شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البو عزيزي، وراء الخير والشر..بقلم: طاهر لبيب
نشر في حريات يوم 11 - 04 - 2013


طاهر لبيب..
“إلهي إن كان في سابق علمك أن يوجَد الجحيم فعظّم خلقي فيه حتّى لا يسع معي غيري". قال هذا البسطامي، فيضَ غيريّةٍ، في مناجاة، فاستجاب البوعزيزي، في جحيم الأرض، فيضَ معاناة. ما شيّع الصوفيُّ ذو “الشطحات" نحو السماء ردّه البوعزيزي إلى الأرض: جحيم الأرض ليس فيه “إن كان"، وهو لا يؤجَّل إلى يوم القيامة. هو هنا والآن، وهنا والآن صَهْده. لا واصلَ ولا فاصل بينه وبين المصهود غير جِلده: آخر ما يتبقّى للمعدَم وأوّل ما تمسّه النار.
من المحتمل أن يرد في الذهن هذا المشهدَ، مشهداً أوّل، ولكن بماذا وكيف نحرّكه؟ لم يترك البوعزيزي نصّاً، فحتّى “رسالته" إلى أمّه استبعدها الشكُّ فيها. وهو لم يتكلّم، محترقاً، ثمانية عشر يوماً . من أين لنا، والحال هذه، معرفة ما أراد من إسناد المعنى إلى فعله؟ أيّة دوافع غير مرئيّةٍ، غير مرويّةٍ كانت له؟ ماذا نُقوّله؟ أيّة أفكار وأحاسيس نحمّله؟ ثم لماذا الإصرار على الاقتراب منه؟ لماذا العودة من أثر الفعل إلى الفاعل، لحظةَ فعله؟ أَلمعرفةٍ أم لتخفيف ذنب؟ كثيرون أحرقوا أنفسهم وغاب ذكرهم في “متفرقات" الصحف، فهل كنّا نعود إلى البوعزيزي لو لم يكن لفعله امتدادُ ثورة؟ وإن أَعرضنا عن هذه الأسئلة وعن التخيّل والاستنباط في الإجابة عنها هل نكون أنصفنا “الإنسان العادي" في إنسانيته؟
“إنسان عادي" ضَديدُ البطل (anti-héros) بلا ملامح ثورية، “يُنتج"، بلا علم منه ولا رغبة، بطولةً جماعيّة تقود وتنجز ثورة. أسئلته لا تشغل أهل السياسة فهم مدفوعون إلى توظيفه، ولا المحلّلين فهم متعالون به إلى “الماكرو"، ولا رجال الدين فهم مكفّرون أو طالبو شفاعة، ولا المعلِّقون في ثقافة العابر فهم في وقتِ ارتجال. يبقى كبار المبدعين فلهم القدرة على صهرِ الأسئلة وأجوبتها في مفارقات الحالة ونمذجة الشخصيّة. للعمل الدرامي أن يواجه هرج التبشير الفكري ومرجَ المسْرحَة السياسية المملّة. للرواية أن “تروي" ما وراء ما يُروى. للشعرِ أن يهرب بالرمز من عَراءِ المباشر إلى حيث التضمين والتكثيف. كبار المبدعين هم العارفون المعترفون بأن نصوصهم ليست فضاءً لتسطير الحقائق، فالمعنى فيها مفتوحٌ، وإنما هي فضاء للإسقاط: بناء نص عن البوعزيزي، متخيَّلاً، يعبّر عنّا نحن ولا يعبّر عن حاله إلاّ في حدود ما يتحقّق منها فينا وما نُسقط عليها منّا.
“الإنسان العادي"، من أمثال البوعزيزي، لا يمرّ من العادي إلى الاستثنائي إلا بصعوبة، وإن مرّ بقي مهدَّداً بالإرجاع إلى العادي. لهذا أسباب كثيرة، أوّلها جاذبيّة الأصول الاجتماعية حيث لا تميّزَ يعوّل عليه، وثانيها كره النخب لكلّ منعطفٍ لا ينعطف بهدْيٍ منهم، وثالثها ما يعاد رسمه من حدود بين المقدّس و"المدنّس"، بين البديع والبدعة. وراء هذا وأقدمُ استبطانُ الثقافة العربية الإسلامية لانسداد رافديْن كبيرين من روافد التّرميز: التراجيديا التي لا عناصرَ تبنيها، إذ الحياة “ممرٌّ" لا يواجَه القدر فيه، واللاوعي الذي قد يُرى في التسليم به تبريرُ أفعالٍ ومواجهةُ أحكام.
بدءاً، إذاً، تتبيّن صعوبة الترميز لمن أراد بناء شخصيّة استثنائيّة في النص العربي. لم يجرؤ على فتح ما انسدَّ من روافد الترميز إلاّ ما ندر من كبار المبدعين، في مرحلةٍ يبدو، الآن، أنها كانت غفوةً أو غفلةً قبل “صحوة"! اليوم تُبدِّل حملات التفتيش عناوينَها لتُدخل الرّمز في أفقر أيّامه. والمفارقةُ، اليوم، هي بين تكاثر الترميز وتفرّعه وانتشاره في المعارف وفي حياة الناس اليوميّة وبين تشديد الرقابة عليه، شراسةً إلى حدّ التكفير، وامتداداً إلى حد التسلط عليه من كل حدب وصوب، يُفتي فيه كلُّ من هبّ ودب. تحدّي البوعزيزي، شخصيةً تُبنى، هو هنا: هو يتحدى الثقافة السائدة، لا في نقل أخباره، وهي قليلة، ولا في التعليق عليها، وإنما في قدرتها على ترميزه. الترميز –مهما سطّحته ثقافة الدوتْ كومْ الفايسبوكية- هو رؤية ومعرفة وآليات، وهو أيضاً، هنا، موقف فكري سياسي تجاه فعل “الإنسان العادي". في كل حال، لن يبقى من البوعزيزي ومن أمثاله غير ما رُمّز وانبنى نموذجاً.
مهما يكن، ليس لنا من البوعزيزي وعنه غير الصور، وهي تلك التي أراد الناس أن تكون صوره. صورتان وحيدتان، لا يُشكّ فيهما، يتداخلان، تحت عنوان “صور البوعزيزي" مع صور أخرى كثيرة ليست له، قطعاً. بعض “صوره" مركّب وبعضها متخيَّل، فقد “التقط" الناس صوراً له، غيابيّاً. عندما نحوّل الواقع صورةً تصبح الصورة، في الذهن، أكثر واقعيّةً من الواقع. وبقدر ما يلتبس الواقع أو نجهله يسهل، بالإسقاط، تعويض الحال التي أُريد تثبيتُها، لحظة التصوير، بحال أخرى نريدها أن تكون. الإسقاط بالتماهي يعدّل الصورة، “يسوّيها" لتعادل صورةً أخرى هي في الذهن، بحسب “ما قام في النفس أنه مستقيم" كما يقول “اللسان". هكذا يصبح الواقع هامشاً للصورة تُطرِد إليه ما لا تتحمّله.
صورة البوعزيزي المعروفة لا نرى فيها ما كان يَرى، لا نعرف وجهةَ نظرته. نرى ذراعيْن ترتفعان وتنفرجان. قيل إنه كان يصفّق في عرس، ولعله يغني. في الصورة، خلفه، ما يوحي بذلك، ومن التعاليق ما ذهب إلى أنه فيها “مُقبل على الحياة". ليكن! ولكن، بعد أن حدث ما حدث، تُرى الصورة من خلال ما حدث، وهذا ينقلها إلى زمن غير زمانها: البوعزيزي، رافعاً ذراعيه، لم يعد يصفّق وإنما “يتشفّع". لم يعد يغنّي وإنما يردّد ما يقول التونسي حين يشتد به ضيقُ الحال: “ما عندي غير جلدي".
هناك صورة احتراقٍ أولى مقمحةٌ في “ألْبوم" البوعزيزي يبدو فيها المحترق هارباً من النار بالنار. ما شكّله اللّهبُ منه له “وجهان": أعلى يبدو آتيا وسفلي يبدو ذاهباً. لعلّهما ارتسما في الأذهان كما ارتسم وجها الاله جانوس الموهوب إليه والمشتقّ منه شهر جانفي: إله خرج من خَواء العالم، ناظراً بوجه إلى الماضي وبالآخر إلى المستقبل، في آن واحد. أين كان يتّجه هذا المحترق؟ إلى باب مفتوح، لخروج بلا رجعة، أم إلى باب نجده؟ هل سبق المرادُ الإرادة؟ لا ندري، ولكنّ أغلب الظن أن المقبل على قتل نفسه –مهما كان عزمه- يبقى فيه بعض رغبةٍ في إنقاذها. هو لا يصدّ من أراد خلاصه وإن لامه إن نجا. لكأن الإقدام على الفعل هو المراد، لذاته، وليس الموت.
ما استحضر البسطامي، بدايةً، صورةٌ ثالثة من “الألْبوم" يبدو فيها المحترق جاثماً على أربع، يصعد اللّهب إليه، من تحته، يرفعه ويأكل منه: حالة من الاسترفاع أو “الجذب" يحاصِر فيها لهباً لا يمتدّ أبعد منه. ما يتآكل من اليدين والرجلين يعلن انهياراً وشيكاً. التآكل فعلُ عبور: يتآكل الجلد فيمرّ الداخل إلى الخارج والخارج إلى الداخل. للجلد، هذا الواصل الفاصل، رمزيّةٌ قويّة، منذ أساطير الإغريق، فهو فيها حامٍ ومهلكٌ ، إلى التحليل النفسي فهو فيه واسع الدلالات . هذه الرمزيّة ضعيفة في ثقافتنا العربية الإسلامية. مكر الجِناس، في العربيّة، جمع بين الجِلد والجَلْد والجَلَد، ولكنه مكرٌ تأرجح، في الثقافة، بين الخير والشر، خارج الجهاز النفسي ومفاهيمه. الأحلام التي كانت أوسع الطرق إلى اكتشاف اللاّوعي لم ينجُ “تأويلها" من هذا التأرجح الذي مسّ مصير الأموات أيضاً: “إن رؤي الميْتُ، في المنام، حسنَ الجلد فقد دل هذا على أنه في نعيم"! وللجلد، في صيغة الجمع، في القرآن تحوّلات قويّة الإيحاء: “تقشعرّ" جلود الذين يخشون ربهم و"تلين" ، و"تُصهَر" ، و"تَنضج" و “تبدَّل" جلود الذين كفروا ، وهي، كالسّمع والأبصار، شاهدةٌ على أعداء الله يوم القيامة . لقد عرفت الثقافة العربية الإسلاميّة، وخاصة متصوّفوها، البواطنَ والسرائر، والضمائر والخواطر والهواجس، وعرَّفت الرمز بما هو “معنى باطنٌ مخزون تحت كلام ظاهر لا يظفر به إلاّ أهله"، ولكن معياريّة الخير والشرّ حاصرت الرمزَ، وتخصيصاً في الإبداع الذي لا يكون من دونه.
صورة أخرى، أخيرة، لا لبس في أنها للبوعزيزي: حفرةٌ في الوجه، في موقع الفم وتخومه، فارغةٌ، فاغرة، غائرة في السواد، لا يُرى غيرها من الجسد المضمّد على السرير. يقول العرب: “إذا سقطت الجبهةُ نظرت الأرضَ بإحدى عينيها". هل هذه الحفرة هي هذه العين؟ وإن نظرت فماذا رأت؟ أما الأنابيب المشدودة إلى الجسد فلا نعرف إن كانت لا تزال تصل داخله بالخارج أم كانت ممّا يبقى على الرُّكح بعد نزول الستار. تعاليق الناس ترجّح المسرحة وترى في ساديّة السلطة ما يكفي من الجبن لإظهار الميْت حياً، خوفا من الغضب المشهد مشهد دفنٍ: هُيّئ الجسد لعين السلطة، مرفوع الرأس والصدر قليلاً، وغُطّي أغلبه بغطاء مزركش خالط ألوانَه لونُها الرسمي البنفسجي. مَن الناظر ومن المنظور؟ تلك الحفرة الفارغة في الوجه هي المحدّقة في الواقفين حذو السرير، تحاكمهم، تربكهم، ترعبهم، تجمد نظراتهم، تربط أياديهم، مضمومةً، على البطون أو الصدور، تبتلعهم. “الزين" المشدوهُ، بفمه نصف المفتوح، لا نراه يقول: ماذا فعلتَ بنفسك يا بوعزيزي؟ وإنما: ماذا فعلتَ بي؟ “السيّد" أصبح عبداً ل “عبده".
لا نعرف في أية لحظة فارق البوعزيزي الحياة. السلطة وحدها تعرف ذاك، فهي تابعت أنفاسه، نفساً نفساً، من دون شك. وإذا كنا نريد أن نعرف هذه اللحظة فلِنتخيّلَ مواجهةَ الموت كيف كانت. يُقال إن المحترق لا يفقد وعيه وإن طال ألم احتضاره. هو لا يرى الموت ولكن يسمعه في امتداد صوت اللهب فيه. حدَّثونا عن نزعات الموت وسكراته، فهو مثل “غصن كثير الشوك، أُدخل في جوف رجلٍ، حتى إذا أخذتْ كلُّ شوكة بعرق ثم جذَبه رجلٌ شديد الجذب قطع ما قطع وأبقى ما أبقى". ماذا أحسّ البوعزيزي حين تجاوزت جلدَه النارُ إلى جوفه، حين دخله جحيم الأرض؟ ماذا رأى: ما ترك أم الآتي؟ هل رأى العربة وأمّه والشرطية؟ هل رأى نفقاً أسود أم بؤرة ضوء؟ هل رأى ملَك الموت، قابضَ الأرواح؟ هل حاوره؟ هل ترامت إليه، في غياهب صمته، أصداء ما كان يحدث؟ إن وصلته، هل اندهش أم سار مع الثائرين؟ هل ضحك أم بكى؟ ما أصعب السيناريو على السيناريست إن أخذته هذه الأسئلة.
لكن، لمَ الموت احتراقاً، هذا الموت الجامع لكلّ الموتات؟ هل هو الشّوق إلى تخلّص علني ومطلق من شروط الوجود على الأرض؟ إن كان هذا الشّوق ففيه، نهايةَ مطافه، صورةُ ما تأتي عليه النار، ما يترمّد.
في تخيّل الترمّد انفصالٌ لا رجعةَ فيه. هو، بهذا المعنى، تطهّرٌ وتطهير كاملان منتهيان. أما العلنيّة فهي في الإشهاد: إضرام النار في الجسد يكون، كما جرت به العادة، في فضاء عام، لكي يشاهده الناس ويُخبروا بما شاهدوا. هذا الإشهاد لا يطلبه من قتل نفسه في حيّزٍ خاص. أن يكون هذا أمام واجهة السلطة، أمام مؤسساتها، كما فعل البوعزيزي ومن تبعه، فهذا إعلانُ مواجهةٍ، إعلانُ اتهامٍ ومحاكمة ينزاح بالغضب من الخاص إلى العام. المشهد “سوسيودرامي"، والبوعزيزي –وسيطاً ومنشّطاً- يدعو فيه إلى التطهّر الجماعي، إلى “الكاتارسيسْ". لم يحترق البوعزيزي في ساحة واحدة من ساحات سيدي بوزيد وإنما احترق، في اللحظة نفسها، في ساحات عديدة من ساحات تونس. المشهد جوّالٌ والنار انصهار: انصهار الجماعة في حال واحدة. من هنا كان التماهي، بدايةً، على وجه التطابق والتوحّد: “الشعب يحترق"، و “كلّنا بوعزيزي".
هناك موتاتٌ أقل ألما من موتة الاحتراق بالنار. هذه الموتة هي من أقدم وسائل القربان، ولكن أثرها في نفوس الأحياء ليس من جهة التضحية بقدر ما هو من جهة الألم الذي فيها. هذا الألم هو الذي يهبه المحترق إلى الأحياء. الإحساس بهذه “الهبة" جعل البعض يشبّه البوعزيزي بالمسيح. وراء هذا شعور غامض بالذنب يدفع إلى الاعتذار على تقصيرٍ ما. حتى طلب الغفران للبوعزيزي هو، في بعض حالاته، اعتذارٌ له. وحدهم من تملَّكهم النصر أو تملّكوه لا يعتذرون. المنتصرون لا يعتذرون عمّا فعلوا والثوار يعتذرون عمّا لم يفعلوا.
هناك من صنع بطولته أو صنعت له، وهناك من قضّى العمر في طلب بطولة لم يدركها، وهناك من أُبطلت بطولته بعد أن امتلأت بها الطبول. لكل زمن نماذج بطولته، والبطولة، في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، شجاعةٌ تتزعّم مواجهة الخارج، معتديا أو محتلاً. مواجهة الداخل لَمْ تفرز، في التسمية، أبطالاً وإنما معارضين ومضطهدين وضحايا، ومنهم ثوريون بلا ثورة. اليومَ، قد لا تحتاج البطولة لغير التميّز في ما يشدّ الناسَ في فُرجة: للفرد أو الفريق أن يفوز بالبطولة –هكذا تسمّى عربيّاً- لانتصاره في مسابقة رياضيّة. قد يكون الانتصار بفارق “ركلةٍ" أو بعضِ ثوانٍ من الركض، وهو مؤقّت إلى أن يُسحب “لقب البطولة". ثم هل البطولة حاجة اجتماعية؟ إن كان ذلك فأي بطل ولأي مجتمع؟ عندما استسلم غاليليو لتهديد محاكم التفتيش، في مسرحية بريخت “حياة غاليليو"، قال له أحد طُلابه: “شقي هو البلد الذي لا بطلَ له" فكان ردّ غاليليو: “شقيّ هو البلد الذي يحتاج إلى بطل". أين مجتمع البوعزيزي في هذا؟: بعضه جعل منه بطلا بلا بطولة وبعضه جعل منه بطولةً بلا بطل.
البوعزيزي خارجُ أنواع البطولات. هو نموذج عربي لضَديد البطل: إنسان عادي، مقصيٌّ في أرض مقصيّة، على تخوم حياته، يلتقط العيش من بين أسنان القانون، لم تُعرف عنه مُثلٌ رفعها في جماعة ولا شجاعةٌ أبداها لصالحها. لم يتبطَّل. عرفنا ضدّ ماذا أنهى حياته ولم يُظهر قَصداً غير إنهائها. الحدث المؤسِّس ذاته لا نعرف إن كان من إرادته أو من خطأ اللعب بالنار. خصائصه هذه غير قابلة للتضخيم البطولي. خصلة “بطولته" الوحيدة، نهاية الأمر، أنه مات: مات نيابةً عمن لم يُنوّبه. ما تبع لا علم له به: أنه حرّك الانفعالات الجماعية ووجّه سلبيتها إلى مبادرة بطولية. بطولته ليست فيه وانما في امتداد فعله، وإن سعى بعض الناس إلى تركيب “أَلْبوم" وعناوين بطولية لم يجدوا لها مادةً تسندها.
وإذا كان طموح البطل أن يكبر في عيون الآخرين فالبوعزيزي صغُر في عيون الكثيرين. وإذا كانت البطولة فكرةً أو صورة يُجمع الناس على خصائصها فخصاله موضوع خلاف. للتكبير والتصغير، في حالته، إيحاءات اجتماعيّة أغلبها مضمرٌ، ولا ندري كيف كانت تكون لو كانت له أصول اجتماعية أخرى. ما غلب وانصرح تأرجح بين خير وشر، شغَّل مانَويّةَ الأخلاق والدين في الثقافة العربيّة الإسلامية . نموذج البوعزيزي، إن دقّقنا، لا يكون إلاّ من هذه الثقافة: ضديد بطلٍ مسلوب الخصائص المعهودة في البطل، مقدوح في ماضيه، والغيب، أيضاً، يعرّضه لمآلٍ متنازع فيه.
هناك ثنائيات مانَويّة يكفي فيها للتوضيح اثنتان:
الأولى تُقابِل بين الواقع والتمثّل: ابن الصبّار، اليتيم الأب، المنادَى محمد بسبوس" لقُربه وحِنّيته"، الكادُّ في طلب القوت، سندُ عائلته، المضطهَد، المظلوم، يقابله المعتوه، المضطهِد أمَّه، الظالم الشرطيّة، المنحرف الذي “بسببه أصبح كل المنحرفين أبطالاً". لهذا سُميت شوارع وساحات باسمه، وفي الوقت ذاته نُزعت صوره، في مدينته وشوّهت ب “الانتهازيّة" عائلته. هذا قبل أن يهدَّم آخر معاقله: تُحاكَم أمّه بدعوى الاعتداء على القضاء. في هذه المقابلة ما ينحو إلى ابطال نسب الثورة: لم لا تكون “الصّفعة"، وإذاً الشرطية، هي “الشرارة" الأولى؟ والأهمّ من السؤال، جِداً كان أم لعباً، هو ميل ثقافةٍ إلى قتل الأب وإحياء الجّدِّ. مهما يكن، فالثورة التي تنازعت أسماؤها قبل أن تستقر “ربيعاً عربياً" لم تتحمّل اسمه فلم تحمله. يوازي هذا نزوح الرمز من الشخص إلى لواحقه: تحلّ العربة محلّ صاحبها فتمجَّد وتبارَك ويُسأل عنها، عالمياً، ويرغب الاغراءُ في اقتنائها ويتمسّك الورثة بها ل “رمزيتها". أستاذ جامعي سعودي كتب أنه “لا بد أن تدخل العربة التاريخ من أوسع أبوابه، فقد تغيّر مجرى التاريخ بسببها".
الثنائية الثانية أرجحته بين الانتحار والشهادة، بين طرفي الحلال والحرام وفي ما بينهما. التكفير، من جهة، فالانتحار من الكبائر والمآل، وهو جهنّم، يثبّته البعض حُكما شرعيا ويضيف البعض ما يتمناه منه للمنتحر ولمن قال باستشهاده: “إلى نارك الثانية يا بوعزيزي، ولْيحشُر الله معك فيها من قال إنك شهيد"، إذ “بسببك مات الكثيرون". المنتحر معرّفٌ بمآله لا بأسباب انتحاره، وهو “حالَ ما يرى ملَك الموت يدرك أنه كان أهونَ عليه أن يبقى حيّاً". عجيبٌ أمر الأديان في هذا: لكأنها بقدر ما تُعمِّر تقلّ حكمتُها. من الجهة الثانية لفظُ الشهيد يردَّد، ولو من دون تفصيل أو تعليل، مع السّحب، أحياناً، في اتجاه المقدّس: “سلام على روح سيّدي الولي محمد البوعزيزي، ومن دخل هذا المقطع (على الانترنت) عليه أن يقرأ الفاتحة على روح الشهيد". قناة الجزيرة “الثورية" رأت أنها قالت فيه “أروع ما قيل فيه على الإطلاق":
بشّرته بطيب المقام وخاطبته: “نسأل عن الطين الذي خُلقت منه عربتك المباركة...كافرٌ من يدين موتك".
مفتيها القرضاوي الذي “خرجت الثورات من جبّته" كان بين هذا وذاك: “كان في حالة ثورة وغليان نفسي، ولا يملك فيها نفسه وحرية إرادته". بحثَ له عن عذر وطلب له الغفران. بعضهم جرى هذا المجرى، معتبراً أن “لا أحد يعرف حالته العقلية آنذاك"، ودفع بفتواه إلى عدم دخوله جهنّم: “لعلّه تاب"، من يدري؟
حُوصِر الخيالُ والرمز في ثنائيات من هذا النوع فتحوّلت مفارقات الشخصيّة –وفيها ثراؤها- إلى تناقضات لا سبيل إلى تجاوزها إلى “ما وراء الخير والشرّ": لا بد أن يكون البوعزيزي انتحر أو استشهد. وإذا كان لم ينتحر ولم يستشهد وإنما قتلته ظروفه وسجَّته واحتارت في الصلاة عليه ثقافة البلد ودفنته السياسة ووضعت على قبره وروداً اصطناعيّة تُرى ولا تُسقى؟ وإذا كان لم يفعل، في يومه المشهود، غير ما كان يفعله طول حياته وكانت هذه هي سيرته؟ نقول: سيرة، وفي الذهن “تراجيديا" بلا أنصاف آلهة وبلا قدر، لكي لا تُشهِر عليها ثقافة البلد سيف مقدّساتها. ماذا لو كان البوعزيزي شخصيّة تراجيديّة أخرجتها هذه الثقافة من تراجيديّتها –في المعنى الفنّي الجمالي- ولم تزل تبحث عن مؤلفٍ يعيده إليها؟
لجأ الفلاسفة إلى الميتوس لبناء اللّوغوس. من دون هذا ما كانت تكون جمهورية أفلاطون ولا كان لزرادشت أن يتكلّم. من دون الأساطير ما كان للمسرح ولا لفنون أخرى أن تتطوّر، بل ما كان لمعارف كالتحليل النفسي أو الانتروبولوجيا أن تبني نماذج تحليلها النظري ومقارباتها الرائدة. هذه الأساطير ليست من “أساطير الأوليين"، والواضح أن العرب المسلمين لم يدركوا كم كانت خسارتهم كبيرة منذ أن غلَّقت ثقافتهُم عليها وعليهم أبواب أساطير الإغريق. هذا حرمهم من معرفة النماذج الأصلية أو “أركيتيبْ" الرؤى واللاّوعي لدى الإنسان. ليس في هذا دعوة إلى أسطرة الواقع ففيه ما يكفيه من وعي زائف. الدعوة دعوة إلى فسحة الخيال الإبداعي. قد لا يكون هناك إلاّ معطيات واقعٍ ضئيلة ولكن هذا لا يمنع الخيال من أن يكون إعادة بناء أكثر إقناعاً وأعمق جماليةً من “واقعيّة" الواقع. مثال واحد من بين أمثلة كثيرة: الشاعر فيرجيل خاب أمله في زمنه فأراد، في آخر أيامه، حرق “الإيناييد" ملحمته الشهيرة. هذا هو المعطى الذي انطلق منه هرْمن بروخْ، في أربعينيات القرن الماضي، ليكتب “موت فيرجيل"، بنوع من الحلول فيه، بأعمق ما يتخيّل كاتبٌ من إسناد القول والتأمّل ومناجاة الذات إلى غيره. هو فيرجيل، ولكن من قال إن إنساناً عاديا وضع حداً لعبثيّة حياته وحوّل النار إلى فكرة أوقدت في الناس ثورة لا يستفزّ خيال المبدع ولا يناديه لاستكشاف عالمه؟
لكلّ أن يرى في البوعزيزي ما أراد واستطاع. المهم أن يرى. من الصعب أن يرى فيه ما رأت سير العرب في أبطالها القدامى فهي سير خيالٍ شعبي جرحته هزائم العرب، حين تفككوا، فاستحضر من ماضيه لحاضره فرساناً صالوا وجالوا ثم غابوا. قد يرى، بعضاً من سيزيف وبعضاً من بروميثيوس: قد يرى في الصخرة عربةً يدفعها البوعزيزي فتصادَر بضاعتُه مرتين في الأسبوع، على ما قيل. ولما كان الموت وقتَ مصادرةٍ فقد أبّد العبثيّة. بروميثيوس الذي تحدّى زوس ووهب الناس الشمسَ له كنايةٌ في ما قال الناس: “أنت شعلة أنارت سبيلنا" يا بوعزيزي. ولمَ لا يكون طائر الفينيق ينتفض من تحت رماده؟ فالبوعزيزيون –وهم يتوالدون- لا يزالون هنا حيث تركهم، في مواقعهم، عادوا إليها سالمين وغير سالمين.
أربك البوعزيزي ثقافة البلد: لم تعرف ما تفعل به غير أن تؤرجحه في أقدم ثنائياتها. ضربت على رمزه حصاراً لا يفكّه، في نصّه، غير من كانت له، مع الفكر والحسّ، صورةٌ وعبارة (في قصائد أولاد أحمد والوهايبي، مثلاً، ما يصدّع هذا الحصار). وإذا اعتمد القول، هنا، مَثلَ البوعزيزي فإن ما حدث له حدث ويحدث لأمثاله في كل فضاءٍ ثقافته عربية إسلاميّة. ليس هذا حكماً بل معاينة، ولو صيغت على وجه الإيحاء لا التحليل. الحافز أسئلةٌ أثارتها العودة من أثر الفعل –وقد امتدّ وتشعّب القول فيه- إلى فعل الفاعل، لا في معناه البيوغرافي ولا في معناه السوسيولوجي، وإنما باعتبار قابليّته للترميز: عودة إلى فعل إنسانٍ عادي ينجزه موتٌ استثنائي. أما القصد فإضمارُ الحاجة إلى خيال فنّي يمتدّ، وراء بطولة الزعماء والقادة، إلى ضديد البطل العادي. لهذا فالأسئلة ليست موجّهة إلى من يقتلون الخيال أو إلى الباحثين فيه عن جُنحةٍ وإنما إلى من يتّخذونه أجنحةً: إلى المبدعين.
الهوامش:


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.