الجزء الأسهل من التطويق بدأ بطرد القوات الإماراتية الضئيلة جدًا من حيث العدد والإمداد، والجزء الأصعب بدأ..ولمن لا يعرف حضرموت..فهي قربة خُمس مساحة مصر أي نحو 193 ألف كم مربع، وتحتوي على زهاء 75 % من احتياطات اليمن البترولية، وثلاث موانيء هامة، وشريط ساحلي بطول 400 كم..محافظة تمثل نحو 36% من مساحة اليمن، ومنذ شهر احتلها المجلس الانتقالي الجنوبي مع محافظة المهرة وكلاهما يمثل 52% من مساحة اليمن كلها..ولن تقبل السعودية أن تكون الطرف الأصغر وسط عملاقين..الحوثيون شمالا بنصيب 37% من مساحة اليمن، والمجلس الانتقالي في الجنوب بنصف الأرض..ومن هنا تدخلها في حضرموت تحديدًا لأنها الظهير اليمني للمملكة..وعلى ما يبدو لم تترك الرياض شيئًا للصدفة..خلال شهر واحد واحد من توسيع عيدروس الزبيدي سيطرته كانت الرياض قد جهّزت سيناريو الواجهة على مستويات ثلاث.. الإمارات كانت المستوى الأول..تنحية سريعة ومهينة لدولة قزمة لم تعتد أبدًا خوض مواجهات على صعيد واسع، أما المستوى الثاني فهو دعم قوات ''درع الوطن''..ألوف الجنود المدربين سعوديًا، والمنطلقين في مسار تحرير حضرموت من منفذ الوديعة الحدودي الرابط بين السعودية واليمن، في مواجهة شبكة معقّدة جدًا من حلفاء الإمارات في حضرموت، وحضرموت تنقسم لصحراء ووادي وساحل..وقوة المواجهة تتدرج حسب المناطق..اختراق الصحراء سهل للقوات الموالية للسعودية وصولًا للقواعد العسكرية التي تدور حولها الاشتباكات في الخشعة وسيئون لفتح مسار سيطرتهم على الوادي، لتكون المواجهة الختامية هي الأصعب على الشريط الساحلي لحضرموت وهو رئتها وقلبها وجهازها العصابي لاحتوائه على موانيء المكلا والضبة والشحر، والأهم لأن هذه هي منطقة نفوذ ما يُسمى ''قوات النخبة الحضرمية'' وهي فرق من 30 ألف محارب شديدي البأس سبق وخاضوا معارك شرسة ضد تنظيم القا*** وانتصروا فيها وعلى أكتاف تلك الفتوحات بنوا قوتهم وهيبتهم وسط جموع الحضارمة..السعودية تتدرّج في المعركة من الصحراء للوادي للساحل..وتبني خطاب إلى حد اللحظة ذكي جدًا..يعرف من يُعادي بالكامل، ومن يُترك أمامه الباب لإتقاء بأسه ودمجه في العملية السياسية لاحقًا..وسربّت الكثير من الرسائل أنها تنوي تقسيم النفوذ في حضرموت بين درع الوطن التابع لها، والنخبة الحضرمية صاحبة النفوذ في ساحل حضرموت.. المدهش هو سلوك السعودية في النطاق الأوسع..حيّدت السماء والبحر..منعت الطيران من وإلى دبي وأبو ظبي..وسيّرت أحدث طائرتها الحربية لتوفير غطاء جوي لقوات درع الوطن، ومن البحر بدأت حملة لتفتيش السفن المتجهة إلى ساحات الحرب..قد يبدو هذا السلوك مجرد معركة تخوضها الرياض لتقليم أظافر عيال زايد المتطاولة..لكنها في صميمها جزء من صياغة المشهد الإقليمي العربي بكامله..نحن أمام لحظة شديد السواد تعرّضت فيها المنطقة لحملة تأديب عبرية طالت عواصم وازنة مثل طهران وكل مناطق حلفائها من القطاع للضاحية لدمشق مع غارة هوجاء على الدوحة ..هذه الحملة دفعت قوى للتواري خلف مشاكلها العملاقة، وأخرى للنأي بنفسها عن أي اشتباك، وثالثة للطمع في وراثة الممالك المنهارة وتشييد نفوذ على الأطلال..ولا أحطّ في ذلك من الإمارات التي فعليًا تتحرك في سلوك حيواني أشبه بالضباع، لا تقتات إلا على الجيف، جيف المدن المفككّة والدولة الآيلة للسقوط لتبني شبكة عنكبوتية من السيطرة على الموانيء والبحار والمنافذ الحيوية للتجارة الدولية..هنّا انتبهت الرياض..والمدهش الثاني أنها تجاوزت الخطاب الإماراتي المستند فقط إلى العداء لجماعة الإخوان المسلمين..الإخوان كانت هدف تكتيكي توحّدت خلفه قوى إقليمية بارزة خوفًا من لحظة مفصلية تنهار فيها عروش وممالك ويصعد خطاب سنّي ينازع المملكة شرعيتها المبنية بالأساس على خدمة الحرمين الشريفين ومنها تكتسب وراثة العرش درجة من القدسية..كان من مصلحة الرياض – وما يزال – التدخل في حقبة ما بعد 2013 بكل ما امتلكت من قوة لوقف تمدد النموذج السني المنافس الذي يقدمه الإخوان للملكية الوراثية وخاضت الحرب ضد الجماعة على كل صعيد ممكن إقليميًا ودوليًا..هذا النموذج دائمًا يُطلق عليه ''الشراكة المبنية على التهديد'' Threat -Partnership Model أي أن الاطراف تتلاقى وتوحد جهودها استنادًا لخطر موضعي يجب الآن، وبصوة حاسمة، إزالته..لكن هذا النموذج في العلاقات الدولية غير قابل أبدًا للاستدامة، وهو ما وقع بين السعودية والإمارات..لم يعد خطر الإخوان كافيا لاستدامة التحالف.. كان لا بد أن تأتي لحظة خلاف هائلة..السعودية لديها دومًا أجندة للهيمنة، شأنها شأن أي قوة إقليمية..لكن السعودية تعلّمت مع الوقت وبخسائر كبيرة كيف ترشد سلوكها الإقليمي..أين يجب أن تتدخل، وما الذي تتركه للقوى السابقة حتى لا تشعر بالمرارة..لا جدال أن السعودية كانت مجرد بيدق أميركي طوال عقود طويلة مضت..بيدق هنا أي تبعية مباشرة وتنفيذ حرفي للسياسات الخارجية الأميركية في المنطقة وكانت تلك تحديدًا هي فترة النشأة والصعود من الملك المؤسس وحتى سعود وفيصل وخالد وفهد..تحارب أميركا الشيوعية؟.فليبارك الله أميركا..تحتاج أميركا سواعد رجال آل سواعد لإسقاط/الحد من نفوذ ناصر ورجاله، فلتنفق من آبار أرامكو، وهو ما ظهر جليًا في حرب الخليج الثانية والذعر السعودي الكبير من تقدم صدام حسين والهلع إلى واشنطن لجلب نصف مليون جندي، وفوقهم ربع مليون من 38 دولة أخرى..كانت السعودية إمبراطورية مالية تفتقد الثقة في نفسها تمامًا..لكن السلوك السعودي تطوّر جدًا في المراحل التالية وأصبحت الرياض قوة عسكرية تستطيع النهوض بمهام حماية نفوذها عسكريا..وفي التطور جرّبت السعودية معنى الهزيمة..أولها في مواجهة الحوثيين..غطرسة القوة الجوية الهائلة لم تعفي الرياض من دفع فواتير صواريخ تهطل على سماء مصافي نفطها، ولم تنجح لحظة في زحزحة أبناء الأنصار من مواقعهم..9 سنوات جنونية والنتيجة ما دون الصفر..الحوثي يصعد كقوة حاكمة في البحر الأحمر، وترامب يغدق عليهم المديح، والرياض لم تتمكّن من تحقيق مشروعها المتجاوز لحقائق الميدان بضم شطري اليمن الممزعين في دولة خاضعة لسيادتها..قطر كان ميدانًا آخر لاختبار غطرسة القوة..خمس سنوات من الحصار والنتيجة تسوية وليس غزو وإغارة وإزاحة..الهزائم المصحوبة بغرور القوة تلفت النظر لملحوظة كبيرة أخرى كانت نقطة نجاح للسعودية وفي الوقت نفسه مكمن الهزيمة الإماراتية القادمة لا محال.. غطرسة القوة السعودية كانت مقتصرة على فنائها الحيوي..الخليج بالأساس..وخارجه كانت السعودية تعلم حدود قوتها..لم تستخدم أبدًا الأدوات الخشنة في أي مساحة أخرى..فقط قطع الشيكات وقت الأزمة أو معارك إعلامية عابرة..ونأت بنفسها عن الخلافات العربية في شمال إفريقيا، ولم تقترب من الخط الملتهب بين الجارين المتنافسين المغرب والجزائر رغم علاقتها الأمتن بالرباط..مصر وهي القوة ذات الكبرياء المجروح جدًا من الأوضاع الاقتصادية الصعبة وميراث القوة الناصرية الإقليمية، خطابيا وأيدلوجيًا على الأقل..تعرضت لا شك لضغوط في بعض المراحل من الرياض لجني عوائد الدعم المالي الهائل..لكن بحرص بالغ ألا تخترق السعودية خواصر القاهرة في ليبيا والسودان والقطاع، وتفرض نفسها كموثر أول..حتى في المشرق العربي..ألقت السعودية خلف ظهرها ميراث العداء للتيار الذي يمثله أحمد الشرع وتحالفت معه لاحتوائه..ليس احتوائه لشخصه، بل لموازنة القادم من نفوذ تركي عارم في دمشق، مع تجنب الضغط المالي على القصر الهاشمي في عمّان والاكتفاء في لبنان بجني حصاد القصف العبري دون تلويث اليدين بفائض القوة المنتظر شرارة الانفجار في بيروت..هذه نقطة مفصلية لتقدير القوة السعودية أو بالأدق عدم تبديدها..تعلم الرياض أنها لا تستطيع ممارسة مهام استعمارية في الوطن العربي، بل تكتفي بالضغط وتنوّع بين أدواته لضمان هيمنة خطابها، وتعلم أنها مهما تعاظمت قوتها فهي لا تمتلك احتياطي يؤهلها للتصرف كقوة إمبراطورية في المنطقة..لا..تركز على الخليج، وتبني شراكات مع أصدقائها خارجه، وتُحيد بالمال أعدائها، وتنتظر في صمت بالغ أفعال الآخرين لتفسح لها مجالًا وتقضي على خصومها.. الإمارات دولة على العكس شديدة الغباء..حرفيًا 3 مسيرات فوق أبو ظبي وإثنتان فوق دبي وينفضّ المولد ويهرب ملايين الأجانب ذعرًا لأوطانهم ويبقى حكام الإمارتين الأكثر فُجرًا في المخابيء الأميركية..دولة قزمة كتلك اختارت التصرف كقوة استعمارية دون وجود أي فوائض تؤهلها لهذا الدور..استعمار بالفعل بكل ما تحمله الكلمة من مدلولات مشبوهة..في اليمن والصومال وليبيا والسودان وخاصرة الجزائر..غير معقول..حتى الفرنسيون والبريطانيون في ذروة مجد إمبراطورياتهم عجزوا عن تطويع تلك الرقع الشاسعة سوى بفيضان عارم من القوة ولسنوات طوال..والتاريخ هنا لا يرحم..لا تستطيع قوة مهما كانت الخطأ في تقدير قوتها، لأن عواقب ذلك هو التمدد الشهواني المدفوع بمقدمات فاسدة، فينتهي الأمر لهزيمة كاسحة..هذا درس ذاقه الإسبان والبرتغاليون وحتى اليابانيون في آسيا..الأوهام غير المتكافئة مع القوة الفعلية الناتجة عن حاصل ضرب مساحة الإقليم في عدد السكان في القوة العسكرية..فمن يكون عيال زايد لجوارهم؟..لماذا تبدو السعودية بمظهر القوة الآمرة الناهية، وهي فعلًا كذلك؟..لأنها لم تُبدد قوتها كما فعلت الإمارات..ولأنها تُعيد تقييم حساباتها الإقليمية دومًا في حين لا تبدو الإمارات سوى كوكيل رخيص القيمة للعدو العبري..ولأنها تترك مساحات نفوذ للفواعل الإقليميين الآخرين في حدائقهم الخلفية، في حين تتبني أبو ظبي نموذج هيمنة وإخضاع وإفقار..ولا شك أمام السعودية مطب عملاق في اليمن..اليمن ذو البأس والخلافات العميقة بين أبنائه..اليمن الذي قد يوفر للرياض فرصة إن نجحت في استعادة السيطرة على حضرموت، وبناء شطر يمني موحّد في انتظار تسوية سوف تأتي حتمًا مع الحوثيين تفرض فيها الرياض حلفاءها كشركاء في السلطة في نموذج مبني على التوافق مع طهران..وقد يكون حقلًا موحلًا تنغرس فيه أقدام آل سعود في مستنقعات يمنية من العداوات الموروثة تاريخيًا..اليمن قد يغرك بانبساط سهوله وزرقة مياهه، بما يدفع للغوص فتجد تحت أقدامك رمالًا متحركة..وربما تعلم السعوديون دروسًا قاسية من مواجهة السنوات التسع مع الحوثي، وما صاحبها من عواقب غطرسة القوة، بما يلهمهم الرشادة في تشييد وضع قابل للأسف للانتفاع السعودي وفي الوقت نفسه الحفاظ على هيكل دولة يمنية قابلة للحياة..القوة يتعلمها أصحابها بالتجربة والنزال..والرياض تتعلم وتتطور على نحو مذهل.. المعركة في اليمن أشبه بمتاهة..متاهة الفصائل المتحاربة من درع الوطن وألوية العمالقة والنخبة الحضرمية وحلف القبائل وكلها في حضرموت..متاهة أكبر حينما نغوص في اليمن الأكبر الذي تتنازعه قوى أربع هي الحوثي وقوات طارق صالح والمجلس الانتقالي والجيش الوطني الهشّ..متاهة لا تخفي العنوان العريض للحرب..اليمن ليس مجرد ساحة مواجهة سعودية-إماراتية..اليمن جزء من ترتيب إقليمي هائل لترسيخ أوضاع سوف تستمر عقودًا طويلة قادمة..هذه منطقة تُطبخ فيها القوى المهيمنة على بطء وتؤدة..وهناك ثلاث قوى إقليمية تتصارع على استثمار اللحظة الحالية المرتبكة لبناء موقع قيادي لها..ولا شك يحتل العدو العبري الصدارة بعد حرب العامين..وتناور تركيا وقد علمت هي الأخرى بعد هزائمها في المواجهة الخليجية مواطن قوتها والحديث هنا عن الشام الكبير في انتظار فرص أوسع في ليبيا وشمال إفريقيا..والقوة الثالثة لا شك هي السعودية..التي تنتظر أن تمنحها حضرموت والمهرة وأبين وشبوة وعدن حصرية التمثيل العربي أمام المجتمع الدولي مع تنحية آل زايد لموقعهم الطبيعي كتابع خليجي للرياض وضرب مشروعهم أو بالأخرى إزاحته لوادي النيل وشرق إفريقيا..هذه هي الخريطة الأوسع..العبريون والسعوديون والأتراك..كقوة أولى حاكمة وثانية وثالثة منافسة ومناورة..ولو ترك لك السعوديون والأتراك حوض النيل وشرق إفريقيا..فيقينًا لن يتركه لك العبريون..أسوأ ما في الخريطة الحالية أن القاهرة تخرج خالية الوفاض..هي تنتظر..تنتظر فحسب محصلة أخطاء الآخرين بحثًا عن موقع أو تجنب شر..هذا عالم يتغير بالكامل، وهذا شرق أوسط مفكّك ويُعاد تركيبه..وليس العالم من حولك سخيًا لتلك الدرجة التي يمنحك فيها مقعدًا دون مبادرة..وليست ثمة مبادرة أولى من فنائك الحيوي..من إدراك ما أدركه المصريون منذ قدم التاريخ وحتى عهد محمد علي باشا..أن أمن مصر لا يبدأ أبدًا من حدودها..بل من طنجة لكسمايو ومن دمشق إلى عدن..عدا ذلك..اسمه انكفاء مهما تدثّر بخطابات الصبر الاستراتيجي.