منعم سليمان في خطابه المصوّر أمس، ظهر الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس وزراء حكومة الثورة المدنية المُنقلب عليها، بوصفه الصوت الذي يحاول إنقاذ ما بقي من وطن يتهاوى تحت حرب تدخل عامها الثالث بلا رحمة. لم يقدّم حمدوك خطاباً سياسياً رتيباً، بل وثيقة إنذار تقف على الحد الفاصل بين بقاء السودان وبين تفتّته وانهياره الكامل، وتضع جميع الأطراف، محلياً وإقليمياً ودولياً، أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والسياسية. جاء الخطاب عميقاً وهادئ التحليل، إذ نقل النزاع من كونه صراعاً مسلحاً بين طرفين إلى حرب شاملة تستهدف الإنسان السوداني في حياته وهويته ومستقبله. وكشف حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الملايين؛ مئات الآلاف يُقتلون ويُشرّدون، وملايين آخرون نزحوا ولجؤوا إلى خارج الوطن، بينما تتراكم جرائم الحرب من استخدام الغذاء كسلاح إلى العنف الجنسي والقصف العشوائي، وصولاً إلى استخدام أسلحة كيميائية خطيرة ومحرمة دولياً. إنها لوحة سوداء لحرب خرجت تماماً عن أي منطق إنساني أو سياسي أو عسكري. وتميّز الخطاب بالوضوح: وقف إطلاق النار يجب أن يكون فورياً وغير مشروط، لأن الشروط باتت مجرد ذريعة لإطالة النزيف. ورغم إعلان قوات الدعم السريع استعدادها للتفاوض، فإن قيادة الجيش – الخاضعة لنفوذ واضح لجماعة الإخوان داخل مواقع القرار – هي التي استمرت في رفض الهدنة والتفاوض، باعتبار الحرب وسيلة لإحياء مشروع ديني سياسي سقط بثورة شعبية. والملاحظة الساطعة في خطاب حمدوك أنه، رغم وضوحه الشديد الذي لامس جذور الأزمة بعمق، جاء بعيداً عن الاتهامات المباشرة، مقدّماً تشخيصاً موضوعياً بنبرة سلسة وهادئة تترك للمتلقي قراءة الأزمة بعمق ويسر، وتقدّم حلولاً عملية لها دون ضوضاء. وعلى صعيد المقاربة العملية، قدّم الخطاب خارطة طريق إسعافية لإنقاذ الدولة من الانهيار، تضمنت خمس خطوات عاجلة: وقف النار الفوري، فتح الممرات الإنسانية بلا قيود، حماية المدنيين ومحاسبة الجناة، تعبئة الموارد الدولية لدعم السودان، وإنشاء آلية أممية عابرة للحدود لضمان وصول الإغاثة. لم يطرح الخطاب شعارات، بل برنامجاً عملياً يختبر إرادة المجتمع الدولي. كما وجّه رسالة إلى الرباعية (الولاياتالمتحدة، الإمارات، السعودية، ومصر)، شاكراً جهودها وعودتها للملف مرة أخرى، مشيراً إلى أن البيانات مهما علت لا تصنع سلاماً، وإلى أن السودان الآن يحتاج أفعالاً، لا مجاملاتٍ دبلوماسية. في محصلة الخطاب، بدا حمدوك كأنه يعيد تعريف الوطنية في زمن الانهيار: لا وطن مع حرب، ولا ديمقراطية دون سلام، ولا سلام في ظل مليشيات الهوس الديني، ولا مستقبل لجيل يُدفن تحت الركام. رسالته الجوهرية أن وقف الحرب ليس خياراً سياسياً بل شرط حياة، وأن الطريق إلى شعار ثورة ديسمبر (حرية، سلام، وعدالة) يظل مغلقاً ما دام قرار استمرار الحرب محتبساً لدى قيادة عسكرية متأثرة بعقلية إخوانية ترى في استمرار القتال خدمةً لمشروعها السياسي لا خطيئة في حق الوطن. هكذا تكلّم حمدوك، ووضع الحرب أمام مرآتها القاتمة، وقال ما يجب قوله بصوت عاقل في زمن صاخب.