صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سفير السودان بمصر المرميُّ في القِدرِ تجئ به المغرافة
نشر في حريات يوم 08 - 03 - 2013

لا يبدو سفير السودان الحالي بمصر: كمال الدين حسن علي، في وارد التخلي
عن ما رمته به وزرعته بداخله تلك المدعوة باسم (الحركة الإسلامية السودانية)،
منذ أن كان غضاً يافعاً في صفوفها. إذ تلك المرميُّ بها منذ طفولته السياسية
صارت إلى خِصلة، لا يُلام هو عليها كإنسانٍ بالغٍ بقدر لوم من رماها به، حاله
في ذلك حال الطفل الذي تربى في كنف أسرته الطبيعية أو السياسية، دع عنك إن كان
ربائبه وأنداده في ذات الدار يتمتعون بذات خصال بذاءة اللسان وممارسة العنف
الجسدي وأداء دور الشيطان الأخرس عند اللزوم. لكن أن يحدث ذلك من سفير بدرجة
وزير، يعني أن “المجاهد” كمال الدين حسن علي، لم يكتمل تشذيبه ولا تهذيبه ولا
العناية به كما ينبغي ليكون سفيراً وممثلاً لشعب السودان العظيم الذي كان أول
من اخترع الزراعة وأول حروف للكتابة على مستوى البشرية جمعاء، بحسبان ما يؤكده
الراسخون في علوم ما قبل ميلاد سيدنا المسيح وأسفار القرون الأولى.
إزاء افتقار سفير السودان بمصر لأبسط قواعد وأعراف العمل الديبلوماسي
بزياراته المباشرة والمتكررة لمقرات الأمن الوطني والمخابرات بمصر، بغرض التبرع
بالمعلومات والتأليب ضد المعارضين السودانيين بمصر. وباعتبارها زيارات أبدى بعض
من النخبة المصرية الأمنية استياءهم وضيقهم بها حسب صديقي/ منعم سليمان، مدير
مركز السودان المعاصر… يشعر كل مواطن سوداني غيور بالحسرة ويعتصر قلبه الألم
وهو يلمس لمس اليد، الدرك الأدنى من القيمة الوطنية والإنسانية الذي أوصلتنا
إليه الحركة الإ سلامية السودانية، بسعيها الحثيث لاحتكار الدولة والإسلام
والثروة. فكان ما حاق بنا من تدهور القيمة المعنوية والسياسية والديبلوماسية
لممثلي دولة السودان في أصقاع الأرض المختلفة، ناهيك عن تمنع سفير بالخارجية من
الانتقال لدولة آسيوية غير عربية عبر اعتذاره بتعذر نطقه بأي لسان أعجمي.
المشهور أن عدداً من قيادات الحركة قد درسوا بالغرب الأوروبي والأمريكي ونال
عدد منهم شهادات عُليا منهما، كما نالوا أيضاً الجنسيات ووثائق السفر. وأكاد
أجزم أن إدخال السفير/ كمال الدين حسن علي، دورةً في الديبلوماسية في مدرسة
الديبلوماسية المصرية، كما هو الحال مع إدخال عددٍ من الديبلوماسيين السودانيين
بتاريخ السبت 23 فبراير 2013 دورة في: “فن التفاوض، إدارة الأزمات، السلام
والتنمية في أفريقيا، مفهوم العمل القنصلي والجاليات في الخارج، وتنظيم
المؤتمرات الدولية وغيرها من الموضوعات التي تهم الدبلوماسيين” قد يُساعده لحدٍ
ما. حيث صرح السفير/ عبد الغفار الديب، سفير مصر بالسودان حول تلك الدورة
قائلاً “الدورة التدريبية التي تنظمها مصر للدبلوماسيين السودانيين تناظر تلك
التي يتم تنظيمها للدبلوماسيين المصريين في مستهل خدمتهم بوزارة الخارجية
المصرية… “!! وذلك حسب ما ورد بموقع وكالة السودان للأنباء (سونا) بتاريخ
الأحد 3 مارس 2013… رغم أنني أشك في أن دورة واحدة كافية لمن هو مثله، ببساطة
لأن المشكل فيه غريق ونابع من بنية فكر (الحركة الإسلامية) الذي تربى عليه منذ
الصغر، وقد قالوا من قديم الزمان “العلم في الصغر كالنقش في الحجر”.
*المشكلة** **أعمق** **مما** **نتصور***
تحولت (الحركة الإسلامية السودانية) تدريجياً إلى مؤسسةٍ أمنيةٍ عضود منذ
أواخر حكم جعفر نميري؛ وذلك حتى على بعض الإسلاميين. خاصةً عقب مفاصلة د. حسن
الترابي، عام 1999. فحينئذٍ انقلبت الحركة الإسلامية إلى محض تنظيم أمني وعسكري
غاب عنه عقله، بغياب د. حسن الترابي، عراب انقلاب الحركة الإسلامية السودانية
على حكومة ديمقراطية منتخبة عام 1989. أو كما قال ابن أمدرمان الأستاذ/ المحبوب
عبد السلام، بحضور السفير/ كمال الدين حسن علي، في ندوةٍ لتدشين كتابٍ له بمركز
الأهرام، قُبيل الإطاحة بنظام مبارك في معرض رده عن سؤالٍ لي حول دور عناصر
الحركة الإسلامية من جناح الشعبي في إعدامات ضباط حركة رمضان 1990، الذين حصل
بعضهم على أنواط شجاعة وتكريم عسكري من الجيش المصري، نتيجة لمشاركاتهم
المتميزة في حرب اكتوبر 1973 على الجبهة المصرية، فكان رده ” لا أعتقد بأي دور
لأي من أعضاء المؤتمر الشعبي في تلك الإعدامات، وأن من قام بالإعدامات وقتها هم
العناصر الأمنية والعسكرية بتنظيم الجبهة الإسلامية، ولم تكن لي علاقة بالجناح
الأمني والعسكري في التنظيم، وأن الأخ كمال حسن علي، الذي يجلس بجانبي على
المنصة له علاقة بالعمل الأمني والعسكري في التنظيم، من قبل الوصول للسلطة،
وربما يعرف عن تلك الإعدامات…”. وهكذا ترون أن فعائل السفير المذكور في
تهديده العلني بالبطش بالمعارضين السودانيين أمام عناصر الأمن المصري، في
واقعةٍ شهيرة أمام مقر الجامعة العربية يوم الأربعاء 11 يوليو 2012، وسلوكه
المنفلت في جرجرة المشاكل ومحاولة الاشتباك بالأيادي مع ثلاثة متظاهرين
سودانيين وبهيستريا غير معهودة من ديبلوماسي سوداني لم تأتي من فراغ… رغم أن
السلطات المصرية بُعيد ثورة 25 يناير المستمرة، لا تمنع التظاهرات السلمية، كما
أن المتظاهرين (الثلاثة) حينها لم يفعلوا شيئاً أكثر من الهتاف الداوي الذي
يقول “لن ترتاح يا سفاح”، وقد فهم الذي في بطنه شيئ من لدن مجزرة رمضان 1990،
والعيلفون 1998، وبيوت الأشباح، وفساد واستبداد الإسلامويين أنه المقصود… فما
ذنبنا نحن؟
*نعم** **كل** **إناءٍ** **بما** **فيه** **ينضح***
نعم لا تثريب على الرجلين فكلاهما (كمال الدين حسن علي ونافع علي نافع) من
خريجي مدرسة (الحركة الإسلامية) التي استمرأت التلون حسب مصالحها باسم الدين
الإسلامي الحنيف ولم تستنكف أن يجري الفساد والاستبداد باسمه… فكيف بمن هو من
قلب جهازها الأمني والعسكري الذي قتل غيلةً وغدراً عدداً من خيرة ضباط الجيش
السوداني ممن حققوا انحياز الجيش للشعب في انتفاضة أبريل 1985؟ لا بل أصر على
دفن بعضهم وهم أحياء! وذلك في شهر رمضان المبارك وعشية عيد الفطر من عام 1990!
حيث ترفض الحركة الإسلامية ونظام البشير حتى الآن الكشف عن أماكن دفنهم
ووصاياهم! وقد جرت كل هذه الفظائع بحقهم وحق أهاليهم بلا جريرة سوى سعيهم
لاسترداد الديمقراطية بأقل الخسائر وبالتنسيق مع التجمع الوطني الديمقراطي
والحركة الشعبية بقيادة الشهيد د. جون قرنق… وبين هؤلاء من يمنع العُرف
العسكري إعدامهم لحصولهم على التكريم العسكري وأنواط الشجاعة داخل وخارج
السودان… لذلك لم يكن مستغرباً في أوساط المتابعين قيام هؤلاء الإسلامويين
بجرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الجنوب الجديد المصنوع
إسلاموياً في: دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، عقب مرور عشر سنوات على
وجودهم في سدة الحكم. في الواقع فإن بشائر تلك الجرائم المُدويِّة للإسلامويين
كانت قد ظهرت مبكراً، وبمشاركة كبيرة من أبناء الهامش في السنين العشرة
الأولى، لا سيما مشاركة أبناء إقليم دارفورفي الحرب ضد دولة جنوب السودان
الحالية. وذلك بسبب غلبة النزعة الدينية الإسلامية والقيم القبلية والجهوية
عليهم بأكثر مما هو سائد في وسط ومركز البلاد… إنها بشائر الشر الذي ضرب أهل
الهامش لاحقاً، بينما أمطر المركز ووسط وشمال وشرق البلاد أولاً في مجزرة رمضان
1990، كما أمطرهم ثانيةً في بيوت الأشباح ومجزرة العيلفون 1998؛ ناهيك عن
كرَّةٍ مُوازيةٍ ثالثة أدت لفصل عشرات الآلاف منهم من الخدمة المدنية والعسكرية،
وذلك في إطار ما عُرِّف لاحقاً باسم “الفصل للصالح العام”، الذي استهدف غالب
أهل الحضر من أصحاب الخبرة في العمل السياسي والنقابي. وجرى جُل ذلك أثناء
العقد الأول من حكم الإسلامويين، وفي المناطق التي صارت معروفة لاحقاً باسم
مثلث حمدي أو المثلث الذهبي… لاينفي ذلك أن قمة الهرم القيادي في الدولة
السودانية منذ استقلال البلاد، ظلت تتسنمه عناصر من شمال البلاد، لكن هذه
الحقيقة يجب أن تُقرأ مع حقائق أخرى… وهكذا فإنه حريٌ بأمثال هؤلاء
الإسلامويين القيام بجرائم تطهير عرقي وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مناطق
الهامش، بل القيام بمحاولات جدية لإغتيال المعارضين خارج البلاد، مثل ما حدث
بالعاصمة المصرية القاهرة، فهذا محض تطور في الوسائل والآليات وتمدد للرقعة
الجغرافية لجرائم النظام لخارج إطار الحدود المنتهكة للوطن السوداني الجريح.
ولقد إزداد الوعي بضرورة اتفاق قوى الهامش والمركز في شعار اسقاط النظام
حسب الخيارات المتاحة لكل منهما (يظل النضال اللاعنفي الخيار الأفضل)، مع
الاتفاق على برنامج المرحلة الانتقالية وآليات تنفيذه، بل قد قطعت تلك القوى
شوطاً مقدراً في ذلك بمجرد التقاءها… وساهمت عوامل وظروف داخلية وخارجية
عديدة في هذا النجاح، لعل من أهمها: نقض الاتفاقيات من طرف الإسلامويين،
اشتراك عناصر مؤثرة من الهامش والمركز في حروب ضد الهامش نتيجةً لبعض
الاتفاقيات وضغط الإعلام الإسلاموي المُخوِّن وظروف المعيشة، بروز نموذج
الربيع العربي، تصاعد دور الحركات الشبابية ومطالبتها باتفاق القوى السياسية،
ضيق وتبرم المجتمع الإقليمي والدولي من تردي الوضع السوداني وإمكانية تأثيره
على الوضع الإقليمي والدولي بما يشير لإمكانية تدخلات كبرى تُغيِّب فيها
الأطراف الفاعلة سودانياً، استقلال جنوب السودان عن السودان، بلوغ الأزمة
السياسية والاقتصادية ذروتها مع تفاقم الضائقة المعيشية والتدهور الحاد في
قيمة العملة الوطنية…إلخ. فأدى كل ذلك إلى نجاحٍ نسبي في وحدة قوى المعارضة،
وإلى جنون النظام الذي تجلىَّ في انفلات خطابه السياسي وتدشين حملةٍ محمومةٍ
لتفعيل مبدأ (فرِّق تسُّد) واستدعاء سياسات التسعينيات الأولى في تكفير الخصوم
السياسيين وشيطنتهم وتعذيبهم بشكل وحشي، بما في ذلك علماء دين وسياسيين
مشهورين مثل: الشيخ يوسف الكودة وإنتصار العقلي. مما تسبب في كشف بعض عناصر
النظام. لكن جزع النظام البادي للعيان، إنما يرجع أساساً إلى تيقنه بقرب
اختلال توازن القوى لصالح المعارضة، خاصةً مع تباشير ميلاد فجرٍ جديدٍ تتوحد
فيه غالب قوى الهامش مع غالب قوى المركز الثقافي والقبلي والجهوي لأجل اسقاط
نظام الإسلامويين وبناء نظام ديمقراطي بديل. وبينما لا توجد أمام المعارضة على
أرض الواقع، أيَّة وسائل أو آلياتٍ بديلةٍ عن حث الخُطى نحو وحدتها، بما يكفل
اسقاط النظام ويحافظ على وحدة البلاد ويحقق أهداف الشعب في الحرية والسلام
والعدالة والرفاهية، يبدو النظام وقد استنفد كافة أوراقه المكرورة. وهكذا فإن
دور الهجمة المرتدة من طرف المعارضة على حملة الإسلامويين يتلخص في:
1. تفكيك مبدأ “فرِّق تسُّد” وتسريع انجاز وحدة قوى المعارضة عبر تجاوز نقاط
الخلاف والتأكيد في الفعاليات الجماهيرية على المسئولية العامة للسودانيين عما
جرى في ببلادهم، وبالتالي مسئوليتهم المشتركة في الخلاص من الطغمة الإسلاموية.
ويتطلب ذلك منهجاً موضوعياً وبراقماتياً يؤكد على مبدأ المحاسبة على كافة
الجرائم بعد سقوط النظام، مع الفضح العلني لأي سلوك أو ممارسة تُساند مبدأ
“فرِّق تسُد” بغض النظر عن صدورها من جعلي أو شايقي أو نوبي أو زغاوي أو بديري
أو مُسلاتي أو تعايشي أو فوراوي أو مسيري أو بجاوي… إلخ.
2. مجابهة محاولات شيطنة المعارضة، بشيطنة نظام الإسلامويين، بالتركيز على
تشويههم للإسلام الذي قدموه كنموذج للفساد والاستبداد وتسببهم في استقلال جنوب
السودان وتخريبهم للنسيج الاجتماعي وتفريطهم في سيادة البلاد.
3. التركيز على النضال اللاعنفي كأساس لاسقاط النظام.
4. رصد وفضح عمليات اعتقال وتعذيب المعارضين بالداخل ومضايقة وإيذاء المعارضين
بالخارج عبر بعض الأنظمة والمنظمات المتواطئة مع نظام الإسلامويين بالخرطوم.
بقولٍ جامعٍ، فإن مشكلة السودان تكمن في انعدام الديمقراطية وضعف ثقافة
الديمقراطية والوعي السياسي. كما تكمن مشكلة الإسلامويين الحاكمين في عدم
إيمانهم الحقيقي بالديمقراطية الحديثة كأرقى صيغة وصلت إليها البشرية لتداول
السلطة وإدارة الحكم. فضلاً عن تهويمهم في سماء شورى غير مُلزِّمة… لكأن نص
حديث النبي (ص) “أمور دنياكم أنتم أدرى بها” ينطبق على النخلة فحسب، دون نظام
الحكم. يحدث هذا رغم تمتعهم بكافة منجزات الغرب الأوروبي والأمريكي من منتجات،
بما فيها الديمقراطية، وذلك حسب إشارات ذكية للمفكر السوداني/ عبد العزيز حسين
الصاوي، في معرض بحثه الدؤوب عن اهتبال الفرص الموجودة فعلاً على أرض الواقع
للبناء عليها وصولاً لديمقراطية مُستدامة… بذلك (حسب تقديري) سوف يظل
الإسلامويين يحومون حول الديمقراطية دون ولوج حتى يتبينوا الرُشد من الغي في
تطوير أصل (الإجماع) المُتعذر، ليكون هو الديمقراطية الحديثة ولتكون العلمية
أيضاً أحد أصول الفقه. حتى يكون كلاً منهما، أي الديمقراطية والعلمية، أصلان
أصيلان من أصول الفقه… أو كما قال الإمام أبوحنيفة النعمان “هم رجال ونحن
رجال”…
من جانبٍ آخر يظل صحيحاً للغاية، بحسبان الفهم السائد لدى الإسلامويين، ما
تواتر من أنباء أوردتها مصادر موثوقة، حول سعي عناصر من السفارة السودانية بمصر
لتلفيق جرائم جنائية ضد الناشطين من اللاجئين السودانيين بمصر بالتنسيق مع بعض
العناصر الفاسدة بالأجهزة الأمنية المصرية. وذلك عقب رفض السلطات المصرية طلب
تسليم هؤلاء الناشطين. وكانت الصحفية المصرية/ أسماء الحُسيني، قد أوضحت هذا
الرفض المصري في مقالة منشورة.
قد يغلب الطبع لتطبع وبالعكس
في حديثٍ للسفير المذكور بالصفحة الرابعة من صحيفة (الشروق) المصرية ليوم
السبت الماضي الموافق 2 مارس 2013، أبان السفير موقفه فيما يتصل بتواجد الحركات
السودانية المسلحة بمصر قائلاً “نشعر بقلق شديد لوجود هذه الحركات المسلحة في
القاهرة” وقال عن مشكلة مثلث حلايب – شلاتين، الذي يرزح تحت الاحتلال المصري ”
لن نسمح بتعكير صفو العلاقة بين البلدين، لذلك قدمنا رؤية باعتبار أن هذه
المشاكل تحل في إطار التقارب بيننا، وستظل مشكلة، ولكن عن طريق الإخاء والعزيمة
الشعبية، لن تفرق بيننا حدود فالمصير المشترك والعلاقة الاخوية يمكن حل القضايا
الخلافية التي يمكن أن تعكر صفو العلاقات.” أما عن دور الموارد السودانية في سد
الفجوة الغذائية بمصر فقد قال “طرحنا على مصر الاستثمار في زراعة مليون ومائة
وخمسين ألف فدان في زراعة الحبوب، خاصة القمح، إلى جانب الانتاج الحيواني لسد
احتياجات السوق المصرية”… وقلق السفير من الحركات المسلحة يعكس جانباً من
شخصيته الهلوعة الجزوعة وخفة عقله، كما أفصح عنها سلوكه الذي كان مدعاة للسخرية
من طرف السودانيين والمصريين على حدٍ سواء إبان أزمة اعتقال الصحفية المصرية/
شيماء عادل، في يونيو من العام الماضي. وقد أفاض مركز السودان المعاصر في تقرير
له بعنوان ” *ا**لسفير** **السوداني** **بالقاهرة** **متهم** **بإرتكاب** **
جرائم** **ضد** **الإنسانية** **ومطلوب** **للعدالة**” *صدر في يوم 15 سبتمبر
2012 في الكثير من خفايا شخصية السفير المذكور الذي يرى أن المصريين ليسوا أكثر
من “سذج وسطحيين” وأنهم “أغبياء يحبون الأكل والكلام فقط” وأن طريقة التعامل مع
المصريين هي أن ” تمدحه وتتكلم عنه بإيجابية حتى غير صحيحة ؛ وتظهر بعض
رجالاتهم بإفتخار ؛ يفرحون كالأطفال”… والأقوال المذكورة آنفاً عن المصريين،
تعبر حقيقةً عن سفير السودان الحالي وعجزه حتى الآن عن التفريق بين مصلحته
الخاصة والمصالح العُليا للوطن السوداني في إطار مصالح متوازنة وجيرة جغرافية
لا فكاك منها . وتؤكد كما أبان بيان شباب الثورة السودانية بمصر بتاريخ الأحد
16 سبتمبر 2012 مساعي نظام البشير لابتزاز الدولة المعنية وتقديم رشى الأراضي
واللحوم السودانية لها مقابل جرجرتها للوقوف ضد المصالح الوطنية العُليا للشعب
السوداني، مما يُعد خيانةً وطنية بامتياز، حسب تعبير البيان المذكور. وحوار
سفير السودان مع صحيفة (الشروق) المصرية، الذي أجرته الصحفية المصرية/ سنية
محمود، يعتبر بيان بالعمل لرؤية السفير السوداني في المصريين، الذين وصفهم
بأنهم “أغبياء يحبون الأكل والكلام فقط” فعرض عليهم أكثر من مليون فدان سوداني
لسد احتياجات السوق المصري فضلاً عن الانتاج الحيواني، مبشراً برشى أخرى. كما
أنه ابتزاز فعلي ومباشر حين يجعل مفتاح حل قضية المثلث السوداني المحتل، محل
مساومة، تسكت عنه الحكومة السودانية عند ما تدخل دولة مصر مربع السفير الموصوف
ب “التقارب بيننا”، لكنه (أي المثلث المحتل) يظل عصا مرفوعة بوجه مصر حينما لا
تقترب كما يجب من الإسلامويين السودانيين، أو بحسب تعبيره “ستظل مشكلة”؛ وهذا
حديث يُعبِّر عن خفةٍ مزدوجة في العقل السياسي للإسلامويين، مرةً بمساومة أحد
أهم مكونات الدولة (أي الأراضي)، بموقف دعمٍ مُرتجى من دولة مصر، وأخرى بعجزه
عن إدراك أبعاد ثورة 25 يناير التي رفعت عالياً شعار “عيش، حرية، كرامة إنسانية”
تارةً و “عدالة اجتماعية” تارةً أخرى، فربطت بين “العيش” و “الكرامة” في جدلية
مُحكمة. لكن عقل السفير المعني، لم يلتقط سوى كلمة “عيش” حسب رؤيته للمصريين.
في وقتٍ يقوم فيه فصيل ثوري مصري، كألتراس أهلاوي، بهز أرجاء مصر جميعها، بسبب
نزوع للكرامة، لا ” العيش”.
لكنني من باب الحرص على المظهر العام للشعب السوداني النبيل، أدعو سفير
السودان بمصر للتخلص نهائيا من المعاني المباشرة للمثل السوداني الذي يساند
منحى غلبة الطبع على التطبع في بلم العقل حين يقول “القلم ما بزيل بلم”؛ فقد
يغلب التطبع الطبع إذا اخترق العقول. وأدعوه أيضاً للتعلم ولدخول عدة دورات في
الديبلوماسية، خاصةً (والشهادة لله) قد لاحظت تغيراً فيه جعله يلجأ للإعلام
لشرح وجهة نظره (الفطيرة)، بديلاً عن العنف المباشر. إذ ريثما نتخلص إلى الأبد
من ربقة حكم الإسلامويين؛ فإنني لا أطيق صبراً على تدني القيمة الوطنية
والديبلوماسية لسفير السودان بمصر، الذي قد يُفاجئ الجميع ويُغالِّب بلم حس
العدالة عنده بلقاح المعرفة فيغترف التطهر مما ولغ فيه، أو كما يقول أهلنا في
الشمال ” المَرميّ في القِدِر يجيبو المُغراف”.
كاتب ولاجئ سوداني بمصر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.