بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فى الثمانين من عمره يكتب "نسيان ما لم يحدث "
نشر في الصيحة يوم 17 - 01 - 2020


يحدد العمر مسارات خطيرة جداً في الكتابة
السرديات الكبرى سدت الطرق أمام الكتابة الجديدة
حوار: محمد نجيب محمد علي
أن تقرأ عيسى الحلو فأنت تقرأ تاريخ السرد فى السودان، بكل تجلياته وانحناءاته وصعوده وهبوطه، وعيسى السارد المفكر من الأصوات القليلة فى تاريخ السرد العربي التى ارتبط اسمها بفلسفة الحياة سردياً ونقدياً، فهو ناقد وكاتب قصصي وروائي ويشتغل بالهم والعمل الثقافي، وقد ظل عيسى فى كل سنواته التي تربو على الستة عقود اسمًا لامعاً تطرح حول منتوجاته الأدبية الأسئلة والمقارنة والمقاربة والمغايرة، وهو الآن يربو على الثمانين ويكتب الرواية، وإن قال ساخراً هذه قد تكون آخر رواياتي السردية، سأشتغل على قضايا فكرية أخرت النظر فيها كثيراً . يكتب عيسى " نسيان ما لم يحدث " ، وبما أن هذا الحوار كان فى ترتيبه بمناسبة قرب صدور روايته الجديدة ، إلا أن الكاتب الذي له مع التجريب في الكتابة باعا طويلاً، إلا أنه بلا شك القارىء لن ينسى ما لم يحدث .
جلست إليه وكانت هذه حصيلة الحوار .
-بعد كل هذه التجربة الواسعة في الكتابة، وأنت على أعتاب الثمانين فى العمر، وتكتب فى رواية . كيف تنظر إلى "نسيان ما لم يحدث " اسم الرواية والتجربة؟
يحدد العمر مسارات خطيرة جداً فى الكتابة، عندما كنت شاباً غالباً ما كنت واثقاً من حكمة استخرجها من تجربتي فأعتقد أنها الحقيقة أو حقيقة الحقائق وأن أفق التجربة ينتهى ها هنا ، أما خطورة كتابة الكهول فإنها أيضاً مقياسها الثقة فى حكمة تجاربهم، وأتساءل دائماً أيهما هو الحقيقي الماضي الشاب أم الراهن، حاولت بكل هذه التجارب فى الرواية الأخيرة أن أغامر دون أن أخشى عدم الرضا، وعدم الرضا هذا يتابع الكاتب في كل تجربته فإذا أصبت في الشباب أو كنت حقيقياً فى الكهولة فإن شرف المحاولة هو هدفي .
-أطلقت على روايتك الأخيرة وهي الآن بالمطبعة عنواناً قد لا يوحي بالتفسير وإن كان يوحى بالاختلاف هو نسيان ما لم يحدث، ماذا أردت بهذا النسيان، هل خوف التجربة أم خوف العمر أم أن للسرد تجلياته؟
هي ذاكرة للأصوات المفصلية في تاريخ السودان القديم والحديث، وهو تاريخ زاخر بما حدث وما لم يحدث وبنسيان بعض أحداثه، لذلك عليك أن تقول صراحة وهنا أتحدث بصوت الناقد لا الراوي، هي مغامرة شكلانية في اجتراح طريقة للسرد تقول بتأسيس سرد يحافظ على التراتبية الزمنية، وفي نفس اللحظة يمضي إلى هناك ، إلى انكسارات في مسار الزمن، هذا الانكسار فى الزمن هل من فعل السارد أم أبطال الرواية الذين يتواجدون في أزمنة مختلفة ومتباعدة، نعم هم يتواجدون فى أزمنة متباعدة ومختلفة، ومن هنا أرى في العنوان المحاولة في قراءة أيهما أوضح التذكر أم النسيان، وأيهما الحقيقي، الحدث المنسي أم الحدث الذي يحدث الآن، كل هذه الأسئلة قد تكون بلا إجابات إذ أن التاريخ الحقيقي برماله المتحركة قد يخفي داخل التاريخ السردي ثناياه، ويختلف تماماً عن التاريخ السردي، إذ أن المتخيل في مقياسه يوازي الواقع ولا يرسمه بل يحاول أن يتجاوزه ليكون برهاناً عليه، أما أي البراهين أسلم، فإن القارىء المحتمل بزاوية نظره المختلفة هو المقياس .
-كيف تختار العنوان، هنالك من الكتاب من يكتب العنوان ويكتب عليه وهنالك من لا يفعل ذلك؟
العناوين قد تكون دائماً بالنسبة لي هي المدخل لموضوع من الموضوعات أو فكرة تتعلق بموضوع يأتي عنوانه قبل سياقه، ولكن العنوان كما الحياة في علاقتى بها بين العام والخاص يمثل العتبة الأساسية للخطوط العامة التي تحكم السرد، وكذلك الفضاء الواسع الذي تدور فيه أحداث القصة أو الرواية، بعبارة أخرى صادقة العناوين هة الثيمات أو الأفكار الأساسية التي تجرد لك المعاني، أو هي التجريدات التي تقوم على مداميكها القصة أو الرواية بتجسيدها.
-هل الفكرة أم العنوان؟
هنالك كتاب ينطلقون من الأفكار أنا من بين هؤلاء، في القصة العالمية أرى بوضوح في ذلك كيلان كونديرا والبرتومورافيا ، وأيضاً هنالك جان بول سارتر الذي كتب رواياته بدافع تبسيط الفكر الوجودي فلسفياً . وهنالك كتاب يسيرون في الاتجاه المعاكس وهم يبدأون من تجارب مجسدة بالفعل ويحاولون أن يصلوا إلى الثيمة أو الفكرة الأساسية التى تحكيها .
-ماذا تسمي مثل هذه الكتابة؟
أسميها بالدراما الفلسفية أما الاتجاهات الأخرى في الكتابة فإنها قد تندرج فى الاتجاه الواقعى وهنالك واقعيات كثيرة يصنف فلسفياً ونقدياً منها الواقعية الاشتراكية، الواقعية النقدية، والواقعية الفتوغرافية. ولا تنسى الرومانسيات وتندرج تحتها كل تلك المدارس التي تعلى من شأن الذات " أبطال الروايات على حساب الواقع الذي يحيط بها.
-في الكتابة الروائية نجد كثيراً الإعلاء من شأن البطل؟
قد يكون ذلك صحيحاً تماماً، إذ نجد في بعض الكتابات الروائية الإعلاء من شأن الإنسان البطل على ضرورات الواقع، وقد هيمنت هذه الصورة بعد الحرب العالمية الثانية وانكساراتها وجروحها ، إذ كانت الهزيمة هزيمة البطل، وقد غزت هذا الإتجاه وجعلته رائجاً حتى أصبحنا في دول العالم الثالث نمضي نحو البطل المأزوم بدلاً عن ما ساد من واقعية اشتراكية في تلك الفترة .
-تظهر أمثلة البطل المأزوم جلياً في القصص السودانية عند الزبير علي وخوجلي شكر الله وعلي المك والطيب زروق؟
نعم ، استمر هذا لفترة ليست بالقصيرة ولا بالطويلة، إلى أن جاء الطيب صالح بمفهوم أكثر اتساعاً ساهم فى اتساع الرؤيا، وإن كان ذلك بمفهوم رومانتيكى يلحق بالمفهوم السابق هو انهزام البطل مصطفى سعيد أمام قوى استلابية عالمية، وكان موضوع البحث عن الهوية ورواية موسم الهجرة إلى الشمال تجسد فكرة مجردة، هى الاستلاب الثقافي عبر واقع مجسد يدور فيه فعل الأبطال دراميًا .
-كيف تقرأ ذلك؟
أرى فى موسم الهجرة إلى الشمال تمثيلا للفكرة كما يقول أرسطو، وقد تجسد هذه المقولة تلخيصاً لك من أن هنالك كاتباً درامياً يكتب تجربته، أي أنه يغرف من الحياة مباشرة، وهذه تسمى بكتابة المغامرات، وهنالك الكتابة المازية الأخرى هي أن تكتب عن الأفكار مما قرأت وليس عن ما عشت، فمفهوم أن الكاتب الناقد، أي الكاتب الروائي من النوع الأخير بالنسبة للاتجاه الرومانتيكى وتعريفه بأنه كاتب فاشل لأنه لم يعش ما كتب فهو يمشي على رأسه لا على قدميه .
-في مقولة سابقة لك قلت إن الطيب صالح سقف الرواية، ثم تراجعت قليلاً في مقولة حسبت لك بأن هناك تجديدا في الرواية وبنائها، ثم عدت مرة أخرى وأكدت أن الطيب صالح هو سقف الرواية، أين عيسي الحلو في كل هذه الآراء؟
منطقياً لا يقبل إيقاف خط سير الزمن، بأمر أراه أو يراه غيري . حين قلت إن الطيب سقف الرواية كان هذا مستوى التصور وقد لا يقبله العالم، إذ أن العالم يتحرك، وكنت أنظر للواقع . وعندما تراجعت كنت أنظر لمنعطف الأشياء إذ أن الدنيا لا تسير بأوامر بشرية، نقول لها سيري فتسير، نقول لها قفي فتقف. أنا منسجم جدًا مع مسار تفكيري ولست متناقضاً أبداً ، فكان موقفي الثاني هو عبارة عن أمنية أو عبارة عن إشارة لما ينبغي أن يكون ولكن الواقع هو سقف الرواية .
-تجربتك الكبيرة لما يقارب الستة عقود كيف تنظر إليها ؟
مرت بأطوار مختلفة، الآن أنظر إليها وأسترجعها، ومرات أتعرف على قدراتى في منابعها الأساسية، وأحيانا أجد أنني قد انحرفت عن خط السير الأساسي دون أن أبارح الفكر أو الفكرة.
-فترة الستينات؟
أنظر إلى هذا التاريخ منذ الستينات حتى الآن فأجد أنني قد صنعت نفسي ككاتب من خلال عنصرين أساسيين هي الفطرة والعفوية والعنصر الثاني التجربة والخبرة . أتذكر أن ناشري الأول فى دار الحياة البيروتية قد كتب على غلاف كتابي الأول " ريش الببغاء " هذه موهبة جديدة نقدمها للقارئ، دون أن يشير إلى أي قارئ يتوجه ؟ هل إلى القارئ على هامش الثقافة العربية المعاصرة أم إلى عواصم الثقافة الكبرى ؟ ومن هنا كان أن وقفت طويلاً على كلمة موهبة.
-لماذا وقفت على كلمة موهبة، هل خوفاً من التجربة الأولى والأخيرة، أم إن سقف التطور لن يتجاوز الموهبة إلى التجربة ؟
لا أخفيك سراً، أننى قد وقفت طويلًا أمام كلمة موهبة، ووجدت أن الموهبة حين أراها هى النقاء والفطرة والخبرة " الطبع والتطبع " لذلك فرض علي الموقف المتأخر أي الراهن أن أنظر إلى تجربتي فى عفويتها ،أي انعدام الخبرة، وإرادة اكتسابها. لهذا أخذت نفسي وأصبحت أقرأ كثيراً فى الفكر وفي النقد الأدبي وفي النماذج الإبداعية الكبرى، وعلى مر الأيام أجدني أقرأ فى الفكر وفي تاريخ الفكر وفي الأدب ومختلف أشكاله الرواية والقصة وما تيسر لي منها .
-هل ساعدتك القراءة المتوسعة في الكتابة روائياً أم نقدياً؟
أصبحت أتجاوز كل نص كنت فى البداية أخرج بعد فرح جمالي عال وانظر إليه بزوايا جديدة مختلفة، واستطعت بذلك أن أنظر لأبناء جيلي وللأجيال التالية بكثير من اللوم والمحبة بأنهم لم يأخذوا أنفسهم بالشدة، فتضخمت الذوات الكتابية أحيانًا ، وغابت نظرة التقييم للتجارب بالرؤية الواضحة الناصعة .
-ألا تجد في ذلك تواضع الكاتب منك؟
يقولون لي ذلك، وأنك متواضع كأنما ذلك خلل في استقامة الأمور، وأنا أرى أن الكاتب كلما عاش تواضعاً قرأ العالم وما حوله ونفسه قراءة ذاتية جيدة لا ترتبط بنرجسية ولا تضخم الأشياء ، ومنها أنه يستطيع القبض على الإطار الموضوعى . وإذا تتبعت الذات الكاتبة قدراتها من المنبع إلى المصب فإنها ستجد أنه كان عليها بتعديل المسار هنا وهناك .
-هل راجعت كتاباتك السابقة وقرأتها نقدياً؟
أذكر أن ناشر دار الجيل طلب مني أن أعد مجموعة من أعمالي السابقة، وكان ذلك في بداية الثمانينات من القرن الماضي، وذهبت إلى دار الوثائق واستطعت أن أحصل على كثير من القصص التى كتبتها ما بين السبعينات والثمانينات، وبعد أن قرأت هذه النصوص وجدت أنني أحتفظ لها بذكريات خاطئة، فقد كنت أحسبها قد بلغت شأوا بعيدا من التجويد، وبحكم تجربتى الجديدة وقراءاتى وجدتها لا تصلح للنشر في الفترة التي أراد الناشر أن يعيدها ، وهي تبدأ من أواخر الستينات إلى السبعينات ، وتذكرت قول الكاتب الأمريكي أرنست همنجواي أن ما يظهر من القصة هو الثلث الأول أما الثلثان الباقيان يختفيان تحت الماء .
-عرف عيسى الحلو بالروائي والقاص والناقد أين تجد نفسك في هذه البحور ؟
أقول إننى من خلال كل هذه الوسائل أبحث عن نص يدفع بالأشياء إلى الأمام، ويضيء إضاءة كافية لغيري، لهذا أصبحت غير منشغل بكتابة القصة أو الرواية كما هو في السابق، أنشغل بالقضايا الفكرية في فضائها المجرد، وجدت أن هذه التجربة الفكرية وقراءاتها أعمق وأغنى، ربما لأنني اكتهلت وأصبحت أواجه من بين ما أواجهه من أسئلة سؤال الموت، أنا لا أخافه ولكن تتضاءل كل الأفراح والمتع الصغيرة وتصبح في أماكن بعيدة جداً.
-هل هذه النظرة الفكرية والفلسفية البعيدة إلى ما وراء الحياة تمثل للكاتب الانعتاق مما يحيط به؟
قد يكون ذلك جائزاً حسب ما أراه وقد يراعي غيري ذلك، إلا أن حرية الكتابة تتمثل في هذا الطيران لهذه المسافات البعيدة المطلقة في مختلف جوانب الإبداع، وأنظر إلى شعرائنا الذين أحبهم جداً أمثال الراحل عبد الحي والتجاني سعيد وقد وقفا حقاً أمام مثل هذه الأسئلة كما أجد في التشكيلي أحمد عبد العال ذات الوقوف وذات الدهشة ونفس السؤال، كما أجد عند الناقد النور حمد مغامرة مثل هذا .
-هل نسيت فى غمرة الفكر والسرد كتابة القصة القصيرة ؟
أحياناً تأتيني خواطر صغيرة كومضة تتشابك في داخلها حكايات صغيرة عن قصص يمكن أن تكتب بجمال واقتدار إلا أنها ما تلبث قليلاً وإلا وتنطفئ كأعواد ثقاب . وعندما أقول بموت القصة أنا لا أقول إنها انحدرت أو أنها فقدت بريقها فكتابها القدامى والجدد لهما الحضور إلا أنها فقدت قارئها
-هناك من لا يزال يكتب القصة ومن يقرأها؟
أقول في السنوات الأخيرة كقارىء وليس كاتباً لم أجد النص القادر قصصياً على كشف تعقيدات هذا العصر . في زماننا هذا قد تغيرت اللحظة القصيرة الوامضة السريعة وهذه تحتاج إلى جهد أكثر وإلى فضاء أوسع ولهذا أصبحت الرواية هي سيدة العصر لتفكيك هذه التعقيدات والتشبيكات والأزمنة المنفتحة على الواقع والجراحات والحب والأزمة .
-برزت الكثير من الأسئلة حول الرواية السودانية وموقعها بين نظيراتها في العالم العربي ؟
لا أخفي عليك أن هناك نصوصاً مبشرة في العالم العربي وفي السودان والعالم الثالث عموماً، لكن المشكلة الحقيقية أن كثيرًا من الروايات وخصوصًا في السودان تنطلق من التراث الشفاهي والمحكي مثلها مثل الشعر الشعبي، فإذا نظرت إلى قصيدة التفعيلة في السودان تجد نجاحها وتطورها لأنها قامت على تراث مكتوب. الرواية ليست هي ما يقول القول، الرواية هي الطريقة التي يكتب بها القول، والرواية ليست المعنى، ولكن الإطار الذي يؤطر به المعنى كما يقول الشكلانيون إن اللغة هنا مقصودة لذاتها وليست مقصودة لأن تكون أداة توصيل اللغة، فى الحالة الأولى لازمة وفي الحالة الثانية متعدية .
-الرواية العربية ؟
إذا أردنا أن نقف وقفة خاصة نرى أن الكتابات الكبرى قد سدت الطريق، وما زال كتاب الجيل يقفون تحت عجلات الكبار من الكتاب العرب . وما أراه أن الاطلاع على عيون التراث العالمي قليل جداً، والتجارب الوجودية الحياتية ضعيفة ، وقد سبق أن أشرت أن الكتابة هنا تأتي من منبعين إما من الحياة العميقة مباشرة أو من القراءات العميقة أيضاً، وفي متابعتي الكبيرة لهذه الكتابات الروائية الكبيرة لا أرى شيئًا من هذا أو ذاك الآن بصورة متقدمة إلا من أسماء كبيرة رسخت على مر السنين وتقودها تجربتها العميقة في الكتابة إلى القارئ.
-قلت سابقاً بأن الربيع العربي قد فشل لطغيان السياسة على الفكر وغياب الناظم الثقافي الذي يقرأ الهوية والواقع وراهن الشعوب ؟
سيادة الأزمة في مناحيها السياسية والثقافية تكبل الواقع المعاصر الذي تعيشه، والذي وصل حد سد كل المنافذ للرؤية الفكرية الناصعة، ولا ننسى أننا ورثة القول الشعر ديوان العرب في الوقت الذي ورثنا فيه الثقافة ثقافة كل العالم . إن الفكرة هي ديوان الإنسانية جمعاء، تفوق الرواية والشعر والنقد في البلاد الأنجلوسكسونية هو اعتماد هذه الثقافة على الفلسفة، هذا ما أدى إلى رقي الإبداع ونصاعة العلوم ونحن لا نزال خارج العصر كما قال أحد المفكرين العرب . وفشل الربيع أتى لرومانسية وشعرية ثواره وجماهيره إذ نحن مأزومون بواقع محدد، واقع غير مرغوب فيه وإن كان واقع واجب التغيير ولكننا لا نملك الإجابة على سؤال كيف هو التغيير وملهى بدائل ما قمنا بتغييره، نحن منفعلون ولسنا مفكرون هذه هي المعضلة التي أدت إلى الفشل وإلى مزيد من الإحباط.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.