تحركات قائد المليشيا وظهوره اليوم لم تأتِ من فراغ، بل تبدو مدفوعة بعدة عوامل متداخلة، أولها تصريح مسعد بولس بشأن صعوبة التواصل معه، وهو ما يعكس حالة ارتباك سياسي وعزلة متزايدة. أما العامل الثاني فيرتبط بالضغوط المتصاعدة على الإمارات، في ظل الاتهامات المتكررة بشأن دعمها وإيوائه له، الأمر الذي قد يدفعها إلى تقليص علاقتها به تدريجياً، خاصة وقد بات عبئاً أمنياً وسياسياً ثقيلاً. والراجح كذلك بأن قائد المليشيا الإرهابية بصدد البحث عن ملاذ أكثر استقراراً، وتبدو كينيا خياراً وارداً، في المرحلة المقبلة، سواء بحكم سهولة الحركة وتماهي الرئيس الكيني مع مشروعه، أو لاعتبارات سياسية وأمنية تتعلق بالجهات الداعمة، ومن بينها إسرائيل بالطبع، كذلك الظهور بالزي الإفريقي، والحديث عن توجهاتهم القادمة يشير إلى قطيعة مع الدول العربية والإسلامية، وبهذا يحاول تبني أجندة الحركة الشعبية الانفصالية، المدعومة من ذات المعسكر. وفي ظل الرفض الواسع لأي اعتراف بسلطته المعلنة، يمكن القول إن خروجه مع شقيقه وعدد من قيادات ما يُعرف ب"تأسيس" من الأراضي السودانية جعله عملياً أقرب إلى وضع "حكومة المنفى". من جهة أخرى، فإن إشاراته الأخيرة إلى القبول بالمبادرة الأمريكية ومحاولة إحياء دور "الرباعية" تعكس سعياً واضحاً لاكتساب شرعية سياسية خارجية، خصوصاً مع حديثه عن بناء "جيش جديد"، وهي نقطة غريبة لم ترد بذات الوضوح في خطابات الفريق أول عبد الفتاح البرهان! إلى جانب الوساطة الأوغندية التي تحدث عنها، وقال إن السودان طلبها، وهى لم يأتي أي ذكر لها في حديث مالك عقار، الذي قيام بزيارة إلى كمبالا، قبل أيام قلائل. الأكثر إثارة في خطابه الأخير، كان إقراره بالاستعانة بمرتزقة كولمبيين، وحديثه عن تأثير الطائرات المسيّرة في تعطيل تقدّم قواته، بل وطرحه لفكرة العودة إلى القتال بالخيل والجمال، ما يعني أنه يعاني نقصاً كبيراً في السيارات والوقود، وقطع خطوط الإمداد عليه، ولذلك تواجه قواته تراجعاً ميدانياً واضحاً، وهزائم وانشقاقات مجلجلة. كما أن خطابه بدا موجهاً في الأساس إلى بقايا عناصره المنسحبة من ساحات القتال، وتطمين حليفه السياسي صمود، بأنه سيضمن لهم العودة إلى السودان، مع محاولة تأسيس خطاب معارضة خارجية، أقرب إلى نموذج "معارضة الفنادق"، في استدعاء لتجربة التجمع المعارض التي أثبتت فشلها، وهنا أيضاً من المهم التذكير بأن هذا الظهور سوف يدشن عملياً مسار القتال الجديد، من داخل الأراضي الإثيوبية، وهو ما كشفته تقارير رويترز، وهذا ما لا يخفي على الاستخبارات العسكرية السودانية. المضحك في حديثه بأنه شخص متدين وأنه مع العلمانية، وأن الشريعة الإسلامية هى التي قسمت السودان، فضلاً عن محاولة إثبات أنه شخصية حقيقية، حتى كاد يخلع ملابسه الداخلية ليلقي الحضور نظره على جسده العاري.