(ده ماهلالك ياهلال؟؟)    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    عارفين ليه ياهلالاب!!    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    السفارة في العمارة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    جاهزية كاملة لانطلاق بطولة «الطريق إلى القمة» بعد اجتياز مقاتلي PFL للميزان    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    مع اقتراب الجيش من أبوزبد والدبيبات والفولة، تبدو خيارات المليشيا وعصاباتها صفرية    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حوار الأستاذ مع تلميذه الروائي: تكريم شخصي لعيسى الحلو .. بقلم: جمال محمد إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 08 - 01 - 2015


[email protected]
(1)
صديقي الأستاذ عيسى الحلو ..
أجلس إليك على رهبة واستحياء، لكنك بتواضع الأستاذ الكبير، ستسألني وأنا أجيبك قدر ما تعينني اللغة لتصل إليك فكرتي. قلت لي بعد أن اعتمرت قبعة الصحفي وخلعت عمامة الروائي، لندير حواراً حول تجربتي في الكتابة، وأنا أدرك تماماً أنّ السائل ليس بأعلم من المسئول! جلستنا في مكاتب الصحيفة موحية بكلام كثير، ولكنها لا تخلو من ضوضاء المحررين يتبادلون القصص والقصاصات، لإخراج عدد الصحيفة في الغد وبعد سويعات. هناك محمد عبدالقادر، شيخ صحيفة "الرأي العام" . مالك طه مدير التحرير. الشبارقة بأناقته المعهودة. مريم أبشر. سنهوري عيسى هاشا باشاً. صديقي ابراهيم عمار ليس في ركنه المعتاد. عيسى أين أنت. .؟
آتي إليك أنا في ركنك المفضل . يبادر بسؤالي الأستاذ الصديق عيسى الحلو:
أتخيلك وأنت تسافر من مدينة إلى أخرى وقد اخذتك مهنتك الدبلوماسية من الخرطوم إلى مدمن قريبة ، مثل كمبالا، وأخرى قصية مثل بكين. . كيف هي علاقتك مع المدن على اختلافها وتبايناتها..؟
أجيبك على سؤالك المباغت فأقول:
عن المدن التي عبرتها في سنواتي الماضيات. عبرتها ..؟ كلا ، بل أقمت في بعضها السنوات الطوال، وفي بعضها الآخر سويعات قصار. للأمكنة عندي نسبيتها الرشيقة ، أستشعرها بقدر ما تترك فيّ من انطباع.
عن المدن يطول الحديث. الأمكنة هي التي تترك بصمتها على التجربة الابداعية، وأنا لا اتصور إبداعا معلقاً في فضاء الزمن ، لا سقف له ولا قاع . هي قصة اللؤلؤة والمحار . الطائر والعش . ثمة أعشاش لا يعيرها الطير التفاتا، كما أن هنالك من الأمكنة ما تعبره ولا يعبرك منذ أول وهلة . للمكان سحره بلا شك لكنه قد يكون سحرا متاحا لك في حينه أو قد يختبيء في الذاكرة ولا يغادرها . ليس بالضرورة أن يطابق الزمان مكانه . أنا محظوظ لأن مهنتي أخرجتني مرات كثيرة من "محارتي" في السودان ، ومقامي في مدن أخرى لم يكن كمقام صالح في ثمود . بمعنى أني كنت متصالحا مع محارتي المؤقتة ، مع العشّ الذي أسكنه لحين وأهرب منه إلى فضاء آخر . في الأعشاش الأخرى تتكشف لي عناصر تكوين شخصيتي على نحو أوضح وأشد لمعانا . يظهر ذلك كثيراً في كتابتي الابداعية ، قصة كانت أم قصيدة ... فقد عشت في مدن تتناقض أحوال بعضها البعض .عشتُ زمانا في مدن افريقية ومدن أخرى عربية أو آسيوية . سكنت أعواماً في تهران كما أقمت في بكين والرياض ولندن وتونس . من بين المدن التي سعدت فيها برغم قصر إقامتي فيها ، بيروت . هذه عاصمة تتنفس ثقافة، ومطابعها ودور النشر فيها، تضخّ الكتب والمطبوعات مثلما يضخّ القلبُ الدم في الشرايين فتهب الجسم حياته.. في بيروت صحا الأديب الشاعر الروائي الذي كان نائماً لعقود طويلة في داخلي. أنا أكتب الشعر منذ السبعينيات من القرن الماضي. بدأت كتابة روايتي "دفاتر كمبالا" في أوائل الثمانينات، وأكملتها في بيروت عام 2009. كم هي مدهشة قدرة بعض المدن، على استثارة الكوامن وايقاظ الدهشة النائمة. بيروت عشق مستدام، وقد فعلت بي ذلك...
( 2)
أيها الصديق العزيز، أستاذي عيسى الحلو. .
أعرف أنك ستسألني كيف يجري قلمي على الكتابة.. كيف أبدأ وكيف تنتهي كتابة في السرد، وأنت شيخ العارفين بأسرار الروايات والحجى. .
لعلي أرى الأنسب هنا أن أحدثك عما يحرّك لواعجي ككاتب ، وما يزلزل قلمي ليفصح عمّا اختمر بدواخلي من تجارب، بعد جولات في المكان ورحلات في الزمان . . لا أكتب من وحي يوحى ، ولا تأتني القصة أو يتنزل عليّ السرد من أمكنة مأهولة بالشياطين كما كان الظنّ بالشعراء يأتونهم من وادي عبقر. لا . بين التجربة والاختزان والاختمار والتفاعل، مسافات قد تقصر وقد تطول وقد تكون ساعات، كما قد تكون سنوات. وأيضاً لا تقاس على مكانٍ أو زمان، فهي محض خيال وافتراض. . محرّكات الكتابة الإبداعية عندي تخرج عن خيال وثاب ومن تجارب حياتية لا أنكرها ، وعن قدرة على اعادة الصياغة بعد ذلك . السفر البعيد هو السفر الحقيقي إلى داخل النفس ، واستكشاف مغاورها وكهوفها وزواريبها..
( 3)
تسألني عن أحبّ كتاباتي إليّ. كأنك تسأل عن أحبّ أبنائي وبناتي إليّ! سؤال صعب ، ولكني أجيبك عن أحبّ ما كتبت إلى نفسي بصراحة متناهية ، إذ لا تغير كتاباتي من بعضها البعض. أتصوّرها تتناسل من رحمٍ واحد ، فلا تثريب إن حدثتك عن أحبّ ما كتبت..
في روايتي "دفاتر كمبالا.."(بيروت، 2009)، يرى المتلقي فيها ما قد لا أراه أنا . وربما يعيد ناقد حصيف بعض الذي اختبأ في القصة، مما لا أريد أن أحكي عنه فأصادر حق الآخر المتلقي في قبول عملي الإبداعي على النحو الذي - ربما- لا يوافق رؤيتي حين كتبت الرواية. لحظة رفع القلم هي لحظة الطلاق مع عملي الإبداعي. بعدها اقرأه مثلما يقرأه القاريء المحايد، فيقترب أو يجفل منه. هل أحيلك لبيت المتنبي الشهير في تركه الخلق يختصمون حول شعره .. ؟ لكني لأشفي غليلك ، أقول لك أني كنت مسكوناً بهواجس وأسئلة الهوية ومكوّناتها، خاصة عناصرها الأفريقية الملتبسة علينا في السودان، ونحن المنحدرين -على المزاعم – من العباس رضي الله عنه .. روايتي الأخيرة لا تخرج عن أسئلة الهوية، وإن عالجتها بالتخييل الروائي. "رحلة العسكري الأخيرة"(الخرطوم،2014) وهي عن سيرة متخيلة للبطل عبدالفضيل الماظ.
( 4)
أستاذي عيسى الحلو: تسألني عن الشعر والرواية، وأيهما أكثر إلحاحاً على قلمي وأشدّ طرقا. . :
ها أنت من بعد حديثنا عن المتنبي وعن اختصام الخلق حول شعره ، ندلف إلى سؤالٍ عن الشعر والقصّ . . سؤال يعجبني . نحن لا نتحدث بالطبع عن ظواهر ابداعية جامدة في "ستاتيكيتها" ، بل هي في حال من التغيير والتحول ، خاصة لو نظرنا في معينات الكتابة وأساليبها وأدواتها ، قبل أن ننظر في المضامين والمدلولات ، ومن ثم الاختلاف في المدارس الأدبية التي عرفها الناس . لأحدثك عن الشاعر الراحل محمود درويش وقد لاحظت في كتاباته الأخيرة ، جنوحه للتجريب في الشعر بحيث أحدث تغييراً لا يلاحظ بسهولة في شعره المنشور، فقد اتجه لاختلاق قافية ورويّ مدسوس في نظمه . ليست هنالك قافية في آخر البيت، بل في ثناياه . ألغى الشاعر ذلك الجدار الوهمي بين البيت وعجزه . تجاوز الشاعر الراحل محمود درويش هذا الجانب أيضاً إلى استلاف تكنيك القصّ، ورسم الصور الشعرية، بحيث يمنح المتلقي "لحظة الإدهاش" المطلوبة والذهول الخلاق، الذي يفتح للمتلقي أن يكون موجوداً داخل نصوصه الشعرية . بعدها شرع في تجريبه الأخير إلى محاولة الغاء المسافات بين الشعر والنثر. قد تكون هنالك تجارب سابقة ومن آخرين ، وتحضرني هنا تجربة الشاعر الراحل صلاح أحمد ابراهيم مع شعر "الهايكو" الياباني. حين يكتب صلاح :
النيل وخيرات الأرض هنالك ..
ومع ذلك، ومع ذلك..
هذه قصة قصيرة مختزلة في بيت شعرٍ متناهي الصغر. . !
لننظر ثانية ما كتب درويش. نجده وبعد رحلته الشعرية الطويلة ، يركن إلى أبي حيان التوحيدي، ويحاول أن يجد طريقاً يقترب فيه الشعر من الكتابة الابداعية النثرية . كأنه يبحث عن زواج بين ما يأتي من الفطرة وما يكتسب من الصنعة. الذي أحسسته أن درويش اقترب من كتابة تلغي الفوارق بين كتابة القصيدة وكتابة القصة القصيرة . لست مجارياً لدرويش - في فهمي القاصر لأسلوبه الفذ -ولكني بتجربتي الطويلة نسبياً في كتابة الشعر ، فإني أكتب الرواية بنفَسٍ شعريّ لا يغيب ذلك عن نظر القاريء أوالمتلقي أوالناقد . هنالك صفحات طويلة من الرواية أحسّ أنها قصيدة منثورة تسللت إلى الرواية ، بالطبع لم أتعمدها.. استطرد وأعيدك إلى الرواية التي أسرتني من بين كل روايات نجيب محفوظ : "ميرامار" . تبدأ في أول سطر هكذا : " الاسكندرية . . قطر الندى .." . شاعر هذا الذي كتب وليس روائياً .. كما يقال في أدبيات السياسة : إن العالم صار قرية صغيرة ، فإن الابداع صار عالماً تقترب فيه المسافات بين أشكاله وطرق التعبير فيه ، بشكل معقد وتقصر رويداً رويدا ، ولا يمكن لي أن أفصح أكثر من ذلك . لست ناقداً ، ولربما المتبحّرين في فلسفة الجمال يدلون بمهنية أكثر مما يأتي مني هنا . .
لا أجد نفسي في حيرة وأنا أكتب. لا تختلف طقوس الكتابة عندي حين أشرع في كتابة قصة أو حين أنظم قصيدة. أجد قلمي متصالحاَ مع نفسي، لا متناقضاً ولا مخالفا. أنا "شعروائي" إن شئنا أن ننحت من اللغة وصفاً لحالتي التي أحدثك عنها . .
( 5)
ثمّة سؤال يؤرقك ويلحّ عليك أن تطرحه عليّ، أيها الصديق، عن جنوح المتلقي- أو الناقد أحيانا- للبحث عن تجربة الكاتب الذاتية في نصّه الابداعي ..
هذا سؤال مشروع ، لكن بمثلما لم أعط لنفسي حقاً لا أملكه في تفسير تصرفات أشخاص روايتي ، فإني لا أعطي الناقد أو حتى المتلقى حقاً لا يملكه وربما لا يفيده في شيء. أتذكر هنا هذه الضوضاء التي أثيرت حول شخصية روائية مثل شخصية " مصطفي سعيد" في رائعة الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال". لقد سهر خلق كثيرون واختصموا : هل هو الطيب صالح بشخصه أم هو زيد أم عبيد من الناس الذين كانوا مع الراحل الطيب صالح في ذلك الزمان والمكان: لندن خمسينات القرن العشرين . . ؟
الذي أعجبني أن الكاتب لم ينزلق وراء هذه الترّهات ، ولم يعلق عليها . هذا نوع من السلوكيات أشبه بسلوكيات "محاكم التفتيش" الأدبية – إذا جاز لي أن أقول - لا ينبغي أن يتورّط فيها النقاد وقراء النصوص الابداعية. تعرّضتُ أنا لشيء شبيه، إذ رأى بعضهم أن روايتي الأولى "نقطة التلاشي" التي صدرت عن دار الساقي في عام 2008 ، هي قصة عن تجربة الراوي الشخصية ، وزعم بعضهم أن البطل هو الكاتب نفسه يسرد أطرافاً من يومياته، بينما لم تكن لي شخصياً، من علاقة بالجامعة العربية أو بمجمل الشخصيات التي في الرواية إذ لم أكن يوما موظفا في أمانة الجامعة العربية مثل بطل الرواية . لو كنت أرغب في كتابة سيرتي الذاتية أو يومياتي فما المانع ؟ ليس ثمة ما يخجل في تجربة حياتي .. غير أني أنجزت رواية، وكما قلت لك، أيها الصديق: أنا أشكل واقعاً جديداً على نحوٍ إبداعي، وأبني شخصيات رواياتي بناءاً مبتكراً، قد يشبهون أناسا في الواقع أو قد لا يشبهون . من يظن أني أكتب عن تجربة شخصية تضيع عليه مآلات كتابتي. لا أريد للمتلقي أن يسقط في فخ حالة شرطي المباحث ، فيغرق فيما لا يفيد. الأوضح في روايتي "نقطة التلاشي" هو ذلك الانشغال بالمكوّن العربي في الشخصية السودانية . هذا قد يكون عنوان لمقال يسأل عن ذلك المكوّن، لكني كتبتُ رواية ورفعت قلمي ، ومثل أبي الطيب فليسهر الخلق من بعدي، وأكرر ما سبق من ملاحظة . صرتُ أنا متلقٍ مثلهم لا غير ! يكفي أن توقظ الرواية الاحساس المطلوب ، لا أن توقظ الشرطي القابع في الأذهان .
( 6)
أعرف غرامك يا صديقي عيسى بالحفر في متاهات الكتابة وأين تكون جذورها ، وعلى أيّ مسافة يقف الكاتب من تجاربه الشخصية حين يكتب كتابة إبداعية. .
جفّ حلقي من حديث معقد، فقلت للصديق عيسى ليتنا نحتسى شرابا دافئا. رئيس التحرير كان غائبا عن مكتبه، ولكن نادله زوّدنا بكوبي شاي. ارتشفت أنا ولكن آثر عيسى أن يسأل قبل أن يتناول كوبه:
هل تعتقد من المهم ان يعيش الكاتب ما خطه قلمه بكل اغرائه وتفاصيله ؟
أجيبك ايها الصديق بما يلي:
لعلي قصدت ذلك ايها الصديق ولعلي لم أقصده.. ! ليس بالضرورة أن تتطابق الكتابة الابداعية مع التجربة الشخصية ، ان كنت قد فهمت سؤالك كما يجب .أخطط لعملي الإبداعي كتابة شعرية أم قصصية، ولكن حين أدخل إلى عالمي الخاص لأكتب ، لا أضع خطوطا حمراء أو صفراء أو خضراء . كما جاء في السيرة النبوية عن ناقة الرسول، أنها مأمورة ، فقلمي "مأمور" بالفكرة الكامنة وراء الكتابة ، ولا أحجر عليه بأية محاذير. غير أني أقول لك صادقاً، ان الكتابة الابداعية لا تأتي من أودية الشياطين أو تتنزل من أرباب لا نراهم . .
(7)
تسألني عن جذور الكتابة الابداعية ...
لن يخلد عمل لا صلة له بالمكان المعين أو الزمان المعين . والكتابة تخرج من رحم تجارب عميقة بلا شك ، وهي تتصل بكاتبها وصلته ببيئته الابداعية وهي بيئة تتسع لتقول شيئا ينفع الناس ويضيء أقبية وردهات ، لا يصلها الضوء عادة . لصيقة كتابتي بما أ نا عليه من عناء وعنت ومشقة والا كانت كتابتي رفاه ومرح ومضيعة للوقت وتغييب للذاكرة . لن تكون كتابتي توثيقاً محضا . ليست روايتي وثيقة تاريخية ، ولكن هي خروج من عالم المكان والزمان الماثل إلى صياغة جديدة تثير عند المتلقي أسئلة، ولا تعطيه أجوبة معلبة كجرعة دواء يتناولها ليسلم ذهنه . لا ! يكتب الكاتب أسئلته ويترك الاجابات للمتلقي من أية جهة جاء . هذا زمان له وفيه من المحدثات ، ما لم يتوفر لأجيال كثيرة من قبلنا . هذه الثورة العارمة في معينات الكتابة والتواصل الخلاق بين الأمم ، ألغي الكثير من الجدران والحواجز والتعريفات السلفية المندثرة ، كقولك "كاتب محلي" أو "كاتب عالمي " . نحن نعيش عصر السحر الابداعي . كوزموبوليتانية إبداعية بلا حدود. قد يكون المتلقي على بعد أمتار مكانية منك ، أو ربما يكون في النصف الآخر من الكرة الأرضية . ثورة الاتصالات والتواصل الالكتروني منحتنا عالماً غرائبياً ساحرا ، بحيث اقتربت تجاربنا البشرية وانصهرت او تكاد في عالم متناهي الصغر وشديد التشابك والتفاعل. ستكون- أو كانت بالفعل - الكتابة الابداعية شاهداً على هذا العالم الغرائبي الذي نعيشه. ثمّة لون "كوني" أو"كوزموبوليتاني" صبغ الكتابة الابداعية وستكون قطعا شاهداً رئيسا على هذا العصر المليء بالمحدثات وبالغرائب..
(8 )
تسألني يا صديقي عيسى : أن بعضهم يكتب تحت طقس معين . وأنك ممن يتخيّر أحيانا طقسا معيناً يعينك على انسياب الكتابة بيسر. مثلا أعرف أن الصحافة قد أخذت من وقتك الكثير . لا أحسبك نادماً ، ولكن أعرف أن الكتابة حين تتنزل فإنها تخترق أيّ طقوس أخرى . لن تقلقنا هذه الناحية أبدا ، ولكنك تسألني: هل تتخير طقسا يتيح لك الكتابة بانسياب. . ؟
أجيبك يا صديق بما يلي:
لا ليس لي من طقس محدّد للكتابة . أنا أكتب فأنا إذن موجود . عن أي طقس وأنا أكتب فصائدي على اللابتوب؟ ليست هي صنعة ، وليس الذي أكتبه شعرا مصطنعا ملفقا . كلا ، أنا أكتب القصيدة على مدى زمني يطول وقد يقصر. أكتب . أكشط . أمحو . أقف. أتأمل . أغلق حاسوبي. أعود اليه بعد يوم . بعد شهر. أتعامل مع حاسوبي بحميمية . خرجت قصائد كثيرة من حاسوبي، ولا أملك لها مسودات ورقية . روايتي الأخيرة "دفاتر كمبالا " ليس لها نص ورقي ، بل أنجزتها على حاسوبي بالكامل . ليس ذلك فقط، بل كنت أتجول في عوالم الإنترنت وأنا أكتب. ثمّة فصل كامل عن رحلة يقوم بها الراوي من كمبالا عاصمة يوغندا إلى مدينة كينية حدودية. كنت أتصفح الانترنت واستعنت ب "غوغل ايرث" لأتابع رحلة الراوي من مكان لآخر، وظهرت في الفصل كما في الدنيا. نعم، الكتابة الابداعية فيها الخيال ولكن ما ضرنا لو استعرنا من الواقع ما يغذّى الخيال ..؟ نحن أمام عصرٍ جديد في الكتابة يمنحنا معينات لم تكن في البال. لا. .! ليس كما في الزمن القديم : تجلس بعد منتصف الليل وتشعل لفافة تبغ وتنظر إلى السماء لتكتب قصيدة . شاشة حاسوبي توفر لي أكثر من ذلك بكثير . . !
سرقنا الوقت فلم نتبين أنه قد فات علينا أن نكمل ارتشاف ما بكوبينا من شاي منعنع..فلا حلقي جفّ من طول الحديث، ولا قلمي نفد حبره. .
8 يناير 2015- نقلا عن صحيفة "الرأي العام"


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.