مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





(حريات) تنشر تغطية لندوة التشكيل .. والحرية والديمقراطية
نشر في حريات يوم 14 - 06 - 2013

عقد الاتحاد العالم للفنانين التشكيليين السودانيين أول أمس الأربعاء، ندوة بعنوان (التشكيل، والحرية والديمقراطية) تحدثت فيها رباح الصادق، التي أكدت على دور التشكيل التحرري والدور المنتظر للتشكيليين في إعادة الديمقراطية والبناء الديمقراطي ضمن مشروع نهضوي ثقافي كامل.
وتحدثت رباح الناشطة والكاتبة الصحافية، وعضوة المكتب السياسي لحزب الأمة وأمينة الثقافة سابقاً، بدلاً عن السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة في الندوة التي أقيمت بدار الاتحاد بالخرطوم 2، متبنية مقترح حزبها بميثاق ثقافي لتحقيق العدالة الثقافية وإلزام حقول الإنتاج الثقافي بمراعاتها إثنيا وجهويا ونوعيا، مؤكدة على الدور الذي يلعبه التشكيل في لفظ المظالم والفظاعات والتشوهات وتنمية الحساسية ضدها.
وتعرضت لتعريف للتشكيل مقرة بضرورته لوجود أمية تشكيلية بالغة بين كثير من المتعلمين يظنون التشكيل هو اللوحات التجريدية أو السريالية أو غيرها من أشكال الرسم غير الواقعي أو التقريري، واعتبرت التشكيل هو كل أشكال صياغة المرئيات بطريقة جمالية. وحول التشكيل والحرية تطرقت لحرية الفنان والظروف الاجتماعية والسياسية والنقدية والتحيزات والتفسيرات الدينية المنكفئة التي تسلبه حريته، ومن جهة أخرى الدور التحرري الذي يلعبه التشكيل للفنان والمجتمعات كصرخة ضد القهر والظلم وتشوهات المجتمع. وذكرت العلاقة بين التشكيل والديمقراطية مؤكدة أن النظام الديمقراطي هو الأفضل على أن يتقيد بمواثيق تمنع تحريك الجماهير ضد الحريات، كما تطرقت لدور التشكيل في النضال الديمقراطي وإعادة البناء الديمقراطي بعد تحقيق التحرر من الاحتلال الداخلي في السودان، متطرقة لمشاكل التشكيل في السودان ولأهم ملفات العطاء التشكيلي في النهضة.
وعقب عليها لفيف من التشكيليين، وأدار الندوة الأستاذ أحمد رمبة.
وقال التشكيلي تاج السر إن غياب مشروع ثقافي رسمي واعٍ للأحزاب كان هو السبب فقد كان المشروع الرسمي دائماً مأزوماً وملتبساً، ولم يكن لحزب الأمة مشروع ثقافي كالذي يطرحه الآن، مشيرا لدخولنا المنظومة الحداثية بطريقة تقليدية متأثرة بالكاريزما والزعيم. ونادى بمطالب عديدة لتفعيل دور التشكيل في المجتمع منها إنشاء متحف للفن التشكيلي، وتبني الوزارات والمؤسسات الكبيرة لأعمال تشكيلية ضخمة، وتربية فنية مدروسة تجعل المجتمع متذوقاً للنتاج التشكيلي قائلاً "لا يمكن الفنان ينتج ويشوف إنتاجه براه". وأمن على ما دعت له رباح من ضرورة مراجعة المناهج وإضافة النقد الذي تخلو منه مناهج الكلية، وأشار لأثر ربط التشكيل بالدنيوي والمدنس.
وقال د. محمد حسن إن تركيز تعريف التشكيل بلوحة الحامل خطأ فالتشكيل يضم كل المرئيات، التصميم الداخلي والإيضاحي وفنون الكمبيوتر كلها جزء من التشكيل، وقال إنه في ورقة بعنوان (نشوء الفن الصناعي وسقوط اللوحة المؤطرة) تحدث عن أن لوحة الحامل إلى زوال مؤكدا أننا كسودانيين فإنها ليست من ثقافتنا، وقد نعلّق على الحائط أشياء نستعملها كالطبق. وقال إن الديمقراطية لم تكن دائما مدعاة لأعمال فنية جميلة، بل في الديكتاتوريات تقهر سلطة الدولة الناس وتوجه التشكيليين نحو أعمال تشكيلية بعينها.
وتحدث الأستاذ عبد الرحمن نور الدين مدني الرئيس السابق للاتحاد، وقال إنه يتمنى أن يكون هناك تجمع فنانين حول دعوة دفاع التشكيل عن حقوق الإنسان في السودان، وقال إن الحزب الحاكم تبنى الفن الرسالي وظهر وفقا له معرض لفنان واحد من مدني أقامه في الخرطوم ولكن لم تسفر الدعوة عن نتاج آخر، ودعا الاتحاد أن يتسلم زمام هذه المبادرة بالدعوة لحقوق الإنسان، والتناغم مع ما قاله والي الخرطوم مؤخراً بتبني أعمال تشكيلية لتزيين المدينة.
وقال الأستاذ صلاح حسن عبد الله التشكيلي الكاتب بغزراة في هموم التشكيل في السودان إن قيمة الورقة تأتي من كونها حديث من غير تشكيليين المحترفين يتكلمون عن مشاكل التشكيل ويطرحون أشياء تتجاوز ما سماه الكهنوت المطروح. وأشار لحراك في الساحة التشكيلية فغداً سيكون هناك نقاش لكتاب ابراهيم الصلحي (قبضة من تراب). وقال إن الندوة كانت ستكون أكثر فائدة لو صحب الحديث عن دور التشكيل في الحرية والديمقراطية نماذج للوحات والبوسترات والكاركتيرات وكافة الأعمال التي تخص الحقوق والديمقراطية مشيرا لتنامي دور البوستر في النضال من أجل الديمقراطية.
وأشار لحديث رباح عن التجربة في حزب الأمة حيث تكالب أعضاء المؤتمر العام على ملفات البرنامج الاقتصادية والخدمية والسياسية وأحجموا عن ملف الثقافة، وقال إن هذا المشهد موجود في كل الأحزاب متسائلاً: ماذا نعمل؟ وقال صلاح إن حزب الأمة أحسن حالاً من كثيرين، فهناك أحداث ثقافية وتشكيلية كثيرة تبناها الحزب من ذلك الدفاع عن معرض التشكيلي محمد حمزة ووصف ذلك بأنه "حاجة نادرة"، مشيراً إلى أن ذلك كان بقيادة د. عمر الشهيد رحمه الله، مدير دار الأمة، الذي يعد خسارة بالنسبة للحركة الفنية والتشكيلية في السودان.
وقال ماهر محمد أحمد إن المطلوب ليس هو (التمرير) وليس حرية التعبير، أي أن يتم اتباع الرأي السديد. وأشار لما ذكرته رباح من تقييم أعمال النساء سلبيا وقال إن أعمال النساء تفتقد للنضج اللوني وتميل للزركشة. كما طالب بألزام دور النشر بعمل صفحات فنية متخصصة في الصحف (ليست إخبارية وشيل حالية) بتعبيره. وانتقد طريقة سن قانون المهن التشكيلية بعيدا عن التشكيليين ورؤاهم.
وتحدث آدم فنون وقال إن قضايا التشكيليين مهضومة ويتعامل معهم ك"تمومة جرتق" في المجتمع، وتحدث عن غياب المشروع التشكيلي، وانتقد غياب الإعلام عن مناشط وندوات التشكيليين، مقترحا أن تكون الندوة دورية.
وتحدث د عبد الرحمن عبد الله (شنقل) رئيس الاتحاد مؤيدا ما ذكرته المتحدثة من أن الصراع الحاد بين اليسار واليمين في الساحة التشكيلية كان مضرا لها، ولكنه عارض ما ذكرته من أن أفضل الناس في كلية الفنون كانوا ينتمون إما يسارا أو يمينا. وقال إن الكتابات التشكيلية في السبعينيات والتي استندت إليها طابعها تصادمي ولم تضع مسارا واضحا لمسار الحركة التشكيلية. مناديا بأن نضع الحلول المستقبلية وما هو مهما للثقافة والتشكيل. وقال إن من إشكاليات السودانيين عدم تطبيق النظريات التي ينادون بها.
وتحدت ياسر إدريس مشيراً لما ذكرته رباح من حمل أعمال تشكيلية تتمثل في لوحة لحسن موسى وكاركتيرات في مسيرة مناصرة الصحفي فيصل محمد صالح، وما ذكره صلاح حسن من مناصرة حزب الأمة لمعرض محمد حمزة وتساءل: إلى أي مدى يمكن للحزب ان يستصحب التشكيل في التغيير مع اعتبار الذهنية التقليدية في المجتمع، والى اي مدى لديكم الاستعداد لتبني مثل هذه المبادرات؟
وفي النهاية تحدثت رباح شاكرة للتعليقات وإجابة على التساؤل قالت إن مسيرة مناصرة فيصل لم ينظمها حزب الأمة ولكن الحملة من أجل حرية التعبير وهي مبادرة أنشأها نشطاء إعلاميون ومن المجتمع المدني وهي عضوة في لجنتها التنفيذية بصفتها ناشطة لا حزب أمة، لكن صحيح إن الحزب قطع خطوات كبيرة في التقارب مع التشكيليين إبان تولي العم المرحوم عمر الشهيد لإدارة داره المركزي، حيث كان عضوا باتحاد المهن الموسيقية وله علاقات حميمة بقصر الشباب والأطفال، والتشكيليين، وظل لفترات يرعى معارض تشكيلية دائمة للدار مما قرّب المسافة بين قيادات وعضوية الحزب للتشكيل، على سبيل المثال كانت قاعة الاجتماعات الرئيسية معرضا دائما للوحات تشكيلية لفترات طويلة، وهي القاعة التي يحضر لها شهريا أعضاء المكتب السياسي الذين يحضرون من كل ولايات السودان، فذلك كان يقرّب وينمي ذائقتهم التشكيلية. وقالت كذلك صحيح إن رئيس الحزب تبنى حوارا مع التشكيليين ومشروعا لدور التشكيل قوميا، وإن الحزب تبنى مشروعا وميثاقا ثقافيا، ولكن قالت إن لهذا أثر ولكنه ليس كافياً فلا زالت الذهنية المنصرفة عن الثقافة هي السائدة كما ذكرت، وبالتالي فإنه لا يعفي القاعدة التشكيلية من عمل صبور أكثر مثابرة وقاعدية لإنهاء القطيعة مع المجتمع، ويمكن للعمل أن يتضافر مع مواقف لقيادات وزعماء سياسيين واجتماعيين متقدمة ولكن تلك المواقف ليست كافية ولا تعفي التشكيليين من واجبهم.
وأكد الاتحاد العام للفنانين التشكيليين أنهم بدأوا سلسلة من المناشط، تفتتح بهذه الندوة التي قرروا فيها أن يكسروا العزلة بينهم وبين المجتمع، ويستمعوا لرؤى مفكرين ومثقفين من خارجهم، وأنهم بدأوا بالإمام الصادق المهدي، وسوف يكون المتحدث في الندوة القادمة هو الدكتور غازي صلاح الدين عتباني، وسوف يقومون باستضافة آخرين من الطيف الفكري والثقافي السوداني.
(نص ورقة رباح الصادق أدناه) :
بسم الله الرحمن الرحيم
الاتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين
الأربعاء الموافق 12 يونيو 2013م
دار الاتحاد- الخرطوم 2
ندوة بعنوان
التشكيل والحرية والديمقراطية
رباح الصادق
مدخل
عليّ بداية الاعتذار عن هذه المداخلة. لا أنكر اهتمامي بقضايا التشكيل، ضمن قضايا الثقافة العامة، وضمن هواية، ولكن مشاركة أمام منبر الاتحاد العام للفنانيين التشكيلييين السودانيين كان ينبغي أن تكون نتاج جهد أكبر، بيد أن ضيق الزمن، منذ تفويض الإمام الصادق المهدي لي للحديث بدلا عنه أول أمس، لم يتح سوى اجترار أفكار صغتها في الغالب في كتابات سابقة. وما شجعني للمضي قدماً هو شعوري القديم والحاضر بضرورة اختراق حلقة التشكيليين السودانيين الصلبة، والجديرة بالاهتمام والمحاورة.
وفي البداية أشيد بمبادرة الاتحاد باستضافة متحدثين من خارج الحوش التشكيلي، وهذه ليست المرة الأولى، لقد شهدت قبل عشر سنوات منشطاً مماثلاً، قدّم فيه الحبيب الإمام الصادق المهدي ورقة (نحو مشروع قومي للفن التشكيلي)، وكان الاتحاد، بالإضافة لجمعية التشكيليين ومؤسسة أروقة راعين لها.
في مداخلتي الحالية انطلق من الأطروحات التي قدمتها تلك الورقة، والتي احتوت على نقاش المأزق الوطني، ووضع السودان داخل إقليمه والعالم. وفي تلك الورقة قدم الإمام إستراتيجية ثقافية تعمل على حل المظالم الثقافية في البلاد، ومحو اللامساواة الثقافية افتتاحا لعهد تلاقح وتعايش وعدالة ثقافية، مفصلة لدور الثقافة في السياسة والتنمية، والتعليم، والإعلام، والعلاقات الإقليمية، وقائمة على ميثاق ثقافي ذي اثنتي عشرة نقطة تؤكد حقيقة التنوع وضرورة التعايش والعدالة الإثنية والنوعية والجهوية، واحتكام حقول الإنتاج الثقافي، والتعليم، والإعلام، والعلاقات الخارجية، لبوصلة حساسة لتلك الحقيقة. وقد كانت تلك الورقة منزعجة بحقها من غياب القسمة الثقافية لدى طاولات التفاوض في اتقافية السلام، والتركيز على السلطة والثروة فعلياً ثم إعطاء الثقافة (خدمة شفاه) بينما الغبن الذي اشتعل باروده أولاً كان هو الغبن الثقافي . كما تعرضت لقضية الدين مؤكداً على أن المطلب الجمالي جزء من ضرورات الإنسان ومطالبه العشرة (الروحية والمادية والأخلاقية والمعرفية والجمالية والاجتماعية والعاطفية والترفيهية والبيئية والبدنية) وأن (الإسلام يلبي هذه المطالب بصورة موزونة ولكن العقلية المنكفئة أقامت باجتهادها تناقضاً بين الإسلام وبين بعض هذه المطالب فعارضت بذلك مقاصد الشريعة، وأجبرت كثيرين لاستنتاج أن الإسلام عقبة في سبيل الحياة العصرية).
ولدى حديثنا التالي فنحن نرتكز على تلك الإستراتيجية، والميثاق، والمطالب المشروعة بالعدالة الثقافية، كمسلمات.
أولاً: عن التشكيل عامة وفي السودان:
أمام هذا المنبر لا داعي للحديث عن التشكيل تعريفاً، ولكن الأمية التشكيلية البالغة في المجتمع، والتي تجعل كثير من المتعلمين يعتقدون أن التشكيل هو عبارة عن الرسومات التجريدية أو السريالية أو غيرها من ضروب الرسم غير التقريري أو الواقعي، هذه الأمية تجعل هذه الفقرة مهمة برأيي في خطاب محو الأمية التشكيلية لغير التشكيليين.
التشكيل ضرب من الفنون. (والفن مهارة في إبداع صيغ جمالية لتحقيق لذة جمالية وليس لذة مادية)..(ومهمة الفنان هي التعبير عن جمال فني وليس تكرار الجمال الطبيعي، وعملية الإبداع هي عملية جدية، فهي لا تنطوي على عبث ولهو وإنما تنطوي على شعور بالمسئولية، هي مسئولية الإبداع) .
وقد فرّق الناس بين ضروب الفن بحسب وسائل الإدراك، فهناك الفنون المرئية، والمسموعة (الموسيقى والغناء)، والمقروءة (الأدبية بأصنافها)، وفنون الأداء من دراما ورقص ومسرح وسينما..الخ.
كان يتم الحديث عن الفنون المرئية visual Arts باعتبارها جزء من الفنون الجميلة fine arts (أو الفنون بإجمال). على أن الفنون التشكيليةplastic Arts هي جزء من الفنون المرئية المتعلقة بتشكيل المواد فنيا مثل النحت والحفر والخزف والنسيج وأعمال المعادن أو القطع النقدية. ثم تطور مفهوم الفنون التشكيلية، ذلك أن التجارب الألمانية والأمريكية قد "كسرت الحاجز الفاصل بين الفنون التشكيلية والتصميم الصناعي والمعماري" .. هذا علاوة على أن التشكيل لم يعد يقتصر على الأشكال المذكورة بل الحديث الآن عن "أن الفنون المعروضة لا يتم تصنيفها حسب تقسيمات مسبقة بعد اليوم. التلوين، التصوير، الرسم، والطباعة تتداخل مع الأشكال ثلاثية الأبعاد، والنحت أدخل بعد الزمن على أبعاد المكان حيث الفن يعمل بالحركة والصوت واللمس عبر الكمبيوتر والفيديو والأفلام" . لقد صار مفهوم الفنون التشكيلية يعني لدى الكثيرين كل الفنون الجميلة المرئية، يقول التشكيلي السوداني د. عبد الله بولا: "أن التشكيل، علم صياغة الأشكال المرئية في علاقة جدلية لا نهائية، يتميز بذلك عن أشكال الفنون غير المرئية: الشعر - الموسيقى- الأدب..الخ. وتتسع دائرته لتشمل جميع أنشطة صياغة المرئيات".
ومع أن الكثير من كليات ومدارس الفنون العالمية لا زالت تطلق كلمة الفنون التشكيلية على جزء فقط من النشاط المشار إليه (وغالبا ما يقصد به النحت والخزف) فإن المفهوم السائد للتشكيل والفنون التشكيلية بالعربية يقابله باللغة الإنجليزية الفنون المرئية visual Arts. والفنون التشكيلية بهذا المفهوم تحتوي على عدة أصناف من الإبداع ويقع تحت هذا التعريف: التلوين- النحت- الرسم- الخزف- العمارة- التصميم الداخلي-التصوير- التصميم الإيضاحي- الخط العربي- الطباعة- النسيج- تصميم الأماكن وتخطيط المدن وتزيينها-..الخ.
هذا على الصعيد النخبوي. أما على الصعيد الشعبي فتحتوي الثقافة المادية وما فيها من حرف شعبية وأزياء ومعمار وأدوات على جوانب تشكيلية من نوع آخر. وفي بحثه بعنوان (الفنون الشعبية) يتحدث الفولكلوري الأمريكي هنري جلاسي عن التفرقة داخل منتجات الثقافة المادية إلى حرف وفنون شعبية، فيقرر أن تلك المنتجات تعمل لخدمة غرضين: وظيفة معينة للاستعمال، ووظيفة جمالية، وأنه كلما طغت الوظيفة الجمالية على العملية يسمى المنتج فن شعبي، والعكس صحيح بحيث يسمى المنتج حرفة شعبية. يشرح جلاسي الفكرة فيقول: التصميم الداخلي للمنزل يصمم في الأساس لكي يستعمل ووظيفته الأولى يمكن اعتبارها اقتصادية. والتصميم الخارجي للمنزل يصمم في المقام الأول ليشاهد، ويمكن اعتبار وظيفته الأولى جمالية ، وبالطبع ممكن مغالطة هذه الفكرة بأن فنون الديكور أو التصميم الداخلي كثيرا ما تركز على الجمال حتى في المعمار الشعبي، كما أن تصاميم خارجية كثيرة كالسقوف تركز على الوظيفة ففي المناطق الممطرة نجد (القطية) مائلة وهكذا. هذا التمييز بين الحرفة الشعبية والفن الشعبي ربما يصفه الفرق في المصطلح بين المصنوع artifact والصنعة الفنية artistry .
ولكن التعريف الذي اتخذه بولا "صياغة المرئيات" أعلاه، يجعلنا ندخل في التشكيل كل أنشطة صياغة المرئيات الشعبية بشكل جمالي.. يدخل في ذلك أواني الفخار، وأعمال السعف، والعقد (المكرمية) والعمارة التقليدية، وأدوات الزينة، والأدوات المنزلية، وأعمال السعف والقرع والخشب، وأعمال الخرز والفضة والذهب، والمنسوجات والأزياء المختلفة، وأزياء ومستلزمات المناسبات الطقسية، والمنحوتات (خاصة في الجنوب)، والأصباغ لتلوين الأجساد كالحناء، والشلوخ، والوشم..الخ. أي كل المصنوعات على أن يكون للمصنوع الشعبي غرض جمالي واضح يحمل علاوة على البعد الوظيفي قيم أو رموز جمالية.
وبرغم حديث تشكيليين سودانيين كثيرين عن تمدد نطاق التشكيل على النحو الذي أشرنا إليه، نجد أن الحديث عن التشكيل في السودان في الغالب ما يقتصر على معارض (لوحة الحامل أو اللوحة المؤطرة)، والنحت. وهناك بالطبع مناشط تشكيلية أخرى معترف بها، يتخصص فيها التشكيليون في (كلية الفنون الجميلة والتطبيقية) وهي: الخزف، النسيج، التصميم الصناعي، التصميم الإيضاحي، والطباعة والتجليد. وهذه المناشط تستوعب العديد من التشكيليين والنشاط التشكيلي في البلاد ولكن في العادة لا يتم الاهتمام بذكرها، وكما قال الأستاذ صلاح حسن عبد الله. إلحاق صفة العمل التشكيلي بالأعمال المؤهلة لشكل المعرض والصالة فيه اختزال كبير للعمل التشكيلي والذي أنجز فيه التشكيليون قدرا هائلاً من المساهمات خارج صالات العرض في أعمال الديكور، في اللافتات، في أعمال التصميم اليومية للصحف، الكتاب، والملصق، المطبق..الخ .
ثانياً: التشكيل والحرية:
هناك علاقة مركبة بين التشكيل والحرية. المستوى الأول هو حرية الفنان، والقيود عليه من المجتمع. والمستوى الثاني هو الدور التحرري الذي يلعبه التشكيل للفنان وللمجتمع.
حرية الفنان داخل مجتمعه:
حرية الفنان، وحرية المجتمع الذي يعيش فيه الفنان، لكل منهما دوره وأثره على المنتج التشكيلي. هذه الحريات متشابكة، فحرية الفنان ترتبط بقدرته على إنتاج أعماله وتسويقها وتقييمها بشكل منصف موضوعي يركز على الجودة الفنية بعيداً عن تحيزات أيديولوجية أو سياسية أو نوعية أو إثنية أو جيلية وغيرها من التحيزات. وهذا بالطبع ليس بعيداً عن المجتمع، والقيود السياسية أو الأيديولوجية أو التحيزات النوعية أو الجهوية التي قد تفرض على الفنان أو تقيد أعماله بل قد تؤدي إلى حرمانه حرياته وحقوقه الأخرى بما فيها الحق في الحياة.
بالطبع إن حرية الفنان مرتبطة بحرية المجتمع. وسوف نتعرض هنا لحرية الفنان في اختيار موضوعه، وفي عرض أعماله، ومعاناته أمام سلطة النقد والتحكيم سواء النقدي أو الأكاديمي.
ولكن، حينما يكون التشكيل عملاً أو مهنة تقتصر على مقابلة حاجات سلطة ما أو يكون معبراً عن رؤى جماعية في المقام الأول، كتزيين القصور والكنائس وزخرفة المساجد، تقل بدرجات حرية الفنان في التعبير عن آرائه الخاصة. لقد كان الفنان في الماضي سواء في تزيين المعابد في مروي ونبتة، أو الكنائس في المقرة وعلوة، كان يعبر عن المجتمع ويصوّر الآلهة أو الموضوعات الدينية، وهو نفس الشيء الذي كان يحدث في أوربا في العصور الوسطى المسيحية حيث كان رفائيل وليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو وغيرهم من الفنانين يعملون بطلب من الكنيسة، لتصوير المسيح والسيدة العذراء والقديسين وغيرها من المواضيع الدينية، وكانت تلك المواضيع أحياناً تتعارض مع رؤاهم الخاصة.
وقد أبدع الروائي الأمريكي المذهل دان براون في رواياته خاصة: شيفرة دافنشي، وملائكة وشياطين، وما فيها من تتبع وتفسيرات مذهلة لمواقف فنانين أمثال دافنشي وبرنيني من الكنيسة وعدائهم لها، وهم يقومون بعمل التصاوير للكنائس ويخفون بوسائل ماكرة نقدهم لها.
حينها كان الفنان التشكيلي مجبراً على عمل ما تطلبه السلطة سواء كانت الكنيسة أو الحاكم. قال البروفسر حسن محمد حسن وهو يتحدث تحت عنوان (تحرير الفن والفنان) عن كيف كان الفنان يخضع لسلطة الملوك والأمراء من ذوي الإقطاع ورجال الكنيسة (حين كان العمل الفني يفرض عليه فرضاً، دون أن تكون له حرية الاختيار لموضوعاته، حيث لا يكون هناك سوى ما يطلب منه إنجازه من أعمال فنية ترضي أغراض السادة وتشبع غرورهم الزائف. وحينما كان إنتاجه بعيداً كل البعد عن حرية التعبير التي قد نملس آثارها بعد زوال تلك الطبقة الارستقراطية وشبحها الطاغي على إنتاج الفنانين الذين كانوا يعملون في ظلهم، ولكن بعد أن أصبح الفنان حراً من إسار هذه الطبقة أتيح له أن يصور أو ينحت مسترشدا فيما يقوم به من عمل فني بهدي من وجدانه، إذ ينجز من اللوحات أو التماثيل ما يتسم بطابعه الشخصي، ويعبر في حرية وانطلاق عن انطباعاته الذاتية)..(وأن يعمل للإبداع في أرفع مستوياته باذلا أقصى جهده أن يقود المجتمع بما يبتدعه إلى آفاق جديدة من عالم الفن).
وبعد الثورة الفرنسية وصعود القيم الديمقراطية وزوال سلطة الكنيسة والحكام المستبدين تحرر الفنان وصار يختار مواضيعه. يقول حسن، إن البديل للسادة الذين كانوا يفرضون على الفنان مواضيعه كان (ظهور الطبقة الوسطى التي آزرت الفنان وأمدته بالتشجيع الأدبي والمادي في عهده الجديد الذي يستمتع فيه بأضواء الحرية ويعيش في ظلال أعلامها) .
ولكن نفس هذه الطبقة الوسطى التي دعمت الفنان برأي حسن، يراها البعض سيطرة (بورجوازية) على العمل الفني.
وفي الوضع التحرري الجديد تواجه حرية الفنان مشاكل جديدة: مشكلة النقد، ومشكلة التحكيم المتعلقة بها.
ففي التجربة الأوربية كان للنقاد دور كبير في العملية الفنية والتأثير على حياة الفنانين سلباً وإيجابا. ففي فرنسا كان صالون العرض السنوي بباريس هو المركز الرئيسي للفن الفرنسي، وكانت آراء النقاد تؤثر على حياة الفنانين، كما حدث مثلا للفنان المصور تيودور روسو الذي كان تفوقه الفني سببا في وجود عوامل الغيرة في قادة هيئة التحكيم مما أدى لإقصاء إنتاجه عن العرض بصالون باريس نحواُ من أربعة عشر عاما، رغما عن أنه أصبح فيما بعد عميدا لهذه الهيئة . وقد أدى رفض أعمال عدد كبير من الفنانين المجيدين إلى إصدار أمر من نابليون الثالث بإقامة معرض لتلك الأعمال التي رفضها الصالون من قبل . وبالرجوع لأسباب الرفض نجد أنه كثيراً ما كان يتعلق ليس بالجودة الفنية ولكن بالمضمون الاجتماعي للوحات أو بفكرة الفنان، فقد كان رفضاً يهدف ليس لتأكيد جودة المعروض ولكن للحد من حرية تعبير الفنان.
فمن الأعمال التي رفضت كانت لجوستاف كوربيه، وقد كانت أعماله منصبة (على تصوير حياة الفئات الكادرحة من العمال في مختلف صور كفاحهم، كما مثلها في عدد من لوحاته: قاطعي الأحجار، جنازة في أورنان، في الاستديو، إذ أن جميع هذه اللوحات تضم في تكويناتها الفنية عدداً غير قليل من آصحاب المهن المتواضعة، ومن ثم كان لها صداها المدوي لدى نابليون الثالث وحكومته المحافظة التي كان الفنان يقف منها موقف العداء بحركته الثورية) .
كذلك عندما ظهرت الحركة الانطباعة التأثرية كانت شخصية الفنان إدوارد مانيه قد تألقت بزعامته، ولكن في عام 1863 رفض عرض بعض لوحاته في الصالون وانتهى بها الأمر بعرضها في معرض اللوحات المرفوضة إلى جانب أعمال كل من الفنانين ويستلر وألفونس لاتور، حيث لم يكن أمر الرفض قاصرا على مانيه وحده باعتباره زعيما للحركة التأثرية بل شمل أتباعه أمثال رينوار وديجا وبيسار. وذلك لأنها لاقت هجوما عنيفا من النقاد والجمهور، حتى قامت محاولات جادة من الشراح توضح أساس هذه الحركة الفنية واستنادها للنظريات العلمية المتعلقة بتحليل الضوء .
وتطور الحال من صالون المرفوضين، إلى تنظيم الفنانين لمعارضهم الخاصة، وبروز وسطاء تجارة الصور الذين يديرون للفنانين أعمالهم وينظمون لهم المعارض، حتى اعتبر صالون المرفوضين (نذير الاستقلالية المتنامية للفنانين)، ذلك أن الفنانين والنحاتين دأبوا حينا طويلا من الدهر على العمل لحساب حماتهم، الممثلين بالملوك وأمراء الكنيسة والأرستقراطيين والتجار الأثرياء، ولم يبادروا إلى المطالبة بنوع من الحرية.. لكن ذوي النزعة الاستقلالية تمردوا على القيود التي فرضتها هذه الحماية عليهم. وبدأت الحالة تتغير تدريجيا. في البدء كان الفنانون على استعداد للقبول بأحكام الفنانين زملائهم في المهنة. وقد عد القرن الثامن عشر عصراً ذهبياً للأكاديميين حين كانت سلطة رجال مثل جوشوا رينولدز معترفا بها من قبل الفنان والجمهور. لكن احتكام الفنانين الى فنانين نظراء لهم لم يعد محتملا، وكان سببا من اسباب الانتفاضة التي شهدتها باريس عام 1863، فقد طالب الرسامون بالحرية لعمل ما يشاءون دون الالتزام بقناعة هذا أو مباركة ذاك . ويقول باونيس: هذه الحرية في الواقع نظرية أكثر منها حقيقة، إذ أنها تورث التزامات قد لا يقوى على الإيفاء بها سوى فنان مثل مايكل أنجلو. لكنها مع ذلك كانت السمة التي ميزت الفن الحديث وعاملا رئيسيا في تطوره على امتداد المائة عام الأخيرة .
وفي السودان، يورد الأستاذ صلاح حسن عبد الله مثال معرض جوتة، للفنانين علي الوراق وبابكر الكنديو، فقد كان يفترض أن يقام بمعهد جوته، ولكن تدخل مدير المعهد وتوصيفه للأعمال المطلوبة للعرض حال دون ذلك ، وكذلك الخلاف بين الكريستاليين ومصلحة الثقافة في 1976م . كذلك هناك حادثة رفض أعمال التلوين الخاصة بحسن موسى في الكلية بالرغم من أنه كان (معجزة) بحسب تقدير الأستاذ الذي قام بذلك التقدير المجحف .
وهناك واقعة أخرى لتدخل الكلية ضد بعض الطلاب فيما يتعلق برؤاهم، ففي 11/5/1974م حينما نشر الأستاذ كمال حسن بخيت تحقيقاً صحفيا أجراه مع بعض طلاب الكلية طرحوا وجهات نظرهم في مختلف القضايا، غضبت إدارة الكلية ففصلت العديد من الطلاب .
القيود الأيديولوجية
مثلما هناك قيود سياسية تفرض على الفنان فتحارب أعماله المعارضة للنظم الحاكمة، فهناك قيود من نوع آخر بعضها يعمل بشكل طوعي.
فبعض المدارس الفكرية يفرض على الفنان مواقف معينة، ومعلوم مثلاً موقف الفكر الاشتراكي الصارم من الفنون ودورها ودور الفنان داخل مجتمعه. قال الناقد الألماني والتر بنجامين: إن الفرق الأساسي بين الشيوعية والفاشية هي أن الفاشية تجمّل السياسة بينما الشيوعية تسيس الفن . والفكرة الشيوعية هي أن (توجيه الفن يسعى لهدف إيجابي هو: جر الفنانين إلى غمار حياة المجتمع وجعلهم مشاركين بعمق وعلى نحو تام في القضية العامة وإلهامهم بالهدف النبيل لخدمة الشعب وهو تغيير العالم، وتأكيد الرؤية الواسعة للدعاوى الشجاعة على أساس من الواقعية الاشتراكية والمبادئ اللينينية لروح الحزب والاقتراب من الشعب في الفن) ، وقد روجعت هذه الفكرة لدى ارنست فيشر في كتابه (ضرورة الفن) باستبدال الواقعية الاشتراكية بالفن الاشتراكي، ومراجعتها الأهم بين أنصار الفكر الماركسي كانت لدى جورج لوكاتش وتأكيده على ضرورة تفسير عناصر العمل الفني ووظيفته من داخل بنية العمل أو سياقه التشكيلي ولكن بربطه بالأيديولوجيا الماركسية. وذهب روجيه جارودي المفكر الفرنسي الشهير والذي بدأ ماركسياً، إلى أن (الفن لا يخضع لأي عقيدة سياسية، والفنان يشكل العمل الفني وفق قيمه الخاصة وليس وفقا لما نريده نحن. والفن يعبر عن واقعه الاجتماعي وروح عصره من حيث إنه يكون معبراً عن شكل من أشكال الوجود الإنساني في العالم) .
وكان للنازي أيضاً فكرة حول دور الفنان والمطلوب منه. قام النازيون بتنظيم معرض "الفن المنحط" عام 1927م للسخرية مما وصفوه بأنه الفن المتأثر باليهود، فجمعوا فيه مجموعة من لوحات جميلة لحداثة القرون الوسطى الأوربية لفنانين أمثال شاغال وارنست وكانينسكي وبول كلي وكيرشنر .
والرأي الصواب باعتقادي هو ما قاله د. سعيد توفيق من ضرورة إزالة هذه القيود الأيديولوجية على الفن، و(بدلاً من أن ننظر إلى الفن باعتباره وظيفة أو أداة لخدمة أغراض أيديولوجية ذات مضامين قومية، فإننا ينبغي أن ننظر إلى الكيفية التي يعبر بها الفن بأسلوبه التشكيلي الخاص عن هذه العناصر ويوظفها داخل بنيته. هنا لا يصبح الفن مجرد أداة للأيديولوجيا، بل تصبح الأيديولوجيا نفسها أداة الفن، أي تصبح أحد الأغراض التي يستخدمها الفن ويوظفها بأسلوبه الخاص).
الإسلام والتشكيل: حرية أم قيد؟
ضمن القيود على حرية الفنان، هنالك القيود النابعة من مواقف دينية تحرّم الفن والتصوير أو تحد حدوده، وهذا وارد بشكل كبير في بعض التفسيرات للإسلام.
إن نهضة المسلمين مجملاً رهينة بثورة ثقافية هي ناتج عملية تنويرية داخل الدين لا من خارجه، ولصالح إحيائه لا قبره. وإذا لم يحدث ذلك فسيكون هناك العديد من التشكيليين المسلمين الذين يتقيدون بإفتاءات بشكل طوعي، تحد من سقف عطائهم. هذا القيد ذو أهمية بالغة، فلا يكفي الحديث عن أهمية الفن التشكيلي للمجتمعات وممارسته وهذا يجدي فقط في دوائر لا يهمها رأي الدين كثيراً. شخصياً عانيت من هذا القيد بشكل كبير في نشأتي، فقد كنت أمارس التشكيل هواية بغزارة وأحب رسم البورتريهات، حتى عثرت على الأحاديث التي تلعن المصورين، وفتاوى تحرم من التشكيل كل تصوير لحي وتقصر الحلال على الزخرفة أو الرقش الإسلامي والخط وهي ضروب الفن الإسلامي المعروفة. ودخلت في حيرة أخرجني منها كتاب الدكتور محمد عمارة (الإسلام وقضايا العصر)، وقد فنّد فيه النصوص المحرمة للتشكيل. كان ذلك في أوائل ثمانينات القرن الماضي، وما فتئت اطلع على الكتابات المستنيرة التي تتطرق للمسألة، كرؤى الشيخ محمد عبده في أوائل القرن العشرين الذي انتصر للتصوير وعدد فوائده للمجتمع، وكتاب الإمام الصادق المهدي (نحو ثورة ثقافية) وكتاب محمد عمارة المتخصص في القضية (الإسلام والفنون الجميلة)، وغيرها، وهي أدبيات ترسي لنهج مقاصدي في الفقه، في مقابل النهج الصوري القائم على القياس والإجماع، وتحرر الفنان المسلم من قيود صنعها فقهاء أقدمين متأثرين بتأثيرات مختلفة، ففي الصدر الأول كان الدافع هو محو ماضي عبادة الأوثان القريب، ولاحقا ايام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كان الدافع لتحريم الفنون هو ارتباطها بالمجون، وهكذا.
إن هذه المواقف لا تعمل فقط على تقييد الفنان المسلم ذاتياً بحيث يبتعد عما يراه محرماً (السنسرة الذاتية)، بل إنها تفرض قيوداً في المجتمع بسن تشريعات مقيدة، أو بإصدار فتاوى تجرّم التشكيل والتشكيليين وتحرمهم حرية عرض أعمالهم مثلما سوف نناقش لاحقاً تحت عنوان (التشكيل والديكتاتورية)، بل حتى إبان العهود الديمقراطية مثلما يحصل بعد الربيع العربي في مصر وتونس، وهو ما سنتطرق له تحت عنوان (التشكيل والديمقراطية).
التحيزات النوعية والعرقية والحضارية
يقول الفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر، إن العمل الفني يظل دائما منتظرا أولئك الذين يكونون قادرين على فهمه وتقديره حق قدره، وبالتالي يحفظون حقيقته من الضياع ومن التحجب وراء قناع أو ستار من سوء الفهم والتقدير .
إن التحيزات المسبقة تلعب دورا في التقييم السالب لبعض الفنون على أسس ليست فنية ولكن نوعية أو عرقية أو حضارية. وهي بالتالي تحد من حرية الفنانين والفنانات اللائي تتحيز ضدهن، لأنها تقلل من دوائر التأثير، وتؤثر على سوق الأعمال للفئات المتحيز ضدها.
التحيزات الحضارية: لقد كانت النظرة الفوقية المستمرة التي مارسها فلاسفة الفن على الفنون غير الأوربية سببا عندهم في جعل الفنون الأخرى، الهندية والصينية والمصرية والإسلامية والإفريقية فنونا تطبيقية أو فنونا زخرفية .
وذكر ملفل هيرسوكوفتس كيف أن الأوروبي رفض الفن الإفريقي بداية واتهمه بالسذاجة "خاصة أعمال النحت" ثم ما لبث الفن الأوروبي منذ أربعينيات القرن العشرين يرفد من الفن الإفريقي (بل حتى الفنانين الكبار أمثال بيكاسو أخذوا عن الأقنعة الإفريقية). ثم كيف أثر الطلب الأوربي المتكاثر على أعمال النحت (ضغط السوق) مسببا فقدانها لجودتها بدخول الكثيرين غير المبدعين للحلبة .
والتحيزات الحضارية واضحة في تصنيف (الفنانين العالميين) وهذا يعود بشكل أساسي لتقييم الحضارة المتغلبة، الحضارة الغربية، بحيث تنظر من علٍ لفنون الحضارات الأخرى. لقد ذكر أحد تشكيليينا، ضيعته الذاكرة، كيف أن أعمال فناني عالم الجنوب، أو العالم الثالث، تجد طريقها لمعارض العالمية، في فرنسا، وبريطانيا، ليس إلى جانب أعمال الفنانين (العالميين)، ولكن في قاعات منفصلة خاصة بها تأكيدا لدونيتها في التقييم.
التحيزات النوعية: في تاريخ الفن التقليدي عرفت بعض الأشكال والأجناس "بالفنون الدنيا" التي لا تحتاج لفنان "عبقري" بأنها نسائية، وبالتالي الحقول الأنسب للنساء الفنانات. يذهب بعض النقاد الفنيين إلى أن هذا التحامل راجع لجندرة موضوع الشكلForm والمادة في الفلسفة، بسبب فكرة أرسطو عن الشكل باعتباره مذكرا مما كان من أهم الأسباب لإقصاء النساء من تاريخ الفن. بل إن الفهم المماثل للأدنى (أنثى) والأعلى (ذكر) لا زال يؤثر على تقييم وتفسير الفن، مما ينعكس –مثلا- على الوضع المتدني الذي يعطى للفنون التطبيقية . نفس المعنى تطرق له النقاد في الفنون العربية والإسلامية، فيذهب الغذامي –مثلا – إلى أن مخرج "قصص ألف ليلة وليلة" لم يجرؤ على ذكر اسمه معها كما فعل ابن المقفع مع قصص "كليلة ودمنة" ذلك أن قصص ألف ليلة وليلة تعبر عن فن نسوي.
هذه التحيزات لا شك تقيد عطاء الفنان وتحد من دوره داخل مجتمعه والعالم.
التشكيل ودوره التحرري:
نستند هنا إلى فكرة أن العمل الفني محرر بطبعه، وعبر حرية التعبير الفني يخرج الفنان من قوالب المألوف لينظر إلى العالم برؤية تحرره مما فيه من تشوهات، فالفن قوة تحررية نابعة من الفنان تفيض على مجتمعه. والفنان حتى حينما يرسم بشكل واقعي تقريري فهو لا يفعل ذلك كما تصنع الكاميرا، بل يطبع صوره برؤيته، إنه يختار لقطات ورموز وخطوط وألوان وأشكال مما حوله أو خياله أو أحلامه أو مخاوفه ليصب عليها فكرة. هذه هي فكرة تحرير التشكيل للفنان من جهة ولمجتمعه من ناحية أخرى.
ففي التجربة الإنسانية، لعبت أعمالاً تشكيلية أدواراً مهمة في تحرير المجتمعات من القهر والظلم الاجتماعي وفظاعة الحروب واضطهاد النساء وغيرها من أوجه التشوه الاجتماعي والسياسي.
لقد سبقت الإشارة أعلاه للوحات كوربيه التي تصور حياة الكادحين تتماهى من آلامهم، وهناك كذلك الفنان الفرنسي جان فرانسوا ميلليه الذي عانى الحرمان بسبب رفض أعماله لعرض الحياة التعسة التي يعيشها الفلاحون، مثل لوحة (جامعي البذور). وهنالك لوحة فان جوخ الشهيرة (حذاء الفلاحة) حيث الثقوب الداخلية التي تعكس معاناة الحذاء الطويلة وقسوة العمل ومشقته وتشكل تعاطفا مع عالم الفلاحة ومعاناتها.
ولعبت لوحات أخرى أدورا كذلك في رفض الحرب والدمار، ولعل أشهرها لوحة الجورنيكا Guernica لبيكاسو عام 1937م بعد قصف الطيران النازي لقرية جورنيكا شمال أسبانيا، وصارت تلك اللوحة رمزاً عالميا لتجسيد أهوال الحرب، وضم مبنى الأمم المتحدة صورة منها. ولوحة (نذير الحرب الأهلية) لسلفادور دالي.
وفي التشكيل العربي اشتهر (حنظلة) الشاهد على فظائع مخيمات الفلسطينيين للتشكيلي الفلسطيني المرحوم ناجي العلي.
هذه الأعمال حركت ضمير المجتمعات التي ظهرت فيها بل والعالم. وكان لها أثر وصل الذين قاموا بالانتهاكات، ويروى أن ضابطا نازيا سأل بيكاسو قائلا: هل أنت من رسمت الجورنيكا، فقال له لا بل أنتم!
ولو انتقلنا للواقع السوداني، نجد أن هناك العديد من المعارض والأعمال التحررية التي قام بها التشكيليون السودانيون، ولست في مقام رصد هذه الأعمال، ولكن أشير فقط لبعض ما مرّ باطلاعي المحدود. مثلا للفنان إبراهيم الصلحي لوحة (الثورة ضد الطغيان في جنوب أفريقيا) ، للفنان المرحوم عمر خيري العديد من اللوحات التي تصور كادحين تضامنا معهم. وللفنان المرحوم حسين شريف لوحة (الواثق صباح الخير)، روبين هود السوداني، أو (مسيح الحماقة المايوية) ، الذي صلبته يد المحاكم الجزافية على أيام قوانين سبتمبر، أو الثورة التشريعية سيئة الصيت.
وكان الكريستاليون (المدرسة البلورية) تحدثوا عن أن مشروعهم اتجاه فلسفي يرى أن الكون مشروع كرستالة شفافة وأن الحياة الجديدة تحتاج للغة جديدة وأشعار جديدة وفي علاقة الرجل بالمرأة تفسر انجذاب كل منها للآخر بأن أصل المرأة رجل وأصل الرجل امرأة ولذلك تجد المرأة عنصرها الرجالي المفقود في الرجل ويجد الرجل عنصره النسائي المفقود في المرأة وهذه الفلسفة قرنها التشكيلي (أحمد محمد حامد شداد) أحد قطبي المدرسة التشكيلية بلوحاته، كما ذكرت القطب الآخر في المدرسة، الأستاذة كمالا إبراهيم إسحق ن أن لوحاتها تقصد تحرر المرأة وتشير لاضطهادها.
وفي معرض زرته للتشكيليات السودانيات قبل سنوات كانت هناك عدة لوحات تبرز اضطهاد النساء، كصيحة تحررية.
كما هناك العديد من معارض الكاركاتير التي عقدت في دار اتحاد الكتاب السودانيين وغيرها من الأماكن والتي تركز على حرية التعبير وانتقاد ورفض القهر والطغيان.
وصار النشطاء يركزون في الآونة الأخيرة على ضرورة حمل أعمال تشكيلية تنادي بالحريات في وقفات المناصرة وعدم الاقتصار على الشعارات اللفظية والمكتوبة، وهذا مثلا ما قررته الحملة من أجل حرية التعبير التي نشأت عام 2012م، وكان من ضمن الأعمال التي حملها المناصرون للصحفي فيصل محمد صالح في العسف الذي قابله من قبل الأجهزة الأمنية، في الوقفة المخصصة للمناصرة أمام مجلس الصحافة والمطبوعات الصحفية، كانت هناك لوحة من رسم التشكيلي د حسن موسى عبارة عن بورتريه لفيصل باستخدام الحرف العربي.
ولكن يمكن القول إن هذه الأعمال لم تصل لتكون معروفة على نطاق واسع في المجتمع، ولا زالت معروفة فقط وسط التشكيليين أنفسهم وبعض النشطاء.
ولعل الضرب الوحيد من التشكيل الذي يحظى بانتشار واسع هو الكاركتير، فكاركتيرات كاروري وعز الدين ومؤخرا عبر الإنترنت عمر دفع الله تحظى بانتشار واسع، ربما لأن الكاركتير صار ضرباً معروفا في الصحف منذ فترة.
صحيح إن بعض الملفات الثقافية في الصحف تحاول أحيانا التعريف بلوحات تشكيلية لفنانين سودانيين ولكن لأسباب عديدة يمكن أن نعدد منها: الأمية التشكيلية وصعوبة فهم الرموز والفلسفة وراء غالبية المدارس التشكيلية وإنتاجيها وهذا مرتبط كذلك بضعف الحركة النقدية التشكيلية وانحصارها في حوارات أشبه بالداخلية بين التشكيليين، ومشاكل الطباعة مما يصعب نقل الأعمال بشكل لا يفقدها جماليتها، لا نجد لإنتاج التشكيليين أثراً كبيراً على حركة التحرر من ربقة القهر والظلم الاجتماعي، والحرب المدمرة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وقبلها في الجنوب، فبرغم وجود أعمال تركز على هذه المعاني التحررية إلا أن أثرها الاجتماعي التحرري ليس كما ينبغي.
ثالثا: التشكيل والديمقراطية
وهنا أيضا سنتحدث على أثر الديمقراطية على التشكيل والتشكيليين وأثر الديكتاتورية على حركة التشكيل في السودان، مثلما نتحدث في المستوى الثاني عن دور التشكيل في تحقيق الديمقراطية.
الديمقراطية نظام للحكم قائم على العديد من المبادئ كفصل السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضائية، والسلطة الرابعة الإعلام)، والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة نزيهة دورية. ومن المبادئ المهمة في الديمقراطية ضمان الحريات العامة وحقوق الإنسان.
والديمقراطية بتعريف جوهري هي ثقافة وسلوك فردي واجتماعي يسمح بالتبادل والتلاقح والمجادلة الحرة بين الرأي والرأي الآخر بدون إقصاء، ويتخذ وسائل موضوعية للترجيح بين الرؤى المختلفة بعيدا عن الإقصاء، والقهر، والتجريم.
ولذلك فإن حرية الفنان في التعبير عن رؤاه وإنتاج وعرض أعماله تعد عملاً تدعمه الديمقراطية وفقاً لوصفها الإجرائي ولجوهرها، وتقع حرية التعبير كأحد الأركان المهمة في منظومة حقوق الإنسان العالمية (المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية).
وبالرغم من ذلك فإن أثر الديمقراطية على التشكيل والفنان التشكيلي مسألة خلافية.
ويتحدث البعض عن أن أخصب فترات العمل التشكيلي في السودان كانت في السبعينات، وهو عهد ديكتاتوري. وأشار كثيرون إلى أن القهر والاضطهاد يلهم الفنانين ويكون دافعاُ قوياً لهم للعمل على التحرر والانعتاق.
كتب جوشوا كيتنغ في صحيفة فورين بوليسي بعنوان (إلى أي مدى يحتاج الفنانون للديمقراطية)؟ جاء فيه إننا ربما نرغب في تمجيد الفنانين الثائرين واعتبار القهر مصدر إلهام لهم لمكافحة الاستبداد، ولكن الحقيقة التي أبرزتها دراسة لكريستيان هلمانزيك هي أن الفن التشكيلي يزدهر بصورة أكبر في الديمقراطية. وقد أجرت الدراسة على أسعار المنتوجات الفنية للوحات أنتجت في الفترة 1820-2007، وذلك بتحليل عينة عالمية للوحات 273 من نجوم الفن الحديث، بتحليل لنتائج مزاد لوحاتهم، وبيانات عن البيئة السياسية في البلدان المعنية بالإنتاج. وبعد إجراء الدراسة اتضح أن هناك صلة إيجابية بين مستوى الديمقراطية وقيمة الإنتاج الفني. وعلاوة على ذلك، نجد أن الديمقراطية لها أثر إيجابي كبير على كل من كثافة إنتاج الرسامين ورأس المال البشري الفني الجماعي في بلد ما .
وقال الكاتب إن هذا البحث ربما دك الفكرة أن الاستبداد يحفز الفنانين، وقال إن الحقبة السوفيتية في بدايتها أنتجت فنانين أمثال الكسندر رودشينكو وكزمير ماليفيتش، ولكنهم سرعانما انزووا مع صعود الستالينية.
وفي السودان تثبت التجربة هذه الحقيقة، فقد كانت الديمقراطية الثانية إبان الستينات ملهمة للفنون، ويقول صلاح حسن عبد الله إن الزخم الذي ساد الفترة الثقافية في الستينات، كان من ضمنه مساهمة تنظيم الكتاب والفنانين التقدميين (أبادماك) وأنشطته التي شملت تسيير القوافل الثقافية التي وصلت لمختلف أنحاء السودان، وكان التشكيل واحدا من صميم أنشطتها. وقال إن الطلاب الذين التحقوا بكلية الفنون في بداية السبعينات كانوا هم أبناء الزخم الذي ساد خلال فترة الستينات . فهو يرجع فترة الانتعاش التشكيلي في عقد السبعينات للفترة الديمقراطية التي سبقتها.
من جهة أخرى، نستطيع التأكيد أن مجرد تحقيق النظام الديمقراطي لا يعني نهاية معاناة الفنانين من القيود. إن تجربة الربيع العربي تؤكد ذلك بجلاء كما يحدث في مصر وتونس الآن.
فرجوعاً لتفسيرات دينية مجرمة للفنون تمت هجمة على الفنانين على نطاق واسع مما أدى لتكوين (الجبهة الشعبية للدفاع عن المبدعين العرب)، وجبهة الإبداع المصري (التي دعت مثلا لإعادة تمثال طه حسين المعتدى عليه، وصيانة تمثال أم كلثوم) وغيرها من أشكال المناصرة للفنانين خلال الهجمة التي يتعرضون لها.
ويروى مؤتمر (الممنوع مرغوب All that is Banned is Desired) أحداث الهجمة على فنانين تشكيليين في معرض قصر العبدلية في يونيو 2012م. فقد تم قفل المعرض بسبب أعمال الفنان محمد بن سلامة والفنانة نادية الجلاصي، وقد اتهما بالمساس بالدين الاسلامي والاعتداء على المقدسات . هذا وقد مثلت نادية الجلاصي امام القضاء بسبب عمل نحتي عبارة عن ثلاث نساء محجبات يبرزن من كومة حصي، مما اعتبر إساءة للحجاب والرجم، واشترك في إدانة نادية في البداية رئيس الوزراء ورئيس حزب النهضة (راشد الغنوشي)، ورئيس البرلمان مصطفى بن جعفر، ووزير الثقافة مهدي مبروك ووزير حقوق الإنسان!، ووزير الشؤون الدينية بل حتى الرئيس منصف المرزوقي استجاب لحملة التوقيعات المنددة بالفنانين مع أنه ناشط حقوقي معروف. وانتقد وزير الثقافة أنصاف المتعلمين المتقحمين على الفن باعتبار أن الفن لا يجب أن يكون ثورياً ولكن جميلا! بل بلغ الأمر حد إهدار دم نادية وبن سلامة من قبل إمام مسجد الزيتونة الكبير . كل هؤلاء قاموا بإداناتهم حتى بدون الاطلاع على الأعمال الفنية المذكورة، ولذلك تراجع بعضهم لاحقا، إذ أن وزير الثقافة التقى في وقت لاحق نادية الجلاصي وعبر عن تضامنه معها، و(عبر عن ثقته في استقلال القضاء من أجل إنصاف الفنانة التشكيلية نادية الجلاصي وبالتالي إنصاف حرية الفكر والتعبير). وقد أكدت ورقة (الممنوع مرغوب)، أن الحملة التي استهدفت معرض العبدلية سياسية في المقام الأول، وقد جمعت أطراف كثيرة لا تجتمع في العادة، ومسببها الرئيسي كان أحد ذيول نظام بن علي المخلوع .
يعيد هذا للأذهان ما حدث إبان حملة (حل الحزب الشيوعي السوداني) في 1965م، وهي الحملة التي قادتها جماعة الإخوان المسلمين وساندها برلمانيو الحزبين الكبيرين، ووثق الأستاذ كمال الجزولي كيف أن معظمهم لم يكن اطلع على تفاصيل ما جرى في ندوة كلية التربية التي فجرت القضية، وقال البعض إنه لا يهمهم إن كان قائل الحديث مفجر الغضب شيوعيا أم لا !
وهذا يؤكد أن الجو الديمقراطي يكون خصباً لإثارة العواطف الدينية والنعرات المختلفة، ولذلك لا بد من ميثاق غليظ يحمي الحقوق والحريات الأساسية من أي تغول، ولا بد من عقد يتوافق عليه جميع المشاركين في اللعبة السياسية من الالتزام بعدم المساس بهذه الحقوق، والتلاعب بها وإثارة العواطف والجماهير.
هذا بالطبع لا ينفي أن المساس بالمقدسات مرفوض، ويقع ضمن محاذير المادة 19 في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لأنه يخل بالسلامة العامة في المجتمعات. ولكن ما حدث في العبدلية لا تنطبق عليه فكرة المساس بالمقدسات، ولا زال الحجاب والرجم مواضيع قابلة لاختلاف الرؤى والتفسيرات والروايات التاريخية المتناقضة. كذلك ما حدث في كلية التربية يفصح عن فوضى وغرض مفضوح، إذ (لا تزر وازرة وزر أخرى).
التشكيل والديكتاتورية
يواجه التشكيل، كما تواجه كلية الفنون الجميلة مفرخة التشكيليين الرسمية، أياما قاسية على عهود الديكتاتورية، وقد ظهر ذلك في محطتين: المحطة الأولى: العهد المايوي- والمحطة الثانية: نظام الإنقاذ: بعد أن أعلن النظام مشروعه الحضاري، ولم يوجد الكثير عما أثر به نظام عبود ربما لأنه لم يكن يحمل محتوى أيديولوجيا معينا كصاحبيه المذكورين.
الحكم المايوي:
حيث كانت تجري بالكلية فصولات تعسفية للطلاب وربما طالت الأساتذة المتعاونين. يحكي في ذلك الكثير من التشكيليين –مثلا حسن موسى وصلاح حسن عبد الله وعبد الله بولا- عن العسف الذي واجهته الكلية وطلابها في السبعينيات. يورد حسن موسى فقرة من مقال للدكتور عبد الله بولا نشرت في جريدة الأيام عام 1976م: "لقد شهد تاريخ الكلية وبصورة مضطردة أشكالا من الممارسات للتخلص من أصحاب الرؤى المخالفة للعقلية السلفية السائدة (تاج السر أحمد اضطر للاستقالة والهجرة مثل صلحي ومحمد أحمد عبد الله والشايقي والنجومي من الأساتذة)، ومن الطلبة عمر خيري سحبت منه منحته الدراسية" . ويتحدث صلاح حسن عن طلاب الكلية في السبعينيات فيقول: "كانوا مسكونين بالاطلاع وبالتطلع نحو الأسئلة الصعبة والتي دفعوا الثمن في محاولات الإجابة عليها تكلفة باهظة ومضنية، في السجون، في المعتقلات، في الطرد من الكلية، في التشريد، وفي دمغهم بالفشل وبالعجز الأكاديمي وكافة أشكال الإساءات المرة" ويحكي عن وقائع التنكيل التي حدثت في نهاية العام الدراسي 73/1974م: "وذلك ضمن حملة واسعة ومنظمة، كان نصيب علاء الدين –الجزولي- وهاشم محمد صالح والمرحوم حامد علي أبو القاسم منها الفصل، ونصيب كل من أحمد البشير الماحي وعمر الأمين وبدر الدين حامد منها الإعادة، ثم تدرج عدد كبير من الطلاب بين ملحق واحد إلى ثلاثة".
ويقول الصلحي –في عام 1974م-عن هجرانه للكلية حيث كان يرأس قسم التلوين أن لذلك أسباب شخصية وعملية تتعلق بواقع الكلية مناهجها وطرق التدريس فيها: "أنا أعتقد مثلا أن الطالب بالنسبة لي هو خامة طيعة يجب أن تشكل بحذر لا يغير جوهرها وقوة معدنها واتجاهها الشخصي. وأعتقد أن العمل في كليات الفنون هو عمل تضامني يسير وفق هيكل معادلة تربط بين فردية الأستاذ المنتج وروح الجماعة.. رأيت في تلك الفترة انعدام تلك الموازنة يضاف إلى ذلك أن كثيرا من العقول المفكرة بالكلية قد هجرتها إلى غير عودة وقد يكون ذلك أمرا حتميا". ولكن الصلحي نفسه يقول الآن عن هجرته للبلاد برمتها لأنه ألقي به في سجون مايو تعسفيا وهو ما سنشير له من بعد.
كان ذلك التعسف لأسباب قهرية محضة، ثم أنه اختلط في أواخر أيام مايو بالهوس الديني الإسلاموي. وقد أورد الدكتور حسن موسى جانبا من الخطاب الذي ساد يومها بشأن التشكيل وتحدث عما سماه "شقاق التصاوير السوداني" وانفجاره في شكله الفقهي الأكثر غلظة على عهد مايو الإسلامية بعنف مفاجئ عند مطلع الثمانينات "أي بعد مضي حوالي نصف قرن على استقرار تعليم الفنون التشكيلية في مؤسسات التعليم الرسمية وبين شخصين يعملان بالتدريس ضمن المؤسسات التعليمية العليا في السودان" وهما د.سيد أحمد نقد الله من جامعة الخرطوم والتجاني سعيد من جامعة أم درمان الإسلامية. يقول: "وأصل الحكاية مقالة كتبها د.سيد أحمد نقد الله أورد فيها الحديث النبوي القائل: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة" وتكلم د.نقد الله عن حيرته إزاء مضمون الحديث وطلب أهل العلم أن يدلوا برأيهم وأن يبينوا مدى صحة الحديث. فانبرى له التيجاني سعيد (وهو شاعر تقدمي سابق عاد لحظيرة الأصولية وصار أكثر ملكية من الملك) بمقالة جهادية يندغم فيها الإثبات الفقهي بين تلافيف الابتزاز الفكري والوشاية السياسية في زمان كانت محاكم نظام النميري الإيجازية فيه تطبق حدود القطع والصلب والجلد وتحاكم بالنيات وتدين بالشبهة"ويواصل موسى: "ثم أن التيجاني سعيد لم يكتف بإدانة د.نقد الله فحسب بل تبرع باجتهاداته الفقهية التي تستثني الصورة الفتوغرافية أو التلفزيونية ليدين التشكيل باعتباره خلقا للصورة"
لقد كانت إدعاءات مايو الإسلاموية سببا في هجمات متكررة على الفنون بانواعها، فقد أظهر ذلك الدكتور خالد المبارك في مقاله عن "الأصولية الإسلامية والفنون" الذي تحدث فيه عما سببه توجه النميري الإسلاموي من ضير على الفنون، وكيف أنه "تحت مظلة القوانين الإسلامية -وتحت جنح الظلام- هاجم بعض المهووسين الدينيين تمثال المهاتما غاندي بأمد رمان وحطموه إربا أربا". كما أشار لحادثة حرق الكتب الشبيهة بحرق النازيين للكتب عام 1933 في برلين . وكيف أن تلك التوجهات قد أعطت الإسلامويين زخما وأنعشت حركتهم،وقد استمروا كسيف مسلط على رقاب الفنون وانتعاشها حتى بعد هبة أبريل وقيام الديمقراطية. ففي عام 1988 هاجموا نادي أساتذة جامعة الخرطوم وضيوفه من الدبلوماسيين الفرنسيين لإيقاف عرض مسرحي ترعاه الجمعية الثقافية الفرنسية .
مصلحة الثقافة ودورها:
لقد جاء إنشاء مصلحة الثقافة في أبريل 1972م بهدف تصحيح مفهوم الثقافة في بلد كالسودان يشتمل في تكوينه على أقليات وبيئات عديدة . كان إنشاء مصلحة الثقافة بعد اتفاقية أديس أبابا إيذانا بالاعتراف بالتنوع الذي لم يدم طويلا تحت نير نظام قمعي هو نظام مايو. ولكن ما يهمنا من إنشاء مصلحة الثقافة في تاريخ التشكيل السوداني هو تقلد أحد كبار التشكيليين – الأستاذ إبراهيم الصلحي- لإدارتها فترة بعد أن ساهم في إنشائها.. وقد حاول توظيف العديد من التشكيليين في مختلف الوظائف بالدولة. كما وضع خطة لتسجيل التراث الثقافي والفني خاصة لكل بقاع السودان، ودعا لتدريس الفن التشكيلي الشعبي في كلية الفنون الجميلة وهو ما لم يتم قبوله، بل اتهمته سلطات مايو بالتآمر على الدولة وأودع المعتقل لستة أشهر بعدها .
حكم الإنقاذ:
ابتدأت الإنقاذ مسيرتها من حيث وقفت مايو بتوجهاتها الإسلاموية المنكفئة التي تلبس الأمة التراث كقميص حديد ماضوي مقيد. أما فيما يخص الفنون فتلك النظرة المنكفئة لا تجد لها مكانا. هنالك اجتهادات إسلامية صحوية متعددة تكشف الموقف الصحوي من الفنون والتسليم بدورها في صقل الذوق والارتقاء بالنفس وتحسين شكل الحياة ومضمونها وتشجيعها والسعي لازدهارها. ولكن الاجتهادات الإنقاذية كانت تستبطن النظرة للفن باعتباره رجس من عمل الشيطان.وقد أظهر ذلك ورقة الدكتور خالد المبارك المشار لها أعلاه فيما يخص سياسات النظام تجاه معهد الموسيقى والمسرح. وفيما يتعلق بالتشكيل فإن مقالة التشكيلي محمد أبو سبيب بعنوان "الإسلام السياسي والفنون: التجربة السودانية" تبحث فيما فعله التوجه الإسلاموي على عهد الإنقاذ للفنون. يستند أبو سبيب على بحث فكروية النظام ومنظرها الأول الدكتور الترابي (برغم الشق الحالي لا ينكر أحد أن النظام اقتات في فترته الأولى ولا يزال على فكرويات الجبهة الإسلامية القومية وأمينها ا لعام الدكتور الترابي فالاختلاف بينهم كما يكرر الكثيرون منهم ليس أيديولوجيا)، يورد أبو سبيب مقال للترابي وخطابه تجاه الفن باعتباره خطاب توحيدي، وأنه نظر للتوحيد باعتباره المبدأ الإسلامي الأول الذي يحدد مكان ومعنى الجمال والفن بنص الآية: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا)وأنه وصف الجمال والفن باعتبارهما مؤديان للغواية والانصراف عن الله، فإما أن نخوض فيهما أو نتجاوزها،وأن الفن نشاط حسي لا يتناسب مع العقل أو الإخلاص لله، وأنه ينتج عن شهوة مثله مثل السلطة والمال والجنس ..إلى أخر ما يورده أبو سبيب من "حوار الدين والفن" للترابي . ويواصل أبو سبيب في تنظير النظام لمبادئ الشريعة تجاه الفن وهي: أن الفن ممنوع في الشريعة، وضرورة توجيه الفن لعبادة الله، وأن الفن الذي لا يدعو لعبادة الله فارغ المحتوى والذي يعارضها ممنوع، وأن الشرك من أعظم الخطايا في الإسلام ومن ذلك عبادة أصنام القادة والزعماء. ثم يورد أبو سبيب أن الترابي اقترح معالجات لتنزيل تلك المبادئ على أرض الواقع هي: من الممكن دمج النشاط الديني والفني فكلاهما رمزيان ومربوطان بمثل عليا، يمكن توظيف الفن في الأيديولوجيا . في فترة الحرب الجهادية الأولى توجه كل الفنون لله، يراجع الفقه الموروث الخاص بالفن، النشاط الفني الحديث يعاد تقييمه لأنه يحمل قيما جاهلية كما يحتوي على مساوئ الحضارة الغربية. يجب خلق فنانين دينيين يمكنهم إنتاج فن ديني حقيقي.
ويمضي أبو سبيب ليرصد التنزيل العملي لتلك الأفكار على أرض السودان، فيورد كيف أن دستور 1998م احتوى على مادتين: المادة 12 (العلم،الفن والثقافة) والمادة 18 (التدين) تؤكدان التزام الدولة بتشجيع كل أنواع الفنون وتعمل على حمل المجتمع على القيم الدينية لتتوجه نحو الجزاء الأخروي. وأن هذه المواد كانت تأكيدا لقياسات إدارية موجودة أصلا وسارية المفعول منذ سنين النظام الأولى. من ذلك تعيين المحاسيب للمناصب القيادية في مؤسسات الفن، الجامعات، وأجهزة الإعلام.وحل اتحادات الكتاب والفنانين مثل اتحاد الكتاب السودانيين. وإنشاء منظمة بديلة لتلعب دورا في تحفيز الفن الديني. وما نتج عن ذلك من انهيار حاد في نوعية وكمية الناتج الفني في البلاد .
وقد تكون العبارة الأخيرة متناقضة مع ما يقوله التشكيليون الآن من حيث كم العمل التشكيلي المتصاعد، أما الحديث عن فقر النوعية وأن الفنانين الموهوبين –في كل ضروب الفن من موسيقى وتشكيل..الخ- قد هجروا البلاد وظل فيها أوسطيو الموهبة فقط . فأطروحة تحتاج للتعليق عليها لخبرة أكبر من المتاحة لنا الآن. وفي جميع الأحوال فإنه لا يخفى مدى محاولة نظام الإنقاذ عبر خطابه الرائج، ودستوره، وبدرجة أكبر قوانينه غير المكتوبة، لعرقلة المسيرة الفنية في البلاد وتركيعها لخطابه الأحادي المتعصب.
دور التشكيل في البناء الديمقراطي
لا شك أن للفن التشكيلي دوره في مقاومة الاستبداد، وإعادة النظام الديمقراطي في كافة البلاد الأوتقراطية. وقد تعرضنا أعلاه ونحن نذكر دور التشكيل في التحرر، لمناشط التشكيليين السودانيين في رفض الديكتاتورية، والدور المتنامي الذي صار الكاركتير ولوحة الحامل والطباعة (تصميم الكتب والصحف وغيرها) يلعبونه في حركة الثقافة السودانية وفي تعرية الديكتاتورية. ولا شك أن تحررنا القادم سوف يكون للتشكيل والتشكيليين فيه دور ما، ونأمل أن يكون دورا متناغما مع الأهمية التي يجب أن يتقلدها التشكيل في كل أمة.
ولكن حتى بعد تحقق التحرر من الاحتلال الداخلي فإن دور التشكيل الفعلي في بناء أمة سودانية ناهضة يظل محورياً، ضمن مشروع ثقافي مكتمل يحقق النهضة وينهي السبات الماثل والذي ما فتيء الموقظون ينادون به منذ عهد الخليل، بل وما قبله: يا عزة قومي كفاك نومك!
وفي الحقيقة فإن دور الثقافة في النهضة دوماً ما يتم الحديث عنه على نطاق التنظير، ويغيب لدى الفعل. ولعل أبلغ ما اطلعت عليه من وصف لهذا الغبن في النطاق الأفريقي هو مقال الشاعر النيجيري (رمي راجي) الفائز بجائزة الشعر لعام 2002م- يتعرض لنص النيباد (الشراكة الإفريقية الجديدة من أجل التنمية) بالتحليل تحت عنوان: "النيباد: تساؤل حول العامل المنسي" . يذكر الكاتب أن فكرة النهضة الإفريقية انتشرت منذ زمن فكانت وراء تكوين منظمة الوحدة الأفريقية وهي الآن وراء النيباد، ولكن بدون وعي بالدور الثقافي المهم في تلك النهضة، لأن النشاط الثقافي وتعليم العقل الإفريقي يجب أن يكونا في قلب أية نهضة. يذكر راجي أربعة عوامل توردها وثيقة النيباد كقوى للقارة تدفع نحو النهضة وهي: الثروة المعدنية والنفطية- الإرث البيئي- المقدرات الطبيعية والآثارية، ثم الإرث الثقافي والفني. ويقول: إن العامل الرابع قد أهمل في النص لأن النيباد ذكرت ضرورة بذل مجهودات لحماية الثقافة والإفادة منها في التنمية ولكنها لم تشر إلا لماما لأهمية علاقة الثقافة بمشروع النهضة، كما أنها لم تجهد في رسم خطط وسياسات معينة كما فعلت مع العوامل الأخرى. يقول "وقعت النيباد في الخطأ الشائع بين المبادرات الشبيهة التي تفضل العلم والتكنولوجيا وتقلل من قدر الفنون".
يمضي راجي ليؤكد أن امتلاك رأس المال الاقتصادي لا يعني بالضرورة امتلاك رأس المال الثقافي الرمزي، والعكس صحيح . ويؤكد أن الكاتب في المحيط الأفريقي عمل دوما كوعي وروح غير معترف بها للمجتمعات والأمم. وأنه لا يمكن أن تكون هناك نهضة أفريقية بدون نخبة إفريقية معرفا النخبة بأنهم أولئك الذين يدفعون الفكر الإبداعي، في مجالات الفنون والثقافة، أو مجالات الفلسفة والفكر الاجتماعي، وأضاف أن خط تشكل الهوية ليس فقط سياسي بل أيضا ثقافي وأكاديمي .
يرى الكاتب المذكور أن فكرة الشراكة الإفريقية تفتقر إلى تقييم نقدي للتاريخ، وبتأثير الغرب فقد أرجع الفشل الإفريقي ببساطة للسياسة السيئة، والاقتصاد السيئ، والتكنولوجيا المتخلفة. وغابت سياسة ثقافية واعية مسببة مرحلة الاستعمار العالي والحداثة الزائفة لإفريقيا اليوم. وأن عملية النهضة الحقيقية تبدأ بتحولات ثقافية، في شكل سياسات ثقافية شبيهة بالسياسات المعلنة في نص النيباد، وبتركيز مخلص على العقل قبل السوق. ويتساءل: كيف يمكننا إنجاز إعادة التعليم بدون عمل أولوية للإنتاج الثقافي والفني والأدبي كأهم أقسام النهضة؟ ثم يتساءل: "ما هي النهضة العلمية والاقتصادية أو السياسية بدون يقظة ثقافية؟".. والمقال في مجمله مرافعة لضرورة الوعي بدور النخبة المثقفة، والفنون والفنانين في نهضة المجتمع، ولضرورة التخطيط الأمثل للإفادة من هذا الدور.
هذا الدور النهضوي هو مهمة تشاركية بين شرائح النخب السودانية، ولا بد أن يكون للتشكيليين فيه سهم.
وهذا لا يتأتى إلا بقيام التشكيليين السودانيين بجرد حساب صادق لأدائهم الماضي والحالي، وتلمس أهم المشاكل التي يواجهونها، وتواجهها ساحة الثقافة والإنتاج الثقافي، والإصلاح المطلوب في العمل الثقافي والحركة التشكيلية السودانية حتى تقوم بدورها المناط بها في النهضة الثقافية/ اقرأ: المجتمعية.
إن محاولتي هنا يجب أن تكون متواضعة بحق، فالتشكيل عالم يضم أفذاذاً في عالم التنظير والكتابة أمثال إبراهيم الصلحي، وحسن موسى، وعبد الله بولا، وصلاح حسن عبد الله، والنور حمد، ومحمد عبد الرحمن أبو سبيب وغيرهم من أصحاب الريشة والقلم. وهذا لا يعفي (نظّارة) المثقفين من أمثالي من أن يدلو بدلوهم فالتشكيل ليس أمراُ يخص التشكيليين وحدهم، ولعل هذه الفكرة هي التي حدت بالاتحاد إلى الاتجاه لشخص كالإمام الصادق المهدي للحديث في هذه الندوة.
مشاكل التشكيل المطلوب مخاطبتها
سوف أقفز هنا على المشكلة الأعم والمتعلقة بالمشروع الثقافي الذي يرسي الديمقراطية وحقوق الإنسان بمبادئها الخمسة: الحرية والعدالة والمساواة والكرامة والسلام. والذي يتواثق على أسس العدالة الثقافية ووضع حد للا مساواة الثقافية الماثلة جهويا وإثنيا ونوعيا. والذي يعيد للثقافة دورها في النهضة، ويفعّل دور السودان في إقليمه وفي عالمه، متبنية كما ذكرت في مدخل الورقة، لأطروحة المشروع الثقافي والميثاق الثقافي الواردة في ورقة الإمام الصادق المهدي (نحو مشروع قومي للفن التشكيلي)، وأتطرق هنا لمشاكل خاصة بالعمل التشكيلي بالذات.
التعامل مع التراث
يقول التشكيلي صلاح حسن عبد الله: كانت قضايا التراث دائما في صدارة افتتاحيات حوارات التشكيليين السودانيين في سنواتهم الفائتة. وبينما هناك من تناول التراث باعتباره مجموعة من الوحدات التشكيلية المرئية في واقع الحياة اليومية العادية لدى السودانيين كالبرش، اللوح، الطبق، مباني مدينة حلفا القديمة أو الآيات القرانية..الخ، فهناك من قدم تعريفه للتراث بأنه (تاريخ حركة الخلق الإنساني) .
وبرأيي أن ابتسار الحديث عن التراث في هذين التيارين المذكورين سوف يجعل عملية التأصيل المطلوبة في المجتمعات في مهب رياح سوء الفهم والتخليط.
إن الحديث عن المصنوعات الشعبية باعتبارها التراث برأيي ليس سديداً، فتراثية أو قل محلية هذه المصنوعات بوصف الدكتور سعيد توفيق (محلية برانية)، ويرى أن قومية الفنون nationality of Art، مختلفة عن المصنوعات الشعبية، مؤكدا إن المصنوعات التي تميز إقليم ما (كمنتجات خان الخليلي المصرية التي يسودها فن الأرابيسك والمنمنمات) لا تدلنا على طابع وخصوصية الأمة ولا تجسد لنا روح شعبها على النحو المقصود حينما نتحدث عن التراث أو التأصيل الحضاري.
أما الفكرة المقابلة باعتبار التراث هو تاريخ حركة الخلق الإنساني، فيناقشها بشكل جيد برأيي الدكتور عفيف البهنسي، الذي يؤكد وجود خصائص حضارية مختلفة للفنون، وقد تقدمنا بذكر رأية لدى الحديث عن التحيزات الحضارية، والنظرة الفوقية التي مارسها فلاسفة الفنون على الفنون غير الأوربية، ويقول كذلك: لقد سيطر الفن الغربي على العالم مع سيطرة التقدم الصناعي، وكان على الأمم التي تسعى إلى التحرر من الاستعمار الثقافي أن تلجأ إلى تعزيز انتمائها إلى جذورها الحضارية. ولم يكن الأمر سهلا بل بدأ في محاولات اختلطت فيها السلفية بالرجعية، وكان موقف دعاة الحداثة صلبا إذ يرتكزون على تطور حضاري راسخ، وكانت دعوتهم إلى العالمية التي بدت في البداية مقنعة، دعوة إلى ترسيخ الاستعمار الثقافي. ولكن الدعوة إلى الأصالة حددت المعنى المقصود من الانتماء، كما حددت الموقف من العالمية. فالانتماء هو المحافظة على الشخطية القومية التي تتمثل في التاريخ الحضاري، والتراث هو الوعاء المشخص للحضارة، ولا تنقسم الى ماضٍ ومستقبل، لأنها تنتسب إلى الزمن والتاريخ، وهو استمرار لا ينقطع إلا في حالات الاغتراب والانسلاخ. ولا تتعارض دعوة الأصالة مع العالمية أو الحداثة لأنها دعوة مستقبلية.
على العموم لا يسمح المقام بنقاش فلسفي لمسألة التراث والعالمية، أو الأصالة والتحديث، ولكنها تظل مسألة مهمة في أي دور نهضوي تلعبه الثقافة. والشاهد فيما تذكر أدبيات (لجنة الثقافة والتنمية العالمية) في تقريرها بعنوان (التنوع البشري الخلاق)، 1996م، هو أن طريق الخلق والإبداع لا يكون بالتقليد، بل خلق ينطلق من أرضية الشعوب ليحفر طريقها الإبداعي، والفنون ليست بعيده عن ذلك.
مشاكل آيديولوجية
في مداخلته أمام ملتقى الدوحة للمثقفين السودانيين في مايو 2012م تحدث الدكتور حيدر إبراهيم علي عن مسألة رآها مهمة في نقد أداء المثقفين، وكانت برأيه أن المثقفين النابهين كانوا ينضمون إما للتيار اليساري/الشيوعي، أو الإسلاموي/ الأخواني، وانتقد هذه التيارات، ورأى أنها تجمد أكثر العقول السودانية نباهة وتصرفها في مغالطات أيديولوجية.
إن انتماء الشرائح الأكثر نباهة للتيارات العقائدية هي مسألة أكثر تجليا في حالة الفنون الجميلة. وهذا ما قاله لي الدرامي الأستاذ غدير ميرغني ذات مرة بتهكم على أداء حزب الأمة الثقافي، قال لي: من كانوا ينضمون للحزب في دفعتنا كانوا الأقل نباهة! وهذا ليس غريباً فالفنان ينشد التحرر، ويجده بين جماعات وأحزاب أكثر راديكالية. هذا علاوة على أن الأحزاب كلما اتسعت جماهيريتها، كلما وجد الفنان نفسه في غربة داخلها، فهي تتأثر بانطباعات المجتمع، الذي لا يعطي الفنون والثقافة التقييم الذي تستحقه، فليست المشكلة في ابتعاد الفنان عن تنظيمات بعينها، ولكن هي في اصطفاف الجزء الأكبر من الفنانين داخل تنظيمات تحد من حريتهم الفنية وتجعل الحركة الفنية جزءا من طحان أيديولوجي ذي أهداف سياسية لا جمالية.
وهذا يؤثر كذلك على الوعي الديمقراطي للفنان.
يتحدث جورج طرابيشي عن قطاع اعرض من الأحزاب الأيديولوجية، يقول: "فالأحزاب الموصوفة عادة بأنها يسارية- سواء أكانت قومية أم اشتراكية أم شيوعية لم تستبعد الديمقراطية من برامجها ومن ممارستها فحسب، بل قامت أيضا في نمط اشتغالها بالذات وفي نمط تعقلها لذاتها ولدورها في تغيير الواقع على أساس ناف للديمقراطية".."فعداء تلك الحركات والأحزاب للديمقراطية لا يقع على مستوى الشعور السياسي والأيديولوجيا المعلنة فحسب، بل يفترش أيضا -وهذا أخطر بكثير- أرضية اللا شعور السياسي الذي تصدر عنه تلك الحركات والأحزاب، ويتموضع على المستوى الابستمولوجي لتفكيرها ولتعقلها لذاتها ولدورها في التاريخ."
أما إذا انتقلنا إلى الأحزاب الإسلاموية التي ينخرط فيها القطاع المتدين من المثقفين نجدها قد نشأت غالبا كرد فعل للتيارات اليسارية في العالم الإسلامي واستصحبت الكثير من آلياته التنظيمية والإعلامية والحركية، واستصحبت منها بل فاقتها في القطيعة الأبستملوجية مع الديمقراطية، وألبست مواقفها الإقصائية ثوبا ثيولوجيا مقدساً. وزادت فيما يتعلق بالملف الفني استبطانا أصيلاً لاحتقار الفنون. فإن كانت التيارات اليسارية تحتفي بالفنون أيما احتفاء ولكن تربطها بدور لازم، فإن هذه التيارات تتعامل مع الفنون بفقه أقرب لفقه الضرورة، تنتفع منها وهي تراها آثمة ودنيوية بل وشيطانية. ولذلك تتخذ اجتهادات منكفئة بشأن الفنون، وتحاول فرض مدارس فنية بعينها والتسلط على الأداء الفني والتشكيلي مثلما شاهدنا في تجربة (الإنقاذ).
والخلاصة مما سقناه هي أن التنظيمات الأيديولوجية التي يجد المثقفون فيها ضالتهم تنطلق من رفض للواقع ومحاولة هدمه وإعادة بنائه من جديد، منطلقة من أواصر تربطها بحركات عالمية أو إقليمية، ومن نظرة دونية لتاريخ البلاد والعطاء الفكري والفني والثقافي فيها. وفي الحقيقة كل المثقفين السودانيين، حتى غير المنضوين لأحزاب أو تيارات يقعون في هوى (الهواء الذكي) الذي يستنشقونه في لندن أو موسكو أو حتى القاهرة. إن المثقف لدينا تعيس! فهل قدره هذا الفصام مع المجتمع؟ وحينما يرى الناس مشغولين بركام القول والفعل التافه وفي صدره من تساؤلات وفي رأسه من أفكار (ذكية) ينحو لتضخيم الذات وتخيل القدرة على تغيير مجرى الحياة بسوق الجماهير (المغفلة) في طريقه النابه. فالثقافة عنده هي ثقافة النخبة التي على الآخرين اتباعها طريقا للنجاة. وهذا هو الطريق نحو الوصاية على الجماهير التي تتقمص الكثيرين، وتدفعهم للتفكير الانقلابي.
ولكن، صحيح لا يصنع الفنان/ المثقف خيراً لمجتمعه إذا تصالح مع أي من المظالم والتشوهات، بل يجب عليه أن يكون صرخة ضدها، وأن يعمل باستمرار لإيقاظ الضمير الإنساني بشأن كافة المظالم، ويكون ريشة للذائقة الإنسانية الراقية التي ترفض الانسياق وراء القشور وتنظر لجوهر الحقيقة الإنسانية ومعاناتها وهمومها. لكن عليه أن يفعل ذلك كتنبيه للشعوب، ويدق جرس الإنذار، ويخطيء المثقف/ الفنان إذا هدف إلى مصادرة المجتمع/ المليء بالمظالم، وشخوصه من حرياتهم لأنهم أميين، جهلاء، مخدرين، مخمومين، أو غيره مما يقع في خلده نقداً للجماهير. إنه يوقظ الجمهور ويريه بعينيه ما لم ير، وليس من حقه أن يسوقه في نومته لسجن (أوتقراطي) يفرض عليه رؤاه فيه.
الطحان الفكري الحاد
وذلك بين الخطاب المضاد للتشكيل لدى الجماعات المنكفئة، والخطاب المتشنج ضده داخل التشكيليين. فهذان الخطابان يتحاوران بشكل مستمر ويعوقان برأيي مسيرة التشكيل في السودان.
أما الخطاب الديني المنكفئ (داخل الثقافة الإسلامية) فقد تعرضنا لجانب منه في العهد المايوي وفي عهد الإنقاذ. وهو خطاب سائد لدى الكثير من الحركات الإسلامية والحركية غالبا ما تكون على حساب الاستنارة وتتخذ لها خطابا منكفئا. صحيح هناك رؤى إسلامية مستنيرة تطرقنا لها، ولكن الخطاب المنكفئ ظل أعلى صوتا ومزود بإمكانيات كبيرة: خطب المساجد- آلاف المطبوعات المدعومة- وعشرات المواقع على الانترنت التي توفر الكتب مجانا!
فماذا عن الخطاب التشكيلي المضاد؟.. . إن الاتجاه اليساري لكثير من فنانينا الموهوبين كان شيئا ملحوظا في كلية الفنون ربما لحاجة التشكيلي أكثر للحرية، وللقيود الكثيرة التي وضعها الفقه التقليدي على الفنان، الكثير من الأقلام التشكيلية النشطة هي لتشكيليين يساريي التوجه. لقد فضحت كتابات هؤلاء وغيرهم زيف تلبس مايو الإسلاموية والإنقاذ بالفن وحسنا فعلوا.
ولكن الخطاب الأكثر خطورة في جرجرة التشكيل لمعارك خاسرة هو خطاب التشكيلي المذهل حسن محمد موسى.. فحسن مقتدر وقارئ غزير الاطلاع ، ولكنه في النهاية طور نهجا يفضح فيه تهافت مواقف التشكيليين التلفيقية ثقافيا برأيه (امثال مدرسة الخرطوم) في نفس الوقت الذي يدينهم فيه –ليس باعتبار أنهم ضلوا الطريق بل كما لو كانوا يقصدون المؤامرة هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى فإن حسن موسى –القارئ الجيد لمراجع الحديث والتراث الديني الإسلامي- لا يفتأ يورد النصوص المضادة للتشكيل لا لينقضها أو يعارضها بالنقاش بل كأنما يؤلم المؤمن بها فإما لفظها ودخل معهم في دنيا التشكيل وإما قبلها ولن يدخل آنذاك! لمصلحة من هذه المعركة؟! وهل هذه هي أداة التشكيليين في خوضها؟
انظر/ي فقط للنص التالي وهو يتحدث عن نقش الحناء السوداني الذي تقوم به النساء: "المشكلة في المجتمع العربي الإسلامي المعاصر هي أن هذه المرأة المحننة لم تعد حبيسة دارها كما في الزمان السابق، فهي تخرج للشارع وأمكنة العمل وعلى جلدها طبوغرافيا المتعة ووعودها، تسم سطح الجسد وتبذله لكل عين "طائرة" (والعين تزني) فتمسخ الزوج –صاحب امتياز النظر/الحكر الشرعي- لمجرد فرد عادي ضمن جمهرة المتمتعين. وهذه الوضعية الجديدة تدعم موقف الحناء كخطاب بصري إيروسي موجه للرجال الناظرين على تنوعهم،وعلى إطلاقهم، سواء كانوا في الأمكنة العامة أو في الأمكنة الخاصة، أجانب أو شرعيين. ومن اللحظة التي تفهم الحنانة المبدعة أن كتابتها التشكيلية على جسد العروس، إنما تتوجه –ليس لرجل واحد صاحب حق شرعي- وإنما لجمهور من الرجال، بل وجمهور إضافي من النساء الأخريات الضالعات في مباحث الغواية الجسدية".."والمرأة المنخرطة في جمالية الحناء اليوم تبذل جسدها لغيرها ولغير زوجها أكثر من مرة"..الخ. قراءة تبدو لإسلاموي منكفئ يركز على "الغواية" في قراءة المرئيات.. ولكن قد يدهش القارئ إذا علم أن هذا النص لم يأت من فقيه متزمت –على قدر عال من الثقافة العصرية- كما قد يتطرق للذهن، بل هو نص وارد في مقالة "الدكتور حسن موسى" حول الجسد كحيز لتخلق جماليات الحداثة في السودان. ذلك المقال الذي ابتدره كاتبه بحديث نبوي روي في خمس من الصحاح جاء فيه: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة. العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع.. إلى آخر الحديث".. ثم يرجعنا المقال بين حين وحين لمواضع زنى العين الذي تجذبه الفنون! .
الصادم بالنسبة لي، أن التشكيل وجمالياته ليس مبحثاً في زنى العين، بل العب من قيم النبل والخير التي تصقل الذائقة البصرية وتهذبها فمتعتها روحية وراقية لا مادية منحطة، ولهذا ألحظ مثلاً أنه كلما دق إحساسي وشعرت بشفافية أكبر، كلما رفض بصري شغب الألوان وابتذالها وارتحت للجمال. وما الفرق إذن بين قراءة زنى العين هذه وقراءة الدكتور حسن الترابي التي فضحها أبو سبيب؟ إن هذا الاتفاق بل ربما التطابق في النظرة للأمور بين النظرة الفنية النافية للدين – وربما المتلذذة بكونه يمنع الفن – والنظرة الدينية التي تدين الفنون هو تحالف خطير. خطير في حق ثقافة التعايش –حتى ولو كانت الجماعة (العربسلامية) من بدأت به- وخطير في حق تطور الرؤيا (التي ستجنح هكذا نحو ردود الأفعال بدل التعلم والتلاقح) وهو من المشاكل الهامة في طريق التشكيل اليوم.
مناهج التدريس بكلية الفنون
انتقد مناهج كلية الفنون الكثيرون، بدءا بالصلحي وقد تحدث عن انعدام الموازنة بين حرية الطالب وتوجيه الأستاذ كما بينا. وانتقد المنهج علاء الدين الجزولي في السبعينيات إذ قال: "بالنسبة لتاريخ الفن فقد رفضت أن أجيب على أسئلة الامتحان لأنني كنت وما زلت أعتقد أن تاريخ الفن بالرؤية وبالطريقة التي يدرس بها في كلية الفنون لا يقدم للطالب أي فائدة تذكر، مجرد ركام من المعلومات المفرقة بدون أي رؤية نقدية تربطها.وفيها الكثير المغلوط والكثير الركيك من النماذج الفنية والفنانين، وكل ذلك يقدم بطريقة لا تقبل المناقشة.. لقد تجاهلوا محاولاتنا للوصول إلى صيغة أكثر جدوى كأن نقدم بحوثا فنية بدلا من طريقة الحفظ العقيمة التي توضع بطريقة تكون معها مضطرا لتسميع المعلومات التي سبق أن حاصروك بها في ما يسمى بمقرر السنة الدراسية" . وربما يصعب التعاطف مع الجزولي –كما فعل الراوي للقصة-عندما نعلم أنه فصل من الدراسة نتيجة تلك التصرفات الثورية تجاه المنهج، ولكنها تبقى انتقادات تحتاج للتمحيص فيها وفي أسبابها. وهنالك الانتقادات التي وجهها صلاح حسن لاستراتيجيات الكلية في معرض حديثه عن المهن التشكيلية وضرورة أن يعاد النظر على نحو أكثر جذرية في مهام واستراتيجيات الكلية لتقابل الاحتياجات الفعلية في الصناعة من الكوادر التشكيلية .
وربما أكثر الانتقادات خطورة تلك التي وجهها الصلحي في مؤانسته بمركز عبد الكريم ميرغني قبل سنوات. قال الصلحي أنه حينما زار الصين من على كرسي مسئوليته عن مصلحة الثقافة طلب زيارة كلية الفنون هناك، فوجدهم يدرسون في السنتين الأوليتين الفنون الصينية التقليدية وتاريخ الفنون الصينية، ثم في السنوات الثلاث التالية يدرسون تاريخ الفنون العالمية (الغربي) وتقنيات الفنون العالمية وما إليه. وأنهم يستوعبون علاوة على الطلبة العاديين المتقدمين للكلية الفنانين التقليديين،وهم بذلك يخدمون الفنون التقليدية ويمدونها بأيدي مدربة مطلعة على التقنيات الحديثة، كما يحتفظون بالاستمرارية من خلال تشرب فنانيهم بالثقافة الصينية واطلاعهم على الفنون الغربية من نافذتها. وحكى كيف أنه لما عاد اقترح أن تقوم كلية الفنون في السودان بجهد مماثل وهو ما لم يلق أذنا صاغية. وقد علّق أحد المناقشين للصلحي حينها أن هذا النهج (تدريس الفن المحلي وتاريخه جنبا إلى جنب مع العالمي) هو النهج المتبع في كل العالم.ولكن النتيجة المنطقية لهذا التغييب للفن المحلي هو الجهل المدقع به،والأدبيات الموجودة عنه غالبا بأيدي أجانب (مثلا الكتاب عن تزيين الديار عند النوبة).. بل والأدهى من ذلك أن البحوث التي يقوم بها الطلاب داخل كلية الفنون الجميلة معنية في الغالب أولا بالمدارس الفنية العالمية ثم بالعربية، ولكنها ليست معنية البتة بالمدارس الفنية السودانية، أو التأريخ للحركة التشكيلية السودانية، إنها كلية مغرّبة أو "معرّبة" مستلبة.. ولا يخفى أن ذلك الغياب للبحث في الذات تسبب في تعطيل وعي التشكيليين –قبل بقية المثقفين ومن ورائهم المجتمع بالفن السوداني التقليدي وبالحركة التشكيلية السودانية كما يجب. وقد توسع حسن موسى في شرح أنه حتى الوعي بالمكونات التشكيلية المحلية تم بحافز من الغربي وتشجيعه، وليس ذلك فحسب بل وبوعيه –استلاب ما بعده استلاب- ويظهر ذلك في رنة الاعتذار عن فقر التشكيل السوداني بعد دخول الإسلام، أو احتقار الفنون التطبيقية،كل ذلك لأن عين الغربي والأوروبي التشكيلية تركز على لوحة الحامل وعلى المنحوتة!.
هذا مع أن التشكيل في السودان موجود في كافة مناحي الحياة، فعلاوة على زخارف الخلوة "المعتذر عنها" باعتبارها تطبيقية ليست لذات الفن، وعلاوة على منتجات الزي والأدوات المختلفة في المهدية –مثلا- والتي أشار لها التشكيليون بإعجاب، ومنتجات الثقافة المادية الجميلة الكثيرة بالسعف والقرع والخشب (خاصة في الجنوب) هنالك التشكيل على الجسد وأشكاله المختلفة (التلوين والصبغة والتدخين والوشم والفصد والشلخ والبتر والكي والثقب والحناء والمكياج) . يقول في ذلك حسن موسى: "إن النتاج التشكيلي المحلي للتشكيليين الأسلاف ممثلا في أنماط الزخارف غير الإيضاحية في الأدوات وأنواع الزينة الجسدية وتصميمات الأزياء ومعمار البيوت في بلد كالسودان تميز دائما باستبطانه لجوهر الممارسة التشكيلية الخلاقة التي تعنى بالمعالجة الجمالية للأشكال المرئية بالدرجة الأولى قبل أن تعنى بالإسقاطات التي يمكن أن تتوهم في تلك الأشكال "
إن الذي يراقب هذه النقاشات بين التشكيليين ويتتبع مستتبعاتها، لا يعجب لماذا هذا التدهور الفظيع في البنية الأساسية للتشكيل (الفن التقليدي السوداني بأنواعه المختلفة) في ذات الآن الذي يسجل فيه تشكيليونا نجاحات عالمية هنا وهناك. بل إن الفنون والحرف التقليدية تشهد تدنيا يدعو للتقزز، نظرة واحدة لمعروضات المباخر والحققة وما إليها –وبدون مقارنة مع جمال الصنعة والتلوين القديم- يدعك تكره اليوم الذي فكرت فيه بالمرور على سوقها، إنها قبح في قبح!.
مشاكل اقتصادية
لا يخفى تردي الاقتصاد السوداني وإفقار الطبقة الوسطى فيه والمهنيين على حساب المناشط الهامشية: الاحتكار والسمسرة بأنواعها، هذا غير محاسيب السلطة الاستبدادية. ولكن هذه الصورة تبدو أكثر قتامة لدى الحديث عن التشكيليين، ويمكننا هنا فقط إثارة بعض الهموم المتعلقة بأوضاع التشكيليين الاقتصادية:
- تقييم العمل التشكيلي: في مؤانسة مع الصلحي أشرنا لها تحدث عن أن الكثير من الناس لا يعتقد أن العمل التشكيلي عمل يستحق تقييمه ماديا. وحكى عن أن أحد التشكيليين اتفق مع أحدهم وهو يملك مصنعا للصابون علامته أرنب – اتفق معه أن يصمم له أرنبا ليحفر على الصابونة.وقد استغرق العمل من صاحبه زمنا وجهدا لتجويد المطلوب، ولما طالب صاحب المصنع بقيمة عمله استنكر وقال له: ترى لو جئنا بالأرنب نفسه يجري وينط هل سيكلف ما تطلب؟ وحكى حكاية أخرى أنه قام بعمل تشكيلي لرجل أعمال آخر شكره على عمله وأهدى له زوج من الأحذية!! مما يعكس أن الناس لا يقيمون العمل التشكيلي كجهد يستحق الدفع، بينما هو عمل التشكيليين الذي منه يعيشون.
- تسعير اللوحات: جزء مقدر من العمل التشكيلي يقع في معارض اللوحات التشكيلية (لوحة الحامل) وبصورة أقل بكثير أعمال المنحوتات. ولكن العملية الاقتصادية المتعلقة بهذا النشاط تقابلها مشاكل كثيرة: فالذائقة البصرية أو التقييم للوحات يختلف بين المسعر والمشتري. وحساب اللوحات سواء من حيث الجهد المبذول (الزمن المستغرق والمواد المستهلكة في اللوحة) أومن حيث تقييم ذوق الجمهور (على أساس العرض والطلب)، أو من حيث القيمة التشكيلية (الفنية الجمالية) للوحة يكتنفه الكثير من الضباب. وقد أسهب صلاح حسن عبد الله في بحث مسألة تسعير اللوحات هذه ليخلص بحسرة بائنة إلى قوله: "وما نخلص إليه هو أن الاعتبار في مبيع اللوحات لا علاقة له بالقيمة التشكيلية.تماما كما أن القيمة التبادلية لا علاقة لها بالقيمة الاستعمالية التبادلية، وإلا لما مات التجاني يوسف بشير من السل ولتحول عمر خيري إلى واحد من أثرى أثرياء السودان". هذه العملية –التسعير- تلعب فيها مسألة النقد –خاصة موقف الأجانب النقدي- دورا كبيرا، وتتحكم فيها ميكانزمات لا تعتمد بصورة أساسية على التجويد التشكيلي، تطرقنا لها في الحديث عن مسألة الشعوذة التشكيلية أعلاه.
- المهن التشكيلية: في ورقته عن المهن التشكيلية، يرصد صلاح حسن عبد الله تاريخ المهنية لخريجي كلية الفنون التشكيلية منذ أن كانت محصورة على التدريس في المدارس الثانوية لمادة التربية الفنية، ثم الآفاق التي انفتحت لبعض التشكيليين في الستينيات مثل تاج السر الحسن الذي عمل مصمما بمجلة الخرطوم، ثم الازدهار النسبي للصناعة والتجارة في السبعينيات وشغلهم كمصممين بمصانع النسيج ودور النشر، ثم استيعاب عدد كبير من الخريجين عندما أنشأت مصلحة الثقافة على يد الأستاذ إبراهيم الصلحي، واستيعاب عدد كبير من المصممين في معرض الخرطوم الدولي وعدد آخر بقاعة الصداقة ودار النشر بجامعة الخرطوم وغيرها.ويذكر كيف تردى حال الخطة الخمسية المايوية وانهار النظام المايوي اقتصاديا وتم الاستغناء عن الكثير من التشكيليين فبرزت إشكاليتهم مع استحالة رجوعهم للعمل كمدرسين بوزارة التربية.وتحدث عن ضرورة مراجعة استراتيجيات كلية الفنون، ثم تطرق للمهن التي يشغلها التشكيليون الآن، قال: "إن واقع الحال يفيدنا أن مجالات عمل خريجي كلية الفنون الآن هي:
1- التصميم الإيضاحي: وهو المجال الأوفر سعة لاستيعاب قدرات وطاقات التشكيليين بما في ذلك تصميم اللافتات التي أصبحت أعمالا إيضاحية أكثر من أي شيء آخر.
2- الطباعة: وهي ترتبط مباشرة بدورة رأس المال، حيث الاستثمار اليومي الضخم في أعمال الطباعة وحيث البحث دائما عن العطاءات الأقل سعرا بدلا عن البحث عن المرئيات الأكثر جمالا.
3- الديكور أو التصميم الداخلي: والذي يرتبط بالهجمة المعمارية الغاشمة والتي تبحث هي الأخرى في قيمة الأسمنت والخرصانة قبل أن تبحث عن القيمة الجمالية في المعمار.
4- التربية الفنية.
5- العمل الثقافي التخطيطي الإداري."
وقد عقب عبد الله بأن محاولة حصر مجالات عمل خريجي كلية الفنون بهذه الكيفية تفقرها . وإذا كان رصد عبد الله للمهن التشكيلية دقيقا، فهذا يعني أن بعض المجالات التي يتوقع أن يغطيها التشكيليون هي متروكة لخبرة غير مدربة علميا، تلك المجالات هي:
- أعمال الخزف. وهذه متوفرة في السودان ولها سوق كبير خاصة أعمال الفخار. ولكنها تصنع بأشكال غير مصممة بخبرة فنية مدروسة.
- الصناعات المختلفة للأواني المنزلية. ففي السودان يتم تصنيع لبعض الأدوات المنزلية خاصة من البلاستيك ومن الألمنويم.
- النسيج وهذا قطاع هام جدا ومن الممكن الاستفادة من الخبرة الفنية للارتقاء به.
- تجميل المدن.
- تصميم الطوابع. وللأستاذة البقيع بدوي مقالة منشورة بمجلة الدراسات السودانية تذكر فيها تكون لجنة الطوابع ووجود تشكيليين غير مفرغين فيها وتدعو لعرض مسألة تصميم الطوابع لكافة التشكيليين المؤهلين ارتقاء بتصميم الطابعة السودانية.
وما يستخلص من مشكلة المهن التشكيلية –حسب عرض صلاح عبد الله- هو ضرورة وجود آلية للحماية الجماعية بين الفنانين، سواء أكان ذلك باتباع نصيحة الأستاذ شبرين التي طرحها في 1974م بضرورة إلحاق قضية المهن التشكيلية بنصوص الاتحاد العام للتشكيليين وأعاد طرحها من جديد دكتور محمد الحسن في 2001م مشيرا إلى حل مسألة المهن التشكيلية بأي آلية مثلا إنشاء مجلس للمهن التشكيلية (على غرار المجلس الهندسي والمجلس الطبي) أو كان ذلك بإنشاء جمعيات ديمقراطية التكوين للمهن التشكيلية المختلفة .
الغبن من السلطات التشريعية والتنفيذية والإعلامية
أما الحديث عن غبن السلطة التشريعية فقد غطيناه عند حديثنا عما دار إبان نظام مايو خاصة أثناء الهوس السبتمبري، وما حدث إبان نظام الإنقاذ والهجمات اللئيمة على الفنون التشكيلية بسبب المشروع الحضاري. صحيح أنه لم تسن قوانين صريحة في الحالتين لتحريم التشكيل، ولكن الخطاب السياسي والأيديولوجي السائد كان منفذا مشروعا يوازي قوة القوانين ضد التشكيل.
وعن الغبن تجاه السلطة التنفيذية تطول قائمة التشكيليين، أولها أنه لا يوجد متحف للفن الحديث ، ولا صالة عرض للفنانين السودانيين –وتبرعات الخيرين لذلك لم تستطع رفع الريبة عن الفنانين واتحادهم لتنفيذ مخططاتهم في المتحف وصالة للعرض – أو هكذا يحكي التشكيليون عن مليار دولار تبرع بها الشيخ زايد لهذا الغرض فاحتفظت بها الدولة لكيلا تصرف على أنشطة الفنانين المخربين.
ومن ذلك رفض المسئولين عن المالية لدعم المعرض الجماعي للتشكيليين، وتباطؤ وزارة الثقافة في تمويل أنشطتهم كافة.
كما يعتقد التشكيليون أن الدولة الإنقاذية قامت بتعويق اتحادهم العام توجسا وخيفة وحاولت تعويق أدائه بأنشطة ضرار.
ومن أكبر "الغباين" التشكيلية ذلك الغبن تجاه أجهزة الإعلام وتجاه الصحفيين. فقد ذكر صلاح حسن عبد الله –مثلا- كيف في يوم إعلان جماعة النافورة التشكيلية تصرفت الصحافة بلا مسئولية تجاه الحدث –كما غاب المسئولون بدون عذر.
هذا الغبن التشكيلي ينبغي ألا ينظر له بمعزل عن الفجوة البادية بين التشكيل وعامة المثقفين ثم المجتمع.. هذه الفجوة تبادلية المسئولية، فينبغي ألا يظن التشكيليون أن الناس يقصدون إساءتهم فحسب.. وحتى يتلمس المهتمون بالعمل الثقافي أسبابها ويقومون بتجسيرها، فإننا نوردها كأحد مشاكل الغبن التشكيلي الظاهر في كتابات بعض التشكيليين المفرقة.
مشاكل النشر
تحدثنا عن مستوى الكتابة بين التشكيليين والمنتظر منهم لإغناء البحث الثقافي عامة والنهوض بالفهم والمستوى التشكيلي في السودان، وعن قلة المادة المنشورة. وتعتبر هذه من مشاكل التشكيليين الرائجة، فعدم توفر الكتب يرجعه التشكيليون إلى قلة فرص النشر المتاحة لهم، ولو صح ذلك فربما يرجع إلى ضيق جمهورهم وسنعود بهذه الطريقة من جديد لمسألة الفجوة مع المجتمع. على أي حال، فإن الاتحاد العام في ورقته التي أعدها حول النشر والتوثيق أورد أن هنالك العديد من التشكيليين الذين كتبوا عن مواضيع تشكيلية عديدة ولكن كتبهم لا زالت تنتظر فرصة النشر . وفي الآونة الأخيرة وجدت كتابات كثيرة وسيلتها للنشر، مثلا كتاب صلاح حسن عبدالله (مساهمات في الأدب التشكيلي)، وكتاب فتحي عثمان (بيت الجاك: حوار مع إبراهيم الصلحي)، وكتاب محمد عبد الرحمن أبو سبيب (أدوات الزينة عند الشايقية)، وكتاب علاء الدين الجزولي عن جحا، وكتاب الصلحي قبضة من تراب، وغيرها. كما شكل منبر (سودان فور أول) الذي يجمع كتابات تشكيليين كثر، متنفسا للتشكيليين للإدلاء بآرائهم حول قضايا التشكيل. ولكن يظل المنبر الإسفيري محصوراً على قطاع من القراء له القدرة على الوصول للإنترنت.
مشاكل أخرى
بالضرورة فإن هذه ليست كل المشاكل التي تحدث عنها التشكيليون أو أسقطوها، ومن المشاكل التي تطرق لها صلاح حسن عبد الله –وهو من أغزر التشكيليين كتابة في هموم التشكيل- قضية التحكيم في المسابقات وذلك في مقاله بعنوان هيئات المحكمين في العمل التشكيلي بين الاحتياج التاريخي وبين الأسطورة والخرافة. ومشاكل العرض وتقنياته المثلى غير المتوفرة في أغلب صالات العرض في السودان، تحدث عن هذه المشكلة حامد الباشا في مقال نشر بمجلة الثقافة السودانية عن معرض "الفنان والأفكار" والخاتم عبد الله في مقال عن معرض الفنان راشد دياب.
الآفاق التشكيلية في السودان
ربما توسعنا في إيراد هموم التشكيل في السودان ومشاكله الممتدة.. فهل من أفق أم أن السماء أطبقت على التشكيليين بالحاقة؟
إن النشاط التشكيلي المحموم مؤخرا هو دليل حياة. والحركة النقدية التشكيلية تعتبر من أكثر الحركات النقدية السودانية التي تحتوي على فكر وحيوية وجدية ومثابرة –وإن عابتها أشياء أخرى- والآفاق الممكنة تبشر بها الحماسة التشكيلية المعبر عنها بتكرار الدعوة لبدء التوثيق والاهتمام برصد تاريخ الحركة وهو ما يبشر به التشكيليون باستمرار.
ثم اتجاه التشكيليين إلى مراكز المجتمع لتحريكها تجاه الاهتمام بالتشكيل، عبر المقالات واللقاءات.
كل هذه خطوات صحيحة ليلعب التشكيل دوره المنوط به في السودان. صحيح أن علماء الجمال يكرهون الحديث عن وظيفة الفن باعتبار تلك لغة رخيصة ومخيفة في ذات الآن –فافتراض وجود وظيفة للفن معناه أن يتم الاستغناء عنه إذا تحققت عن طريق آخر – ولكن المنتظر من التشكيل أو الحركة التشكيلية إذا حلت إشكاليات الأصالة، وتجاوزت معارك الأيديولوجيا، وقامت بإصلاح مناهجها التعليمية وحل قضاياها الاقتصادية وغيرها، أن تذرع طريق النهضة وتنفح بلادها بالآتي:
- الجانب الحضاري: المساهمة الثقافية في المشروع النهضوي للأمة السودانية، وهذا باستنطاق التراث واستجلاب الحداثة (التأصيل والتحديث) في مشاريع تشكيلية في كافة ضروب العمل التشكيلي تخاطب وجدان الشعب السوداني وتدفعهم للنهضة، إعلاء لقيم الخير والحق والجمال، والمثابرة، والجدية..الخ مما يتطلب أي مشروع نهضوي. وما يتضمن ذلك من الارتقاء بالذائقة البصرية السودانية في جميع المرافق ومحاربة "فيروس القبح" على حد تعبير بيان جماعة النافورة التشكيلية.
- الجانب العملي: الحصول على تصميمات صناعية أكثر فائدة وعملية في مختلف الصناعات المكتبية والمنزلية وغيرها. ورفد البحوث المعمارية عن مواد مؤقلمة لبيئتنا، وطرز معمارية جميلة ومتناغمة مع البيئة ومع بعضها البعض.. تجاوز قبح ولا ملاءمة التشكيلات المعمارية الحالية. وتطوير التقنيات التشكيلية الحديثة والتقليدية على السواء. وإيقاف عجلة التدهور المريعة في الفنون التقليدية.
- الجانب التاريخي والتوثيقي: الاستفادة من الإرث التشكيلي السوداني في استخلاص التاريخ المفقود وهو ما أشار له الأستاذ أحمد الطيب زين العابدين، في حديثه عما يمكن أن يقدمه التشكيل للثقافة السودانية.فقد تحدث عن أن الثقافة السودانية مفقودة إشارة لأن الحرف المروي مفقود المعني لم يفك طلسمه بعد، وأن التراث الشفهي غير مجموع ولم يدرس بعد، قال: "التشكيل هو الذي يمكننا بواسطته التعرف على الثقافة السودانية". ورصد وتوثيق الحركة التشكيلية السودانية بكافة تياراتها الحديثة والتقليدية.
- الجانب الحقوقي: وأهم ما يمكن أن يقوم به التشكيل بأشكاله المختلفة، هو الفضح الأكثر تجريداً وإيلاماً للمظالم والذهنيات الظلامية وانتهاكات حقوق الإنسان، فما يصنعه التشكيل في ذائقة المبصر يمكن أن يكون قاتلاً، ويتجاوز حتى السينما، لأن التشكيلي أقدر على تصوير المعاني من الكاميرا، وبالتالي هز الوجدان. وبهذا يلعب التشكيل دورا أساسيا في حركة العدل الاجتماعي، وتحرر النساء، ووقف الحرب، وغيرها من معاني حقوق الإنسان من عدالة وحرية وكرامة ومساواة وسلام. وهذا النزوح نحو تحقيق الحقوق لن يتوقف مع الديمقراطية بل سوف يبتديء.
أخيرا، ومثلما بدأت بالاعتذار عن التقحم، انتهي بالاعتذار على الإطالة، يحدوني أمل أن أكون قد ولجت الحلقة التشكيلية المحصورة، على صلابتها، والله ولي التوفيق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.