أمس، الأحد الأول من فبراير 2026، هبطت طائرة تابعة للخطوط الجوية السودانية "سودانير" في مطار الخرطوم.. معلنةً انتهاء صفحة مؤلمة من اغتصاب عاصمة السودان وكتم أنفاسها في بحور الفوضى التي أشاعتها قوات التمرد منذ صباح السبت 15 أبريل 2023. فرحة السودانيين بالحدث السعيد غطت البصر عن التحديق في الحيثيات والمعطيات التي تجعل السودان يفرح بالعودة إلى الماضي بدلاً من القفز إلى المستقبل كما تفعل كل الأمم. العنوان العريض الذي يلخص سيرة السودان التاريخية منذ بداية التكوين المعاصر الثاني: دولة تعلمت التعددية السياسية منذ بداية الأربعينيات، وأجرت أول انتخابات تعددية بإشراف لجنة دولية في نوفمبر 1953، ثم تشكيل أول حكومة وطنية، وافتتاح أول برلمان في 1954.. كل ذلك قبل الاستقلال بعامين كاملين. أي أن احتفال وفرحة السودانيين صباح الأول من يناير 1956 لم يكن لمجرد إعلان الاستقلال، فقد كانت الدولة بأسنانها قد تعلمت السياسة والتعددية، وأكمل السودان استعداده وتسلم إدارة الوطن في أفضل حال. كان السودان حينها نجمًا في سماء أفريقيا والعالم العربي، تحسده الشعوب الأخرى على ما وصل إليه وما يكتنزه من خيرات.. وبحساب بسيط مبني على منصة الانطلاق، يفترض أن السودان اليوم في سماء ما طاولتها سماء.. دولة تضيء ليالي أفريقيا والعالم أجمع باستنارتها ومدنيتها. لكن الناظر إلى شريط التاريخ منذ ذلك الحين حتى اليوم يلمس الفشل المتراكم المستمر.. والنكبات التي تعتلي ظهر الشعب السوداني من صنائع الساسة والفشل الوخيم في إدارة البلاد.. تقلبات بين عهود تعددية وأخرى شمولية، وتناحر يصل إلى إسالة الدماء في سبيل الوصول إلى كرسي الحكم.. وما أن يستقر المقام لحكم، فردًا كان أو حزبًا، حتى يكتشف الناس أن كل مشروعه وبرنامجه هو إحكام قبضته على مقاليد الحكم.. حكم من أجل متعة الحكم.. بلا نظر لحال الشعب الذي لسان حاله يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.. يملك كل شيء ولا يملك شيئًا. هل تغير العنوان العريض؟ الفشل السياسي. لا.. الحرب التي تسببت في إغلاق مطار الخرطوم وتدمير الطائرات الجاثمة على أرضه.. وحجبت "سودانير" عن عاصمتها لقرابة الثلاث سنوات حسومًا.. كانت بسبب الخلافات السياسية العاصفة التي استعصت على الحل بين الساسة، فامتشقوا السيوف.. ودفع شعب السودان ثمنًا فادحًا: مليون شهيد حتى اليوم، من لم يمت بالرصاص مات بالمرض أو المجاعة أو الحسرة. هل تغير العنوان؟ صحيح أن التعافي من النكبة الأخيرة يمضي بفضل الله كل يوم إلى أفضل.. لكن هذا لا يعني أن السودان وضع أقدامه في الطريق الصحيح.. ولا يعني أن أية فرحة قابلة للتمدد مع الزمن لتمسح كل دمعة.. ولا يعني أن الخطر زال.. حتى ولو طردنا التمرد من آخر شبر من أرض السودان.. لا يزال الخطر هنا، حيث حطت طائرة "سودانير".. جمر تحت الرماد. لا نتوقع أن تمطر السماء حلولاً لأزمتنا السياسية بين ليلة وضحاها.. لكننا فقط نتطلع إلى البداية الصحيحة.. أن نضع أقدامنا في الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح.