسأل عن وجود أي مسجد، وفي إحداها وجدنا مسجدا وقيل لنا إن من شيد هذا المسجد هو وردي "
ولم يكن إلا لقاءً


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.