لجنة أمن ولاية الجزيرة تقف على ضبط 1880 قندول بنقو    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأزمة السودانية المزمنة: هل من مخرج؟
نشر في حريات يوم 18 - 06 - 2013

أخذ حكم الإخوان المسلمين بالسودان صورة أوليقاركية كاملة الدسم – خانقة وباطشة ودموية ومتشبثة ومنغلقة علي نفسها – ، يقودها حاكم بأمر الله… مطلوب لدي محكمة الجنايات الدولية، فأورثته تلك الصيرورة مزيداً من ركوب الرأس والبارانويا المشوبة بالتبلّد والتخبط والعدوانية، بالإضافة للتمترس والتحصن والنفور والحران الذى لا يشمله وحده….إنما جرّ له البلاد بأكملها…وهي ما فتئت تدفع الثمن في شكل مقاطعة دولية واستثمار أجنبي متردد ومتعثر، بل متوقف، وكل ما يترتب من جراء ذلك العوار علي معيشة أهل السودان وعلي اقتصاد بلادهم واستقرارها،… مع كثير من التشنج ودق طبول الحرب والمواقف الاستفزازية تجاه الخصوم السياسيين…الفعليين والمتوهمين…بالداخل والخارج، لا سيما دولة الجوار الأولي: جنوب السودان.
ومثال لذلك…المواقف المتذبذبة (كاليويو) من حكومة جنوب السودان؛ فما كاد الحبر يجف علي اتفاقيات السلام والتعاون الأمني والاقتصادي والتجاري التي أبرمت مع الجنوب في أديس أبابا…حتى انقلب عليها رئيس نظام الإخوان بالخرطوم، ونقض غزله أنكاسا، وأشعل نيران الفتنة مجدداً، واستخدم المفردات العدائية السوقية فى مخاطبته للجنوبيين من فوق منابر المؤتمر الوطني…أمام الغوغاء مغسولة الأدمغة…مثل أولئك الذين كانوا يصطفون أمام زعيم النازي الألماني ويهتفون: "هايل هتلر!" علي أيام الحرب الكونية الثانية.
ولقد أجمع الساسة والمراقبون علي أن هذا النظام قد استهلك نفسه…فقد تسبب في إفلاس البلاد تماماً: جفف مصدر النفط القادم من الجنوب لما نجح فى فصل ذلك الجزء العزيز من الوطن لأسباب إيديولوجية…(إبعاد كل من ليس مسلماً أو عربياً قحاً من الإمارة الإسلامية التى جاء الإخوان لإقامتها فى الجزء الشمالي من السودان)…، وكان قد دمر مشروع الجزيرة..المصدر الأوحد للعملة الصعبة منذ 1925 حتي مجئ الإخوان للسلطة في 30 يونيو 1989،… كما قضى علي السكة حديد ومصلحة النقل النهري، بأساطيلها وفنادقها، والخطوط الجوية السودانية، والزراعة الآلية بالقضارف وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان، كما دمر التعليم، وقضى علي المستشفيات الحكومية التى ظلت تقدم خدماتها المجانية لأبناء السودان منذ بداية القرن العشرين……..، وليس أمامه إلا أن ينصرف، بالعنف أو بالتي هي أحسن.
وأخذت جميع الأطراف المعنية تعدّ العدة، من تصور لنوعية وهياكل الحكم فى الفترة الانتقالية، ولدستورها وتسلسلها ومآلاتها المتوقعة…ويبدو أن القوي السياسية قد أجمعت علي أنه لا سبيل أمام السودان سوي النظام المدني الديمقراطي الفدرالي العلماني، علي أنقاض الحكم البائس الحالي…سواء فى المرحلة الانتقالية أو فيما يليها من حقب، علي أرضية الحرية والشفافية والرسوخ الكامل لحقوق الإنسان.
ولكن، ما هو الضمان بأن سدنة النظام الدكتاتوري الراهن من التعقل والوطنية بحيث يستقطبون أولي الألباب لكلمة سواء….وبأنهم سيترجلون عن طيب خاطر؟…هل هم من طينة الجنرال إبراهيم عبود أو الفريق عبد الرحمن سوار الدهب اللذين تلمسا نبض الشارع فى أكتوبر 1964 …وفي إبريل 1985…وانحازا لرغبة الشعب؟….. كلا وألف كلا… فلقد استمعنا فى اليومين الماضيين لكل من نائب ومساعد رئيس الجمهورية وهما يتوعدان المعارضة بالثبور وعظائم الأمور، ويتحدثان عن خصومهم باعتبارهم قد باعوا أنفسهم للشيطان، وبدا واضحاً أن تنازلهم عن السلطة…دونه خرط القتاد.
ويدل موقف رئيسهم العدائي تجاه الجنوب … وإصداره للأمر بقفل أنابيب النفط "فوراً"…علي أنه ما زال متعنتاً وطامعاً فى البقاء بالسلطة، مهما حدث للإقتصاد من خراب، ومهما سارت الأمور نحو المزيد من التصعيد مع الجنوب، باتجاه العدائيات التي علمناها وذقناها..وما هو عنها بالحديث المرجّم؛ ومع غيره من المناطق التى يلعلع فيها السلاح: جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور.
والحالة هذه، ومن وسط الضبابية الراهنة، نستطيع أن نتبين ذؤابات السيناريوهات القليلة التى تلوح فى الأفق:
أولاً، سيحاول النظام أن يشتري بعض الوقت بنوع من التهدئة مع الجنوب، فقد بدأ الانسحاب من تصريحات الرئيس النارية حول إيقاف ضخ النفط الجنوبي عبر الأنابيب الشمالية…بعد 24 ساعة فقط من إطلاقها…إذ فسر مدير الأمن ووزير الإعلام تلك الأوامر "الفورية" بأنها تعني ستين يوماً…وقد تستجيب حكومة الجنوب لهذا الموقف "المتسامح" بشيء من الضغط علي قوات الحركة الشعبية قطاع الشمال، كأن تطلب منها هدنةً رمزية مؤقتة….وفى هذه الأثناء، يتفرغ الجيش الشمالي للتعامل مع باقي فصائل الحركة الثورية، كالعدل والمساواة وحركة التحرير، خاصة وأن تشاد متعاونة ومتآمرة ضد الحركات الدارفورية، ربما بضغط من الفرنسيين الذين يأتمرون بأوامر الأمريكان…وينفذونها بحذافيرها…(ولا ننسي أنهم متهمون بالضلوع فى اغتيال الشهيد الدكتور خليل إبراهيم)…والإدارة الأمريكية، فيما تشير كل الدلائل، لديها صفقة ما مع تنظيمات وأنظمة الإخوان الحاكمة بهذه المنطقة من إفريقيا، ولديها أجندة لا يعلمها إلا الحق عز وجل. وكذلك، يستطيع النظام أن يتنفس الصعداء الإقتصادية بالمليارات التى تضخها الحكومة القطرية فى خزائنه كلما تقطعت به السبل، ربما لأن الأخيرة من البراءة والأريحية بمكان، وتسعي لإثبات وجودها بما يفوق حجمها،….أو لأنها جزء من المخطط الأمريكي الداعم للإخوان…باعتبارهم الأحزاب المنظمة الوحيدة بهذه البلدان، ولأنهم عملاء قديمون للسي آي إي منذ الحرب الباردة…ولأنهم واقع لا مفر منه، وقوة لا يستهان بها…ولا شك فى أنهم يجلسون علي حافة السلطة بالعديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهذا ما يسمي بالسيناريو الأمني، إذ أن حكومة الإخوان ستناور وتلف وتدور للاستمرار فى السلطة بالتضييق علي خصومها وتشتيتهم وخنقهم وسحقهم عسكرياً…حتى لو يعني ذلك تفتيت البلاد واستمرار الفوضي بعمقها وأطرافها علي الطريقة الصومالية.
وينطلق السيناريو الثاني من رؤية أحزاب المعارضة – قوي الإجماع الوطني والحركات الحاملة للسلاح – ؛ فهي تري أن النظام قد تآكل لآخر لبنة فيه، وأن التخلص منه سيستغرق أقل من مائة يوم، وأن العد التنازلي قد بدأ بالفعل،… وهي جاهزة بتشكيلاتها الإنتقالية ودستورها وألياتها…وخير لمستقبل السودان أن يتم التخلص من هذا النظام عن طريق الحراك السلمي بشوارع المدن، إذ أن في ذلك صقل لقدرات الجماهير النضالية، ودروس مستقاة، وتمرين واختبار وفرز للكادر…بحيث يتم التعرف علي الأطقم التى ستأتي للسلطة الجديدة من خلال الاستبسال والصمود أمام القنابل المسيلة للدموع، ومن خلال المشاركة الفعالة والشجاعة فى الأنشطة التى تستهدف القضاء علي نظام الإخوان. وفى حقيقة الأمر، فإن هذا النظام عندما يتهاوي سيذهب معه طاقمه الحاكم بقضه وقضيضه، لأن الإخوان عندما قفزوا للسلطة قبل نيف وعشرين سنة…أفرغوا جهاز الدولة والمؤسسات المصاحبة من كل من لا ينتمي لتنظيمهم…ولذا، فإن ذهاب النظام قد يعني أوتوماتيكياً تسريح الجيوش الجرارة من اللصوص والسماسرة والفاسدين الذين يزحمون جهاز الدولة الحالي…والمؤسسات الأخري كالمصارف والشركات الحكومية وشبه الحكومية والنقابات وجمعيات النفع العام وغيرها. وتري المعارضة أن هنالك تجارب عديدة في تاريخ البشرية تؤكد مقدرة الجماهير علي إقامة التحالفات الوقتية اللازمة لمواجهة السلطة القمعية، (كلجان التسيير والسوفيتات)، مع الاستفادة من دروس الانتكاسات والسرقات التي حدثت للثورات…بحيث يتم تأطير تلك التحالفات النضالية الأدهوكية بما يضمن ديمومتها وخلوها من العناصر الرخوة والمتآمرة…ومن أصحاب الأجندات الخفية.
وثمة سيناريو ثالث… (السائحون: عود الفأس في الغابة)… يتمحور حول جماعة (السائحين) باعتبارها قوة عسكرية مدججة بالسلاح، ومدربة على حرب المدن، ولديها صلات عضوية متشعبة مع أجهزة الأمن والقوات النظامية الأخري بما يربطهم من وشائج تنظيمية وتوجه إيديولوجي ومصلحي مشترك….بدليل أنهم كانوا قد اتهموا قبل بضعة شهور بالتخطيط لانقلاب عسكري، وتم اعتقال حلقاتهم الأساسية كلها، ولكن سرعان ما أطلق سراحهم وأعيد لهم اعتبارهم وأوضاعهم المهنية ومخصصاتهم، كأن شيئاً لم يكن…مما يشير إلي أنهم قوة ذات شوكة…تحدت وأربكت النظام، بكل جيوشه وبنياته الأمنية،…وإلي أنهم علي حلف وثيق ببعض أركان النظام نفسه……وفى نفس الوقت، رشح فى الأيام الأخيرة كثير من التبرم والنقد لممارسات النظام من تلك القوي الباطنية المتحالفة مع جماعة (السائحين)…… بيد أن هذا السيناريو لا يخلو من كونه مجرد (انقلاب قصر)، أو حركة إصلاح من الداخل، علي طريقة "خرج زيد ودخل عمرو"، بمعني أن الحية القابضة علي السلطة تريد أن تغير جلدها فقط، بما يمنح نظام الإخوان المسلمين حياة جديدة. وذلك يعني التخلي عن…والتحايل علي استراتيجية الثورة السودانية وغايتها النهائية: بلدٌ حرٌ ديمقراطيٌ فدراليٌ…يتم فيه الفصل بين الدين والسياسة،… فالدين للإله والوطن للجميع،… وذلك هو الطريق الوحيد لعودة الجنوب، وللمحافظة علي الأقاليم الإفريقية المحضة المتبقية: دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
وهنالك سيناريو رابع يتحدث عنه العسكريون المخضرمون همساً…يزعم بأن الجيش السوداني لم يندثر تماماً، و لا زالت به روح تفرفر ونفس يطلع وينزل…ونشابا سيظهرون من الغيب فى اللحظة المناسبة، كما فعلوا عدة مرات فى تاريخ السودان الحديث، خاصة فى أكتوبر 1964 وأبريل 1985. وما يجعل العناصر الوطنية بالجيش موطأة الأكناف ومستمسكة بالتقية والصمت الرهيب إزاء ما يحدث للجيش وللوطن هو خوفها من الإنكشاف…الذى لا محالة سيقود لتنظيف هذا الجهاز الحساس من آخر كوادر ذات وعي سياسي ونخوة وطنية صمدت بداخله.
وآخر سيناريو يتناوله بعض الحالمين علي الصفحات الإسفيرية بين الفينة والأخري…هو أن يتم حل هذه المشكلة بواسطة العنصر الأساسي فيها….وهو الرئيس نفسه؛ ولقد كنت شخصياً مثل هؤلاء الرومانسيين عام 2010، بعد الانتخابات الرئاسية مباشرة،…ولكني تحاورت مع صديقين يعملان بجامعة الخرطوم…أحدهما بالهاتف، والآخر قابلته خارج السودان…مستفسراً عن احتمال شفاء البشير من لوثة التشبث والقرانديوزيتي بعد فوزه فى الانتخابات، وبعد السنين الطويلة التى تمرغ فيها بنعيم السلطة، (وهو لا جنا لا تنا)… فى هذه الأجواء التى تهدد السودان بالتشظي….ألا يستطيع، مثلاًُ، أن ينقلب علي الإخوان كما فعل جمال عبد الناصر (الذى كان فى تنظيمهم قبيل وبعيد ثورة يوليو، بإسم حركي هو "زغلول")؟؟….فقال لي صديقاي اللذان يعرفان البشير in and out أنه رأس الحية شخصياً، وهو الأشد تطرفاً والأكثر ميلاً للبطش بالخصوم والتنكيل بهم وتصفيتهم…و لا تطرف له عين وهو يفتك بأقرب الناس أليه…دماً أو رفقة سلاح…وأنه، بالإضافة لذلك، مستكين لقبضة "الأسرة الحاكمة" والرهط الأقربين وبعض المتنفذين المقيمين بالقصر الجمهوري… الذين أصبحوا من أغني أغنياء السودان….بعد حرمان لأجيال طويلة خلت. ولقد أكد لي هذا التحليل أن الرئيس الذى تم فى عهده انفصال الجنوب …لم يحرك هذا الحدث فيه ساكناً…فلم يعتذر أو يستقيل أو يحاول أن يبرر ما حدث أو يسعى للملمة ما تبقي من السودان…وبدا كأنه غير معني بما جري…بل ذهب للجنوب مشاركاً فى احتفالاته بالإنفصال وقال لهم إنه لبى رغبتهم وقدم لهم ما عجزت كل الحكومات السابقة عن تقديمه…(أي أنه أراد أن يحول انتكاسة وخسارة هائلة كهذه إلي نصر وكسب سياسي)…وهو لا يدري أن كل الوطنيين السودانيين كانوا يتقلبون على أسرتهم في تلك الأيام لأن النوم غادر مهجهم…و لا زال يفعل حتى الآن. وبالتالي، فليس هنالك أي أمل في حل يأتي عن طريق رجل ذهب ثلثا عقله من فرط السكر بالسلطة…هذا البرئ من أي حمية وطنية أو وعي سياسي أو مرونة أو رؤية برجماتية أو قلب حنون كبير يضم فى حناياه جميع مكونات الوطن وتناقضاته وإثنياته وثقافاته المتباينة…التى كانت متعايشة إلي حدود كبيرة، إذا استثنينا حرب الجنوب التى كان سقفها الحكم الذاتي فى إطار سودان فدرالي موحد يتم فيه التقسيم العادل للثروة والسلطة،… إلي أن جاءتها الطامة الهكسوسية الكبري المسماة بالإخوان المسلمين …المتأبطين للشر الأعظم…المتمثل في كوادرهم العسكرية.
فى نهاية التحليل، تقف بلاد السودان علي شفا هوة سحيقة: إما أن تهوي إلي قاعها…شأنها شأن الصومال وزائير وأفريقيا الوسطي وغيرها من بؤر التوتر المزمن…أو يقيّض الله لها حلاً فى الأيام القليلة القادمة….وفي كل الأحوال، فإن النظام الراهن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، بانتظار طلقة الرحمة coup de grace ، و لا يقف دون ذلك إلا السؤال الذي يؤرق الوطنيين السودانيين: كيف حال الأحزاب البديلة، خاصة ما يسمي بالأحزاب الشعبية الكبيرة؟ أتراها ملاذاً يؤبه له؟ وهل هنالك ديمقراطية بلا أحزاب؟؟؟
لقد أصابت هذه الأحزاب منتسبيها والمتعاطفين معها بإحباط عميق، فهي فى حالة تمزق وضعف وتردد وغياب تام للهيبة والكاريزما، وقد نجح الحزب الحاكم فى تدجينها إلي حدود كبيرة، حتي تماهت معه، وهي أصلاً تلتقي مع الإخوان المسلمين (تحت تحت) فى الرؤية الإستراتيجية الخاصة بتطبيق الشريعة وخلق جمهورية إسلامية (فى حالة الشريحة الطائفية بالحزب الإتحادي)، أو مهدية جديدة (في حالة حزب الأمة)…..ومن هذا المنطلق، يري بعض الناس أن تمرّغ هذين الحزبين فى أوساخ النظام ومشاركتهم فى فساده أمر فى مصلحة الثورة السودانية…وعندما يتهاوي النظام الراهن، ستتبخر معه الاتجاهات الرجعية بهذين الحزبين….ولكن ذلك ضرب من النوايا الطيبة والأحلام الوردية…فهذه الأحزاب موجودة بالساحة، شأنها شأن الوفد المصري أو كافة أحزاب الوسط التى يتلبسها البيات الشتوي أثناء وجود الأنظمة الأتوقراطية، وعندما تعود الديمقراطية تعود لها الحياة،… فهي المرجعية لجماهير الريف التى يحركها الولاء الطائفي…وما لم تكن هناك فترة انتقالية مريحة وكافية، لثلاث سنوات علي الأقل، فإن هذه الأحزاب ربما تقفز للسلطة مجدداً كما فعلت بعد ثورة أكتوبر وانتفاضة أبريل، وربما تأتي بنفس عقلية البوربون الذين لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئا….إذ أنهم بعد ثورة أكتوبر وضعوا أيديهم فى يد الإخوان المسلمين وحلوا الحزب الشيوعي وطردوا نوابه من البرلمان، واتفقوا مع جماعة حسن الترابي بلجنة الدستور عام 1968 علي ما يسمي بالدستور الإسلامي…الذى رفضه الجنوبيون وانسحبوا بسببه من تلك اللجنة المشؤومة…إذ أن مثل ذلك الدستور من شأنه أن يحيلهم إلي مواطنين من الدرجة الثانية، أي أهل ذمة…يدفعون الجزية وهم صاغرون، وليس لهم حق الترشيح لرئاسة الجمهورية أو القضاء أو إتحاد الكرة…إلخ.
فمن المهم جداً، طالما أن الكيانات التقليدية هذه حقيقة لا مفر منها، أن يحرص الثوريون السودانيون، ليس علي كنس الأحزاب الشعبية الكبري من الوجود، إنما لمساعدتها فى إعادة صياغة نفسها أثناء الفترة الانتقالية…عن طريق الوعي والتعليم، فى أجواء القرية الكونية والدروس المستفادة من الربيع العربي…مع روح الأجيال الشابة الجديدة المتشربة بمعطيات الربيع العربي والتحولات الديمقراطية التى تمت فى أمريكا الجنوبية وفى بلدان المعسكر الإشتراكي،….. ومن حسن الطالع أن الإخوان المسلمين فى مصر خسروا الجولة تماماً…وربما يتلقون الضربة القاضية من الشعب المصري فى الثلاثين من الشهر الجاري بإذن الواحد القهار…….المهم أن مشروعهم (الإسلام هو الحل) لم يكتب له النجاح…وسوف يؤثر ذلك إيجابياً علي حركة الوعي السياسي داخل السودان…وسوف تتم عملية تحول metamorphosis للأحزاب الطائفية بالذات نحو الشق المدني العلماني فى باطنها…ذلك الشق المعني أكثر بمصالح الشعب وأحلامه فى التقدم الإقتصادي والتحول الاجتماعي…وهو المحتوي الجوهري المطلوب لعملية تغيير النظام…وليس الجفول عن شعارات سياسية رسبت فى الاختبار بعد ربع قرن فى السلطة…للوقوع فى براثن شعارات مماثلة وهلامية أخري، بعيدة عن واقع وتطلعات الجماهير. وبهذه الرؤية، أي بمنظور التغيير الإقتصادي والاجتماعي الذى ستجلبه الانتفاضة، تصبح مثل هذه الحركة شأناً جماهيريا يهم الشعب كله، وتهفو له قلوب السودانيين، فيسعون نحوه بالظلف والناب..ليضعوا حداً للنظام الدكتاتوري الراهن…ويمضوا نحو السودان الحر الديمقراطي الفدرالي الذى يضم بين جناحيه كل مكونات الوطن… بغض النظر عن تبايناتها العرقية والدينية والثقافية والسياسية. ألا هل بلغت….اللهم فاشهد! والسلام.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.