هجوم على مذيع ....!    العراق يمنع الصينيين من مغادرة أراضيه بسبب "كورونا"    السراج يتهم أجهزة مخابرات أجنبية بالسعي ل"إجهاض" ثورة فبراير    الأسد: معارك إدلب وريف حلب مستمرة بغض النظر عن الفقاعات الفارغة الآتية من الشمال    اقتصاديون: 96٪ من العملة خارج النظام المصرفي    مصر تكشف حقيقة وجود إصابة ثانية بفيروس"كورونا"    (الكهرباء) تعلن عن برمجة قطوعات جديدة    ﻭﻓﺪﺍ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﻭﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﺜﻮﺭﻳﺔ ﻳﻘﻄﻌﺎﻥ ﺍﺷﻮﺍﻃﺎ ﻣﻘﺪﺭﺓ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻓﻲ ﻣﺴﺎﺭ ﺩﺍﺭﻓﻮﺭ    رونالدو يتصدر المشهد قبل انطلاقة الدور ال 16 من دوري الأبطال    تلفزيون السودان ينقل مباريات كأس العرب    الهلال: ليس لجمال سالم حقوق على النادي ليتمرد    ابرز عناوين الصحف السياسيه الصادرة اليوم الثلاثاء 18 فبراير 2020م    وصول النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي إلي مدينة جوبا    عبقرية إبراهيم البدوي: تحويل الدعم من السلع إلى الغلابا!! .. بقلم: عيسى إبراهيم    رفع الدعم هو الدعم الحقيقي (2/2) .. بقلم: د. الصاوي يوسف    التطبيع المطروح الآن عنصري وإمبريالي .. بقلم: الامام الصادق المهدي    السودان والتطبيع مع إسرائيل .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    د . محمد شيخون أنسب رجل لتولي وزارة المالية في المرحلة الراهنة .. بقلم: الطيب الزين    خيال إنسان .. بقلم: أحمد علام/كاتب مصري    رأى لى ورأيكم لكم!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    القبض على لص متلبساً بسرقة تاجر بالخرطوم    أسر سودانية تحتج أمام الخارجية للمطالبة بإجلاء أبنائها من الصين    نيكولا وجوزينا: ذكريات طفولتهما في السودان .. بقلم: د. محمد عبد الله الحسين    حَسَن البِصْرِيْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ التَّاسِعَةُ عَشَر .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد    مقتل شاب بعد تبادل الطعنات مع آخر في صف الخبز    العدل والمساواة: 90% من العاملين ببنك السودان من أسرة واحدة    الصاغة يهددون بالخروج من صادر الذهب    صاحب محل افراح يقاضى حزب الامة بسبب خيمة الاعتصام    كوريا تطلق سراح جميع مواطنيها العائدين من ووهان بعد أسبوعين من الحجر عليهم    البرهان بين مقايضة المنافع ودبلوماسية الابتزاز .. بقلم: السفير/ جمال محمد ابراهيم    المريخ يضرب الهلال الفاشر برباعية    مواجهة مثيرة للتعويض بين المريخ والهلال الفاشر    الهلال الخرطوم يكتسح أهلي عطبرة بخماسية ويتربّع على الصدارة بفارق الأهداف عن المريخ    لماذا يَرفُضُ الإمام الصادق المهديّ التَّطبيع مع إسرائيل؟ .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    "مانيس" هزَّ شجرة المصنَّفات: هل ننتقل من الوصاية إلى المسؤولية؟! .. بقلم: عيسى إبراهيم    التغذية الصحية للطفل - ما بين المجاملة والإهمال والإخفاق .. بقلم: د. حسن حميدة – ألمانيا    شرطة تضبط شبكة لتصنيع المتفجرات بشرق النيل    تحركات سعودية رسمية لإيجاد عقار ضد "كورونا" الجديد    ارتباط الرأسمالية بالصهيونية: فى تلازم الدعوة الى السيادة الوطنية ومقاومة الصهيونية والرأسمالية .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قلبي عليل .. هل من علاج ؟ .. بقلم: جورج ديوب    زيادة نسبة الوفيات بحوادث مرورية 12%    لجان مقاومة الكلاكلة تضبط عربة نفايات تابعة لمحلية جبل أولياء ممتلئة بالمستندات    أمير تاج السر : تغيير العناوين الإبداعية    إعفاء (16) قيادياً في هيئة (التلفزيون والإذاعة) السودانية    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    الهلال يستقبل اللاعب العراقي عماد محسن    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    النجم الساحلي يعلن غياب "الشيخاوي" عن مباراة الهلال    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ملف عن النظام العام : مقالات واشعار ومقاطع فيديو
نشر في حريات يوم 24 - 07 - 2013

وتقرأ فيه لكمال الجزولى ، نبيل اديب ، هادية حسب الله ، رباح الصادق، لبنى احمد حسين ، سيف الدولة حمدنالله ، رشا عوض ، امل هبانى ، د. عمر القراى ، الفاتح جبرا ، د. زهير السراج ، سارة عيسى ، عزاز الشامى ، اخلاص نمر ، د. معز عمر بخيت.
النِّظامُ العامُّ: حَياةٌ على مَقاسِ السُّلطة!
كمال الجزولي
منذ صدور "قانون النظام العام لولاية الخرطوم" عام 1996م، وشكوى الناس منه لا تخفت، ليس لانغلاقه، فحسب، دون منظومة حرِّيَّات وحقوق لم يعُد جحدها مقبولاً ولا معقولاً من فوق كل ما بذلت البشريَّة من نضالات لإقرارها، وإنما، أيضاً، وبالأساس، لمصادمته الفاجعة للتصوُّرات الشَّعبيَّة عن الخير والشَّرِّ، والصَّواب والخطأ، والجَّمال والقبح، والفضيلة والرذيلة، مِمَّا يرتِّب، يقيناً، لنتائج كارثيَّة في المدى البعيد، وربَّما المتوسِّط أيضاً، على صعيد التَّكوين النَّفسي الاجتماعي، والأخلاق العامَّة، والمثل العليا! مع ذلك كله، ها هي مريم جسور، نائبة رئيس المجلس التَّشريعي للولاية، تأتي، بعد ستَّة عشر عاماً من عُشرة الناس المريرة مع هذا القانون البغيض، لتدافع عنه بضراوة، وتستبعد إلغاء أية مادة منه، معتبرة أنه "لا يتعارض مع الدُّستور، وأن صلاحياته .. لا تتعدَّى النَّواحي التَّنظيميَّة، مثل تخصيص المقاعد الأماميَّة في المواصلات العامَّة للنِّساء، ومحاربة التَّسوُّل، والتَّشرُّد، و(الحفلات الليليَّة!)، والدَّجل، والشَّعوذة، وما شابهها"، أو كما قالت (الجَّريدة؛ 20 أكتوبر 2012م).
(1)
لتفنيد هذه المغالطة يلزمنا، ابتداءً، استجلاء مفهوم "القانون" كتوأم ل "الدَّولة" ملتصق بها من الرَّأس! ف "الدَّولة" هي المنظِم السِّياسي لسلطة الطبقة السَّائدة اقتصادياً، بينما "القانون" هو أداتها لضبط سلوك المواطنين على مقاسها؛ وأية محاولة للفصل بينهما تفضي، يقيناً، للقضاء على كليهما معاً! ف "القانون" الذي يجري تصويره، دائماً، كانعكاس لأوسع القيم الاجتماعيَّة، والذي يتمظهر، للوهلة الأولى، كقوَّة خارجيَّة تقف على مسافة واحدة من الجَّميع، هو، في حقيقته، أحد أشكال التَّعبير عن أفق الرُّؤى القيميَّة لجزء صغير من المجتمع، وآليَّة قسر طبقيَّة في يد الأقليَّة لحمل الأغلبيَّة على أسلوب حياة محدَّد، مِمَّا يحتاج إنفاذه إلى كلِّ ما تملك "الدَّولة" من فيالق قمع وترسانات إكراه!
"القانون"، إذن، مؤسَّسة اجتماعيَّة، أي شكل تاريخي لضبط حياة الناس، يتحدّد بأسلوب الإنتاج، وطابع علاقاته المختلفة، فلا يعقل تصوُّره بدون "الدَّولة"، والعكس صحيح. إنهما وجهان لعملة واحدة، أو توأم سياميان يصعب التَّفريق بينهما، كما ويصعب التَّعاطي معهما إلا عبر شبكة من المعارف، كالاقتصاد، والاجتماع، والسِّياسة، والانثروبولوجيا، والفلسفة، والتاريخ، وما إليه. وينسحب ذلك، بالقدر نفسه، على مفهوم "النِّظام العامِّ"، إذ تسعى الطبقة المتسيِّدة إلى تصويره كنسق تلقائي من القيم الثَّقافيَّة للجَّماعة كلها، بينما هو مدخول بدلالة "القانون" القمعيَّة مقطوعة الصِّلة بأبسط معاني التِّلقائيَّة الأخلاقيَّة!
مع ذلك، ولأنَّ كلَّ نظام ينشد الاستقرار لسلطته، فإنَّ عليه أن يحذر وقوع صدام صارخ بين "القانون" وبين تطلع النَّاس إلى القدر المعقول من "العدل" في ثنائيَّة الحقِّ والواجب. وبالتَّالي يجدر التَّمييز بين "القانون" وبين "العدل"؛ فالأوَّل أداة ضبطٍ سلطانيَّة تفرضها "الدَّولة" على الناس، بينما الآخر نزوع تلقائي إلى الفطرة السَّليمة، ولا يجوز الخلط بينهما، أو اعتبار "العدل" مجموعة نصوص "قانونيَّة" يصوغها خبراء سلطانيون في غرف مغلقة، متوهِّمين أن الحياة ستدور حيثما دارت هذه النُّصوص!
وبما أنَّ "قانون النظام العام لسنة 1996م" مطروح، بولاية الخرطوم، على خلفيَّة شعارات إسلاميَّة، علماً بأن مثله قد طرح لاحقاً في ولايات أخرى، كالبحر الأحمر على سبيل المثال، فيلزم إدراك أن قيم الثَّقافة الإسلاميَّة الشَّعبيَّة الضَّابطة للسُّلوكيَّات العامَّة لا تستند، على تنوُّعها، إلى "شرعيَّة القوَّة" القائمة في محض التَّقديرات السُّلطويَّة الذَّاتيَّة، وإنَّما إلى "قوَّة الشَّرعيَّة" المتشكلة، أصلاً، بالفطرة السَّليمة، ثمَّ بالنصِّ المقدَّس، كانعكاس للأبنية الذِّهنيَّة والوجدانيَّة لأوسع الطبقات، من خلال مناهج تغيير الوسط الطبيعي، وعلاقات الرِّجال والنِّساء، والكبار والصِّغار، ووسائط التَّربية والتَّعليم، وسبل كسب العيش، وأساليب الإنتاج، وطقوس الميلاد، ودفن الموتى، وإقامة المآتم، وطرائق المأكل، والملبس، والزِّينة، والعمارة، والزَّواج، وخلافه.
(2)
يأخذنا هذا المدخل، مباشرة، لتبيُّن بعض مفارقات هذا القانون الخطرة على الثَّقافات الشَّعبيَّة، وحقوق النَّاس، وحرِّيَّاتهم، حيث:
أولاً: يَحظر إقامة أيِّ حفل غنائي "خاصٍّ" بمكبِّر صوت إلا بتصديق. ولأن سلطة منح التَّصديق تشمل، بمفهوم المخالفة، سلطة منعه، وأن توخِّي عدم إزعاج الجِّيران هو المنطق الظاهري للنصِّ بما يبرِّر "تدخُّل" السُّلطة العامَّة، فإنَّ الواجب يحتِّم تقييد هذا "التَّدخُّل" حتَّى لا يضحى "تغوُّلاً" على الخصوصيَّة الأسريَّة. لكن، بقليل من التمعُّن، يتَّضح أن المقصود من التَّصديق، في الحقيقة، ليس "التَّنظيم"، كما تزعم مريم جسور، وإنَّما هذا "التَّغوُّل"، بالذَّات، والذي لا يمكن أن يكون الهدف منه غير وضع الخصوصيَّة الأسريَّة تحت الكفِّ الثَّقيلة للسُّلطة! أمَّا الإشارة لمكبِّر الصَّوت فمحض ذريعة لهذا "التَّغوُّل"، وليس لحماية الجِّيران، وذلك بدليل أن المشرِّع:
(1) لم يُعْنَ بتحديد قوَّة مكبِّر الصَّوت، تأسِّياً، مثلاً، بقواعد السُّرعة في قانون المرور، فحظر، ضمنياً، حتى أصغر أجهزة الاستماع المنزليَّة!
(2) فوَّض الشُّرطة في حماية الجِّيران، لكنه لم يُعْنَ بتقديرات الجِّيران أنفسهم لهذه الحماية، وفي ذلك ترخُّص مستقبح، واستهانة غليظة بقيمة الجِّوار في الثَّقافات السُّودانيَّة كافَّة، وعلى تنوُّعها.
(3) شرَّع هذا النصَّ، رغم كفاية القانون الجَّنائي الذي يجرِّم إزعاج الجِّيران، لكن بتقديراتهم هم، لا بتقديرات الشُّرطة، عند تحريك الإجراءات ابتداءً.
ثانياً: يَحظر، أيضاً، إقامة أيِّ حفل غنائي "عامٍّ" إلا بتصديق. ولا يخفى العنت الذي يسبِّبه هذا النَّصُّ للفعاليَّات الثَّقافيَّة المتَّصلة بالغناء والموسيقى!
ثالثاً: يَحظر رقص النِّساء مع الرِّجال، والنِّساء أمام الرِّجال، بكل ما ينطوي عليه ذلك من مفارقات هادمة لقيم اجتماعيَّة وإنسانيَّة معتبرة، حيث:
(1) صنَّف أطراف العلاقة الاحتفاليَّة جنسيَّاً، فحسب، بثنائيَّة "الرَّجل والمرأة"، مهدراً قيمة أيِّ تصنيف آخر، ك "الأمِّ والإبن"، و"الأب والإبنة"، و"الأخ والأخت"، دع علاقة (الزَّمالة) أو حتَّى (الخطوبة) مما لا تقرُّه، قطعاً، ذهنيَّة التَّحريم التي أنتجت النَّص!
(2) حظر مشاركة النِّساء، بتاتاً، في أيِّما حفل يحضره رجال، وسمح لهنَّ، فقط، بالفرجة على رجال يراقصون رجالاً!
(3) وباعتبار أن جغرافيا هذا القانون هي مركز "المركز" المثقل بالنزوح الكثيف إليه من جغرافيا الفقر في "الهامش"؛ وباعتبار أن المشرِّع مدرك لتوقير ثقافة الطقوس الاحتفاليَّة المختلطة في هذا "الهامش"؛ فالاستنتاج الوحيد، إذن، هو أن المشرِّع افترض أن العاصمة دولة أخرى، وأن القادمين إليها من "الهامش" ضيوف يخضعون لما يخضع له الأجانب من قوانين!
رابعاً: يَحظر أداء الأغاني "الهابطة!"، ويخوِّل للشُّرطة سلطة تقدير هذا "الهبوط"، ومن ثمَّ "إزالة المخالفة"، فيَختزل، عمليَّاً، مجمل الفكر الذي يقارب الإبداع، كنشاط اجتماعي متميِّز، والذي يوجب عدم محاكمته إلا بمعايير النقد والتذوُّق، ليُنَصِّب البوليس ناقداً أوحد حتف أنف كل معايير العلم الموضوعي، وجهود حملة مشاعله عبر التاريخ!
خامساً: يوجب تخصيص 10 مقاعد للنِّساء في البصَّات؛ ويُقال في تبرير النَّصِّ إن غرضه "تكريم المرأة"! لكن ثمَّة ملحظين يهدمان صدقيَّة هذا التَّبرير:
(1) هذا العدد من المقاعد يقلُّ كثيراً عن كَمِّ النِّساء اللاتي يستخدمن البصَّات، فالهدف الحقيقي، إذن، تحجيم دورهنَّ بالحدِّ من حركتهنَّ، دَعْ منح الرِّجال ميزات إضافيّة عليهنَّ!
(2) منطق هذا التَّبرير نفسه يدفع للتَّساؤل عمَّا إذا لم يكن ثمَّة من يتوجَّب تكريمه غير النِّساء، كالمعوَّقين، مثلاً، ومعوَّقي العمليَّات الحربيَّة، بالأخص، فلماذا النِّساء وحدهنَّ؟!
سادساً: يَحظر التسوَّل والتَّشرُّد، علماً بأن ممارستهما ليست هواية، بل إفراز لأوضاع اقتصاديَّة واجتماعيَّة ظالمة؛ فمحاربتهما لا تكون بغير إزالة هذه الأوضاع؛ وإلا كان القانون سوط عذاب إضافي مسلط على رؤوس أولئك المستجيرين من رمضاء "الهامش" بنار "المركز"، ينبشون عن أقواتهم ولو في مقالب القمامة!
سابعاً: يحدِّد لمحلات تصفيف شعر النِّساء ضوابط لا تصدر إلا من ذهنيَّة ثيوقراطيَّة تستريب في جنس هاتيك النساء، أصلاً، كمصدر للشُّرور، فقد:
(1) حظر دخول الرِّجال إلى هذا المحلِّ!
(2) اشترط أن يكون له مدخل وحيد يطلُّ على الشَّارع!
(3) أوجب إدارته بوساطة امرأة "لا يقلُّ عمرها عن خمسة وثلاثين عاماً"!
(4) حظر استخدام العاملات فيه قبل التَّأكد من استقامتهنَّ، وحصولهنَّ على مؤهِّل من "جهة الاختصاص"!
(5) أباح للشُّرطة مداهمته في أي وقت!
وبإزاء تلك الشُّروط/الهواجس تثور عدة تساؤلات، بينهنَّ أربعة أساسيَّات:
من جهة أولى: عمَّا إن كان التَّصفيف هو المهنة الوحيدة التي يلامس فيها الرِّجال أجساد النِّساء، فثمَّة مهن محترمة أخرى يحدث فيها ذلك، كالطبِّ مثلاً، لكن المشرِّع لا يفرض عليها "فضيلته" بقانون!
ومن جهة ثانية: عمَّا إن كان ثمَّة فرق بين شروط المشرِّع بشأن مداخل هذه المحلات، والشَّوارع التي تفضي إليها، وأعمار النِّساء اللاتي يُدرنها، وسلطة الشُّرطة في مداهمتها في أيِّ وقت، وبين شروط عمل المباغي سيئة الذكر منذ أيام الإدارة البريطانيَّة، فضلاً عمَّا إن كان ذلك لا يخلف انطباعاً مشوباً بالشكوك حول أخلاق من يمتهنَّ هذه المهنة، ومن يرتدن محلاتها، بل وأخلاق ذويهنَّ!
ومن جهة ثالثة: عن جهة الاختصاص "الوهميَّة" التي يشترط المشرِّع الحصول على شهادة تأهيل منها لمزاولة المهنة!
ومن جهة رابعة: عن تناقض المشرِّع الذي يبيح للرِّجال منافسة النِّساء في امتلاك مثل هذه المحلات، في الوقت الذي يحظر اختلاطهم بهنَّ فيها! فهو، إذن، يتشدَّد في الحظر حين يتعلق الأمر بالاسترابة في أخلاق النِّساء، لكنه يترخَّص في الإباحة حين يتعلق الأمر بالاستثمار الرَّأسمالي! ومع ذلك لا يوضِّح كيف يمكن لمالك المحلِّ متابعة سير العمل فيه بنفسه! وحتَّى لو سلمنا بأن ذلك يمكن أن يتمَّ عن طريق مديرة "في الخامسة والثلاثين من العمر!"، فالمشرِّع لا يوضِّح أين يمكن للمالك الاجتماع بهذه المديرة، علماً بأن علاقات العمل تمارس في مكان العمل!
(3)
مطاطيَّة الشُّروط التي يفرضها هذا "القانون" على السُّلوك العامِّ، والسُّلطات التَّقديريَّة الواسعة التي يمنحها للشُّرطة، تفتح الأبواب، عند التَّطبيق، لإضافة كلِّ ما لم يرد بشأنه نصٌّ صريح فيه، وأكثر ذلك شيوعاً ملاحقة النساء في الشوارع والأماكن العامَّة بزعم عدم لياقة ملابسهنَّ، واعتبار ترافق أيِّ رجل وامرأة مشروع فاحشة ما حتى يثبت العكس، فضلاً عن مطاردة بائعات الطعام الفقيرات، وصغار الباعة المتجوِّلين، وغيرهم مِمَّن لا يجدون ما يكسبون به قوتهم سوى أنشطة الاقتصاد الهامشي. وعندما جرى الانتباه، بعد سنوات طوال من التطبيق، إلى أنَّ تلك المسائل كلها من غير مشمولات هذا "القانون"، تمَّ مط اختصاص وصلاحيَّات "شرطة النظام العام"، حيث أضحت تغطي فصولاً ومواد من قوانين أخرى، كالقانون الجنائي لسنة 1991م، وعُدِّلت تسمية تلك الشرطة لتصبح "شرطة أمن المجتمع"!
مهما يكن من أمر، فثمَّة ثلاثة أسئلة تطرح نفسها، منطقيَّاً، حول درجة استجابة "قانون النظام العام" الذي نحن بصدده هنا لمقتضى "العدل"، وذلك على النحو الآتي:
(1) هل يمكن اعتباره "عادلاً" على قاعدة الموازنة الدقيقة بين "الحقّ والواجب" المركوزة في صميم الأوضاع الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة؟
(2) وهل يمكن اعتباره "عادلاً" بمعيار قواعد "الحرِّيَّات" و"المساواة" بين المواطنين بصرف النظر عن النُّوع "ذكور/إناث"؟
(3) وهل يمكن اعتباره "عادلاً" بدلالة الاتِّساق مع ثقافات وتصوُّرات النَّاس الذين يُطبَّق عليهم بما يؤهِّله للقبول لديهم؟
نضع الأسئلة الثلاثة معاً إزاء ما لاحظنا من غلبة ملامح الظلم الاقتصادي والاجتماعي والثَّقافي، بوجه عام، في هذا القانون، وبوجه خاص على جنس النِّساء، من جهة، وعلى فقراء "الهامش" النَّازحين إلى العاصمة، من جهةٍ أخرى، فضلاً عن عدوانه الصَّارخ على قيم الثَّقافات السُّودانيَّة الأكثر تواتراً، من جهةٍ ثالثة.
فأمَّا بالنِّسبة للسُّؤال الأوَّل، فإن شيوع الإنتاج الهامشي، والنَّمط الاستهلاكي، يمثِّل أخطر ملامح البناء الرَّأسمالي، في بلادنا، على أيدي البرجوازيَّة الطفيليَّة النَّاشطة في السُّوق السَّوداء، المضاربة في العملات والعقارات، المتغذِّية على التَّهريب والأزمات، النّاهبة للمال العامِّ من خزينة الدَّولة، ومن الجِّهاز المصرفي، والتي استطاعت أن تفرض قيادتها على أقسام الرأسماليَّة كافَّة، وهيمنتها على الاقتصاد والسِّياسة والثَّقافة وسائر أوجه الحياة. وليس أصدق من وصف المفكر المارتنيكي فرانز فانون لهذا النَّمط من البرجوازيَّة التي ابتليت بها بلدان "العالم الثَّالث"، في كتابه "معذبو الأرض"، بأنها ليست برجوازيَّة حقيقيَّة كالتي شيَّدت صروح الحضارة الحديثة في الغرب، بل فئة نَهِمَة، شَرِهة، طويلة الأنياب، تتَّسِم بذهنيَّة الرِّبح التَّافه، والعجز عن تمثُّل أيَّة أفكار كبرى، أو أيِّ روح ابتكار. ولعلَّ هذا هو بعض ما يفسِّر ضعف البنيات الأساسيَّة، وإهمال الإنتاج الصِّناعي والزِّراعي، وأسباب التَّنمية غير المتوازنة، وعوامل تجريف الطبقة الوسطى، فضلاً عن استشراء الفساد، والتَّدهور المريع في الدخول، وفي مستويات المعيشة، والازدحام السُّكاني في العاصمة والمدن الكبيرة، بفعل النزوح الذي لم تُتخذ أيَّة عدة لاستيعابه، وذلك كله مما يرتِّب للتَّشوُّهات الاجتماعيَّة، وشيوع الممارسات والقيم السَّالبة، كالتَّسوُّل، والتَّشرُّد، والدَّعارة، وإدمان المخدِّرات، والخمور البلديَّة، وتفكُّك البناء الأسري، وازدياد معدَّلات الجَّريمة، والانهيارات النَّفسيَّة والعقليَّة، وغيرها. إن ذلك ليتنافر، ليس فقط مع مبادئ العدالة الاجتماعيَّة، والمقاصد الكليَّة للإسلام المعلن كخلفيَّة آيديولوجيَّة لهذا "القانون"، بل ومع قيم الوجدان المتشكل، أصلاً، على الفطرة السليمة. إن الفقر، إجمالاً، من أخطر معكوسات قيم العدالة الاجتماعيَّة، والإسلام تحديداً، يعتبره قريناً للكفر، ونتاجاً مباشراً للظلم والاستغلال، الأمر الذي يفضي بالضَّرورة، إلى اهتزاز موازنة الحقِّ والواجب في علاقة الدَّولة بالمواطن.
وأمَّا بالنِّسبة للسُّؤال الثَّاني، فمن غير الممكن إغفال التَّحيُّز الواضح في هذا "القانون" ضدَّ المرأة، والناشئ عن نظرة ذكوريَّة مترتِّبة على أوضاع اقتصاديَّة اجتماعيَّة محدَّدة، وعن موقف فكري متوارث تاريخيَّاً، في المنطقة وفي السُّودان، من أصله الضارب في جذر التَّقليد التُّركي المَدْخُول بأثر وضع المرأة في الحضارتين الإغريقيَّة والرُّومانيَّة ك "متاع مصون"، وكذلك وضعها في الحضارة الفارسيَّة ك "مخرِّبة للدنيا"و"جالبة للنَّحس"! وفي مجتمعات القرون الوسطى البربريَّة، والجِّيرمانيَّة، والصِّربيَّة، والآريَّة، ساد استضعاف المرأة وتهميشها، وفق الذِّهنيَّة الثيوقراطيَّة، باجتهاداتها الفقهيَّة الكنسيَّة التي تبرِّر ذينك الاستضعاف والتَّهميش. أما الإسلام فقد اتَّخذ، في أصوله الباكرة، موقفاً إيجابيَّاً من المرأة، حيث نزَّهها القرآن الكريم من تلك الصِّفات الشَّيطانيَّة التي ألصقت بها: "فاستجاب لهم ربُّهم إنِّي لا أضيِّع عمل عاملٍ منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض" (195؛ آل عمران)؛ وفي آية أخرى: "إنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصَّادقين والصَّادقات والصَّابرين والصَّابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدِّقين والمتصدِّقات والصَّائمين والصَّائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذَّاكرين الله كثيراً والذَّاكرات أعدَّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً"(35؛ الأحزاب). وقد لاحظت فاطمة المرنيسي أن الآية الأخيرة تساوي بين الجِّنسين في المفاضلة عند الله سبحانه وتعالى، ليس بمعيار الجِّنس، وإنما بمعيار الإخلاص والرَّغبة في خدمته وطاعته (راجع: الحريم السِّياسي النَّبي والنِّساء، ص 150).
وأمَّا بالنِّسبة للسُّؤال الثَّالث، فيكفي أن نورد تعبير مدير شرطة النِّظام العامِّ، تعقيباً على ورقتنا الناقدة ل "القانون"، والتي قدَّمناها في ورشة العمل التي كان نظمها حوله "مركز التَّدريب القانوني" بالخرطوم، خلال فبراير 2000م، فقد قال: "من لا يرغب في الخضوع لهذا القانون عليه ألا يجيء إلى هذه الولاية"! وباستحالة النَّظر إلى السُّودانيين كشعب واحد، أو كمجتمعٍ واحد، مما يجعل من المستحيل، أيضاً، الحديث عن ثقافة واحدة تجمعهم، حيث تضمُّ بلادنا مئات التَّكوينات القوميَّة، والمجموعات القبليَّة والإثنيَّة، وكذلك الأديان والثقافات واللغات، فإن عبارة مدير شرطة النِّظام العامِّ تختزل، بصرامة عسكريَّة مشهودة، الفكرة المستعلية القائمة في الانحياز العربوإسلاموي التَّاريخي إلى الواقع الإثني لمثلث الوسط الذَّهبي وامتداداته إلى الشَّمال النِّيلي، دون بقيَّة (الهامش) السُّوداني الذي اضطرَّ أهله، وما زالوا يضطرون، للنُّزوح إلى الخرطوم، بسبب الفاقة، والجَّفاف، والتَّصحُّر، والحروب، وألف سبب وسبب.
على أن المفارقة ما تلبث أن تطلَّ من بين ثنيَّات هذه العبارة، لتخلخل فكرة صاحب الشُّرطة، حيث يتصادم "قانون النِّظام العامِّ"، أيضاً، حتَّى مع الكثير من ثقافات المستعربين المسلمين في الوسط والشمال النِّيلي، فتتصاغر الخلفيَّة الاجتماعيَّة والفكريَّة لهذا المنطق، لتنحصر في حيِّز ضيِّق، بالغ الضِّيق، يكاد لا يتجاوز إرادة وتصوُّرات النُّخبة الحاكمة!
(4)
أصل البلاء مشكلة ناجمة عن أوضاع اقتصاديَّة سياسيَّة تاريخيَّة محدَّدة، وعن تفاعلات في الفكر والثَّقافة مترتِّبة على هذه الأوضاع، لكن "الدَّولة"، بدلاً من مجابهة أسباب هذه الظواهر بمعالجات من جنسها، لجأت إلى سلاح التَّشريع، فأصدرت هذا "القانون" بغرض إشاعة جوٍّ من القهر العامِّ لإخضاع الثَّقافات والتَّكوينات القوميَّة السُّودانيَّة، على تنوُّعها، دون أن تحقِّق نجاحاً يُعتدُّ به، لا في الرَّاهن ولا في المستقبل. فهذا "القانون" إنَّما يُعبِّر، في الواقع، عن العجز بإزاء المشكلة، لا عن القدرة على علاجها. وهكذا فإن القضيَّة الحقيقيَّة التي يخدمها ليست، كما قد يبدو للوهلة الأولى، حراسة فضائل عامَّة، بل، كما سبق أن قلنا، توسيع "حقِّ" السُّلطة في ضبط الحياة بأسرها على مقاس أمنها هي، وتقديرها لجدوى الإبقاء على الرهب العام منها، ولو بالاعتداء على حرِّيَّات المواطنين، وحقوقهم، وحقوق الأسر، وحرمة المساكن، وخصوصيَّة الجِّوار!
ذلك هو ما أغفلته، للأسف، نائبة رئيس المجلس التشريعي بولاية الخرطوم، وهي تحاول تبسيط "قانون النظام العام" كمجرَّد "تخصيص مقاعد للنِّساء في المواصلات العامَّة، ومحاربة التسوُّل، والتشرُّد" .. الخ!
……………………………………………………………………………….
قانون النظام العام كأداة لاستخدام العنف ضد النساء
اعداد الاستاذ/ نبيل أديب عبدالله المحامي
تمهيد
تهدف هذه الدراسة للبحث في صورة من صور إستخدام القانون لممارسة العنف ضد النساء والذى يمثل الجزء الأكثر تقيحاً من أنظمة التمييز ضد النساء التى ظل العالم يعاني منها منذ ان ظهر الإنسان على ظهر البسيطة وحتى الآن .فالتمييز ضد طائفة من الناس بسبب جنسهم أو لونهم أو معتقدهم هى مسألة تخالف قواعد الإنصاف السليم ولكن الأسوء من ذلك أنها فى الأغلب تؤدى لإستخدام العنف ضد الفئة المُميَّز ضدها وقد تميز القرن العشرين بتطور كبير في إتجاه منح النساء حقوق متساوية للرجال وإنهاء كافة أشكال التمييز القانوني ضدهن والذي يشكل العنف أكثر درجاته إيذاءً بالمرأة ولكن أيضاً شهدت نهايات القرن العشرين مايشير إلى ردة في هذا الصدد في شكل بروز التيارات السياسية المرتكزة على الدين والتي فسرت الأديان الثلاث الكبرى بشكل قاد ومازال يقود لخلق مبررات ليس فقط للإبقاء على مازال سائداً من بقايا أحكام التمييز ضد النساء وإستخدام العنف ضدهن بل أيضاً على إعادة العمل بما تم إلغاءه من أشكال التمييز.
أولاً :العنف القانونى وإستخدام القانون لممارسة العنف
العنف هو إيقاع الأذى بجسم شخص ما بغرض قهره والعنف القانونى هو إيقاع ذلك الأذى بحكم القانون أو بترخيص منه .العنف ضد النساء حسبما عرفه الإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة والصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23/فبراير/1994م هو " For the purposes of this Declaration, the term "violence against women" means any act of gender-based violence that results in, or is likely to result in, physical, sexual or psychological harm or suffering to women, including threats of such acts, coercion or arbitrary deprivation of liberty, whether occurring in public or in private life" وهذا التعريف يشمل العنف الذى يتم عن طريق الدولة إذ ان إستخدام العنف أصلاً جريمة مالم ترخص الدولة لنفسها او لغيرها إرتكابه عن طريق القانون. والدولة لا ترخص لغيرها ذلك إلا إستثناءً ولأسباب تتصل بالمصلحة العامة ومثال ذلك حق الدفاع الشرعي عن النفس أو المال والذي يخول للأفراد في حالات معينة إستخدام العنف . بالنسبة للعنف ضد النساء فإن الدولة ترخص به لإعتبارات الرقابة داخل الأسرة مثل الترخيص بضرب الأطفال أو الزوجات وهى أمور مازال القانون السوداني يقبل بها رغم أنها لم تعد مقبولة في المستوى الدولي .
وحق الدولة في ممارسة العنف او الترخيص به ليس حقاً مطلقاً بل هو حق مقيد أولاً بالغرض منه فالدولة لم تُمنح حق إحتكار العنف القانوني إلا على سبيل الضرورة وفى الحدود التي يتطلبها حفظ النظام، لأن العيش المشترك بين الناس فرض منذ البداية الخضوع لقواعد تحفظ الحقوق الفردية للجميع مما يقتضي منع التعدي عليها من الآخرين من جهة ،ووضع حدود لممارسة تلك الحقوق نفسها من جهة أخرى . تطلبت هذه القيود وجود جزاء على مخالفتها والقدرة على إنفاذ ذلك الجزاء. ويجب أن نفرق بين إستخدام القانون لممارسة العنف وبين العنف القانونى فالعنف القانونى هو عنف تبرر الضرورة فرضه أو قبوله بواسطة القانون وكل عنف لا تفرضه الضرورة أو يجاوز ما تتطلبه يتحول إلى عنف غير مبرر بغض النظر عما يقوله القانون، فليس كل عنف يجيزه القانون هو عنف مبرر فالقانون الذى يرخص بالعنف فى غير ما تتطلبه ضرورة حماية الحقوق المشروعة هو قانون مخالف للأسس الدستورية لأنه ينتهك حقوق الأفراد ويظل العنف الذى رخص به على ذلك النحو عنفاً غير مبرر وبالتالى غير قانوني بالمعنى الواسع للكلمة فالقانون هنا يعنى القانون الموافق للدستور والذى يحترم حقوق الإنسان.لذلك فإننا نطلق على ذلك العنف تعبير العنف بواسطة القانون تمييزاً له عن تعبير العنف القانونى لأن العنف بواسطة القانون قد لا يكون عنفاً قانونياً بالمعنى الواسع للتعبير. العنف ضد النساء بمعنى العنف الذي يكون اساسه عصبية الجنس هو عنف غير قانوني في نظر هذه الدراسة وذلك بغض النظر عن موقف القانون وهذا هو المستوى الدولي الذي يجب ان نصبو إليه فالإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة يذكر في المادة الثانية فقرة (ج) منه أن العنف ضد المرأة يشمل العنف البدني والجنسي والنفسي الذي ترتكبه الدولة أو تتغاضى عنه أو حين يخلق القانون أو الدولة وضعاً يسهل إستخدام العنف أو غض الطرف عنه أينما وقع.
ثانياً : أشكال العنف ضد النساء بموجب القوانين السائدة
تشمل القوانين السائدة ترخيصاً بإستعمال العنف ضد النساء في عدد منها فقوانين الأحوال الشخصية مثلاً تمنح ترخيصاً بإستخدام العنف ضد النساء في حالات معينة ولكن هذه الدراسة تقتصر على أثر قانون النظام العام على ممارسة العنف ضد النساء وهذا لا يعني ان الدراسة ستقتصر على قانون النظام العام ولكن على مايتيحه ذلك القانون من ممارسة العنف ضد النساء بما خلقه من اجهزة وبما أوجده من ممارسات حتى فى الحالات التى يستند فيها الإتهام الذى يقوم على نشاط شرطة النظام العام (بمسمياته المختلفة) على قوانين أخرى.
الفصل الأول
الأرضية الذهنية والقانونية لقانون النظام العام
قانون النظام العام الحالى هو قانون ولائي صادر من المجلس التشريعي لولاية الخرطوم (قانون ولائي رقم (5) سنة 1996م ) وهو قانون صدر في أكتوبر من عام 1996 كإعادة إصدار لقانون النظام العام لعام 1992 وتم فيه إضافة بعض المخالفات التى كانت متناثرة فى أوامر محلية مختلفة وهو قانون قصد به المحافظة على القيم التى عيّن نظام الحكم نفسه حامياً لها فى عاصمة الدولة الرسالية التي كانت قائمة آنذاك والتي كانت تزعم أن لها مشروع حضاري يقوم على إعادة تشكيل الإنسان السوداني وفق أحكام الشريعة الإسلامية التي إحتكرت الدولة الحق في تفسيرها . وقانون 96 لا يختلف عن قانون 92 فى الذهنية والأهداف فكلاهما يقوم على الذهنية الأبوية الرسالية التى تخلط بين التجريم والتحريم و ينطلق من فكرتين رئيسيتين الأولى ضبط الشارع العام والثانية ضبط السلوك الخاص والقانون فى محاولته لضبط الشارع يقوم على ذهنية الكشة وفى محاولته لضبط السلوك الخاص يقوم على ذهنية الإسترابة فى الأنثى .
المبحث الأول
ذهنية الكشة
كلمة الكشة هى كلمة ظهرت مؤخراً في قاموس العامية لا نعلم لها أصلاً في اللغة تصف ممارسة أورثها لنا العهد المايوي .الكشة تتمثل في حملة تقوم بها الشرطة على منطقة أو مكان، وهذه الحملة ليس لها زمان معين ولا مكان معين، فهي تحدث صباحاً ومساءاً ، و قد يكون مسرحها أحد المنازل كما قد يكون شارعاً عاماً ، والغرض من هذه الحملة ضبط المخالفات والقبض على المخالفين . والأصل هو أن لا تكون هناك مثل هذه الحملات ،لأن التفتيش والقبض يتصل بمعلومة عن إرتكاب جريمة ينجم عنه أمر بقبض شخص أو ضبط شئ في مكان معلوم، ولكن هذه الحملات لا تقوم على نصوص قانونية معينة بقدر قيامها على ذهنية معينة خلقها وضع قانونى متكامل أساسه إتساع دائرة التجريم وفقدان المعقولية فى القوانين بحيث أصبحت ممارسة الناس لحياتهم العادية متضمنة بالضرورة لمخالفة ما لقانون ما ،وما على الشرطة إلا أن تجتاح أي مكان حتى ولو كان الشارع العام وتقبض على الموجودين فيه عشوائياً حتى تجدهم فى حالة تلبس بإرتكاب مخالفة للقانون. وهذه الذهنية ليست قاصرة على الأجهزة بل يشاطرها فيها المواطنون، فما أن تقف عربات الشرطة في مكان ما ويندفع من فيها خارجون في عجلة و حزم حتى تجد كل من فى الشارع بين مهرول وراكض يحاول الإختفاء دون أن يدرى سبباً لهربه. وتبدأ عمليات القبض لمختلف الأعمار والأجناس ومعهم أدوات الجريمة ، وهي في غالب الأمر كوانين لعمل شاي أو بعض الألبسة أو الساعات و كلها من الأشياء التي يستعملها الناس في كل مكان دون أن يرتبوا على أنفسهم أى مسئولية قانونية ، وتمتلئ العربات بالمقبوض عليهم بالجرم المشهود أما ما هو الجرم المشهود فلا سبيل لك لأن تعلمه فقد يكون مجرد عمرك فى كشة للبحث عن الهاربين من التجنيد أو سحنتك فى حملة لإفراغ العاصمة من النازحين .
وإتساع دائرة التجريم أفرخته الذهنية الأبوية الرسالية التى أنتجت قانون النظام العام وعندما ينفلت التجريم وتتوسع قاعدته بحيث لا يعلم الفرد على وجه التحديد ما هو الفعل الممنوع ، فإن ذلك يؤدي إلى خرق الدستور من عدة نواحى ، ولكن ذلك لا يقتصر على خرق النصوص الدستورية بل يتجاوزه لخلق ذهنية قبول ذلك الخرق وهذا هو ما توفره ذهنية الكشة التي تجعل الأسواق العامة ساحات صيد تمارس فيها الشرطة إصطياد المواطن. توسيع دائرة التجريم كان أساسه الخلط بين قواعد التحريم وقواعد التجريم وهذا ما يلزمنا بوقفة قصيرة عند ذلك الخلط.
المبحث الثانى
الخلط بين التحريم والتجريم
تخضع المجتمعات البشرية لقواعد تحكم سلوك الأفراد المكونين لها وهذه القواعد أساسها ثلاث دوائر مختلفة تحرم بعض الأفعال وتبيح ما عداها والدوائر الثلاث متشابكة يقتات بعضها على بعض و هي الأخلاق و الدين و القانون، وهذه الدوائر الثلاث قد تتحد في تحريم فعل كالقتل مثلاً أو السرقة وقد تختلف حين تحرم بعضها فعل لا تحرمه الأخرى كالحسد مثلاً الذى يظل محرماً أخلاقياً ودينياً رغم إباحته قانونياً .
تقوم الأخلاق على فكرتي الخير والشر والتى تختلف من ثقافة لأخرى ومن مجتمع لمجتمع ولكن في كل الأزمان و في كل المجتمعات لا بد أن تكون هناك مجموعة من الأفعال المحرمة أخلاقياً .
وتقوم فكرة التحريم الدينى أيضاً على الخير والشر ولكن أساسها النواهي االإلهية وليس الفلسفة الإخلاقية والتحريم الدينى أساسه الوحى ورغم إختلاف الأديان فإن الأفعال المحرمة فيها تكاد تكون واحدة .
والجزاء على مخالفة القاعدة الدينية هو جزاء يوقعه الله وبالتالي فإن دائرة التحريم واسعة وتشمل النوايا والمقاصد لأن الله يعلم ما في الصدور .
أما التجريم فتستقل به القاعدة القانونية و المشرع هو الذي يملك أن يجرم الفعل و هذا التجريم يعني إستخدام سلطة الدولة في العقاب لمنع الأفراد أو الهئيات من إرتكاب أفعال معينة وهذه الأسس المختلفة للتحريم تتداخل بعضها مع بعض فنجد كثير من الأفعال المحرمة أخلاقياً ودينياً هي مُجرّمة قانوناً مثل القتل والسرقة.
والخلاف بين أسس التجريم في القانون وبين أسس التحريم الأخلاقي والدينى يقوم على نوع الجزاء وعلى السلطة التي تشرع الأوامر والنواهي ففي حين يشرع القواعد الأخلاقية العقل الجمعى لمجموعة ثقافية معينة فى زمن معين فإن الوحي هو الذي يشرع الأوامر والنواهي الدينية ويتشابه الإثنان في قابلية تلك القواعد للقبول بدون مناقشة عقلانية وذلك لأنها جزء من التكوين الثقافى للخاضعين لها ،أما القانون فهو مسألة عقلانية بحتة لأنه صادر من سلطة أرضية قد لا يتفق الشخص مع أهدافها ومراميها لذلك فإن الشخص المعني قد لا يوافق على صحة القاعدة القانونية وقد يطالب بتغييرها .
وهذا الخلاف يقود بدوره لخلاف آخر وهو أن إستعداد الشخص لمخالفة القانون أكثر من إستعداده لمخالفة النواهي والأوامر الأخلاقية والدينية وذلك لأن كلا من الأوامر والنواهي الأخلاقية والدينية تُوجِد داخل الشخص أداةً للرقابة والمنع تمنعه من إتيان الأفعال المحرمة لأن التحريم صادر إما من التركيبة الخاصة بالشخص نفسه (الأخلاق) أو من أوامر إلاهية يحمل الشخص خشية مخالفتها داخل نفسه،أما القانون فإن السلطة التي شرعته هي سلطة خارج الشخص وهذا يقود لخلاف آخر هو أن العقاب على مخالفة القانون يستلزم إكتشاف وقوع الفعل المُجرّم لذلك فإن كثير من السائقين يقومون بكسر الإشارة الحمراء عندما لا يكون هناك شرطي بإعتبار أنهم لن يُكتَشفوا ويكثر هذا بالنسبة للجرائم التي لا ضحايا لها Victimless Climes مثل مخالفة قواعد النقد الأجنبي مثلاً .
رغم أن التجريم هو أمر تستقل به السلطة التشريعية إلا أنها لا تقوم بذلك من فراغ فهي مكونة من أفراد يحملون العقلية الجمعية للثقافة التي يتبعونها بما يجعلهم متأثرين بالأحكام الأخلاقية والدينية ولكن الخلافات بين سلطة الدولة والسلطة الإلهية يجب أن تكون واضحة أمامهم حين يشرعون ويجرمون والفرق بين الهدف من التجريم القانوني .الهدف من التحريم الأخلاقي والديني هو ترقية الشخص المخاطب في حين أن الغرض من التجريم هو حماية مصلحة عامة للمجتمع يشكل التهديد بالعقاب أنجع الوسائل لحمايتها وهذا معيار التفرقة بين الخطأ المدنى والجريمة فالخطأ المدنى هو فعل يقتصر ضرره على المصلحة الفردية وبالتالي فإن الدولة لا تستخدم سلطة العقاب لمنعه ولكنها تتيح للمضرور التعويض عن ما سببه الفعل من ضرر .
إذاً فأساس التجريم هو المصلحة العامة وبعض هذه المصالح قد تكون وقتية وليس لها صله بالأخلاق وأحياناً قد تكون متوهمة عند المشرع ومن ذلك ما توهمته الإنقاذ في أول أيامها من أن منع تداول النقد الأجنبي خارج المصارف مضر بالمصالح الإقتصادية للدولة فقامت بتجريم ذلك الفعل وجعلته موجباً لأشد أنواع العقاب وهو الإعدام وتم بموجب ذلك القانون إعدام ثلاثة أشخاص وقد أصبح الآن هذا الفعل مباحاً لاعقاب عليه إذا فأساس التحريم هو رغبة المشرع في حماية مصلحة عامة معينة ويتوسل إلى ذلك بالتهديد بالعقاب الجنائي على الأفعال التي يعتقد أنها تضر بتلك المصلحة . ولكن المشرع إذ يفعل ذلك لابد أن يراعي أن لا يجرم سوى الأفعال التي من شأنها الإضرار بمصلحة واضحة للنظام الإجتماعى فهناك كثير من الأعمال غير الأخلاقية والمستهجنة ولكن العقاب عليها ليس أنجع الوسائل لمحاربتها خاصةً تلك التي تصيب المصالح العامة بدرجة يسيرة من الضرر وفي الموازنة بين واجب الدولة في حماية حريات الناس وبين مصلحة أفراد المجتمع ككل في أن يعيشوا في أمان يجد المشرع أن المصلحة ستحقق أكثر بعدم التجريم ومن ذلك مثلاً الضرر الذي يسببه التدخين في الأماكن الخاصة للمدخن نفسه ولغيره من المتواجدين في تلك الأماكن وفي هذه الحالة رغم ما في هذا الفعل من أذى للصحة العامة فإن المشرع لا يتدخل ويترك لأجهزة الإعلام والتوعية الصحية مجابهة هذه المسألة . كذلك فإن القانون فى أغلب الأحيان لا يكتشف الجرائم التي لا ضحايا فيها إلا عن طريق خرق الخصوصية وهو أمر أكثر ضرراً من الجريمة نفسها، لذلك فإنه طالما أن الفعل لا يعتدى على حق عام وليس هناك متضرر عنه فإن تركه خارج دائرة العقاب أفضل . و الأفعال التي تقع خفية بين أشخاص بالغين راضين عما يفعلون وعما يُفعَل من معهم مهما بلغت درجة مفارقتها للأخلاق هى جرائم بدون ضحايا ما لم يتجاوز ضررها الجناة أنفسهم إلى غيرهم .وحتى فى هذه الحالة الأخيرة فلا يجوز السماح لأجهزة ضبط الجريمة وهى بصدد ضبطها أن تخرق خصوصية الأفراد وحرمات المنازل لأن ضرر ذلك يفوق النفع الذى قد ينتج من كشف الجريمة إذ ينتج عن ترك تقدير الوسائل لقوات الضبط نفسها عادة أضرار لمواطنين لم يرتكبوا أي جرائم وفيه ترويع لمجتمع آمن لما يتولد عند تلك الأجهزة من إستهانة بحرمات المنازل والأشخاص.
وقد تسلل إلى القانون الجنائي وبعض القوانين العقابية الأخرى في السنوات الأخيرة تجريم بعض الأفعال التي يستحسن أن يترك أمرها لمعالجات خارج إطار القانون مثل قواعد السلوك المتصلة باللبس وغيرها لأنها مسائل لا تحل بواسطة إستعمال سلطة الدولة وإنما يحسن تركها للوعظ الدينى ولحسن التربية إذ أن التجريم وما يقود إليه من محاكمة وعقوبة قد تكون أضراره بما يحمله من تشهير أكثر من أضرار الفعل نفسه .
من جهة أخرى فإن ذلك الإتساع الغير عقلانى لا بد أن يؤدى للتعالى على المواطن وعلى الإستهانة بحقوقه وقد إنعكس ذلك على القوانين التى تنظم سلطة رجال الضبط .
المبحث الثالث
ذهنية الإسترابة فى الأنثى
إقتصرت المعالجات الأخلاقية التى أدخلتها القوانين مؤخراً على محاولة مطاردة النساء لإبقائهن خارج النشاط الإجتماعى بفهم أن المرأة هى الشيطان الذى يغوى الرجل ويقوده للرذيلة. ونجم عن ذلك تعامل مع حالة الأنوثه بإعتبارها شر لابد منه، وكادت الأنوثة أن تصبح جريمة أو على الأقل شروع فى جريمة لأنها وفقاً لتلك الذهنية مصدراً لخطورة كامنة يجب حفظها في أضيق نطاق لإستحالة التخلص منها ،وكان السبيل لذلك تبنى أحكاماً غامضة لا تحمل معان محددة بغرض مطاردة النساء لإبعادهن لخارج الحياة الإجتماعية، فعاقب القانون على التزى بزي فاضح في الماده (152) من القانون الجنائي دون أن يحدد أي معايير لذلك الزي الفاضح، ومنع إجتماع الرجال بالنساء الذين لا تقوم بينهم علاقات زوجيه أو قربى في ظروف ترجح معها حدوث ممارسات جنسيه في الماده (154) وهو حكم غامض قد يتوفر في أي مركبة عامة.وهكذا منح القانون للشرطة والمحاكم سلطه تجريم وعقاب ما تراه في مطلق تقديرها يستوجب ذلك في سلوك النساء، فأصبح جلد الفتيات والنساء خبر عادي تقرأه في الصحيفة كما تقرأ أخبار زيارات المسئولين دون أن يحرك في نفسك شيئاً، وقد تم إستهداف النساء في ولاية الخرطوم عن طريق قانون النظام العام فحددت لهن مداخل خاصة في المواصلات العامة ومقاعد محددة لتوفير مزيد من الفرص لتعريضهن للعقاب، وهكذا أصبح خطر الملاحقة القضائية ماثل في أي نشاط تقوم به النساء خارج منازلهن .
إستهداف بائعات الشاي والذى ترك للتشريعات المحلية لتنظيمه هو جزء من الحملة ضد الأنوثه ، فليس هنالك ما يميز بائعات الشاي عن غيرهن من الباعة خارج المحلات التجارية سوى أنوثتهن. وهى إسترابة مرضية وغير منطقية ولا مبررة تركزت هذه المرة على بائعات الشاي بغرض حسبما يذكر الرسميون إلغاء هذه المهنه تماماً ،فما هو السبب فى ذلك؟.
بائعة الشاي تقدم خدمة لا غنى لها للفقراء الذين لا يستطيعون تناول الشاي في الكافتريات أثناء ساعات العمل أو عند طلبهم لخدمة في المصالح الحكومية .وهذه المهنة ليس فيها ما يخدش الحياء أو ما يخالف التقاليد كما وأنها مهنة لا تحتاج لتدريب خاص خارج الحياة العادية للنساء مما يسهل معه أن تقوم بها النساء البسيطات اللائي لا توفر لهن الحياة رفاهية البقاء في بيوتهن بدون عمل. أما لماذا بائعات الشاى وليست بائعات الكسرة مثلاً فالسبب فى ذلك هو أن تناول الشاي يتطلب بعض الوقت وهذا الوقت هو الذي جعل من هذه المهنه خطراً وفق الذهنية السائدة ففي حين تنتهي العلاقة ببائعة الكسرة في لحظات يستغرق تناول الشاي زمناً تستشعر فيه ذهنية الإسترابة في الأنوثة إمكانية وقوع خطأ ما لذلك فقد شمرت هذه الذهنية عن ساعدها للقضاء على مهنه ست الشاي .
الفصل الثانى
اقانون النظام العام لعام 96
المبحث الأول
النصوص والعقوبات
قانون النظام العام هو قانون عقابى لتجريم أفعال معينة والعقاب عليها يستند على الأرضية التى شرحناها وقد توسع فى التجريم للحد الذى جعل الأجهزة المنفذة والمطبقة لذلك القانون تمثل الخطورة الأكبر فى نظر الناس على حرياتهم الشخصية ،وقد عانى منه بشكل محدد الأقسام الأضعف من المجتمع ومن ضمنهم النساء اللاتى عانين من القانون ومن الأجهزة التى تنفذه وتطبقه مما يجعله يحتل موقع القلب بالنسبة للقوانين التى تتيح ممارسة العنف ضد النساء . الجرائم التي شملها القانون هي المخالفات المتعلقة بالحفلات الغنائية وضوابط إستخدام المركبات العامة وحظر ممارسة التسول والتشرد والمخالفات المتعلقة باماكن تصفيف الشعر واحكام متنوعة .هذه الطوائف من الجرائم فيما عدا ممارسة التسول والتشرد تقتصر على احكام متعلقة بالنساء كلياً أو جزئياً أي ان القانون يضع أهمية خاصة في مجمله لحالة الأنوثة فالقانون في أغلب احكامه يهدف لخلق حجر صحى لايجوز للأنوثة تجاوزه وسننظر لبعض تلك الاحكام فى موضع آخر من هذه الدراسة .
لم يحدد القانون عقوبة لكل جريمة بل منح القاضى سلطة إختيار عقوبة أو أكثر من العقوبات الآتية :-
أ/ السجن بما لايزيد عن خمس سنوات .
ب/ الغرامة .
ج/ العقوبتين معا.
د/الجلد.
ه/ مصادرة الاموال المستخدمة في المخالفة .
و/ سحب الترخيص أو التصديق على حسب الأحوال أو إغلاق المحل لفترة لا تزيد عن سنتين .
وهذه العقوبات جميعاً بالنظر لما صاحب التشريع المؤثم للأفعال المعاقب عليها بهذه العقوبات من مخالفات دستورية تعتبر إستخداماً للقانون فى ممارسة العنف ضد النساء.
المبحث الثانى
الترسانة القانونية المصاحبة
لا يشكل قانون النظام العام خطورة على النساء والأقسام الأضعف من المجتمع فقط بسبب ما يحمله من نصوص ولكن أيضاً وعلى وجه الخصوص بسبب الأجهزة المنفذة له والتى لا يقتصر إختصاصها فقط على أحكامه ولكنه يشمل أيضاً عدد من المواد الموجودة فى القانون الجنائى والتى تعنى بضبط الأخلاق العامة .وأجهزة تنفيذ كل ذلك تتكون من قسم خاص من الشرطة يتبع نيابة متخصصة وتتم المحاكمة أمام محاكم خاصة.
الفرع الأول
الأجهزة العدلية
تم تكوين القسم الخاص من الشرطة لضبط الجرائم المتصلة بالأخلاق تحت مسميات مختلفة أكثرها شهرة إسم شرطة النظام العام ورغم أنها أعيد تسميتها لتصبح شرطة أمن المجتمع فهى ما زالت معروفة لدى العامة بإسمها الأول ، وهى شرطة مكلفة بحماية الأخلاق العامة أشبه بشرطة الآداب التى عرفها القاتون المصرى والإيرانى وقونين أخرى بالمنطقة ،وهى تجارب أثبتت تماماً أن للشرطة مهام أهم بكثير من مراقبة أطوال تنانير النساء، وأن السلطات الممنوحة لهم عرضة لسوء الإستغلال ولممارسات يفوق إنتهاكها للأخلاق ما ينسب للمخالفات التى يتم ضبطها بواسطتهم، أضف إلى ذلك ما ينجم من أضرار من جراء التدخل فى خصوصية الأفراد وحرياتهم الشخصية. كما وتم تكوين محاكم أيضاً حملت مسميات مختلفة بدأت بمحاكم الطوارئ فى آخر العهد المايوى عندما أعلن نميرى ما أسماه بمحاكم العدالة الناجزة وعُرِفت لدى أهل القانون بمحاكم العدالة العاجزة والتى أعيد تشكيلها بعد إسقاط الديمقراطية فى 1989 بأسماء مختلفة. إشتهرت تلك المحاكم أيضاً بإسم محاكم النظام العام وإن كانت لا تحمل هذا الإسم رسمياً. تم تكوين المحاكم الحالية التى تطبق النظام العام بموجب أوامر تشكيل اصدرها رئيس القضاء فى عام 1995 كون بها عدد من المحاكم فى العاصمة تختص هذه المحاكم بنظر المخالفات المبينة في الجدول المرفق بأمر تشكيلها وأي قضايا أخرى يحيلها لها رئيس الجهاز القضائي وكانت الجداول آنذاك تتضمن القوانين التالية
أولاً:- القوانين العامة
بلاغات السكر والخمور بانواعها .
بلاغات الرزيلة وأوكار الدعارة .
بلاغات قانون الأجر والأسعار لسنة 1955م
بلاغات قانون المكائيل والموازين لسنة 1955م .
قانون المصنفات الأدبية والفنية لسنة 1994م
قانون المصنفات الادبية والفنية لسنة 1994م.
قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1994م
قانون الغابات
قوانين التهريب والجمارك
ثانياً القوانين والاوامر المحلية :-
القوانين الخاصة بالصحة العامة وصحة البيئة .
القوانين الخاصة بالمباني .
القوانين المحلية الخاصة بالمواد البترولية ومشتقاتها .
القوانين المحلية المتعلقة بدقيق المخابز ومشتقاته
قانون العوائد لسنة 1992م
قانون رخص التجار لولاية الخرطوم لسنة 1994م.
القوانين المحلية الخاصة بتنظيم العمل في الأسواق المركزية وأسواق التجزئة .
قانون التشجير لسنة 1993م.
بلاغات التعدي والإتلاف الخاص بالمؤسسات والمشاريع الزراعية .
القوانين الخاصة بتنظيم عمل البصات السفرية.
القوانين الخاصة بالرقابة على المركبات العامة .
قانون النظام العام لسنة 1992.
قانون مهنة تصفيف الشعر (الكوافير) 1404ه.
القوانين والأوامر الصادرة من السلطات المحلية والوزارية .
وهى قوانين فى مجملها تهدف لضبط الشارع والسلوك الشخصى للأفراد وجباية الأموال للدولة وإن كانت هذه القوانين الأخيرة قد تم إفراد محاكم خاصة لها بعد ذلك وإقتصرت المحاكم المعروفة بإسم محاكم النظام العام على قانون النظام العام والمواد المتصلة بالخمر والأخلاق فى القانون الجنائى.
وتنظر محاكم النظام العام هذه الدعاوى فى محاكمات إيجازية لا توفر حق الدفاع عن النفس وهو نظام للمحاكمة مأخوذ عن القوانين العسكرية والتى هى مصدر قانون الإجراءات الجنائية ويتميز بسرعة فى الإجراءات بشكل لا يتيح للمتهم تحضير دفاعه ولا تلزم القاضى بتسجيل محضر مكتمل بل تكتفى بإلزامه بتدوين ملخص أقوال الشهود ولا يعرف هذا النظام مسألة توجيه تهمة بحيث يدخل المتهم فى دفاعه دون أن يعرف على وجه التحديد الإتهام الموجه له.
تقوم هذه الأجهزة من شرطة ووكالة نيابة ومحاكم بضبط تلك الجرائم والتحرى فيها ومحاكمتها فى ما لايجاوز الأربعة وعشرين ساعة وهكذا أصبحت العدالة تناقس محلات الأكل السريع فى سرعة الخدمة فيتم القبض على المتهمين عادة بالليل ويظلون في حراسة الشرطة حتى صباح اليوم التالى، حيث تتم إحالتهم للمحكمة التي تحاكمهم إيجازياً وتحكم عليهم في جلسة لا تستغرق سوى دقائق معدودة وعادة تكون الأحكام بالجلد والغرامة، ولا ينبه أي من المتهمين إلى حقهم في الإستعانة بمحامي لا من الشرطة ولا من النيابة ولا من القاضي ولا تكفل لهم الإجراءات الإيجازية أي حق فى الدفاع عن أنفسهم وتتم محكامتهم وتنفيذ الأحكام التى توقع عليهم وهى فى العادة عقوبات بدنية قبل أن يتبينو جريمتهم .بالنسبة للنساء في هذا المجتمع المحافظ فإن مجرد افشاء معلومة عن القبض عليهن في مسالة تتصل بالأخلاق قد تؤدي إلى آثار بعيدة بالنسبة لوضعهن الإجتماعي وفرصهن في الزواج أو الطلاق حسب وضع الضحية المعنية لذلك فهن على إستعداد لتلقي الجلدات على أجسادهن والخروج في صمت و بدون إحتجاج ومحاولة نسيان ماتم لهن .
الفرع الثانى
النصوص المصاحبة
فى إطار الفهم المغلوط القائم على المحافظة على الأخلاق العامة بالقانون تضمن القانون الجنائى عدد من المواد المتصلة بالممارسات المخالفة للآداب العامة والمتصلة بالجنس تضمنها الباب الخامس عشر وقد غض ذلك الباب النظر بطريقة فجة عن بعض مظاهر العنف ضد النساء فلم يعاقب على إغتصاب الزوجة بواسطة زوجها ولم يشدد العقاب بشكل كاف فى الأفعال الفاحشة إذا إرتكبت بغير رضا المجنى عليه وجعل عقوبة الإغتصاب أقل من عقوبة زنا المحصن وكل ذلك يدخل فى باب غض الطرف عن ممارسة العنف ضد النساء ولكن المسألة لم تقف عند ذلك الحد فقد وضع القانون أرضية لممارسات تميز ضد النساء وسنأخذ أحكام المادة 152 بالزى الفاضح نموذجاً لخلق أرضية للتمييز لأنها ظلت تشكل جزءً مقدراً من عمل محاكم النظام العام وتم جلد عشرات الألوف من النساء بمقتضى أحكامها.
الزى الفاضح وفقاُ لأحكام القانون الجنائي
تنص المادة 152 من القانون الجنائي على مايلي:-. – (1) من ياتي فى مكان عام فعلا او سلوكا فاضحا او مخلا بالآداب العامة او يتزيا بزي فاضح او مخل بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يجاوز اربعين جلدة او بالغرامة او بالعقوبتين معاً .
(2) يعد الفعل مخلا بالآداب العامة اذا كان ذلك فى معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل او عرف البلد الذي يقع فيه الفعل .
لا شك أن اللغة التى إستخدمتها المادة لتجريم التزى بزى فاضح هى لغة فضفافة عصية على التحديد مما يصعب معه التوصل لمعنى يمكن للجميع تبينه. فما أراه أنا زياً غير محتشم قد يراه شخص آخر غاية في الحشمة ،أو أنه حتى يفتقد مايلفت الإنتباه بشكل مخل بالذوق الجمالى .فى محاولة لتوضيح ما تعنيه المادة بالزي الفاضح أو المخل بالآداب العامة جاءت الفقرة الثانية منها بمعيارين الأول ان يكون مخلا بالآداب العامة في معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل والثاني هو أن يكون كذلك في عرف البلد الذي يقع عليه الفعل و من شأن أياً من هذين المعيارين فى الواقع أن يضيف لغموض المادة بدلاً عن يوضح مقاصدها.
دين الفاعل
بالنسبة لمعيار الدين فمن المعلوم أن كل الأديان تدعو للإحتشام، ولكن مفهوم الإحتشام هو مفهوم متغير من حيث الزمان والمكان ولايعرف أى دين زى موحد(يونيفورم) يرتديه معتنقيه ولا نستثنى الدين الإسلامي من ذلك فبغض النظر عن أى جدل فقهي في الموضوع فالواضح أن الأزياء التي ترتديها النساء المسلمات تختلف بإختلاف فهمهن لتعاليم دينهن و بإختلاف اذواقهن،وعرف البلاد التي نشأن فيها.وها نحن نرى أزياء مختلفة ترتديها نساءً مسلمات لا يوجد سبب للطعن في دينهن .إذن مسألة الزى هذه بالنسبة للدين هى مسألة خلافية لا يجوز أن يُترك الفصل فيها للشرطة أو للقاضي فليس أياً منهما مختص بتحديد أحكام الأديان المختلفة الموجودة فى هذا البلد، وإنما هى مسالة تخص المتدين شخصياً والذي يحدد لنفسه مايفهمه من أوامر دينه في المسائل المختلف عليها ،ولا يجوز للقاضي أن ينصب من نفسه ممثلاً لله في الأرض يقرر ان هذا الزي مخالف للدين او متوافق معه .أضف إلى ذلك أن القاضي الذي يحكم في المسألة قد يكون مختلف فى الدين عن المتهم فمن أين له ان يقرر للمتهم أن دينه يعتبر هذا الزى أو ذاك زياً فاضحاً أو مناسباً؟!. وحتى لو قلنا أن عليه أن يقرر فى المسألة بعد سماع رأي المختصين من فقهاء الدين المعنى،فمن أين له ان يغلب رأياً على رأي في مسالة تتعلق بدين قد لا يكون هو نفسه مؤمن به؟ بل وما هى أهمية إقتناع القاضى برأى الفقيه أو الخبير ؟وهل يعتبر قرار القاضى فى هذه المسألة ملزماً لمعتنقى الدين الذى حدد لهم الزى المناسب على ذلك النحو؟ وهل سنحول القضاء إلى بيت للأزياء يحدد للأمة زياً موحداً لترتديه؟!.
عرف البلد الذى وقع فيه الفعل
وماقلناه عن الدين لا يختلف عن عرف البلد فمن يملك سلطة تحديد مايقبله عرف البلد وما يرفضه خاصةً وأن العرف فيما يتعلق بالملابس يتغير بتغير الأفهام والثقافة السائدة . ومن الذى يحدد عرف العاصمة مثلاً وهى تضم مجموعات من كل أهل السودان و يقول الدستور عنها فى المادة 152 تكون الخرطوم العاصمة القومية لجمهورية السودان, وتكون رمزاً للوحدة الوطنية وتعكس التنوع في البلاد.ويقول عن السودان كله أنه وطن متعدد الأعراف والأديان؟ ماذا يريد القانون من كل ذلك؟ما يجب أن يسعى إليه القانون هو منع الإخلال بالسلام العام عن طريق التعرى وليس الدخول فى تفاصيل الأزياء.لذلك فإن المسألة كلها يجب ان تقف عند الحد الأدنى الذى لا يجوز إبرازه من الجسم البشرى وهو العورة التى يؤذى إبرازها المشاعر العامة للجميع .هذا ما يتوجب فرض ستره بالقانون أما ما خلا ذلك فهي مسألة متروكة للأسر والقيادات الدينية لأنها مسألة تتصل بالتربية والتنشئة وليس بالقانون .
الفصل االثالث
الخصائص العامة لقانون النظام العام والنصوص المصاحبة
المبحث الأول
غموض النصوص القانونية
يكون القانون غامضاً عندما يجعل الأشخاص ذوى الذكاء العادى يخمنون المعنى المقصود ويختلفون حوله (الولايات المتحدة ضد ونش) والعبارات التى إستخدمها قانون النظام العام عبارات لا يستطيع القارئ إلا أن يخمن معناها ومن ذلك المادة 7 (1) د والتي تعاقب على الأغاني الهابطة فما هو المعيار الذى يمكن التوصل بموجبه لأن أغنية ما هى أغنية هابطة ؟ والمادة 8 من القانون والتي تمنع تقديم عرض سينمائي أو مسرحي او معرض أو غيره أو الإستمرار فيه خلال الفترة من الساعة الثانية عشر ظهراً وحتى الساعة الثانية من ظهر الجمعة وكلمة او غيره الواردة في النص لا تحمل معنىً محدداً وتنطبق على أي نشاط آخر مما يجعل الفعل المجرم غير محدد كذلك المادة 9 (1) ج والتي تنص على عدم جواز إلصاق صور أو رسومات تتنافي مع العقيدة أوالآداب أو الأخلاق أو الذوق العام فتعبير الذوق العام لا تتوصل لمعناه إلا عن طريق التخمين.
المبحث الثانى
القانون الغامض والدستور
القانون الغامص يخالف الدستور من أوجه ثلاث :الأول أنه يؤدى إلى معاقبة الناس على أفعال لم يكن في وسعهم معرفة عدم مشروعيتها وقت إرتكابها ،والثاني أنه يؤدى إلى تسلل المعايير غير الموضوعية لتطبيق القانون وهذه المعايير من شأنها أن تقود إلى تطبيق تحكمي وتمييزي بواسطة منفذي القانون، والثالث أنه يؤدى إلى أن يمنع المواطن نفسه من ممارسة حرياته الأساسية بسبب الأثر الذي يحدثه غموض القانون لدى المواطن والمعروف فى فقه القانون الأمريكى بال CHILLING EFFECT والذي يؤدي لإمتناع الشخص عن ممارسة حرياته الأساسية خوفاً من أن يكون في ذلك خرقاً لقانون لا يعرف المواطن النشاط الذى يمنعه ذلك القانون على وجه التحديد.
الفرع الأول
التدخل في ممارسة الناس لحرياتهم
حتى تحمى المحاكم فى أمريكا حقوق الناس الدستورية أصبحت تتشدد فى تتطلب الوضوح عندما يتصل الأمر بعقوبة جنائية أو بالتدخل في ممارسة الناس لحرياتهم الأساسية ولذلك فقد حكم في HUMANITATARIAN LAW PROJECT v. ASHCROFT وهى دعوى أقامتها جمعية ضد منع القانون تقديم معونة او نصيحة خبرة expert advice or assistance للمنظمات التى يعلن وزير العدل أنها منظمات إرهابية رأت المحكمة أن التعبيرالمستخدم في قانون الوطنية الأمريكي USA Patriotic ACT تعبير غامض بدرجة لا تسمح للشخص العادى أن يتبين الأنشطة الممنوعة على وجه التحديد مما يجعل المادة المعنية غير دستورية .
في دعوى COATES ET ALV . CITY OF CINCINNATI والتي أدين فيها المتهمون بمخالفة قانون ينص على تجريم تجمع أي ثلاثة أشخاص أو أكثر في طريق جانبي عندما يكون سلوكاً يضايق يزعج annoy المارة قررت محكمة الموضوع أن كلمة annoy هي كلمة مستخدمة بكثرة ،وهي تعني ان تزعج أو تعرقل أو تستفز المارة وهي لذلك واضحة المعنى لأن معنى الكلمة لا يتصل بمدى حساسية كل شاكي على حدة .ولكن المحكمة العليا رفضت ذلك وتساءلت إن لم يكن تفسير الكلمة يتصل بحساسية الشاكى فعلى حساسية من يعتمد؟ على حساسية الشرطي ؟ ام القاضي ؟ وذكرت أن السلوك الذي يزعج بعض الناس لا يزعج الآخرين ولذلك فإن القانون غامض ليس لأنه لا يحدد طائفة من الناس يزعجهم ذلك السلوك ،بل لأنه لا يحدد السلوك المُجَرّم على الإطلاق وبالتالي فإن الناس ذوي الذكاء العادي يتوجب عليهم ان يخمنوا المعنى المراد من ذلك وهذا مخالف للدستور، فللقانون ان يجرم أفعال محددة ولكن ليس له ان يضع معيار للتجريم يعتمد على ما إذا كان رجل الشرطة قد إنزعج من الفعل ام لم ينزعج لما يؤدى إليه ذلك من منع للناس من ممارسة نشاطات تدخل ضمن حرياتهم الأساسية خوفاً من التعرض لمساءلة قانونية .
وفى دعوى باباخريستو ضد مدينة جاكسونفيل، والتى تتلخص وقائعها فى أن شابين من السود كان يجوسان بعربة دون أن يقصدا مكاناً بعينه وفى صحبتهما فتاتين من البيض، حين تم القبض عليهم بتهمة التجول بعربة بدون غرض مشروع، وهى جريمة وفقاً لقانون التشرد في مدينة جاكسونفيل. قررت المحكمة العليا أن القانون بأسره غير دستورى، ورأت أن اللغة الفضفاضة تؤدى لمنح سلطة التشريع للقاضى أو الشرطة وذلك يتنافى مع حكم القانون، و ذكرت أن القانون مأخوذ من القانون الإنجليزى القديم وقت تحول الإقطاع للرأسمالية في القرون الوسطى ،حيث كانت الحاجة لدفع القوى العاملة الفقيرة للإستقرار في مكان واحد قد أدت لتجريم أشياء لم تعد المجتمعات الحديثة ترى فيها ما يدعو للتجريم، فالقانون يعاقب على إعتياد السير ليلاً وذلك في نظر المحكمة عملاً مشروعاً قد يقوم به من يعانون من الأرق ليتمكنوا من النوم ،والقانون يجرم العيش على نفقة الزوجة أو الأطفال لمن هو قادر على العمل،و هذا قد يؤدي لمعاقبة العاطلين بسبب أزمة إقتصادية. وقد لاحظت المحكمة أن القانون يعطي الشرطة سلطة للقبض على كل الذين يسلكون سلوكاً مريباً، أى أن القانون يتطلب من الناس أن يسلكوا في حياتهم المسلك المقبول للشرطة والمحاكم ،وهو أمر غير دستوري إذ ينتج عنه إدانة أشخاص بناءً على تعابير غامضة وغير منضبطة تفسرها المحاكم بالطريقة التي تروق لها، وذكرت المحكمة أن إفتراض أن محاكمة من تبدو طريقة ممارستهم لحياتهم مدعاة للتهمة في عين الشرطة أو المحاكم لا يتفق مع الدستور الذي يتطلب أن تكون الأفعال المجرمة واضحة .
PAPACHRISTOU v. CITY OF JACKSONVILLE, U.S. Supreme Court 405 U.S. 15 (1972) 405 U.S. 156
الفرع الثانى
الإخلال بالحق في المحاكمة العادلة
اللغة التي تحمل أكثر من معنى لا تصلح لتعريف الجرائم لما في ذلك من إخلال بالحق في المحاكمة العادلة وفقاً للدستورفالمادة (34) فقرة (4) تنص على أنه ( لا يجوز توجيه الاتهام ضد أي شخص بسبب فعل أو امتناع عن فعل ما لم يشكل ذلك الفعل أو الامتناع جريمة عند وقوعه.) والمادة 15 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية والتى تنص على أنه " لا يدان أي فرد بأية جريمة بسبب فعل أو امتناع عن فعل لم يكن وقت ارتكابه يشكل جريمة بمقتضى القانون الوطني أو الدولي. "والمادة 11 (2 ) من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان" لا يدان أي شخص من جراء أداة عمل أو الامتناع عن أداة عمل إلا إذا كان ذلك يعتبر جرماً وفقاً للقانون الوطني أو الدولي وقت الارتكاب، كذلك لا توقع عليه عقوبة أشد من تلك التي كان يجوز توقيعها وقت ارتكاب الجريمة." وهذه النصوص لا تتطلب وجود قانون يُجرِّم الفعل فحسب، بل تتطلب علم المتهم بأن ما يقوم به هو فعل مُجرَّم ،وذلك لا يتحقق بمجرد وجود قانون إذا كان ذلك القانون حمال أوجه لا يعلم المتهم مسبقاً أى وجه منهم سيأخذ به القاضى ،بل لابد من ان تكون المعاني التي تفهم من لغة القانون واضحة للمتهم وقت إتيانه الفعل المعاقب عليه لذلك ففي دعوى بالمر ضد مدينة يوكليد Palmer v. City of Euclid, 402 U.S. 544 (1971) حين أدين بالمر بموجب قانون الشخص المشبوه وهو قانون خاص بالمدينة المدعى عليها والذى يدين الشخص الذي يتواجد فى ساعات غير معهودة أو متأخرة فى الطريق العام دون أن يكون ذلك بسبب قيامه بعمل مشروع، ولا يستطيع أن يعطى سببا لتواجده في ذلك الوقت في الطريق العام. كان بالمر وقت القبض عليه قد أنزل فتاة من عربته في وقت متأخر من الليل قبل ان يبدأ في الحديث في جهاز إرسال لاسلكي. عند القبض عليه لم يكن بالمر يعرف إسم الفتاة ولا إلى أين كانت ذاهبة ،كما وأنه أعطى ثلاث عناوين مختلفة لنفسه فتمت إدانته بموجب القانون المذكور وتأيدت الإدانة حتى وصل الأمر للمحكمة العليا، فقضت بأن القانون غامض بدرجة تجعله مخالف للدستور لأنه يفشل في أن يعطي شخص ذو ذكاء عادي اخطار مناسب بان ما يرغب في ارتكابه يخرق القانون .المعيار الذي وضعته المحكمة الأمريكية في العديد من الدعاوى هو أنه إذا كان الشخص ذو ذكاء معتاد ولا يستطيع أن يتبين على وجه الدقة ماهية النشاط الذي يجرمه القانون او العقوبة التي يمكن توقيعها عليه وفقاً للقانون المعني فإن القانون يجب إعتباره غير دستوري بسبب غموضه
المبحث الثالث
الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون
التمييز الذى يخل بمبدأ المساواة أمام القانون هو التمييز الذى نهت عنه المادة (31) من الدستور حين نصت على مايلي :-
(الناس سواسية أمام القانون ، ولهم الحق في التمتع بحماية القانون دون تمييز بينهم بسبب العنصر أول اللون أو الجنس أو اللغة أو العقيدة الدينية أو الرأي السياسي أو الأصل العرقي )
والمادة 2 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية والتى تنص على
تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.
2. تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد، إذا كانت تدابيرها التشريعية أو غير التشريعية القائمة لا تكفل فعلا إعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد، بأن تتخذ، طبقا لإجراءاتها الدستورية ولأحكام هذا العهد، ما يكون ضروريا لهذا الإعمال من تدابير تشريعية أو غير تشريعية
والمادة 2 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والتى تنص على
"لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. ".
الفرع الأول
التمييز بشكل غير مباشر
والتمييز قد يتم بشكل مباشر بنصوص قانونية واضحة الدلالة وقد يتم بطريق غير مباشر حين يغض النظر عنه القانون أو يخلق الأرضية لممارسته ولذلك فقد قضت المحكمة العليا الأمريكية في Griggs v. Duke Power Co. والتى تتلخص وقائعها في أن الشركة المدعى عليها والتى كانت تتبع خطة عنصرية في إستخدام الزنوج، قد إضطرت لترك ذلك بعد صدور قانون الحقوق المدنية لعام 1964،ولكنها أصبحت تتطلب شهادات دراسية عليا لوظائف لا تتطلب ذلك فقط لعلمها أن نسبة الحاصلين على تلك الشهادات بين الزنوج ضئيلة. حكمت المحكمة العليا بأن تطلب شروط لاصلة لها بالعمل المطلوب أداءه مع علم المخدم بأن تلك الشروط ستؤدي إلى تغليب حظ عنصر على عنصر هو في حقيقة الأمر إنتهاج لسياسة عنصرية في الإستخدام.
الفرع الثانى
القانون الغامض يؤدى للتمييز
وأهمية تحديد الفعل المُجرَّم لا تقتصرعلى عدم قدرة الخاضعين للقانون على معرفة ما يفترض أن لا يقوموا به بل أيضاً أيضاً حتى تعرف سلطات تنفيذ القانون ما يتوجب عليها ضبطه من أفعال دون أن تضفى ما تريد من معانى على القانون ،لأن غموض القانون يمنح قوات الضبط سلطة تحكمية تتيح لهم أن يحددوا لأنفسهم مايستوجب تدخلهم وهذه السلطة التحكمية غالباً ما يتم إستخدامها ضد الفئات الضعيفة من السكان ولذلك فإن القانون الغامض غالباً مايتم إستخدامه بشكل تمييزي وذلك يعود لأن القوانين التمييزية لا تخلق التمييز ،ولكنها تستجيب له فالتمييز والذى يقوم على تحيز غير مبرر ضد طائفة من السكان هو فى واقع الأمر نتاج ظروف إقتصادية إجتماعية وبالتالى فهو موجود لدى قوات الضبط ولدى القضاة فهؤلاء وأولئك غالباً ما يتم إختيارهم من القسم الأكثر حظاً من السكان وهم المستفيدون من التمييزوحتى من يتم إختيارهم من خارج ذلك القسم يضمن نظام الترقية وما يتيسر للمعينين منهم من التعليم والتأهيل بقاءهم فى الدرجات الدنيا من السلم الوظيفى. أضف لذلك أن التمييز فى واقع الأمر يقوم على ثقافة سائدة فى المجتمع تتأثر بها أيضا الأقسام التى يتم التمييز فى مواجهتهم ولا يعصم وجودهم فى تلك الأجهزة الأقسام المُميَّز ضدها من التمييز ليس فقط لتأثرهم بالثقافة السائدة فى المجتمع ككل بل أيضاً لتأثرهم بما هو سائد فى الأجهزة التى يعملون بها ولتمسكهم بالمناصب التى يشغلونها مما يجعلهم أكثر ملكية من الملك لكل تلك الأسباب تُفسر القوانين الغامضة بشكل تمييزى بواسطة الشرطة والقضاء. وهذا ما تكشف عنه التجربة العملية بالنسبة للمادة 152 فهي في مطلق عباراتها لاتفرق بين رجل وإمرأة ،ومع ذلك فإننا نعلم ان هذه المادة لا يتم إستخدامها في العادة إلا ضد النساء وكأن الرجال لا يمكن لهم ان يرتدوا زياً فاضحاً مع أننا نعلم جميعاً كيف يمكن أن تكون ملابس الجال مبرزة لما يتعين إخفاؤه من أجسادهم .إننا لا ندعو لترك الحبل على الغارب للناس لإظهار ما يرون إظهاره من أجسادهم ولكننا ندعو لتحديد ما لا يجوز إظهاره بشكل يعطى إنذاراً واضحاً لمن يختار أن يخالف القانون أنه فى الواقع يفعل ذلك وهذا من شأنه صيانة الحق فى المحاكمة العادلة ومنع المعاملة المتحيزة ضد الفئات الأضعف من السكان .إن تحديد معانى المادة من شانه أن يضع الرجال والنساء على قدم المساواة فلو نصت المادة مثلاً على انه لايجوز لشخص أن يظهر عارياً أو يرتدى ملابساً تبرز العورة بحيث يمكن للغير مشاهدته دون أن يكون فى رؤيتهم له خرق لحقه فى الخصوصية وعرفت العورة تعريفاً ناف للجهالة وهى فى تقديرنا تعنى الجهاز التناسلي والمؤخرة وحلمة المرأة ،لو نصت المادة على ذلك فإن إحتمال توجيه إتهام للنساء يتضاءل في حين أن إحتمال توجيه التهمة للرجال يتزايد فكلنا نعلم ان الجلباب الذى لايدعمه عراقى وسروال والذى كثيراً ما يرتديه الرجال هو فى واقع الأمر كاشفاً للعورة فى حين أنه لم يسمع أحد بأن أحد الرجال قد تم القبض عليه أو محاكمته بسبب ذلك.
الفرع الثالث
التمييز المباشر
تضمن قانون النظام العام عدداً من الأحكام التمييزية والتى هدفت للتمييز ضد النساء وتقييد حياتهن الإجتماعية وممارستهن لأعمالهن وفينا يلى أمثلة على ذلك.
أ – رقص النساء
تنص المادة 7 (1) على أنه (يجب على كل شخص حدد له تصديق حفل غنائي مراعاة الضوابط التالية :- وأحد هذه الضوابط ما نصت عليه الفقرة (ب) منها وهى (عدم السماح بالرقص المختلط بين النساء والرجال أو السماح برقص النساء أمام الرجال .)
وهذه المادة العقوبة على مخالفتها كسائر المخالفات الواردة في القانون قد تصل إلى السجن الذي لا يجاوز خمس سنوات أو الغرامة أو العقوبتين معاً او الجلد وهذا يمنع رقص النساء تماماً في الحفلات التي يحضرها الرجال حتى ولو رقصن مع بعضهن البعض لأن رقص النساء في حضور الرجال ممنوع ولما كانت اغلب المناسبات والحفلات العامة يحضرها الرجال فإن هذه المادة من شأنها في واقع الأمر منع رقص النساء في تلك المناسبات والحفلات وهذه المادة ليست فقط مخالفة للمنطق ولكنها أيضاً مخالفة لتقاليد هذا الشعب المسلم والذي يعرف الرقص المختلط في كافة أنحاء القطر.هذه المادة تفصح عن معاملة المرأة بإعتبارها مصدراً لغواية الرجل والمادة لا تحفل بشعورها هى فالرجال غير ممنوعين من الرقص فى حضرة النساء ولو كان الرقص فى حضور الجنس الآخر قد يقود للغواية ومن ثم الرذيلة فى نظر المشرع لكان الأولى به أن يمنع الرجال أيضاً من الرقص فى حضرة النساء أما ولم يفعل فإن منعه للنساء للرقص فى حضرة الرجال ينطوى على تمييزغير دستورى ضدهن ورغم وجود هذه المادة فنحن مازلنا نشاهد الرقص المختلط ورقص النساء مع بعضهن البعض في حضور الرجال بشكل عادى في المناسبات والحفلات الخاصة دون إستهجان من أحد وذلك لان تلك المادة مخالفة لفهم المجتمع للأخلاق العامة ومع ذلك فإنها موجودة في القانون وهذا يقود إلى ممارسة العنف ضد النساء إذا إختار شرطي ذلك فإذا دخلت شرطة النظام العام (أمن المجتمع ) اى حفل تصدح فيه موسيقى فإنهم لن يعودوا صفر اليدين من نساء مخالفات لتلك المادة وبقاء المادة كل هذه المدة دون أن يتوقف النساء عن الرقص فى الحفلات المختلطة يؤكد التطبيق الإنتقائى للقانون.
ب – أماكن تصفيف شعر النساء
لعل ما يلفت النظر هو أن هذه الذهنية لم تصل لمنع تصفيف شعر النساء رغم منعهن من إظهاره هل السبب فى ذلك أنها تعرف أن في ذلك العمل (تصفيف شعر النساء ) أرباحاً لايصح التغاضي عنها ؟ ربما فهذه الشوفينية الذكورية لم تنسى حقها في إمتلاك محال تصفيف شعر النساء فجاء نص المادة 15 من القانون كالتالي :- (1. يجوز للرجال إمتلاك محل لتصفيف شعر النساء وفقاً للشروط والضوابط التي تحددها السلطة المحلية المختصة .
2. في حالة منح الترخيص وفقاً لأحكام البند (1) من هذه المادة يجب ان يدار المحل بواسطة إمرأة )
والفقرة الثانية تتعلق بذهنية الغواية التى تتحوط ضد منح النساء فرصة غواية الرجال ولكن ما العمل ونحن بصدد محل لا يستطيع المشرع إقصاء النساء عنه؟ الحل هو قصره عليهن فمنع تواجد الرجال في تلك المحلات و تحوط لذلك بعدة تحوطات أدت لتحويل محلات تصفيف الشعر إلى قلاع محصنة ضد الرجال فتطلب أن يكون لتلك المحلات باب واحد و أن يكون ذلك الباب مطل على الشارع الرئيسى حتى لا يتسرب رجل من الباب الخلفى ، و يجب ألا يسمح ذلك الباب لمن بالخارج أن يعاين من بالداخل و مديرة المحل يجب أن لا يقل عمرها عن 35 سنة وهو عمر يفوق العمر المتطلب لعضوية الهيئة التشريعية ربما حتى لا يخدعها رجل فيدخل أو حتى يطل فقط لداخل المحل ولا يجوز إستخدام أي عاملة بالمحل إلا بعد التأكد من إستقامتها وحسن سيرها ربما لنفس السبب و إن كنت لا أدري كيف يتسنى التأكد من ذلك.
وذهب القانون بعد ذلك لإستباحة تلك المحلات فأجاز الدخول فيها في أي وقت بغرض التفتيش والتأكد من تطبيق أحكام هذا القانون. كيف يمكن تفسير هذا الحكم ؟ إن المعنى الوحيد أنه ليس للنساء حرمة فبعد أن أبعد القانون الرجال عن محل تصفيف الشعر رفع عنه أي حرمة متعلقة بالخصوصية فالأصل هو عدم تفتيش الأماكن إلا وفقاً لقواعد محددة موجودة في قانون الإجراءات الجنائية والذي ينص المادة 86 منه على ما يلى على :-
((1) " يجوز لوكيل النيابة أو القاضي في وقت من تلقاء نفسه أو بناء على طلب من الجهة المختصة في أي دعوى جنائية، أن يصدر أمراً بإجراء التفتيش الخاص لأي مكان أو شخص، متى رأى أن ذلك يساعد في أغراض التحرى أو المحاكمة أو التنفيذ، بحسب الحال .
(2) يجوز للقاضي في أي وقت بناء على طلب من الجهة المختصة أن يصدر أمراً بإجراء التفتيش العام لأي أمكنة أو أشخاص، متى رأى أن ذلك يساعد في أغراض إكتشاف الجريمة .)
ورغم أن هذه القواعد لا تشكل حماية كافية لحق الخصوصية وهي بذلك مخالفة للدستور وحتى للشريعة الإسلامية إلا أن قانون النظام العام لم يشغل نفسه حتى بتلك القواعد غير الكافية بل ألغاها تماماً إذ لا حاجة للقوة التي تدخل في مكان تصفيف الشعر للحصول على إذن أو أمر بتفتيش المحل فهل هنالك بالداخل غير مجموعة من النسوة ؟ وهل لمثلهن حصانة ؟
الغريب بعد ذلك كله أن القانون لم يحفل بتنظيم أماكن تفصيل أزياء النساء كما إهتم بأماكن تصفيف شعرهن وبما لأنه ليس في تلك الاماكن أرباح تستدعي الإشتغال بها ولكنه رغم ذلك لم يترك الحبل على الغارب بل ترك أمرتنظيمها للمحليات فليس للكبار فيما يبدو وقت ليضيعونه في مسائل لا تحقق أرباحاً كافية رغم أن تفصيل الأزياء بمثل النظرة المنغلقة الذى يحملها المشرع تسمح بملامسة أجزاء أكثر من تلك الأجسام التى لم تُخلق إلا لغواية الرجل .
المبحث الرابع
معقولية القانون
بتصل منع التمييز بمبدأ معقولية القانون فجوهر مبدأ سيادة حكم القانون هو أن يمنع صدور القوانين بشكل تحكمي و هذا يتطلب أن يكون القانون معقولاً ، فصدور القانون يجب أن يكون بغرض تنظيم نشاط معين أو علاقة معينة بما يخدم المصلحة العامة،فسيادة القانون لا تعنى تسلط القانون، كما ولا تعنى تسلط السلطة التشريعية. لذلك فإن السلطة التشريعية مقيدة بوجوب أن يكون القانون معقولاً، ويعنى ذلك أمرين، الأول أن يكون هنالك سبباً معقولاً لإصدار القانون،والثاني أن تكون أحكام القانون تحقق الغرض من إصداره بصورة معقولة،والسبب في ذلك أن التشريع هو قيد على حرية الناس ولذلك فإنه يجد شرعيته فقط فى قبول الناس المسبق للرضوخ له، وهذا الرضا مقيد بالقيود والتي تراضوا عليها مع حكوماتهم في الدستور الذي يحكم الحاكمين والمحكومين على السواء، فأساس تطلب معقولية القانون هو أن رضا المحكومين يتطلب أن يعلموا أسباب ما يرضخون له من إجراءات أو قواعد وهذا يقتضي أن لا يكون لأي من السلطات العامة سلطة تحكمية .
الفرع الأول
معقولية الهدف ومعقولية الوسيلة
والقانون التحكمي هو القانون الذي لم يصدر لتحقيق هدف واضح يجوز للدولة أن تسعى لتحقيقه ،فإذا كان الهدف الذي تسعى الدولة لتحقيقه غير معقول فإن القانون نفسه يفقد أساس إصداره . جاء فى الصحف مؤخراً أن بعض الفتيات تم الحكم بجلدهن بواسطة أحد محاكم النظام لأنهن دخن الشيشة في فندق ما، وهو فعل يجرمه أحد الأوامر المحلية. السؤال هو ما هو السبب في التجريم هل التدخين له صلة بالذكورة أو الأنوثة؟ وهل تدخين الشيشة عمل أخلاقي بالنسبة للرجل وغير أخلاقي بالنسبة للمرأة؟
على أن مشروعية الهدف لا تكفى، فالقانون قد يكون تحكمياً رغم مشروعية الهدف من إصداره ،إذا كانت أحكامه لا تؤدي لتحقيق الغرض منه بشكل معقول، ومن ذلك مثلاً الحكم الوارد فى قانون النظام العام والذى يجعل من غسل العربات في غير الأماكن المخصصة لذلك جريمة معاقب عليها بالسجن والجلد والغرامة ،فتنظيم الأماكن العامة غرض مشروع للدولة أن تسعى لتحقيقه ،ولكن المبالغة فى العقاب تفقد القانون معقوليته بالإضافة لما فى عقوبة الجلد من حط للكرامة الإنسانية . والقانون التحكمي مصدره أهواء المشرع غير المبررة، سواء أكان ذلك يلحق بالهدف أم بالوسائل المستخدمة لتحقيقه، إذ لا يجوز تحقيق الهدف عن طريق التمييز ضد الفئات الأضعف من السكان فعندما تصدت الولاية لإزدحام مركز الخرطوم بالعربات، منعت الولاية المواصلات العامة من دخول مركز الخرطوم لمنع الإختناقات المرورية ، في حين لجأت معتمدية لندن لفض رسوم على العربات الخاصة التي تدخل إلى مركز لندن لتحقيق نفس الهدف، والوسيلة التي لجأت إليها معتمدية لندن لمنع عرقلة الحركة في مركز المدينة وسيلة معقولة تؤدي إلى تحقيق الغرض من الإجراء، لأن صاحب العربة الخاصة يمكنه إستخدام المواصلات العامة في حين أن الإجراء الذي إتخذته الولاية في الخرطوم وفقاً لسلطاتها بموجب قانون الحركة يفتقد المعقولية ،لقيامه على التمييز ضد الفئات الضعيفة لأنه يفرض على من لا عربة له أن يجوس في مركز الخرطوم راجلاً .
ومعيار المعقولية هو جزء من الفحص الدستوري تقوم به الهيئة القضائية بالنسبة لأعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية ويكون بأن تسأل المحكمة نفسها هل الإجراء الحكومي (أو القانون) موضوع الفحص هو وسيلة معقولة لغرض مشروع يجب على السلطة المعنية أن تهدف لتحقيقه .
الفرع الثانى
التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي
كان تدخل المحكمة العليا الأمريكية لفحص معقولية القانون وثيق الصلة بالتعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، وهو أحد التعديلات التي تلت الحرب الأهلية الأمريكية والتى هدفت لمنح العبيد السابقين حقوقاً متساوية مع باقي المواطنينن، وبذلك تم إلغاء حكم المحكمة العليا في دريد سكوت ضد ساندفورد ،والتى تتلخص وقائعها في أن سكوت تنقل مع سيده في عدد من الولايات ،وكان بعضها يمنع الرق وبعد وفاة السيد حاول سكوت أن يسترد حريته من أرملة سيده إلا أنها رفضت ذلك، فقام برفع دعوى في ولاية ميسوري يدعي فيها أن إنتقاله إلى الولايات التي تمنع الرق جعل منه مواطناً حراً،فبالتالي لايمكن أن يعود عبداً لمجرد إنتقاله بعد ذلك لولاية تعترف بالرق. أصدرت المحكمة العليا حكماً يعتبر الأسوأ في تاريخها ذكرت فيه أن الأفريقيين الذين حضروا للولايات المتحدة كعبيد وسلالاتهم سواءاً كانوا عبيداً أو أحراراً لايمكنهم أن يصبحوا من مواطني الولايات المتحدة ،وأن العبيد لايملكوا حق المقاضاة وأنهم يشكلون ملكية خاصة لايمكن أخذهم من مالكهم بدون التدابير المقبولة للقانون . كان هذا الحكم من الفظاعة بحيث أثار سخطاً كبيراً لدى القطاعات المؤثرة أدى فيما بعد لصدور التعديل الرابع عشر للدستور ، والذى جعل من كل من ولد في الولايات المتحدة أو إكتسب جنسية بعد الولادة مواطناً أمريكياً لايجوز التمييز ضده كما و أقر التعديل الحق في الحماية المتكافئة .إستندت إستخدمت المحكمة العليا على ذلك التعديل لمنع التمييز بين الناس ما لم يكن بسبب معقول، فمن المعلوم أن كثيراً من القوانين من شأنها أن تمنح مزايا لبعض الناس وتحرم غيرهم منها، فقانون حركة المرور مثلاً يمنع من لم يبلغ سن الواحد والعشرين عاماً من الحصول على رخصة قيادة ،وفي هذا تمييز ضد الذين تقل أعمارهم عن ذلك، ولكن السبب في ذلك هو حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وعليه فإن الحظر ضد التمييز بين الناس يقتصر على حالة وجودهم في نفس الظروف الموضوعية .و حتى في غير ذلك فإنه قد تكون للدولة مصلحة مشروعة في التمييز،لذلك فقد وضعت المحكمة العليا معايير ثلاثة الأول هو أكثرها مرونة فلم تكن المحكمة العليا مستعدة لإبطال القوانين ما لم يتعلق الأمر بفئات تستحق الحماية ،ففي دعوى Railway Express عندما أصدرت ولاية نيويورك قانوناً يمنع العربات التجارية من وضع إعلانات تجارية ما لم تكن متصلة بعمل صاحبها ، رأت المحكمة العليا أن الهدف من القانون هو منع إفقاد السائقين للتركيز بشغلهم بالإعلانات وهو هدف مشروع، وأن التمييز بين الناس بسببه جائز لوجود مصلحة جوهرية للولاية تتحقق بالحكم الوارد في القانون.
ولكن عندما يتصل الأمر يالحقوق الأساسية فإن المحكمة العليا تتشدد فى تطلب المعقولية ففي سكينر ضد أوكلاهوما حين حوكم سكينر بالتعقيم وفقاً لقانون يجعل التعقيم عقوبة إضافية فى حالة الإدانة ثلاث مرات أو أكثر في جرائم لها الصلة بالأخلاق ، رأت المحكمة في القانون تمييزاً بين المجرمين لأن جريمة الإختلاس والتى يقوم بها المجرمين في الطبقات الأعلى إجتماعياً قد تم إستثناءها من القانون فذكرت المحكمة أن الولاية "لم تثبت وجود صفات وراثية مختلفة بين مرتكبي الإختلاس ومرتكبي جريمة السرقة العادية بحيث يبرر الأمر تعقيم فئة دون الأخرى، وبالتالي فإن مبدأ الحماية المتكافئة يبدو مجرد كلمات فارغة إذا سمحنا لمثل هذه الفوارغ الوهمية بأن تسود" كذلك أضافت المحكمة العليا أن القانون الذي يمنح سلطة التعقيم يجب أن يخضع لمراجعة دقيقة لخطورة مسألة التعقيم لكونها عقوبة نهائية لارجوع عنها بعد توقيعها وقد تقود إلى إذا إستُخدِمت إنتقائياً إلى إفناء أجناس معينة .
الفرع الثالث
التمييز بين فئات غير متكافئة
عندما تتصل المسألة بفئات غير متكافئة فإن على الحكومة أن تثبت أهمية مصلحة الدولة في تنظيم المسألة وأن التمييز تتطلبه مصلحة جوهرية ومشروعة للدولة ففى Pyre V. Doe أصدرت ولاية تكساس قانوناً يحرم أطفال الأجانب الموجودين في الولاية بصفة غير مشروعة من أموال الولاية المخصصة للتعليم، قررت المحكمة العليا أن أطفال الأجانب الموجودين بشكل غير شرعي في الولاية هم بشر يتمتعون بحماية التعديل الرابع عشر من الدستور، والذي يمنع التمييز ضدهم ما لم تكن للولاية مصلحة جوهرية تبرر ذلك ،وقد لاحظت المحكمة العليا أن أطفال المهاجرين غير الشرعيين في وضع لم يتسببوا فيه من حيث أنهم قد أُدْخِلوا إلى أمريكا بواسطة والديهم دون أن يكون لإرادتهم دخل في ذلك ولا يوجد سبباً منطقياً لحجب الحماية المفروضة بموجب التعديل الرابع عشر للدستور عن شخص بسبب الطريقة التي دخل بها إلى الدولة .
وفي دعوى City of Cleburne V Cleburne Living Center والتي رفعتها جمعية تتولى رعاية المتخلفين عقلياً ضد سلطات مدينة كليبيرن، لأنها رفضت منحها ترخيص لإستخدام مبنى لسكن لعدد من المتخلفين عقلياً ،وهو ترخيص خاص يتطلبه قانون يدخلهم ضمن الفئات المشبوهة التى يجب الحصول على تراخيص خاصة لسكنهم لأنهم قد يكونوا مصدر خطورة على جيرانهم ،رأت المحكمة العليا أن القانون ليس له سند عقلاني بعد أن طبقت عليه معيار الThe rational basis review لأن تعبيرالمتخلفين عقلياً يشمل طائفة كبيرة من الناس تضم درجات مختلفة من القدرات العقلية، وضمهم جميعاً في حكم واحد مع التمييز ضدهم جميعاً بإعتبارهم طائفة مشبوهة، يفقدهم حقهم في التمتع بالحماية التي يضفيها عليهم التعديل الرابع عشر .
الفرع الرابع
نصوص تفتقد المعقولية
ولعل إرتباط التمييز بعدم المعقولية يظهر فى الفصل بين الرجال والنساء
والذى عمد له قانون النظام العام .تنص المادة 20 من القانون على مايلي :- ( على كل جهة تتعامل ويقتضي تعاملها إصطفاف المواطنين أن تفصل بين النساء والرجال وعلى الجمهور التقيد بذلك )
من المؤكد انه لايوجد أصلاً جهة يقوم تعاملها مع الآخرين على إصطفاف الناس ولكن إصطفاف الناس سببه طلبهم لسلعة او خدمة حين يتعذر تقديم تلك السلعة او الخدمة لكل العدد الذي يطلبها في نفس الوقت ،وهذه المسألة إذا تمت فقط بفصل الرجال عن النساء وتكوين صف مستقل لكل منهما قد تؤدي لتعطيل تقديم الخدمة متى ماكان هنالك إختلالاً في العدد بين النوعين، ولكن الاهم من ذلك كله لماذا يتوجب الفصل بين الرجال والنساء في الصفوف ألا يعكس ذلك فهماً متخلفاً للمرأة بإعتبارها مصدرغواية للرجال أو فريسة جنسية لهم وجودها على مقربة منهم يجب تفاديه؟ كم من الصفوف المختلطة وقف فيها كل منا دون ان يشعر بذلك ودون أن يحدث فيها أكثر من حصول كل شخص على مايطلب من خدمة او سلعة بحسب دوره في الصف؟
ولعل الأخطر من ذلك هو الفصل بينهما فى المركبات العامة فالمادة (9) من قانون النظام العام تلزم أصحاب البصات العامة بتخصيص أحد الأبواب وعشرة مقاعد للنساء وبالعدم تخصيص ربع المقاعد لهن.وتمنع المادة (9) تواجد النساء في المكان المخصص للرجال و تواجد الرجال في المكان المخصص للنساء وعاقب القانون على ذلك بالسجن والغرامة والجلد أو أياً منهم. لم يعرف القانون كلمة بص وهي كلمة عند العامة تعني العربة المخصصة لنقل الجمهور بشكل جماعي من مكان لآخر وفق خط محدد للسير ولا يوجد تحديد لحجم تلك العربات ولا سعتها في القانون وبالتالي فإن أغلبها لايستطيع تخصيص العشرة مقاعد للنساء ويعني عدم تخصيص تلك المقاعد ان تلزم بتخصيص ربع المقاعد للنساء وهى جريمة فهل يعقل هذا ؟ ويبدو إفتقاد القانون للمعقولية واضحاً من التحديد العشوائى لعدد عشرة مقاعد أو نسبة الربع فمن أين جاء القانون بذلك العدد هل قرر مجلس تشريعي الولاية ذلك العدد وهو على علم بأن تلك النسبة تمثل نسبة راكبى البصات من النساء إلى مجموع ركاب البصات العاملة في الخطوط الداخلية ؟ هل هنالك أصلاً إحصائية في بلد مازالت غير موقنه من عدد سكانها بعد ثلاثة عشر عاماً من صدور القانون ؟ إذا كان المجلس غير عالم بتلك النسب ومع ذلك فهو يقيد المقاعد المتاحة للنساء في البصات العامة هل يكشف ذلك عن أي إحترام للنساء أو حتى للعقول مجردة من حالتي الأنوثة والذكورة ؟ لا شك أن الفصل بين الجنسين في البصات مع وضع نسبة للنساء أقل بكثير من الرجال دون أن يكون ذلك متصلاً بأى إحصائية معلومة عن عدد الرجال الذين بستخدمون المواصلات العامة بالمقارنة مع النساء من شأنه أن يؤدي إلى عرقلة تحرك النساء ومنعهن من أداء عملهن وهو أمر من شأنه أن يميز ضدهن عن طريق تحديد عددهن فى المراكب العامة بشكل يفتقد المعقولية.
إن الفصل بين الرجال والنساء يذكرنا بنظرية منفصل ولكنه متساو separate but equal والذى تبنته المحكمة العليا الأمريكية في بليسى ضد فيرجسون إبان ردة قوانين جيم كرو ضد أحكام التعديل الرابع عشروهو الحكم الذى أجازت فيه المحكمة العليا القوانين التى تفرض الفصل بين السود والبيض فى المركبات العامة.
قد تبدو تلك الأحكام وكأنها تهدف إلى حماية المرأة من التحرش الجنسى للرجل ولكنها فى واقع الأمر تتعامل مع فعل شاذ بإعتباره الأمر الطبيعى فالتحرش الجنسى بالنساء هو فعل إجرامى يستحق من قام به عقوبة رادعة ويجب أن يعامل بإعتباره كذلك وليس بحسبان أنه أمر متوقع الوقوع كلما إجتمع الرجال بالنساء. إذا فالمعالجة التشريعية للتحرش بالنساء سواء أتم فى المواصلات أم فى ساحات العمل أو فى غيرها من المحلات التى يجتمع فيها الرجال والنساء لا يتم بالفصل بين الجنسين بل بعقاب الأفعال التى يرتكبها الجناة إستغلالاً لذلك. أما إقصاء النساء وقصر تواجدهن على أماكن محددة فهو بالإضافة لما يؤدى إليه من عرقلة آداء أعمالهن ينطوى على تقليل من شأنهن بالتعامل معهن كمجرد فريسات للقنص الجنسى.
نبيل أديب عبدالله
المحامى
القوانين
قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 .
القانون الجنائى لعام 1991.
قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام 1991.
قانون النظام العام لعام 1992 .
قانون النظام العام لعام 1996.
دستور جمهورية السودان الإنتقالى لعام 2005
العهود الدولية
الإعلان العالمى لحقوق الإنسان .
العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية.
الإعلان العالمي بشأن القضاء على العنف ضد المرأة والصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23/فبراير/1994م
سوابق القضائية
1 Humanitarian Law Project v. Ashcroft, 532 U.S. 904
2 COATES ET ALV . CITY OF CINCINNATI
402 U.S. 611 (1971)
\3 PAPACHRISTOU v. CITY OF JACKSONVILLE, U.S. Supreme Court 405 U.S. 15 (1972) 405 U.S. 15
- 4 Palmer v. City of Euclid, 402 U.S. 544 (1971)
5Griggs v. Duke Power Co. 401 U.S. 424 (1971)
6Railway Express Agency v. New York, 336 U.S. 106 (1949
7Skinner v. State of Oklahoma, ex. rel. Williamson, 316 U.S. 535 (1942),
8 City of Cleburne v. Cleburne Living Center, Inc., 473 U.S. 432 (1985),
9 DRED SCOTT v. SANDFORD, 60 U.S. 393 (1856)
10 Plessy v. Ferguson, 163 U.S. 537 (1896),
……………………………………………………………………..
من يستحق الجلد؟!
هادية حسب الله
"بى رحمة رحمك أمى
تعالى لى …
الدنيا دى ضاقت علىّ..
ورحمك واسع بنادى على..
أبرك واصرّخ.. يمه .تعالى ..تعالى لىّ..
احضن سوطى.. اقالد خوفى..
يضج الفحيح…..
ينز كلو قيح..
شقيقة همى..
شريكة "بلاى"..
تشعر أساى…
بتشبه بعض كل السياط
وصوتك صداى حتى الممات..
ورود الرحم ..
سهر المنام .. بى ضرساً عنيد..يطير المنام..
"فتيل" الدواء بعيد المنال
.. وقبل "الديوك" تنادى الصباح..
تزغلل عيونك "كسرة وملاح"
.. بيجلدوا شوق لكسرة وملاح؟!!
وشوق الشنط لحبة فطور ولو عيشة حاف؟
بيجلدوا عارهم
.. بيجلدوا خوفهم
.. ثقافة "الظروف" وكل الحوافز..
بتشهد فلل نورن بلالاى…
ماجرحك بيضارى.. إنتفاخ الجيوب..
لابد يجرحوك.. لابد يجلدوك…..
"ليلة السهد المخيفة"
لم أفكر مطلقاً ماذا ارتكبت هذه الفتاة أوحتى من هى؟ لأن الألم الذى "جعرت" به حنجرتها كان أقسى من ان يصرف ذهنى عنه.. الذل الذى رأيته فى جسدها المتلوى تحت الأقدام أنسانى التساؤل عن هويتها.. صوت الضحكات والوجوه المترعة بالتشفى من جسد تتبادله السياط أقرفتنى وجعلت روحى "طامة" من الدخول بأى تفاصيل أو شروحات. الواقفين حول السور أرعبونى الى اى منزلق شعبنا ذاهب؟! صوت الفتاة وهى تستجير بأمها أخجلنى.. أبكانى..يالها من ليلة مترعة بغضبها وفزعها .. ان عقوبة الجلد قد طبقت في فترات مختلفة من التاريخ البشري فقد استخدمت في عهد الرومان والاغريق والعصور الوسطى وحتى في فترة الاستعمار في العالم الجديد وأفريقيا وآسيا، كما كانت موجودة في الأديان اليهودية والمسيحية والإسلامية وبعض الثقافات الأخرى. ولكن لأنها كانت تشابه تلك الحقب التاريخية حيث العنف مطبع عبر نمط الحياة اليومية لم تكن عقوبة الجلد تبدو كتعذيب مثلما هى الآن وحالياً لا تطبق دول العالم هذه العقوبة والتي تدينها المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان حيث تعد حسب المواثيق الدولية تعذيبا، حيث خلصت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان العام 1997 إلى أن "العقوبات الجسدية (مثل الجلد) ترقى إلى عقوبة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، وحتى إلى التعذيب". ان محاكم النظام العام هى تحايل على قضاء نزيه وشفاف لأن الإنقاذ إستخدمتها لفترات طويلة لخدمة تصفية حساباتها مع خصومها وتهديدهم وابتزازهم بالسقطات البشرية. ونقاط الضعف التى ينفخون بها قبل الشيطان لتوسيعها بوجدان كل خصم سياسى لهم. لذلك تجاوزت هذه المحاكم الاجراءات الجنائية المنصوصة ولأنها محاكم تنظر فى قضايا تتعلق "بالسمعة" لذا فالمتهمين فيها قلما يلجأون للاستئناف او الابلاغ عن معاملة سيئة تلقونها اذ يسارعون "للملمة" الموضوع تجنباً "للفضائح" بالإضافة لان الحكم غالباً مايكون قد تم إنفاذه، اذ هى محاكم تحكم مباشرة فى قضاياها لذا لايوجد مايشجع المتضررين على الاستئناف. ان شريط الفيديو الذى هز وجدان كل صاحب ضمير ووجدان طبيعى جاء فى هذا التوقيت المحتقن ليؤكد اننا المشغولات بقضية المرأة لم ننشغل بسراب. فالظلم المضاعف الواقع على النساء هو انعكاس طبيعى لسوء السياسات على مختلف الأصعدة بدأ بالسياسات الإقتصادية التى أفقرت البلاد وأذلت الشعب السودانى فسقط الكثيرون والكثيرات تحت أحذية الرشوة والإختلاس والتسول و وباعت الكثيرات أجسادهن وانفتحت شرور الطمع والأنانية وإنفرط عقد الأخلاق السودانية وتبعثرت لؤلؤاته فى بالوعات نتنة… فى هذا المناخ المتعفن فإن الخيارات الأقل أخلاقية تضع صاحباتها فى قائمة الضحية وليس الجلاد..شخصياً أفضل الموت جوعاً على الشبع من جسدى ولكن قابليات البشر على إتخاذ الأقوم والأصح متفاوتة أيضاً ومرتبطة بسلسلة تعقيدات لانهائية ورغم اننى الى الآن لم أعرف جريرة هذه الفتاة الا اننا وان تصورنا هذا الأفظع لن يستطع وجداننا – ان كان سوى- سوى التعاطف معها.. فالتقويم الأخلاقى لن يتم عبر التعذيب والدليل على ذلك الممارسة العملية للإنقاذ نفسها فطوال عشرين عاماً والإتقاذ ترفع صوتها بوجه الضحايا بدون نتيجة سوى زيادة مضطردة للتفسخ الأخلاقى.. لان المعالجة خاطئة.. ان أرادت الإنقاذ ان يعف الرجال والنساء يجب ان يتم هذا وسط عفاف تام فى كل مختلف الحياة السودانية فتعف الدولة عن تزوير إرادة مواطنيها في الانتخابات..وتعف الدولة عن حقوق مواطنيها فى العيش الكريم وحقوقهم السياسية والمدنية .. وتعف المؤسسات الحكومية عن الصرف البذخى.. وتعف الدولة عن تسليط أجهزة الأمن على أمن وكرامة مواطنيها ..وتعف الميزانيات من الصرف على الأمن والمراسم الرئاسية.. وتعف الأيدى عن المال العام.. وتعف الأرصدة عن الهجرة غرباً.. وتعف الألسن والصحف عن إثارة الأحقاد والعنصرية.. وتعف المنابر عن التكفير المجانى والهوس.. وتعف المستشفيات عن عويل الأمهات الملتاعات على فقد الصغار.. وتعف الشوارع عن المتسولين والمتسولات.. وتعف الأدراج الحكومية عن الرشاوى .. وتعف المدارس عن التلاميذ الذين مقاعدهم احجارو دون كتاب.. لكى تعف النساء على الإنقاذ فقط ان تخاف الله فى شعبها… أكثر من مليون ونصف المليون فتاة تتعرض للجلد سنوياً ..تشفى ندوبهن ولكن يظل السوط حافراً لأخاديده بوجدانهن … فهل نتصور ان تنشىء هؤلاء مستقبل صحى لبلادنا؟ هل نتخيل من تم جلدها تستطيع ان تتؤام مع جرحها النفسى وتبرأ كرامتها وتربى أطفالها بقلب بارد؟ ان كنا نتصور ذلك فحتماً نحن أغبياء.. وان كنا نعلم ان تجاوز هدر الكرامة والإذلال هذا لن يشفيه الزمن وانه سيلقى بظلاله على مستقبل بلادنا فعلينا ان نعلم ان مليون ونصف أسرة ستتضرر من ذلك!!. والمرق الأخلاقى السودانى يجوس به السوس يحق لنا كنساء ان نتساءل من يستحق الجلد؟ ألا يستحق الجلد من ترتفع عماراتهم الشاهقة كل صباح "المرتفعة منها والمتهاوية" الذين لاتسؤهم رؤية الأطفال الزاحفين وسط العربات يتسولون..؟ ألا يستحق الجلد من لايعلمون ان غالب طلاب المدارس يخرجون بلا فطور..؟ ألا يستحق الجلد من لايجدون حرج فى القروض التركية ولكن يجدون حرج فى عرض مسلسل "مهند ونور"؟ ألا يستحق الجلد من لايترددون فى الصرف السياسي والآيديولوجي والدعائي، وفي الصرف على الأمن والدفاع ، بأعلى مما لايقاس بالصرف على التنمية المتوازنة وعلى الصحة والتعليم والرعاية الإجتماعية.؟ ألا يستحق الجلد من خصصوا ميزانية الصندوق القومي لدعم الطلاب83 مليوناً! وميزانية القصر الجمهوري 235 مليون جنيه .فى العام 2009م. الا يستنتج هؤلاء إنهم يرمون بمستقبلنا الى حضن الرذيلة .. ولم هم يسلون السياط على الضحايا!! ان النسيج الأخلاقى المهترىء يرقع بالإصلاح الاقتصادى والاجتماعى والثقافى وليس بالسياط .. والكرامة التى تنتهكها سياط لاترد .. لقد آن الأوان لنساء السودان لرفض هذا القانون المحط لكرامتهن لذا فلتتوحد جهود النساء لإسترداد تاريخنا المشرف كحركة نسوية وقفت وقفات صامدة للتغيير ورفع الظلم عن المرأة . ما تقولي واي يا الصرختك حرقت حشاي يا ربي لامتين اللقا شان تنختم دمعة بكاي شان ما نقاسي من اللي كاين في عمرنا ولا نخاف من اللي جاي شان نحن بنوت البلد.. نقدل وانظم لي غناي شان عزة ما يهينوها ساي ما تقولي واي ناديتي امك يا الحنينة وامك الكاتمة القهر بتقول اضاير لي بلاي ساموها ألوان العذاب من الختان حت قالوا عورة ومالا راي يوم ولعت كانونا للكفتيرة شان ما تسوي شاي شان تاكلي، شان تتعلمي، كشوها مرة ومرتين قالوا المناظر.. ما بتشرف ماها هاي ما تقولي واي ما تقولي للجلاد خلاص في مشهدك هزيتي عرشه من الأساس كم سوط موجه ليكي يا بت العزاز؟ ما تقولي واي باكر يكون خطوي اللي جاي غضبي المحكّر في عروفي وصوت دواخلي يكون نداي يطلع مفجّر يكنس القهر الكريه.. يكسر كرابيجن بحسها في قفاي ما تقولي واي يا ربي قبال اللقا نفتح طريق نلفا الحريق نمسح دموع عزة ونفيق ننهي الكوابيس المقيلة في الفريق يا ربي.. ما تخذل دعاي! " الأبيات من قصيدة للأستاذة رباح الصادق
……………………………………………………………….
هادية حسب الله
التصقت بالعامود الحديدي البارد اصطكت أسنانها من البرد والخوف.. رأته قادماً تجاهها حاملاً سوطه .. ارتجفت قدماها.. ناداه أحدهم فوقف بهدوء يبادله الحديث.. ظل نظرها معلقاً بالسوط الذي يتأرجح بيده أثناء حديثه، تأرجحت معه عيناها وذاكرتها.. انطلقت طفله بخمسة أعوام ترتدي بنطلون زهري اللون بخطوط عريضة، بخطوات ثقيلة تقدم نحوها .. ضحكت وهى تمسك بيد صديقها ابن الجيران.. وقف قبالتها وهوى بسوطه على جسدها الغض.. تقرقرت بضحكتها والمرجيحة ترفعهما عالياً.. اندفعت الخطوط المرسومة بالبنطلون خارجة، انتصبت الخطوط أمامها واقفة.. ارتفع السوط بيده..هبط بألمه ورعبه على جسدها الرقيق..نظرتها خطوط بنطلون الطفولة بتشفى.. أكمل السوط تجواله بجسدها .. ابتعدت عن العامود الحديدي ودموعها "تشرق" روحها قبل إن تسيل بخديها..شعرت ببللل تحت قدميها نظرته ..كانت قد تبولت على نفسها....
شعرت بشيء صلب يلامس جانب صدرها.. لملمت جسدها وانزوت أكثر لتلتصق بالنافذة ، واصل الشيء الصلب التصاقه بها، لم تجرؤ على النظر لجارها لتتبين إن كان هو من يعاكسها، خافت إن نظرته يتمادى أكثر، أو أن لا يكون الفاعل فتحرج نفسها ، شغلت نفسها بقراءة اللافتات التي تمر الحافلة بها، لتشعر بالجسم الصلب وقد نمت له أصابع ،ومن ثم قبضت الأصابع على صدرها بقوة، ألجمتها دهشتها وشعرت بخوف يطوقها يلف عنقها ، حاولت أن تتحرك فوجدت إن عضلات عنقها قد تيبست، واصلت الأصابع الزحف إلى صدرها، بايدى راجفة التقطت حقيبتها لتقي بها صدرها، سكنت الأصابع الشرهة ، فكادت أن تتنفس الصعداء لولا إن الأصابع عاودت عبثها بقوة أكثر وكأنها شعرت بأن الحقيبة وضعت لحماية توغلها.. شعرت بالهواء ثقيلاً وبعيداً جاهدت لأن تتنفس.. "قرصتها" الأصابع ، فقفزت مرتعبة.. أرهفت الأصابع لشهقتها للحظة، ومن ثم انطلقت لعملها من جديد .. تخشب جسدها فلم تعد تشعر بشيء، غاصت في وحل خوفها.. وسط ضباب دموعها رأت محطتها تلوح من بعيد أشارت للكمساري ونزلت وهى تدارى دموعها وطعم مالح ملأ حلقها .. لم تنظر تجاه الأصابع ولكنها فوجئت بقدمين تسدان طريقها لتقتنصان ما لم تطاله الأصابع.. شعرت بخوفها وعجزها يقبضان على حلقها ، ملأ القرف جسدها.. تلوت امعائها ودون ان تشعر وقفت بوسط الطريق تتقيأ .. تبلل صدرها بالقىء..
" روى جابر رضى الله عنه: أن النبى (ص) رأى امرأة فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج. وقال رسول الله:" إن المرأة إذا أقبلت أقبلت بصورة شيطان. فإذا رأى أحدكم إمرأة فأعجبته فليأت أهله معها مثل الذى معها"
سنن الترمذى، الجزء الثانى، الباب 9 ص313 .
" حدثنا آدم: حدثنا شعبة.... عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما عن النبى "ص" قال ماتركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء" البخارى الجامع الصحيح المجلد السابع، كتاب النكاح،ص22.
الفتنة.. الشيطان.. مترادفات للمرأة وجسدها، لقرون طوال ظل جسد المرأة تجسيداً للدمار ورمزاً للفوضى والتعذر عن الضبط ، ظل هذا الجسد المغلوب على أمره ممثلاً لقوة النشاط الجنسي المرعبة والغامضة، لذا ظل هذا الجسد يتحمل ويلات دوره البيولوجي السامي وبذات الوقت لعنة هذا الدور، ورغم إن الإسلام قد جاء بنمط تعامل مع الجنس أرقى أخلاقيا إذ يقول الأمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين:" إن النفس ملول وهى عن الحق نفور لأنه على خلاف طبعها، فلو كلفت المقاومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثابت، وإذا روحت باللذات في بعض الأوقات قويت ونشطت، وفى الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يزيل الكرب ويروح القلب، وينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات" إلا إن السلفيين والمتزمتين أفلتوا هذا الترقي الروحي الفريد ليرموا بنا في لجة التفاسير الإسرائيلية حيث المرأة هي الخطيئة والشيطان نفسه.. لذلك ظلت الثقافة العربية تكرس لدونية المرأة عبر بوابة الدين ، لتحط بكرامة نفس كرمها الله، ولتضع أجساد النساء خارج المجال الحيوي للحياة ليكن مملوكات لإمتاع الرجل والحفاظ على نسله فقط، إذ إن وجود هذه الأجساد خارج البيت يرمى بالذكور فى شرك الشهوات "الشيطانية" التي تشغلهم عن بناء "حضارة" ظلت "مونتها معجونة" ولم ترتفع بها طوبة قط..
لقد ناقش المفكر قاسم أمين هذا الخوف الغريب من جسد المرأة بسؤاله الشهير "من يخاف من!؟" إذ يصل إلى إن الرجال يخافون فتنة النساء فيقول عن ذلك:" إذا كان ما يخافه الرجال هو استسلام النساء لجاذبيتهم الذكورية فلماذا لا يرتدون الحجاب؟ هل فكر الرجال إن قدرتهم على محاربة الإغواء أدنى من النساء؟ ... ليصل في الختام إلى " إذا كان الرجال يشكلون الجنس الأضعف فهم الذين يحتاجون إلى الحماية وبالتالي هم الذين يجب أن يتحجبوا".
إن القوانين القمعية تجاه المرأة وعلى رأسها قانون "النظام العام" ، هي تجسيد واقعي للمشاريع "الحضارية" التي تعميها ظلامية موقفها من تبين انه ما من مشروع حضاري يقوم على إذلال النساء وهدر كرامتهن. ولقد أتى المشروع الحضاري الذي تحميه سياط النظام العام بعكس ما تمناه، إذ شهدت بلادنا انحطاطاً وتفسخاً أخلاقياً هو الأعلى، فحسب ورقة" الجريمة عند المرأة من واقع إحصائيات الشرطة" والتي أعدها مركز الدراسات والبحوث الجنائية الاجتماعية بجامعة الرباط الوطني في سمنار حول اتجاهات الجريمة لدى المرأة، نوفمبر 2002 والتي أوضحت زيادة عدد بلاغات العثور على أطفال حديثي الولادة بالشوارع من 16 حالة في يونيو 2001 إلى 43 حالة في مايو 2002م لتصل جملتها إلى 405 حالة بلاغ منها253 طفل حي و152 ميت!! وهى إحصائيات قديمة نسبياً ولكنها تعكس حجم التفسخ الاخلاقى والقيمى الذي قادتنا له ثقافة السياط. لأن ما لا يفهمه المتزمتين إن الكرامة الإنسانية تنتهك بالسياط وتصان بالحرية.
لقد ظل سوط النظام العام مشهراً على النساء طوال سنوات الإنقاذ وآن الأوان لرافعيه أن يوجهوا نظرهم لما هو أجدر بالنظر فالأجساد المكشوفة قد لا تلفت انتباههم، إذا نظروا للنساء اللاتي يحملن أطفالهن ويتأبطن فاتورة دواء لم يستطعن سداد كلفته ويقفن متسولات وسط العربات، وإذا نظروا للأطفال الجوعى الذين يصل بهم الجوع حد اختطاف الطعام يغلى بالزيت الحار ليغامروا بالحروق على الجسد عن الموت جوعاً. ولو استمعوا لنساء دارفور وهن يروين بدمع مالح كيف تم اغتصاب جداتهن أمام أعينهن بالأغصان الجافة حتى تهتكت أرحامهن، و....
إن الحديث عن الزى الفاضح في هذا القانون هو تحايل بين لمنح سلطات عالية للمهووسين اذ لا توجد معايير واضحة" لما يخدش الحياء العام".. والسؤال هل تجد النساء الحق المماثل فى عدم خدش حيائهن وشعورهن فالرجال في هذه المدينة لا يكلفون أنفسهم بالضغط على مثانتهم أو أمعائهم إذ يقضون حاجتهم قاطعين الطريق بعريهم الكامل أمام النسوة المارين ولم نسمع بمن جلدهم وهم يخدشون حياءنا لان المشرع يستبطن إن الشوارع ملك للرجال والنساء غريبات عنها لا يملكن حق صون الشعور.. كما انه من الطبيعي ان ينتهك حياء وأجساد النساء بالنظرات والملامسات والعبارات القبيحة دون أن يكون السوط واقفاً بالمرصاد مثلما يحدث مع النساء. إن انتهاك حق النساء فى أبسط حقوقهن وهى ارتداء ما يجدنه مناسب لطبيعة يومهن وعملهن بل حتى مزاجهن انتهاك مجحف وظالم ويتناقض ودستور البلاد والمواثيق الدولية.
وأتعجب -وأنا مجرد مواطنة- أن يثقلني ضميري إن ابتعت خبز من المخبز ووجدت عجوز تجلس بجواره جائعة تتسول "عيشة بس". كيف لا يستشعر هؤلاء المسئولية تجاه مثل هذه المرأة وكيف يقلق نومهم بنطلون أو فستان قصير ولاتصيبهم الكوابيس من صورة المسنات المتسولات، وكيف يمكنهم الاهتمام بجسد مكشوف وأجساد الأطفال تذوى لنقص الدواء وعدم وجود الرعاية الصحية.. حقاً توجد الكثير من الأجساد المكشوفة أجساد المعوزين الذين لم يجدوا ما يستر فقرهم وذلهم .. وهذه الأجساد التي تستحق الستر فعلاً.
لقد أصابنا الملل من استخدام أجسادنا في الحملات السياسية. وطمأنة القلقين على تحقق مشروعاتهم ، وتصفية الحسابات، والثارات النتنة، فأجسادنا كرامتنا. وجسد بلا كرامة جسد ميت.
فلتعلقوا سياطكم بعد اليوم في حوائطكم داخل غرف نومكم، ولتمتعوا نظركم القصير بتأملها لأنكم لن تجدوا جسد ينصاع إليها بعد الآن.. والتحية لكل اللآتى أصابهن سوط الذل بيد هذا القانون الظالم وعلى رأسهن لبنى الشجاعة.
…………………………………………………………………..
النظام العام.. أوقفوا هذا العبث
رباح الصادق
كنا نظن أنه مثلما يذهل يوم القيامة المرضعات عما يرضعن فإن الاستفتاء أذهلنا عن كل ما سواه، وباخ في نظرنا حديث النسويات وكتبنا مرة نستهجن غرقهن هكذا في القضية ولا يهمهن أن سفينة البلاد تغرق ثم محونا ما كتبنا وقلنا نتركهن وشأنهن ولكنا سنغادر منصتهن ولن نقرأ لهن أو نستمع لتلك السمفونية حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، فإذا بسفينة النساء السودانيات تغرق ويصيبنا بلل البحر اللجي من الظلمات. شريط الفيديو المنشور بعنوان "الرئيس عمر البشير يجلد الفتيات في السودان" كان دفقة أو موجة كبيرة اخترقت استغراقنا الاستفتائي لتغرقنا "في صمة خشمنا" فيما تعانيه النساء تحت سنابك النظام العام.
يحكي الشريط كيف بدأ الجلد (والحكم المنشور أنه لخمسين جلدة أي حكم تعزيري) ولكن الشريط يصور 21 جلدة، وجدنا أنفسنا نعدها لأنها كأنما كانت تجلد قلوبنا.. انتهى التصوير ولم ينته الجلد. في البداية كان قائل يستعجل الفتاة لتجلس، أو قل تحثو على ركبتيها، (لتخلصه) أي خوفا من ضياع زمنه! ترددت الفتاة قليلا وجثت على ركبتيها ثم بدأت سياط مجنونة. صوت الضرب كان أعلى شيء في الشريط أم لعل إحساسنا به هو الذي جعله هكذا ولو لم يكن التصوير للصورة والصوت معا لقلنا إن "المايكرفون" كان معلقا في سوط "العنج" الذي ألهب ظهر الفتاة وركبتيها وبطنها ورأسها وأحيانا صفعها في وجهها. فهل هذا هو الضرب الشرعي؟
إن أشد مناظر الجلد إيلاما كان حينما تمسكت الفتاة بسوط جلادها واحتضنته في وضع هو أقرب للسجود كأنما تسترحم جلادها أو تقبل سوطه حتى لا يذيقها مزيدا، فإذا بشرطي آخر يحمل سوطا شبيها يأتي ليكمل المهمة فكانت الفتاة في لحظة منكفئة على سوط، ويلهب ظهرها سوط آخر..
الحضور الواقف في قسم شرطة الكبجاب مسرح الضرب كما قال بعض المداخلين في موقع سودانيز أون لاين هم بوصف الشرطي (صاحب السوط الثاني): طائفة من المؤمنين يشهدون عذابها، وكان يتحدث وهو يضحك ويسائل مصور المشهد لماذا يصوره، وغطى وجهه منه وهو ضاحك ما يشي بأنه شرطي آخر مثله، ونحن لن نذهب مع من ذهب كثيرا في تفسير أسباب التصوير، فمن رأى أن ذلك لأن الطائفة التي شهدت العذاب لم تكن كافية لذلك صورت ليشهدها آخرون، ومن اعتبر أن المصور له نية بخلق "شوشرة". ومن تساءل عن جرم الفتاة وعن سلوكها، ومن تشكك في توقيت نشر الشريط، وهذه كلها مواقف برأينا انصرافية، هذا الشريط أسقط ورقة التوت عن سوأة النظام العام، ومهما قيل أو سيق من مبررات لبقائه بعد الآن فإنها تبدو غير ممكنة، غير محتملة على أقل تقدير، وبأهدأ العبارات في موضوع ملتهب وألهب ظهور وصدور وبطون ووجوه ورؤوس الفتيات السودانيات على نحو ما حدث للفتاة في التصوير الشهير.. فالجلد المذكور يحدث يوميا، والإحصائيات عن عشرات الآلاف من المجلودات كل عام، سمعنا بهن واستئنا ورفضنا لكننا حينما رأينا رأي العين كانت (الواقعة) أكبر مما تخيلنا!
منظومة (النظام العام) منظومة مركبة تقوم على تشريعات للنظام العام تتخذ ولائيا، وعلى شرطة ومحاكم النظام العام. بالإضافة لسياسات تعليمية وإعلامية مصاحبة. قانون النظام العام لولاية الخرطوم مثلا استن في 1996م. ضمن منظومة المشروع الحضاري ولكنه قانون مختلف عليه حتى داخل الحاكمين أنفسهم، فوزير العدل في 2001م السيد محمد عثمان ياسين قال إن وزارته هي أول من انتقد قانون النظام العام، وبالرغم من ذلك ظل يعمل حتى يومنا هذا وصار المشروع الحضاري بعد التراجع الكبير أمام القوى الدولية والغرب صار مختزلا في قوانين النظام العام والأحوال الشخصية أي في قهر النساء. لم يتبق من (شرع الله) إذن خلاف الشعارات أي عمل ملموس بخلاف جلد النساء وإهانتهن! ولعلنا نذكر في بداية هذا الشهر كيف أجيز قرض تركي يحسبه الإنقاذيون ربا وقد عبرت عن ذلك الدكتورة عائشة الغبشاوي بقولها إن رائحة الربا تفوح منه ولكن البرلمان الذي يرى رؤاها الدينية ذاتها (بدليل فكرة النظامين الاقتصاديين في الشمال والجنوب وتحريم التعامل بالنظام المصرفي التقليدي في الشمال)، أقول يحسبه لأننا نعلم يقينا أن رؤاهم الإسلامية غير متفق عليها داخل السودان نفسه، سواء أكانت حول الاقتصاد أم حول النساء أم حول الزكاة، وأخيرا طالت خزعبلات النظام حتى الحج! نعم كل خزعبلات الإنقاذ الفكرية وصلت إلى أن تكون مجرد شعارات أمثال (هي لله لا للسلطة ولا للجاه) ويضحك منها حتى أصحابها في دواخلهم، ولا تجد طريقا لأرض الواقع.. اللهم إلا فيما يتعلق بالنساء!
صارت منظومة النظام العام هي الدليل الوحيد الذي يشهره النظام في وجه العالم ليقول إنه إسلامي، وليجد لنفسه عذرا جاهزا يبرر به انعزاليته العالمية التي هي من نسج يديه بالتدخل في شئون الآخرين، وانتهاك حقوق الإنسان داخل أرضه. فصار الالتزام بزي محدد للنساء، والتقييد عليهن وإذلالهن إذن جندا وطنيا من الدرجة الأولى!
محاكم النظام العام هي نوع من المحاكم الخاصة درجت السلطة منذ البداية على تكوين أشكال مختلفة منها بتجاوز القضاء الطبيعي، وبالتالي انتهاك الإجراءات الجنائية المتعارف عليها والمنصوص عليها قانونا من اجراءات القبض على المتهمين ومحاكمتهم وإعطاءهم حقوقهم القانونية. وهي أشبه بالمحاكم الإيجازية ومحاكم العدالة الناجزة سيئة الصيت في العهد المايوي. المحاكمة فيها تجري حال القبض على المتهم ثم تنفذ العقوبة فلو استأنفت المتهمة بعدها لن تستفيد في حالة الجلد إلا النفي المعنوي لأنها تكون قد أخذت العلقة. وهذا بالطبع يخالف منظومة العدالة المتعارف عليها والمنفذة عبر القضاء الطبيعي.
تختص محاكم "النظام العام" بالقضايا المتعلقة بنصوص قانون النظام العام مثل شرب الخمر ولعب الميسر وارتداء الزي غير الإسلامي والرقص المختلط وإقامة الحفلات الصاخبة…الخ وكذلك بمواد أخرى موزعة في القوانين، وليس فقط بنصوص قانون النظام العام، مثال المادة 152-1 من القانون الجنائي (الأفعال الفاضحة والمخلة بالآداب العامة) أو المادة 153 المواد والعروض المخلة بالآداب العامة. ويترأس تلك المحاكم "قضاة" لم تسبق لبعضهم الخبرة بالعمل القضائي وتنقص الكثير منهم حتى المؤهلات القانونية. كما أكد من قبل القانوني الضليع الدكتور أمين مكي مدني.
تختص بحفظ "النظام العام" شرطة خاصة هي شرطة النظام العام تتعاون معها فرق الشرطة الشعبية وشرطة أمن المجتمع وجماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد منحت صلاحيات واسعة في تعقب حركة ونشاط المواطنين وتفتيش مساكنهم واعتقالهم وتقديمهم لمحاكم النظام العام.انتهاكا لخصوصياتهم وحقوقهم. وتهتم هذه المنظومة بالأساس بتعقب النساء!
يتكامل مع هذه المنظومة العدلية المجحفة نظام تعليمي بمناهج تملأ رأس التلاميذ ريبة في النساء وتشغلهم بالزي وبالجسد وبالمظهر أكثر ما تشغلهم بقضايا كرامة الإنسان ورقيه وصلاحه وابتعاده عن الزيف ونقاء وجدانه ودفاعه عن المستضعفين ونبذه للظلم والعسف. ويتكامل معها إعلام غالبه مسخر للسخرية من النساء وأقلام موتورة والغة في القذف بدون تثبت. حتى وصل إعلامنا لدرك صرنا فيها نخاف من اطلاع الناشئة على ما يكتب بعض الكاتبين من لغو وخوض في الأعراض، إشاعة للفاحشة وغمزا ولمزا في أشراف المجتمع وشريفاته إذا كن في غير خط السلطة السياسي، ويغض الطرف عما يقوم به المحاسيب من تجاوزات.
هذه هي منظومة النظام العام التي كانت نتيجتها الطبيعية تدني الأخلاق العامة مجملا لأن الزيف لا يصنع عفة. ومشكلتها الأساسية أنها تضع المرأة في مكان محقور وكرسي اتهام مستمر.
ومن أعجب المفارقات أنه انطلقت الأخبار قبل فترة حول مداهمة نفر من الشبان في حفل عرس للمثليين، وكانت تلك الكارثة بالمقياس الأخلاقي والديني مثار (رحمة) أهل شعار (هي لله) وطالب أحد الخطباء –لا فض فوه- بنصحهم بالحسنى، وطارت الأقاويل تتحدث عن شوكة بعض المقبوضين أو أهلهم.
إن فكرة الآداب العامة والنظام العام ليست فكرة قانونية في المقام الأول بل تربوية، وإذا أنت لم تفلح في إشاعة قيم العفة والاستقامة عبر التربية والقدوة في الأسر والأحياء والمدارس، فأنت أعجز عن أن تفرضها بسوط القانون، ناهيك عن استخدامه بشكل يفرق بين المواطنين.
أما ما يحدث من تطبيق أو المحاكمات المحمولة takeaway بحسب تسمية القانوني الأستاذ نبيل أديب، والتي فيها تتم المداهمة وتعقد المحكمة وينطق بالحكم ويتم تنفيذه في بحر دقائق ويستعجل القاضي التنفيذ ليشهد (شواء) جديدا، مثلما يصنع طاهي البيرجر في مطاعم الماكدونالدز، فلا يمكن أن تكون عدلا ولا يمكن إرجاعها لشرع الله. والجلد غير المنضبط إذ مهما سمعنا صوت السوط المجلجل لم نسمع أحدهم يعد الجلدات، ولا وضع المجلودة كان منضبطا، ولا موضع الجلد.. هل كان بإمكاننا أن نتخيل ونحن نسمع بالجلد في النظام العام أن الجلد يمكن أن يصل الرأس أو الوجه؟ هل كان بإمكاننا التخيل أن الجلد يتم بتلك القسوة؟
كثيرون قالوا إن الجلد أصلا عقوبة مهينة وقاسية. وبالفعل هو كذلك ففي الشريعة الجلد هو بمثابة آخر الدواء الكي لأن متعدي الحدود بالأوصاف الإسلامية لا يمكن أن يكون بشرا بل هو وحش تجاوز العدل والتربية السوية والرأي العام القوي وانتهك حدود الله بدون أدنى شبهة تدرأ عنه الحد، ولذلك لا يمكن أن يعمم الجلد الحدي في كل جريمة بل فقط في الجرائم الحدية المعلومة وبتمام أركان الحد بدون أية شبهات. هذه الشبهات التي تدرأ الحد كثيرة منها ما يتعلق بالمجرم وما يتعلق بالمجتمع نفسه. ففي مجتمع تنتفي فيه الحاجات المادية وتشبع فيه الحاجات الروحية والأخلاقية بالتربية السليمة وبالقدوة والرأي العام وتهيأ للشباب فيه ظروف العمل وفرصه، وعقد الزواج وإقامة عشه، يكون مرتكب الجريمة معتديا أثيما.. أما الآن في السودان فالحال وصل وضعا مزريا من الناحية الاقتصادية فسواد الناس على حافة العوز وقلة متخمة جاء معظم أصحابها من صفوف (المعدومين) بحسب تعبير السيد عمر البشير في لقاء معه أول أيام "الإنقاذ" (قاصدا المعدمين)، صارت تتحكم في تسعة أعشار الثروة وتملأ أسماعنا بشعارات (هي لله)! مع هذا الزيف، وهذا الظلم، وهذا الاحتياج لا يمكن أن تتحدث عن حدود، والجلد عقوبة حدية، وإذا كان سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه قد رفع الحدود في عام الرمادة، فنحن في أعوام (الجراد) الذي قضى على الأخضر واليابس لا يمكن أن نقول بتطبيق الحدود، ثم نطبقها على السواد، بينما لا نطبقها على ذلك (الجراد) مهما ارتكب من فواحش وأتى من آثام يشيب لها الولدان!
ومجمل قولنا إن ما يتم تطبيقه الآن على النساء والفتيات السودانيات هو ظلم محض وتشف في النساء ماذا فعلن لا ندري؟
تساءل كثيرون من أين أتى هؤلاء واتضح أنهم أتوا من بيننا، وتساءلوا: ألم يرضعوا من لبن الأمهات والخالات؟ وأنا أقول: اسألوا السيدة هدية والدة السيد عمر البشير التي جيئ بها في لقاء تبشيري أيام الحملة الانتخابية، وقالت إن ابنها المرشح كان يضربها أحيانا، ولها روايات عديدة في هذا الصدد ترويها بروح فكاهية. وحينما تشاهد شريط الفيديو الذي تجلد فيه الفتاة وهي تولول، تجد التعليقات ضاحكة.. إنها مسألة مربكة، لأن ما نعلمه عن الأمهات والخالات والفتيات وضرورة الرفق بهن في ثقافتنا السائدة يتناقض مع ما صرنا نسمع ونرى.. صار المشهد عبثيا، متناقضا مع قيم ديننا ووطننا ومع الحس الإنساني السليم.. أي شيء أثمر ثقافة النظام العام؟ أي شيء صير جلد النساء طرفا من الفكاهة؟ لا ندري؟ ولكنه قطعا عبث، ويجب أن توقفوا هذا العبث!
منع عن النشر في الأحداث، نشر في حريات.
………………………………………………………………..
رباح الصادق
إن مقتل سليلة السلطان عجبنا البطل التاريخي للنوبة ولكل السودان في الساعة الأولى من فجر الثلاثاء 6 مارس هو حدث جلل، ليس فقط لفكرة أن مقتل إنسان بدون وجه حق وهو في حد ذاته حادثة تسوى قتل الناس جميعا كما قال تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)، ولكن أيضا لأن الحادثة تنكأ جروحا وطنية عديدة ظلت مفتوحة يدعو كل ذي ضمير لعلاجها العاجل، ولكن تغيب الإرادة السياسية في الاستجابة لتلك الضمائر التي طال كدحها وعذاباتها تماما كذات الرداء الأحمر!
أول تلك القروح هو الخلل التشريعي. فقانون النظام العام الذي تعمل تحته شرطة أمن المجتمع (شرطة النظام العام) معيب بشكل فظيع، إنه يعطي تلك الشرطة حق التحسس والمداهمة والاعتقال ويعطي قضاتها حق إصدار المحاكم فوريا فيما سمي ب(قضاء الماكونالدز) أو الأطعمة المحمولة، فقانون الإجراءات الجنائية يستثني قضايا النظام العام وبعض المواد في القانون الجنائي من التعامل بالإجراءات العدلية الطبيعية التي تحتاج إلى أمر قبض وأمر تفتيش وما إليه من إجراءات صيغت دوليا لضمان سلامة العملية العدلية. هذه الحقوق المعطاة لشرطة أمن المجتمع تجعل أي مواطن ومواطنة في سيره العادي هدفا لدورياتهم الليلية والنهارية التي نهايتها جلد مؤكد باسم القضاء، وبدايتها جلد أو كركرة وحشية على يدي جنود النظام العام.
وقد فضحت الحادثة برواية أسرة الشهيدة عوضية كيف كان أداء هذه الشرطة مخترقا حتى للقانون المعيب، فقد أخذ الأخ (محمد) بجريرة متوهمة لأخيه (وليد) وبدأ ضربه وهو مريض بدون أن يعرف الجنود حتى من هو ولا يتهم بذنب. أما وليد فقد (نط في رقبته) بتعبيره اثنان من الجنود في سير له عادي باتجاه الدكان فقط لأن المنطقة التي يسير فيها، وهي أمام منزله (مشبوهة) بحسب الشرطة! وهي تصرفات سبقت عهود القوانين العدلية الحالية وتشبه قوانين الماضي الأغبر التي كانت تأخذ الأقرباء بجريرة أقربائهم، بل بزتها لتأخذ الناس بجريرة المناطق التي يقطنون فيها، وهل للمناطق ذنوب؟ ثم في النهاية تم استخدام عنف غير مبرر بإطلاق الذخيرة الحية، وكل مبتدئ بالقانون يعلم أولويات استخدام الشرطة للسلاح حيث ينبغي استخدام العيارات المطاطية إذا دعت الضرورة، بل حتى في القبض على أعتى المجرمين لا يستخدم السلاح الناري إلا بضوابط فلا يصيب في مقتل، بينما الطلقتين اللتين أصابتا عوضية كانتا بالرأس. ثم يخرج بيان الشرطة مبررا لكل ذلك ومليئا بالأكاذيب والإساءات لأسرة الشهيدة، ما اعترف به حتى وزير الداخلية ووالي الخرطوم في زيارتهما لأهل الشهيدة في 7 مارس ونشر في صحف أول أمس (8 مارس)، فطالب العضو السابق بمجلس قيادة الثورة (إبراهيم نايل إيدام) وهو قريب للقتيلة، في تأبينها من أمام منزل أسرتها بالديوم يوم الخميس بالقصاص من القتلة وقال بعدم كفاية شهادات الوالي والوزير المنشورة في الصحف بل لا بد من إصدار بيان رسمي من الشرطة يقدم اعتذارا عن البيان الشائه الذي صدر باسم الشرطة ولكنه في الحقيقة لا ينتمي للشرطة بل لمن أسماهم الدخلاء على الشرطة، مشيرا إلى أن الشرطة أفسدت بدخلاء عليها غيروا من أخلاقياتها وصاروا سببا في المفاسد مطالبا بتطهير الشرطة من هؤلاء. وإلى نفس هذا المعنى ذهب الشيخ سيف الدين إمام المسجد الذي كانت له علاقة جيدة بأسرة الشهيدة قائلا إنهم يدعون محاربة الخمور وهم يساعدون عليها. ويأتي ذلك معضدا لتقرير فضائية (العربية) في 7 مارس حول حادثة اغتيال عوضية من أن الشرطي الذي اغتال عوضية كان يعمل تحت تأثير الخمر.
كل هذا يطلق صافرات الإنذار ويقول بضرورة وقفة شجاعة أمام النفس الشرطية والاعتذار الرسمي والقصاص من الجناة كتعويض معنوي للأسرة وكذلك الاستعداد لتقديم التعويض المادي لأسر ضحايا فجر 6 مارس بالديم وعلى رأسهم أسرة الشهيدة، كما قال الإمام الصادق المهدي في تصريحه أمس لدى زيارته معزيا لأسرة الفقيدة. وكان قد أدان الحادثة بشدة ضمن كافة رموز المجتمع السوداني وشرائحه محتسبين إياها شهيدة عند الله تعالى، وقال الإمام كذلك: (ينبغي الإسراع في إجراءات العدالة الثقافية وإبرام الميثاق الثقافي الذي طالما نادينا به والذي يطالب باحترام جميع الإثنيات والثقافات المتشاركة في الوطن وإعادة الاعتبار لها في مناهج التعليم والإعلام وتمثيلها العادل في القوات النظامية والأجهزة العدلية بما يضمن المساواة ويزيل الاستعلاء من جهة والغبن من جهة أخرى).
وهذا هو ثاني الجراح التي نكأتها حادثة عوضية. ففي هذه البلاد عدم مساواة ثقافية لدرجة بالغة، إن أبطالا أمثال السلطان عجبنا جد القتيلة يكاد يعرف عنهم التلميذ في مناهج التاريخ أو يعرف ثقافة الأما (النيمانج) وغيرهم من قبائل السودان العزيزة التي كان لها دور مقدر في التعريف بالسوداني كشخص صاحب مبدأ ثابت وبسالة منقطعة النظير، وقد كان أداؤهم في المهدية مذهلا فقد لاذت بهم الدعوة المهدية في مهدها وعلى يدي السلطان آدم أم دبالو وصحبه الكرام تربت الشرارة حتى صارت نارا استحال اطفاؤها على المحتل آنذاك، ومن جديد شكلوا حضنا لاذ به خليفة المهدي إثر (الكسرة) في كرري سبتمبر 1898 نحو عام وزيادة ظلوا هناك حتى قرروا كرا آيسا نحو أم درمان ينحر الدولة ويبقي شعلة الدعوة، في نوفمبر 1899م. فأرض جبال النوبة مشهورة بسمو قيم وأخلاق أهلها وبسالتهم، ولكنك حينما تقرأ بطولات التاريخ ترى التركيز على أبطال الشمال النيلي بشكل يثير الغبن للبقية، ويجعل أهل الشمال أولئك يظنون أن ما غيرهم من بقاع وقبائل السودان خلو من المكارم والحادثات العظام.
لقد كان من محاسن الخدمة المدنية في الماضي الخلط المتعمد للموظفين وأسرهم بجميع بقاع السودان في تجوالهم المستمر وهو الشيء الذي انعدم مؤخرا ويجب إعادته. أقول ذلك لأن تجربة شخصية جمعتني عن قرب وزمالة حميمة بأحد أولئك الكرام من الأما وهو المهندس الريفي سبو جمونا، في عملي لسنوات قليلة بالهندسة جعلتني أدرك درجة الظلم الحائق في مناهج التعليم والإعلام السودانية التي تركز على جهات دون غيرها مؤكدة للتهميش الثقافي وهو الأبلغ في زرع الغبائن عن الهيكلي الذي اهتمت به وخططت لإزالته اتفاقيات السلام عبر العهود.
إن هذه الحادثة ينبغي ألا تمر بدون مراجعات أساسية، وإلا فلنأذن بنهاية توقعها الجميع في تفتت السودان الحالي مزيدا، وهو تفتت يرحب به البعض ممن يضيق ذرعا بالتنوع الإثني والثقافي في السودان ويريد عروبية عرجاء تنكر أي هجين أو تنوع على نهج (الانتباهة) المقيت.
لقد هزت حادثة عوضية ضمائر السودان الحية، وضمائر النساء على وجه الخصوص ولسخرية القدر فقد جاءت قبل يومين من 8 مارس يوم المراة العالمي. لكأنما كتب عليهن في كل 8 مارس وقفة على أشلاء حقوق النساء في السودان، ففي العام الماضي كانت حادثة صفية إسحق حية (13 فبراير 2011م) مما حدا بناشطات مبادرة لا لقهر النساء تسيير تظاهرة في 8 مارس 2011م احتجاجا وكانت نهايتهن زنازين الحراسات، وفي 8 مارس هذا العام جاءت حادثة عوضية فالتقت الناشطات في منزل الشهيدة وهتفن: دمنا لونو واحد، وفي النهاية تأكد لديهن المعنى أن يوم 8 مارس في السودان هو يوم بطعم حسرة النساء وغصصهن.
في صباح 8 مارس 2011م أرسل لي الصديق الحبيب محمد صالح مجذوب تحية بالموبايل تقول:
في مارس تمانية ، فلنحيي نسانا
أمهاتنا الخلّد للعيون إنسانه
بالنضال أخواتنا زي درر منصانه
يوم مبارك ودايما خير نسانا كسانه
وبالرغم من أن الأبيات أطربتني مثلما يفعل شعر الصالح دائما إلا أنني رددت عليه برسالة أخرى بنكهة ذلك اليوم الحنظلية:
في مارس تمانية الضو حرب لي مسانا
نحن دفنا مندي وما خبرنا أسانا
والشيمة التجبد فينا زايدة قسانا
قوللها يا غِرِق يا العز بهل وكسانا
ومندي هي ابنة السلطان عجبنا التي قتل ابنها وهي تحمله أثناء القتال وقد غنت لأبيها أنشودة تغنيها فرقة عقد الجلاد (كوجو كونو كرنتلا..مندي)، وعوضية ليست إلا مندي أخرى من ذلك البيت الشامخ، تقبل الله شهادتها، وأعاننا جميعا في تقويم كل هذا الاعوجاج، وأن تكون حادثة عوضية هي بداية الوقفة التي لا جلوس بعدها حتى نصل، كمثل عاشق (الجزيرة أم بحرا حما) قال لها: فيك روحي وحبي النما، ما بسيبا إن بقى في السما، ما بخلي الناس تظلما، روحي في دربك سايما، يا غرق، يا جيت حازما!
وليبق ما بيننا.
………………………………………………………………………….
الجلد الكيري … و الجلد الحلال
لبنى احمد حسين
أرايتم على اليوتيوب ما رأيته على الارض ؟ ..
وماذا اذا رايتم فتاة يمسك بها من الصدر والخصر واجزاء اخرى ستة او سبعة رجال يتزيأون بزى الشرطة ، يمسكونها بقوة وشراسة حتى لا تفلت لبرهة من سياط المراة " الجلاّدة "؟
وماذا اذا رايتم طفلة فى السادسة عشر تتبول على نفسها رعباً حين ولوجها قاعة المحكمة وقبل سماع اقوال الشاكى الذى هو نفسه الشاهد الوحيد للاتهام، وهو نفسه رجل الشرطة الذى قبضها وصويحباتها الثلاث بسبب ارتدائهن للبنطال ..
ولك ان تتخيل حالها وهى تتلوى بين براثن ذئاب بوليسية فيها من تطوع لاغلاق فمها حتى لا تزعجه بصراخها المتواصل ولتلهب ظهرها السياط الدامية ،
المشهد مؤلم.. لكن اكثر ايلاما منه حين تفلت رندا وريم وريهام لانهنّ دفعن رشوة وتجلد بخيتة وحواء وكلتوم لانهنّ لا يلبسن خواتم ذهبية ولا سلاسل تفديهنّ ،
وحتى لبنى وقد رفعت سبابتها فى وجوه سادتهم وقالت لهم : " طظ" أجلدونى ..
هم أجبن من ان يفعلوا ذلك .. سيغرمونها ثم يهرولون لدفع الغرامة بعد ان بصقت على عفوهم الرئاسى الذى لم تناله طفلة جنوبية مسيحية بالت على نفسها من الخوف و ستصوت لصالح الوحدة او الانفصال ،
فباى حق أناله وانا أمراة ناضجة مسلمة ولا صوت لى فى تقرير المصير ؟..
المشهد مقززاً لكن ما يثير الاستفراغ أكثر حين يقبض عسكرى فتيات ثم يتصل بضابطه العظيم يوم خميس :
" أن أبشروا فقد قبضنا لكم حاجة حلوة "!..
يخخخخخخخخخخخخ .. تفى ! .. اى اهانة هذه للشرطة وللرجال .. واى أوحال هذه التى مرّغت فيها حكومة البشير انوف البوليس وشرف الشرطة !..
اعزائى .. هل صدمكم مشهد جلد الفتاة ؟
ماذا كنتم تتوقعون ؟
ان تمدّ الفتاة يدها اليمنى ثم اليسرى بالتوالى أو تعطى مؤخرتها لتجلد كما يجلد تلاميذ المدارس الابتدائية ؟
ماذا كنت تتوقعون؟
ان يتم الجلد بطريقة " حضارية " أو " فقهية مالكية "
بالجلوس فى قفة تحت رمل ؟ على طريقة فقه القفة ؟!..
على فكرة ، طريقة جلد هذه المراة التى ظهرت فى الفيديو هى الطريقة التى كانت مألوفة لجلد النساء منذ بداية الانقاذ وحتى منتصف التسعينات مع بداية انتشار الهواتف الجوالة والكاميرات الرقمية ،
لكنها تبدلت خوفاً من فضائح اليوتيوب ، وظهور مشاهد الجلد عند قوقلت اسم السودان ،
ومع تعاطفى وتضامنى مع المرأة او الفتاة المسكينة التى جلدت لكننى اقول انها أوفر حظاً من غيرها فعلى الاقل اتيحت لها برهة لتتلوى وتصرخ ولا تكتم آهاتها واوجاعها
مئات بل آلاف غيرها جلدنّ بطريقة يسمونها " شرعية " واقفات ووجوههن على عمود او حائط او كرسى يمسك بهن رجال من عساكر النظام العام الاشاوس !!.. ولتتولى جلدهنّ امرأة بالطريقة " الحلال"
ولك ان تخبط وجهك خيبة لا بسبب القهر ولا الضيم فحسب ولكن من هذا الغباء ! .. فلو طبقنا ذات منهجهم -على اعوجاجه – أولم يكن من الاجدر ان يمسك بالمجلودة من جسدها نساء بدلاً عن الرجال وليتولى الضرب رجل كان او امراة لا فرق ؟
لكن الذين جاءوا بانقلاب لا يمكن ان يفكروا الا بشكل مقلوب ..
فليتكم رايتم تلك الطريقة المسماة شرعية والتى لم توثق بعد ،
والتى هى أبشع صورة من " الجلد الكيرى " ،
وقد ساءنى عند قراءتى لتعليقات قراء ومشاهدى الشريط ان البعض منهم حاول بقصد او بغير قصد ان يصب غضبه على الفئة التى نفذت الجلد وتحميلهم المسئولية والانتهاك باعتبار طريقة الجلد " غير شرعية " ،
وهذا ما يسمى فى ادارة الازمات بالبحث عن كبش فداء ،
قد جرت مساومات مع كاتبة هذه الاسطر على اعلى المستويات اثناء القضية ان اتقدم ببلاغ ضد فريق الشرطة الذى قبضنا من مطعم ام كلثوم ،
فالقمت محدثى حجراً وسالته ولماذا اشتكيهم أولم ينفذوا القانون ؟
قال نعم ولكن ألم يعاملوكم بقسوة؟
قلت نعم ولكن أولم تدربونهم على ذلك؟
صمت .. فقد كنت اعلم انهم لا يضحون بكبش
لكنهم يبحثون عن دجاجة يذبحونها
ويحمّلونها المسئولية لتبييض وجوههم امام الاعلام العالمى ..
والآن .. ما تراهم فاعلون ؟ ..
وقد بدأوا ، قرأت ولم اسمع ان المدعو نافع قال عند سؤاله لاحد القنوات عند سؤاله عن الفتاة المجلودة : ربما تكون لبنى ؟
وأشهدوا اننى كنت ساحترم مبدأ المساواة امام القانون المضمّن فى صلب او عجز الدستور ، لو انهم جلدونى ، ليس لاننى مذنبة .. ولكن من باب المساواة بين البشر ، حتى لو كان هذا القانون ظالماً
أوليس من الاولى ان يتساوى امامه الجميع .. بدلا عن تسليطه على رقاب البسطاء ؟ غير اننى أضفت الى احتقارى لقانونهم ومحاكمهم احتقار للدستور ،
ورد نافع حين سؤاله عن المرأة المجلودة :
لو علمت جريمتها لتمنيت موتها !..
ماذا تراها فعلت ؟
هل اغتصبت طفل داخل المسجد؟
يا لبؤس هذا الرجل غير النافع ! ..
أسوأ جريمة يمكن ان ترتكبها أمراة تؤدى لتقليص التعاطف والتضامن الذى وجدته هذه المرأة المسكينة سيرمونها به وأيقن انهم يعملون الآن لتلفيقها ..
ايقولون قاتلة ؟
ايقولون زانية ؟
فاين الرجل الزانى اذن ؟
ايقولون سكرانة ؟ انها جلدت لاكثر من اربعين ..
لابد انها ارتدت تنورة اعتبروها قصيرة لذلك جلدت 50 حيث ان عقوبة البنطال 40 والتنورة القصيرة 50 فى شريعة الانقاذ ، ولا علم لى بحد فى شريعة الفقهاء – ولا اقول شريعة الله- يقضى بالجلد 50 ..
هذا الرمى والاتهام مورس معى ايضاً غير ان سقفهم كان محدوداً بالمادة 152 وبالمطعم /المكان العام ، والا فانهم كانوا سيقولون اننا وجدناها بلا بنطال وبلا شئ على الاطلاق ،
ولا يتفاءل احد ويأمل ان يجد اليقين فى سجلات المحاكم ونحن نشاهد على الشريط قاضى يأمر بفيه :
( يللا اقعدى خارجينا )
( ياخى سريع خلينا النمشى عندنا مشاغل )
( اعمل ليها سنتين سجن !)
وكأنه ميكانيكى يأمر صبيه ان يناوله مفك بدلا عن الزردية !..
وليس قاضى يصدر احكام ..
هكذا حال قضاة الانقاذ على راسهم مدثر الرشيد قاضى محكمة الارهاب 2 الذى حاكمنى كما حاكم بعدى الاخوة الصحفيين من صحيفة راى الشعب،
وحاكم قبلى الحاج وراق وما زلت أتعجل كل حين محامىّ مولانا نبيل اديب برغبتى فى التعجيل بمحكمة الاتحاد الافريقى لاننى أدخر صفعة و فضيحة اخرى لحكومة البشير ، ان لم يغيروا بكرامتهم هذا المسخ المسمى قوانين ، أن كان او بقيت لهم كرامة ..
ان العيب ليس فى القانون الجنائى لسنة 1991م وحده ، انما الاسوأ منه هو قانون الاجراءات الجنائية الذى يخوّل للقاضى سلطة المحاكمة الايجازية – فى اى جريمة عدا الاعدام ، والتى تطلب فقط " سماع " الشهود دون حاجة لتدوين اقوالهم وحتى الشاكى والمتهم يدوّن ملخص لاقوالهم فقط ،
تصدر هذه المحاكم الايجازية الاوامر النهائية ، نعم ، النهائية ، فى الحكم (و لا تطلب تدوين البينة ولا تحرير التهمة )-اى والله – ينص القانون صراحة على ذلك فى المواد 175-177 من قانون الاجراءات الجنائية
وقد تقدم مولانا نبيل اديب بطعن نيابة عنى لدى المحكمة الدستورية ضد هذه المواد الثلاث بالاضافة للمادة 152من القانون الجنائى ،
ورغم هذا السوء فان طريقة المحكمة الايجازية على ارض الواقع اسوأ بكثير مما ينص عليه القانون السئ حيث يحرم المتهم من حق الاتصال بمحام واستدعاء شهود الدفاع او حتى مجرد الاتصال باسرته فى اغلب الاحوال ،
وحتى فى قضيتى رفض القاضى السماع لشهود الدفاع وعلل ذلك بانها" محكمة ايجازية "
واذا كان هذا حظى وقد شهد محكمتى ممثلين لمنظمات عالمية واقليمية لحقوق الانسان و سفراء وعدد من المحامين والصحفيين العرب والاجانب ،
فلك ان تتخيل المهزلة التى تسمى محكمة التى حاكمت هذه المراة المسكينة ؟
ولكن هل نكيل السباب للقاضى الذى أصدر الاحكام والشرطة التى نفذت ما يسمونه قانون ؟ لهم نصيب مما اكتسبوا ، ولكن لن يستقيم الظل والعود اعوج ..
فما لم تلغى "المحاكمات الايجازية " الصورية و التى تمارسها "محاكم النظام العام" عادة و"المحاكم العادية " احيانا كما فى حالتى ..
وكذلك القوانين القمعية والمهينة لكرامة الانسان
فان اى مساءلة للقاضى او تيم الشرطة
ستكون مجرد عبث
وبحث عمن "يشيل وش القباحة" وكبش فداء
اقصد .. قدو قدو للفداء
…………………………………………………………………
سياط على ظهر الامة … لا على بدنك وحدك
سيف الدولة حمدناالله عبدالقادر
عرفت عقوبة الجلد في قانون العقوبات السوداني منذ عهد الانجليز ( قانون 1925) ، وقد نص عليها القانون كعقوبة تأديبية ( بديلة ) تطبق على الصبيان الجانحين لتفادي ارسالهم الى المؤسسات العقابية ( الاصلاحيات ) التي تقضي على مستقبلهم التعليمي فضلا عن مخاطر اختلاطهم بمجرمين حقيقيين اثناء فترة تنفيذ العقوبة ، ولم يرد الجلد كعقوبة اصلية لاي جريمة تضمنها ذلك القانون .
استمر هذا الوضع في القوانين المتعاقبة حتى وقت صدور قوانين سبتمبر 1983 في عهد النميري ، التي تعرف بقوانين الشريعة الاسلامية ، ومن عجب ، ان واضعي تلك القوانين جعلوا عقوبة الجلد عقوبة اصلية لجميع الجرائم الواردة في قانون العقوبات ، فتطبق لوحدها في الجرائم الحدية ، وتوقع مع الغرامة او السجن في جميع الجرائم الاخرى ( التعذيرية ) ، وقد ادى ذلك لحدوث خلل كبير في السياسة العقابية ، فلا يكون امام القاضي حتى في الجرائم البسيطة كجريمة الاهمال بشأن الحيوان اى خيار فاما ان يقوم بتوقيع عقوبة السجن او توقيع عقوبتي الجلد و الغرامة معا ، مما حدى برئيس القضاء في ذلك الوقت ، مولانا دفع الله الحاج يوسف لاصدار تعميم قضائي – طريف – للقضاة يطلب منهم اعتبار (واو) العطف التي ترد بين عقوبتي الجلد والغرامة كأنها (او ) ليتيح للقاضي الاختيار بين العقوبتين لا جمعهما معا ، وعلى الرغم من ان تعميم رئيس القضاء يعتبر تدخلا في مهام السلطة التشريعية ، الا انه كان موفقا على اية حال في مثل تلك الظروف . وقد استمر تطبيق عقوبة الجلد – فيما عدا الجرائم الحدية – في اضيق نطاق كعقوبة تأديبية للصبيان ، حتى جاءت هذه الحكومة الرسالية ، هذه مقدمة كان لا بد منها للحديث عن امر الشريط العجب .
اظهرالشريط صوتا غليظا لاحد المؤمنين من الشاهدين وهو يهتف ( ليشهد عذابها طائفة من المؤمنين ) ، وذلك بغرض تأصيل الفرجة ، ولم يتح لنا الشريط ان نفهم مغزى الرجل من دعوته لشهادة عذاب تلك المسكينة ، فالحق جل سلطانه ، لم يأمر بعذابها اصلا ، لان الحق انزل حكم شهادة العذاب في حق الزناة حين قال عز من قائل بسورة النور ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) ، ولم يأمر بشهادة عذاب من تحاكم لارتدائها ( بنطلون ) ، وبصرف النظر عن حقيقة التهمة التي حوكمت بموجبها ، فانها – الفتاة – لم ترتكب جريمة زنا او اي جريمة حدية اخرى ، فالجلدات طبقا لجرائم الحدود لا يملك القاضي ان يزيد او ينقص فيها ( الخمر 40 ، قذف المحصنات 80 والزنا لغير المتزوج 100 جلدة ) ، فليس من بين جرائم الحدود ما يعاقب فيها الجاني بالجلد 50 جلدة كما ورد مع الخبر او 22 جلدة كما ظهر في الشريط .
بدوري تمعنت في وجوه الذين شهدوا العذاب ، لارى طائفة المؤمنين من الصحابة الذين اتخذوا من دموع تلك الفتاة المسكينة وجزعها سببا للتقرب الى الله ، فوجدت قاضي العدالة الذي اصدر الحكم وقد اتخذ ظلا يقيه شرور الشمس ، ولا بد انه قد شهد من المعذبات ما يكفيه مؤونة عمره ، حين خطب فيها وهي لا تعي ما يقول ( يالله خلصينا سريع خلينا نمشي ) ، ولان عصبة المؤمنين التي شهدت العذاب لم تكن تكفي النصاب ، سمح القاضي بتصوير العذاب بالكاميرا التي وقف صاحبها امامه ، ولم اجد في الاثر ، ما يوضح آداب الشهود وسلوكهم ، ولكن لا يمكن ان يكون من بينها الضحك في حضرة عذاب امرأة تتلوى امام المؤمنين .
ان عقوبة الجلد – في الاسلام – لها ضوابط ، فقد روى ابي بردة انه قال سمعت رسول الله (ص) يقول " لا يجلد احد فوق عشرة اسواط الا في حد من حدود الله تعالى " وقد اخذت المملكة العربية السعودية بهذه القاعدة ، اما في الاشهار فننقل بالنص ما ورد في موقع هيئة الامر بالمعروف وهي الاكثر تشددا في توقيع العقوبات الاسلامية والذي ورد فيه : (التشهير بالرجل يكون بجلده خارج السجن أمام ملأ من الناس اذا كان الحكم في جريمة حدية ، أما الإشهار في الجلد في حالة التعزير يكون داخل السجن ، اما إشهار الحكم بالنسبة للنساء فهو بتحقق بحضور مندوب الهيئة ومندوب المحكمة لأنها إمرأة لا تجلد امام ملأ من الناس )
يجلس على قمة الجهاز القضائي لدولة الانقاذ السيد جلال الدين محمد عثمان ، الذي لم يجد حرجا في ان ينشر على الملآ و بموقع السلطة القضائية بالانترنت الاركان الكاملة لجريمة تزوير ، وهي جريمة لم يسأل عنها ولم يحقق معه بشأنها ، ولم نفتري عليه بها ، فقد اهدانا دليل جريمته بنفسه ، ولا يزال – وقد مضى على كتابتنا حول ذات الموضوع سنوات عديدة – غير آبه باية بسمعته او سمعة القضاء الذي يجلس على رأسه ، فقد ورد ضمن سيرته الذاتية المنشورة بالموقع انه – اي جلال – من مواليد ارقو في 1/1/1944 والتحق بالقضاء في 31/8/1961 ، مما يعني انه استهل عمله بالقضاء وهو صبي في السابعة عشر من عمره ، في الوقت الذي يشترط القانون بلوغ القاضي سن الخامسة والعشرين عند تعيينه ، وهو شرط لم يحدث في تاريخ القضاء السوداني ان تم الاخلال به ، وقد قصد رئيس القضاء من ذلك تمديد فترة عمله التي امضاها في طاعة الله عدلا بما يجاوز السن القانونية للتقاعد ( يمكن الرجوع للموقع المذكور لمزيد من التفاصيل حول السيرة العطرة للسيد رئيس القضاء )
قال افضل الخلق (ص ) " أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وفي حديث بن رمح إنما هلك الذين من قبلكم "
صدق رسول الله
فليوجه السوط لمستحقيه ولا حول ولا قوة الا بالله ،،
………………………………………………………………………..
استشهاد عوضية عجبنا.. وصحافة التضليل والتسطيح
رشا عوض
درجت بعض الأقلام الصحفية الموالية للنظام عند تناولها لأية فاجعة من فواجع القتل المجاني المترتبة على ممارسات الشرطة أو غيرها من القوات النظامية، درجت على اتباع منهج في غاية الخطورة، يتلخص في إدانة الجريمة والتوبيخ المغلظ لمرتكبيها، والحديث عن العدالة ومقتضياتها بحذلقة وبراعة فائقة في التضليل لاستدراج المتلقي إلى"الشرك" المنصوب له بدهاء ماكر، ومن ثم إقناعه بالأكذوبة الكبرى! وهي أن ما حدث هو "تجاوزات" أو"أخطاء" فردية معزولة تماما عن المناخ السياسي العام ومناهج عمل الدولة! هي مجرد أعمال يرتكبها سفهاء صغار! وفي مقدمة ضحايا هؤلاء الصغار الدولة نفسها التي تسدد فواتير حماقاتهم من (سمعتها)!! هؤلاء الصغار لا تنحصر جرائمهم في قتل الأبرياء أمثال الشهيدة عوضية وشهداء مجازر بورسودان وكجبار وأمري وجامعة الخرطوم وجامعة كسلا وجامعة نيالاو..و… و…فجريمتهم الكبرى – من وجهة نظر أقلام "التوالي الصحفي" – هي (تلطيخ سمعة الدولة)! وتدنيس ثوبها الطاهر المغسول بالثلج والماء والبرد بأفعال شاذة وغريبة عن سيرتها الراشدة في الحكم التي لم تعرف قتلا أو تعذيبا أو ترويعا لأحد! وكأنما الدولة التي يتحدثون عنها هي سويسرا أو السويد أو النرويج وليست دولتنا التي تتصدر قوائم الدول الفاسدة والفاشلة عالميا! دولة المجازر الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق! دولة العنصرية الممنهجة، الدولة التي انفصل جنوبها القديم وتشتعل الحرب في جنوبها الجديد منذرة بمزيد من التمزق!
أقلام "التوالي الصحفي" تهاجم كل من يضع قضية مقتل عوضية عجبنا في سياقها الموضوعي وتجرم تسييس القضية ولا أدري كيف يمكن فصل قضية كهذه عن السياسة وكيف يمكن تناولها باستقامة أخلاقية دونما إشارة إلى فساد النظام الحاكم وتحميله المسئولية عما حدث وتوجيه الإدانة فقط إلى ضابط النظام العام الذي أطلق الرصاص واختزال الحل في محاكمته؟
نعم ضابط النظام العام هو من قتل ولكن هل هو من صاغ بيان الشرطة المتهافت الذي كسر عنق الحقيقة وأساء لسمعة الضحايا؟ وهل ذلك الضابط الصغير هو الذي أجبر كل صحف الخرطوم على الالتزام بنشر الرواية الرسمية الكاذبة ممثلة في بيان الشرطة ومنعها من نشر الحقيقة؟ وهل ذلك الضابط هو من وضع قانون النظام العام المعيب وكون شرطة النظام العام التي يسمح لها ذلك القانون المعيب بأن تقبض على الناس دون أمر قبض وتقتحم بيوتهم وتفتشها دون إذن تفتيش، ويكون الضابط فيها هو الشاهد وهو الذي يفتح البلاغ وعلى أساس ذلك تجرى محاكمات إيجازية تفتقر إلى أبسط تقاليد العدالة المتعارف عليها؟ وهل يستقيم منطقا أن نتحدث عن قانون النظام العام دون الحديث عن طرائق تفكير الذين وضعوه وهم أهل النظام الحاكم؟ وهل يستقيم عقلا الحديث عن إصلاح قانوني دون المساس بالنظام السياسي؟ وهل يتناطح كبشان حول ان اختلال النظام العدلي في البلاد مرتبط عضويا باختلال النظام السياسي ممثلا في دكتاتورية الحزب الواحد؟
أقلام التوالي الصحفي تسعى لإقناعنا بأن كل جرائم القوات النظامية هي تفلتات لا تعبر عن نهج الحكومة ولا تعكس طبيعتها العنصرية القمعية والسؤال الذي نطرحه هنا على تلك الأقلام التي تستخف بعقولنا لماذا تعجز أو تغفل الحكومة عن كف أيدي ضباطها وعساكرها عن ممارسة القتل الذي هو ضد رغبتها ولماذا لا تعاقب المتفلتين بل تتواطأ معهم بالتعتيم الإعلامي وتعاقب الصحف التي تفضح تفلتاتهم المزعومة!
الأحداث المتواترة في السودان تشهد بأن ما يحدث من قتل مجاني وترويع للمواطنين على أيدي القوات النظامية هو نتاج سياسات النظام الحاكم الذي سيس كل شيء، الخدمة المدنية والقضاء والشرطة والجيش والسوق والمساجد والطرق الصوفية والفرق الرياضية والمدارس والجامعات ورياض الأطفال والبقالات، وقام بقمع الصحافة، وعبر مجلس الصحافة والمطبوعات تحكم النظام في اختيار رؤساء تحرير الصحف جاعلا شرط (الولاء المطلق أو القابلية للتدجين) هو الأساس لإجازة رئيس التحرير!
وبعد كل هذا التسييس الخبيث للدولة السودانية وابتلاعها بشكل شبه كامل يرمي النظام الحاكم معارضيه بدائه وينسل! وأقلام التوالي الصحفي تتقزز من تسييس أحزاب المعارضة والنشطاء الحقوقيين لقضايا هي في قلب السياسة أصلا ولا تتقزز من تسييس المؤسسات التي يجب أن تكون مستقلة وأي تسييس لها هو تدنيس لشرفها وتدمير لكفاءتها ومهنيتها! إشكالية هذه الأقلام المتماهية تماما مع رغائب السلطان تكمن في عدم اتساقها مع المنطق البسيط، فالصادق الرزيقي رئيس تحرير الانتباهة لا يرى في زيارة والي الخرطوم ووزير الداخلية ومنسوبات الاتحاد العام للمرأة السودانية لأسرة الشهيدة عوضية وهي زيارة مسيسة بامتياز أية مشكلة لأنه يعتقد ان التسييس حق إلهي للحزب الحاكم وحده لا شريك له!
ولا يرى ضياء الدين بلال رئيس تحرير السوداني تفسيرا للإفلات من العقاب وهو القاسم المشترك الأكبر بين كل القضايا التي يكون الجاني فيها ينتمي إلى الشرطة أو الأمن والمجني عليه مواطن غلبان سوى أن (الشرطة وغيرها من بعض أجهزة الدولة تتحرك في بعض المواقف بدافع عصبية الزمالة ،فتتحول اخطاء الافراد وتجاوزاتهم الى فواتير تسدد من الحساب العام)!!
لا نستغرب ولا نرفع أي حاجب للدهشة، فطبيعي جدا في ظل نظام كهذا أن تكون الصحافة سلطة تابعة بدلا من ان تكون سلطة رابعة، طبيعي جدا ان لا يسمح بتقديم النصح للجلاد إلا في سياق الإشفاق على الجلاد نفسه من ثقل السوط ورهق رفع اليد والإشفاق عليه من الصداع الذي يسببه نباح كلاب حقوق الإنسان والحريات العامة من أمثالنا! لا في سياق الرأفة بالضحايا والثورة من أجل كرامتهم!! طبيعي جدا أن تتحول الصحافة إلى جهة استشارية لجهاز الأمن تنصحه بإطلاق سراح المعتقلين ليس انطلاقا من موقف مبدئي وأخلاقي ضد الاعتقال بل انطلاقا من ان الاعتقال ليس وسيلة فعالة في معاقبتهم!
طبيعي جدا أن لا يسمح للصحافة بالخوض في قضايا الفساد إلا في سياق تصفية الحسابات بين مراكز القوى المتصارعة داخل النظام وبشرط ان لا تمس الرؤوس الكبيرة وينحصر الصراع بين ظلال الأفيال وتسعد الصحافة التعيسة بتسديد الطعنات إلى تلك الظلال البائسة ثم تتفنن الأقلام إياها في إقناع المواطن المسكين بأن الفساد "تجاوزات" و"أخطاء" فردية! شأنه شأن مقتل عوضية! وسيطالبنا الصادق الرزيقي بعدم تسييس القضية! وسيطالبنا ضياء الدين بلال بتنحية عصبية الزمالة الفسادية! حتى لا تتحول أخطاء المفسدين الصغار وتجاوزاتهم إلى فواتير تسدد من الحساب العام وتلطخ سمعة الدولة السودانية !.
………………………………………………………………………….
قضية لبنى.. قضية قهر جسد المرأة
(أشياء صغيرة) أمل هباني
وقضية لبنى التي حدثتكم عنها يوم الجمعة الماضية في غاية البساطة، وفي غاية الخطورة، في غاية البساطة لأنّ لبس البنطلون للمرأة أمر في غاية البساطة وفي غاية السهولة وليس له أي مدلول أخلاقي، ولا يمكن أن نصنف المرأة التي لا تلبس البنطلون بأنّها (ربة الصون والعفاف)، والتي تلبس البنطلون بأنّها (تسلك سلوكاً فاضحاً) وفي غاية الخطورة لأنّ لبس البنطلون عرض لبنى أحمد حسين كما عرض عشرات النساء قبلها للاعتقال من قبل النظام العام وقواته النظامية التي تعرف زوراً بأمن المجتمع والمفترض أن يكون اسمها (ترويع نساء المجتمع)،
وبالطبع فإنّ النظام العام لم (ينجر) سلوكه تجاه النساء من رأسه بل من نظام مكتمل أعطاه الإشارة الخضراء بقانون النظام العام الولائي وبالمادة 152 -1 من القانون الجنائي والتي عنوانها (الأفعال الفاضحة)، وتقول هذه المادة، من يتزيأ بزي فاضح أو مخل بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يجاوز أربعين جلدة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً. وتقول المادة التالية يعد الفعل مخلاً بالآداب العامة إذاً كان كذلك في معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل أو عرف البلد الذي يقع فيه الفعل. وبهذه المادة الفضفاضة تقهر أجساد النساء ومن قبلها كرامتهن وإنسانيتهن فهذه المادة تشبه (قوانين سكسونيا) التي نحيا فيها والتي يمارس كبارها الفاحشة دون أن يسألهم الرب… بينما يقهر (أمن مجتمع) الرب كل أمرأة تفحصوا وتمحصوا في تفاصيل جسدها ثم قاسوا ذلك بمدى ما أصابهم من (مضايقة) لشعورهم العام، فإذا لم ير ذلك الشرطي في حياته نساء يرتدين ما ترتديه المرأة في الشارع لبيئته المنغلقة أو المختلة التي نشأ فيها يتحول ضيقه هذا إلى أربعين سوطاً (تمزق جسد تلك المرأة) يساعده على ذلك مجتمع يخشى أن توصم بناته ونساؤه بهذه الوصمة، فإذا سمع الأب أن ابنته جلدها (ناس النظام العام) مات هماً وحسرة من مجتمع لا يرى في المرأة غير مذنبة، وللأسف لا ترى هي في نفسها غير ذلك، إن اغتصبت فمذنبة لأنّها خرجت وحدها وإنّ طلقت فمذنبة لأنّها قصرت في واجباتها الزوجية وأن قرر أولئك الأوباش اللهو قليلاً، التفتوا لأقرب مكان تجمع نساء في شارع النيل والتقتطوا عدداً منهن لأنّ زيهن (فاضح) فاضح لمن و وفق أي معيار، وفي أي دين هذا متروك لحكم رجال (أمن المجتمع) مجتمع من؟ مجتمع سكسونيا.
وغداً تدعو صحيفة أجراس الحرية كل من مسّها أو مسّه هذا الموضوع المشاركة في منتدى أجراس الحرية في تمام الساعة 12 ظهراً تضامناً مع لبنى ومع كل النساء اللائي تعرضن لما تعرّضت له وصمتن خوفاً لأنّ هذا زمان لم يعد الصمت فيه ممكناً.
………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………
فضيحة الفضائح!!
د.عمر القراى
الفتاة المنكوبة، التي جلدت ظلماً، بصورة بربرية، وحشية، عشوائية، لا تمت بصلة لأي دين أو قانون، أو عرف، أو خلق، وتفتقر الى أبسط صورالرجولة والشهامة العادية، فضحت نظام الإنقاذ المتهالك، ودعواه التضليلية، لإقامة أي علاقة بينه وبين الإسلام، من قريب أو بعيد.. ولقد صدم شريط الفيديو، الذي يصور تلك الواقعة البشعة، الحس الإنساني، وأدانه كل صاحب ضمير حي.. ولقد ساقه الله في هذا الوقت بالذات، ليطلع العالم على هؤلاء الأوباش، الذين يدعون أنهم مع وحدة البلاد، وأمنها، وسلامتها، وهم يفعلون ببسطاء أهلها هذه الجرائم، التي يندى لها الجبين. وهذه الفتاة التي ستذهب في تاريخنا رمزاً لا ينسى لقهر المرأة السودانية، وإهانتها، والتي كان احترامها، وصونها، وتقديرها، شيمة هذا الشعب، طوال تاريخه، إنما تؤرخ بتلك الحادثة التي اختارها الله لها، الإنفصال التام، بين هؤلاء الرعاع الجهلة، وبين هذا الشعب الكريم.. ولعل سؤال الاستاذ الطيب صالح من أين أتى هؤلاء؟! يصبح الآن، وبهذا الحادث، الذي فضحهم وزلزلهم من هؤلاء؟!
إن قيمة الحدث، رغم مرارته، أنه القى المزيد من الضوء على عقليات هذه العصابة الدموية الخائرة.. فحين وضع الشريط في سودانيزاونلاين، قاموا أولاً بسحبه، ولكن مجموعة كانت قد سجلته في أجهزتها، واعادته فوراً، للموقع، وانتشر في مواقع أخرى، شملت المجتمع الدولي الذي لا يريدون إغضابه.. فسارعوا بالتنصل من الموضوع، كما هي عادتهم، وأعلنت رئاسة الشرطة انها تجري تحقيق في الامر، وستحاسب كل من تورط في هذا الفعل، وكأن الواقعة حدثت يوم نشرت الصورة، ثم إذا بهم يخبروننا بأن هذا الموضوع قديم، وتم قبل عشرة اشهر!! فلماذا لم تحاسبوا عليه في ذلك الوقت؟! هل يعقل ان تكونوا أنتم (حماة) الإسلام ويدلكم (أعداء) الإسلام على أخطائكم لتصححوها؟!
وكان يمكن للمؤتمر الوطني، ان يختار بعض عقلائه، ليعلق على الشريط، بصورة تخفف من السخط العام على الحكومة، وحزبها، بسبب هذا الحادث.. ولكن قضى الله أن يزيد من فضحهم فسلط عليهم أقلهم حنكة، واعياهم حجة، فزادوا الأمر سوءاً من حيث ظنوا لجهالتهم أنهم يحسنون صنعاً.. فحين عرضت قناة الجزيرة الشريط سألت د. نافع علي نافع نائب رئيس المؤتمر الوطني فذكر ان الفتاة غير محترمة ولو كانت محترمة لما جلدت!! فهل حقق هذا المسئول في الحادث، وتأكد مما قال، أم انه إفترض ان قضاءهم عادل، ولا يخطئ، ومادام قد جلد هذه المرأة فلا بد أن تكون غير محترمة!! أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد إشتكى إليه رجل بأن واليه على مصر عمر بن العاص قد جلده، فلم يقل له ما دام قد جلدك في ظل خلافتي فأنت رجل غير محترم، وإنما أبقاه وارسل الى عمر بن العاص، وتأكد من الحادث، ثم أمر الرجل ان يجلد ابن الأكرمين. فهل كان ذلك حكم إسلامي وهذا الذي نشاهده حكم إسلامي؟!
وأما والي الخرطوم، فإن أمره عجب، فحين سألته قناة النيل الأزرق قال (تجمعت لدي معلومات ولو سمحت لي أدلي بها أمام مشاهديك جميعا.. أنا طلبت اليوم معلومات لاتعرف على حجم المشكلة نفسها..) فهو لم يكن يعلم بالأمر، ثم أخبرته مصادر معينة عن القضية، ولم تقل له ان الفتاة إرتكبت جريمة الزنا.. ولذلك قال عن العقوبة (العقوبة كانت الجلد 80 جلدة تعزيرا لكل واحد)، ولو كانت الفتاة قد إرتكبت جريمة الزنا، لكانت العقوبة 100 جلدة، إذا كانت غير متزوجة والرجم بالحجارة إذا كانت متزوجة.. فلماذا قال عنها (المواد كلها متعلقة بأعمال أخلاقية وفاضحة وإدارة الدعارة)؟! حتى يوحي بأن المرأة قد أرتكبت الزنا؟! قال تعالى في حق مثل هذا الوالي (والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون)!! وهو بعد أن شهّر بهذه الفتاة المسكينة، من أجهزة الإعلام، ولمح كذباً، وزوراً، بأنها زانية، قال (والمواد هذه أنا لم أشأ أن أذكر طبيعة المواد.. أنا لا أريد التشهير الآن).. فهل رأى الناس مثل هذا النفاق؟! وبعد أن أخبرنا الوالي بأن الفتاة عوقبت تعزيراً لأنها لم تجلد جلدات الحد، نسى ذلك، ثم قال (انما هو حكم قضائي لحد من حدود الله سبحانه وتعالى.. قررته المحكمة وتولت المحكمة التنفيذ في فناء المحكمة)!! فهل حقاً تطبق حكومة هذا الوالي حدود الله؟! لماذا لا يقطع السارق ولا يرجم الزاني المحصن؟! وهل يجوز لحاكم ان يترك حداً من حدود الله ويطبق الآخر؟! وما علاقة قانون النظام العام الوضعي بالشريعة الإسلامية؟! والقاضي الذي نفذ العقوبة على الفتاة المسكينة، ولم ينه الذي كان يضحك، والذي قال عنه الوالي (عقوبة حدية صادرة من قاضي مختص)، لماذا لم يخبر رؤساءه بأنه لن يطبق الحدود في دولة نائب رئيسها، الذي يكون رئيساً لها في حالة سفر الرئيس، غير مسلم؟! وهذا الوالي المفارق لاخلاق الإسلام، والذي شهر بالمرأة المظلومة، يذكرنا مرة أخرى، بالستر فيقول عن الفتاة (كانت متهمة بعد أن حوكمت خلاص الشرع نفسو بيقول إنه طهرها.. هذا ما نعرفه نحن في شرعنا.. لذلك ما كان ينبغي أن تستغل هذه القضية بهذه الكيفية… وأنا في طوافي على أمن المجتمع دائماً أحثهم على الستر)!! إذا كان الشرع كما ذكر الوالي يقول عنها بعد العقوبة (مطهرة)، ونائب رئيس حزب الوالي يقول عنها (غير محترمة)، فهل يعتبر قوله هذا مخالفة للشرع يستحق عليها عقوبة تعزيرية؟! ولعل الوالي رغم دفاعة المستميت عن هذه الحادثة، شعر أن المستمعين ما زالوا لا يقبلونها، خاصة الذين رأوا الشريط، ولهذا حاول ان يطمئنهم بأن الحكومة أيضاً، مثلهم لم تقبل هذا العمل، ولذلك قال (اوقف العمل في تلك المحكمة يعني قفل المحكمة خالص في التاريخ داك قبل عشرة شهور قفل المحكمة وأدان الناس المارسو العقوبة).. من الذي قفل المحكمة وأدان الذين جلدوا الفتاة؟! وقد قاموا حسب زعم الوالي بتنفيذ حد من حدود الله بتوجيه (قاض مختص)؟! إذا كان الوالي الذي يلي أمور الناس يضطرب ويلتوي بهذه الصورة، فكم من الحقوق تضيع تحت ولايته؟!
يقول الطيب مصطفى (هنيئاً لأجراس الحرية ولباقان وعرمان وبني علمان فقد وجدوا ضالتهم في قصة «فتاة الفيديو» ليعلنوا حربهم من جديد على القرآن وعلى الإسلام كما فعلوا غداة سهرة لبنى أرملة طيب الذكر عبدالرحمن مختار في ذلك الملهى الليلي بعد منتصف الليل وهي ترتدي ما خفّ وشفّ مما لا يتسع المجال للتفصيل فيه)(أجراس الحرية 13/12/2010م). ولا أود ان أعلق على العبارات الكاذبة المسفة، التي يستحق قائلها الجلد لمخالفته للشريعة، بالحديث غير اللائق، فقد جاءت لبنى للمحكمة بنفس زيها، ولم يستطع القاضي الإعتراض عليه، ولكن المهم هو لماذا لم تجلد لبنى، وسجنت ليوم واحد، ودفع عنها مسئول حكومي الغرامة، حين رفضت ان تدفعها، وجلدت هذه الفتاة المسكينة؟! هذه الدولة هي التي يجلد فيها الضعيف، ويترك فيها الشريف، إذا سرق، وإلا لماذا لم يحاكم كل الذين سرقوا المال العام، مما اورده المراجع العام، أمام المجلس الوطني؟! وأي الجرمين اضر بالأمة ما فعلت هذه الفتاة، أم ما فعل رؤوساء المرافق الحكومة من قادة المؤتمر الوطني الذين وصفهم المراجع العام بنهب المال العام؟!
يقول الطيب مصطفى («وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» مضمون هذه الآية يخاطب المؤمن وينهاه عن استخدام العاطفة حتى ولو صرخت المذنبة «واي يا يمه تعالي لي» فهل نسمع كلام الله أم تخرصات دعاة حقوق الإنسان الذين يحلو لهم أن يستنجدوا بأولياء نعمتهم من خواجات فضائح أبو غريب وباغرام وقوانتانامو الذين لو عرضنا مشاهد عُريهم وممارساتهم وعروض الشذوذ الجنسي الحية في مدنهم النجسة لاستحوا من استنكار عقوباتنا الإسلامية القرآنية لكن هل يعرف هؤلاء قيمة الحياء؟!)(المصدر السابق) إن الآية التي ذكرها الطيب مصطفى، خاصة بعقوبة الزنا قال تعالى "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رافة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" وهذه الفتاة لم تعاقب على الزنا بدليل انها لم تجلد مائة جلدة، كما جاء في الآية. ونسبة هذه الآية لتلك الفتاة، مما يوحي بأنها ارتكبت جريمة الزنا، هو إتهام لها من الطيب مصطفى، لم يأت عليه بأربعة شهداء، قال تعالى (والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون) ونحن لعلمنا بأن الطيب مصطفى عند الله من الفاسقين، لا نقبل له شهادة أبداً، سوى ان كانت عن باقان أموم، أو عن علي عثمان محمد طه.. والطيب مصطفى يهاجم الامريكان، فمن هم الذين كان الامريكان أولياء نعمتهم، إن لم تكن حكومة المؤتمر الوطني التي وصفوها بانها كانت يدهم اليمنى، في ضرب الحركات الإرهابية، بعد أن سلمت المخابرات الأمريكية (المجاهدين) المسلمين، لوضعهم في نفس السجون التي يدينها الطيب، هنا، كذباً ونفاقاً.. وهذه المدن "النجسة" أليست هي نفس المدن، التي تعلم فيها كوادر الحركة الإسلامية، ونال معظمهم جنسيات أهلها، واصبحوا يتمتعون بالجنسية المزدوجة، التي لا يريد الطيب أن تمنح للجنوبيين؟!
أسمعوا هذا التبرير البائس، لجلد الفتاة المكلومة، يقول الطيب مصطفى (من منكم لم يُجلد في حياته على يد أساتذته عشرات المرات خلال مسيرته الدراسية)!! فهل جلد المدارس مثل جلد هذه الفتاة؟! وإذا ثبت ان هنالك أستاذ معتوه جلد طالب أو طالبة مثل هذا الجلد فهل فعله المشين يبرر هذه الفعلة الشنعاء؟! ثم هل يعلم الطيب مصطفى ان وزارة التربية والتعليم التي يقوم على أمرها زملاء له في المؤتمر الوطني قد ألغت تماماً عقوبة الجلد في السودان؟! أما قول الطيب مصطفى ( ثم أيهما أحق بأن ترق له قلوبنا تلك الفتاة أم أطفال المايقوما الذين يعيشون أعمارهم في ذلّ ومسكنة جراء اختفاء أبوين هاربَين استسلما لشيطان الشهوة وتسبّبا في كارثة إنسانية تدوم ما بقي ضحاياها من الأطفال الذين سيكبرون ويعانون مليارات المرات أكثر من معاناة تلك الفتاة؟!) فإنه أسوأ من سابقه، ولم يسأل الطيب مصطفى نفسه لماذا زاد أطفال المايقوما الآن في ظل الحكومة الإسلامية التي تزعم أنها تطبق حدود الله؟! ومن الذي تسبب في كارثة أطفال المايقوما، وما هي الظروف التي دفعت الناس للرذيلة؟! ومن المسئول الاول عن سوء الاوضاع الإقتصادية، والإجتماعية، والنزوح والتشرد؟! وما هي أكبر كارثة إنسانية في السودان: هل هي أطفال المايقوما أم أطفال دارفور؟
لقد قامت مبادرة " لا لقهر النساء"، تضامناً مع الفتاة التي جلدت، وظهرت صورتها المؤثرة في القنوات الفضائية، وفي الإنترنت.. بالخروج في مسيرة إحتجاج، يحملن فيها مذكرة تطالب بالغاء قانون النظام العام، وهو عمل حضاري، ومسئول، ولكن رجال الأمن منعوهن من الوصول للوزير وقاموا بإعتقالهن، وأودعن السجن لعدة ساعات، ثم أطلق سراحهن. التحية لهؤلاء النساء المناضلات، الحرات، اللاتي فعلن ما عجز عنه الرجال.. إن حكم الوقت معكن، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم (في آخر الزمان خير أولادكم البنات)؟! بلى!! قد قال.
………………………………………………………………………….
التحية لسلفا .. والعار على جلاديها !! ..
بقلم: د. عمر القراي
حين سقط على ظهرها السوط الأول، والثاني، والثالث، لم يتحمل جسدها البض، وارتعدت فرائصه دون ارادتها، وقد شغلها عن الألم الشديد، محاولتها ان تكتم في صدرها صراخها، وآهاتها، في شجاعة ، لعلها استمدتها من تفكيرها في أهلها، وفي ابطال وبطلات الزاندي، الذين كانت تسمع وهي صغيرة، قصصهم من أمها، وهي تهدهدها لتنام على حجرها .. ولكنها مهما جاهدت، لم تستطع ان تخفي دموع غزيرة انسابت من عينيها، ولم تستطع ان تثبت في مكان واحد، فتحركت هنا وهناك، تحاول ان تتقي لهب السياط، والشرطية الصارمة، تطاردها وتضربها، حتى أكملت خمسين سوطاً !! وإذ رجعت بذاكرتها لساعة ، تحاول ان تدرك ماذا حدث قبل ان تحضر امام القاضي، ويأمر بجلدها خمسين جلدة ، ترى نفسها، وقد خرجت من بيت أهلها، وكانت أمها قد ارسلتها لتشتري اشياء من سوق الكلاكلة ، فإذا برجل يسير خلفها لمسافة طويلة ، وهو يعاكسها بعبارات نابية ، سمعتها كثيراً ، في المواصلات العامة ، من كثير من الصعاليك .. وحين التفتت اليه، وواجهته بسوء فعلته، لابد انها قالت له كلمات اوجعته، ولابد ان الشارع انتبه الى ذلك الكلام ، فما كان من الرجل -الذي لا يلبس أي زي عسكري- الا ان يمسك يدها، ويصرخ بأنه من شرطة النظام العام، وانه سيفتح عليها بلاغاً .. ثم اخذ يمسكها ويجرها بيده، وسط دهشة المارة، وعدم مقدرتهم على التدخل، لأنه قال انه من الشرطة، وان هذا البنت ارتكبت جريمة .. ويبدو انه حتى تلك اللحظة ، لم يحدد ما كان يود ان يلصقه به، الا حين وصل الى زملائه في القسم ، فرأوا انسب ما يبرر دعواهم، ويخرج صاحبهم من جريرته، ان يفتحوا البلاغ تحت قانون النظام العام، الفضفاض، وتحت مادة الزي الفاضح وخدش الحياء .. لقد ذهبوا بها الى قاضي محاكم النظام العام الايجازية، فلم يعطها حق استدعاء محامي، بل منعها حتى من الاتصال بأمها، التي تعمل في القضائية (والدها متوفي) .. ولم يأبه هذا القاضي العجيب لما ذكرته له من انها ليست مسلمة، وانها جاءت من الجنوب قبل أيام، ولا تعرف لماذا يشكل لبسها هذا جريمة تستحق عقوبة .. ولم تجعله كل هذه الملابسات يتردد، فيتحرى عن دينها أو عمرها، ولو فعل لعلم انها تعتبر بحسب القانون طفلة، لا ينطبق عليها موضوع الزي الفاضح، ولعلم انها مسيحية، لا تقييد بشريعة المسلمين واعرافهم .. إن سلفا كاشف أبوللو الفتاة الجنوبية المسيحية التي عمرها دون الثامنة عشر كانت ترتدي (اسكيرت) طويل ( وبلوزة) نصف كم، ولم تكن تغطي رأسها .. فما هي مرجعية القاضي، التي بموجبها قام بجلدها؟! إن القاضي الذي حكم على لبنى الصحفية المشهورة، قال ان مرجعيته لتحديد الزي الفاضح، هي الشريعة الإسلامية، وقرأ من القرآن آية ( وليضربن بخمرهن على وجوههن ) ، فهل كان من الممكن ان يقول ما قال، لو لم تكن لبنى مسلمة ؟! ثم ما هو مبرر قاضي سلفا، لجلدها خمسون جلدة ؟! إن حد السكر في الشريعة الإسلامية اربعين جلدة .. وعقوبة الزي الفاضح في قانون النظام العام الجلد اربعين جلدة كحد أفقصى فلماذا تجاوز القاضي ما علم من الدين بالضرورة وما ورد في القانون الذي امامه وجلد سلفا خمسين جلدة ؟! ترى ما هي الصورة، التي رسمتها سلفا بنت الستة عشر عاماً ، للشرطية الذي قامت بجلدها، والقاضي الذي حكم عليها، وكل المواطنين الشماليين الذي حضروا ولم يستنكروا هذه الجريمة النكراء ؟! هل يتوقع من سلفا، أو أهلها، واصدقائها، أن يصوتوا في الاستفتاء للوحدة أم لانفصال الجنوب ؟!
إن روح فلسفة العقاب في الدين، وفي القانون الوضعي، هي ان يفهم المعاقب جرمه، ويقتنع بانه يستحق العقوبة المقررة عليه، وانها تناسب ما ارتكب من خطأ .. وذلك حتى تنشأ في نفسه بجانب خوف العقوبة، قناعة تساعده على عدم تكرارها .. ويجب ان تتم المحاكمة، بصورة علنية ، تحقيقاً لهذا الغرض، ويمنح المتهم كافة الفرص، التي تعينه على الدفاع عن نفسه مباشرة او بواسطة محامي .. ويجب ان تستمع أي محكمة محترمة، بصبر وأناة ، الى دفاع المتهم مثلما استمعت الى قضية الإدعاء، وشهادة الشهود ، ثم تأخذ الوقت الكافي، الذي يمكنها من المقارنة وتحليل الادلة، والترجيح بينها، حتى تخلص الى الحكم الصحيح، الذي يكون أقرب الى تحقيق العدالة . وهي في عملها هذا، ترعى الى جانب تحقيق العدالة، الكرامة الانسانية للمتهم، فلا تحط من قدره ، ولا تحكم عليه سلفاً، ولا تقضي بغير البينات .. فماذا تم في محاكمة سلفا ؟! لقد قبض عليها، وحكم عليها، واعطى القاضي الأمر بالتنفيذ ، ونفذ الحكم، ورجعت الى بيتها بالمواصلات العامة، خلال ساعتين فقط !! فهل يبرر هذه العجلة، المهدرة للحقوق، والمهينة لانسانية الإنسان ، كون محاكم النظام العام محاكم إيجازية سريعة، تلاحق ما يجري في المجتمع بسرعة قبل ان ينفرط عقد الأمن ؟!
إن ما حدث للإبنة سلفا، ليس حماية للنظام أو الاخلاق، وانما هو اهدار للقيم، واستبداد على الناس، وتشفي، واستغلال للقانون لتغطية أمراض النفوس، وحماية المتورطين في التحرش الشهواني، الذي أصبح اصحابه يملكون سلطة، بعد ان التحقوا بحزب الحكومة، ودخلوافي قواتها النظامية . ولقد طال هذا الظلم الفادح، قبل سلفا الكثيرات، من بنات جنسها وها هي تلحق بركب طويل ، ضم في عام 2008م وحده 43 ألف إمراة سودانية، جلدن، وغرمن، وحبسن، بتهمة الزي الفاضح .. وكان معظمهن يلبسن ( البنطلون)، ولم يعف كثير منهن، انهن كن يغطين رؤوسهن، كما رأينا في قضية لبنى، كما لم يعف كثير منهن، انهن غير مسلمات، ولا ينتمين الى التراث العربي الاسلامي، الذي يفرض على المرأة ان تغطي جسدها ..
إن قانون النظام العام، إنما يشوه الشريعة، ويشوه الإسلام، وينفر عنهما أشد التفير .. ولو كان النظام حريصاً على الإسلام، لألغى هذا القانون، من هذا الباب وحده ، واعاد شرطته، الى اقسام الشرطة الأخرى.. أما تشويهه للشريعة ، فإنما يجئ من ان عقوباته القاسية تتشبه عقوبات الشريعة، من حيث شدتها ، ولكنها لا تشبهها .. وذلك لأن الشريعة تحرص على دقة تحري للعدالة ، وعلى اظهار الحق ، وتطبق على جميع الناس دون تمييز بينهم .. وكان الخلفاء الراشدون – وهم وحدهم من طبق الشريعة بعد النبي صلى الله عليه وسلم – يبدأون بتطبيق العقوبات على أهلهم، وذويهم قبل بقية الناس .. وأما تشويهه للاسلام، فإنه يجئ من الجهل باهداف الاسلام السامية ، التي عبرت عنها أصوله، بأكثر مما عبرت عنها الشريعة .. هذه الأصول، التي تركز على الحرية الفردية، والكرامة الانسانية، بصورة لا يدانيها فهم آخر .. وفي أمر الاخلاق، فإن التربية يجب ان تتم بالنموذج، لا بالخطب الرنانة، والمواعظ المكرورة . وفي حالة سلفا، فإن النموذج الذي ضربه لها شرطي النظام العام - حسب روايتها- قد كان نموذج معتدي ، ومتحرش جنسي، لا علاقة له بالدين ، أو الاخلاق .. أما القاضي، فلم يكن نموذجاً للعدالة والانصاف، وانما كان عكس ذلك تماماً .. ولما كانت سلفا، قد افهمت ان جلدها، وإهانتها، قد تم وفق قوانين، مرجعيتها الإسلام ، فإنها بلا شك ، قد انطبعت في عقلها ، صورة قاتمة لهذا الدين، الذي يجلد الأطفال، بسبب ما يلبسون !! فلمصلحة من تفعل الحكومة كل ذلك ؟ هل يتم لمصلحة الاسلام، أو لمصلحة حزب المؤتمر الوطني، وهو مقبل على الانتخابات ، التي يريد ان يكسبها بكل سبيل، حتى يقنع المجتمع الدولي، بالتفاف الشعب حول قادته ؟!
لقد واجهت الصحفية الشجاعة، لبنى أحمد حسين، هذا القانون البشع، وشرطته، مواجهة كبيرة .. فقد اصرت على ان زيها ليس فاضحاً ، وجاءت به الى قاعة المحكمة ، ورغم ان القاضي قال ان مرجعيته هي الشريعة ، فإنها لم تسعفه، لأن لبنى كانت تغطي شعرها، ونحرها ويديها ولم يجد في الشريعة أي نص يمنع لبس البنطلون .. ولقد افلحت لبنى، في تعبئة الرأي العام الداخلي والخارجي، حتى صارت سيرتها في كل صحف، واذاعات، وقنوات العالم .. فتعاطفت معها الأمم المتحدة، ورؤساء بعض الدول، وثار الحديث عن الجلد كعقوبة مهينة للانسانية ، فلم يملك القاضي الا ان يتجاوز الجلد ويحكم بالغرامة !! ولو كان أمر قانون النظام العام، أمر دين، يقوم على الصدق، لأصر القاضي على جلد لبنى، مهما تعاطف العالم معها ، ولما حاول ان يجد مخرجاً ساهلاً بالغرامة .. ولكن لبنى لوعيها بالصراع، رفضت دفع الغرامة، وفضلت السجن .. وبالفعل رحلت الى سجن كوبر، ولم تمكث فيه الا يوم واحد، ثم اطلق سراحها ، رغم ان قرار القاضي هو شهر سجن .. فمن الذي اطلق سراح لبنى وكسّر قرار القاضي ؟! ولماذا قبض عليها أصلاً ؟! ولماذا جلدت سلفا ولم تجلد لبنى ؟! وكيف تخاف هذه الدولة ولا تختشي ؟! وأين هي سيادة حكم القانون ؟! وهل يجوز ان يبقى مثل هذا القانون، مسلطاً على رقابنا، ومهدداً لأمن وسلامة بناتنا، وأولادنا، ويصر المؤتمر الوطني على عدم تغييره، أو تعديله ، ويبقي على القوانين المماثلة كالقانون الجنائي، وقانون الأمن الوطني ، ثم نوافق على الانتخابات التي يديرها، والتسجيل الذي زيفه كما شاء، ظناً منا ، اننا برغم كل هذا ، يمكن ان نهزمه في الانتخابات ؟!
إن أسرة سلفا لم ترض بهذا الظلم، وكلفت محامي لرفع قضية تسترد بها بنتها حقها، فقد حوكمت كشخص بالغ، وهي لا تزال طفلة، وحكم عليها وفق مرجعية إسلامية وهي مسيحية .. ومن حيث العرف، فإن قبيلة الزاندي، التي تنتمي اليها، لا تستنكر زيها، ولا ترى فيه أي مفارقة للاخلاق . ولكن هل ستجد هذه الأسرة المكلومة ، في محكمة الاستئناف، من يقف بجانب الحق، ويدين قاضي النظام العام ؟! إن كل التجارب مع محكمة الاستئناف، منذ مجئ حكومة الانقاذ، في عام 1989م، أنها كانت تقف باستمرار، في القضايا العامة، وقضايا النقابات، والحريات، مع الحكومة، فهي مسيسة تماماً. وقد درجت على شطب قضايا الاستئناف، منذ قضية اساتذة جامعة الخرطوم، وحتى قضية الرقابة القبلية على الصحف. فقد استأنف بعض الصحفيين، قرار الرقابة القبلية ، وطالبوا برفع الرقابة ، لتعارضها مع إتفاقية السلام الشامل ومع الدستور الانتقالي . فشطبت محكمة الاستئناف الطلب، وذكر قاضيها في حيثياته، انه نظر الى القوانين السودانية فلم يجد فيها ما يمنع الرقابة على الصحف !! هذا بدلاً من ان ينظر الى ابواب الحريات في الدستور، ويجد منها حرية التعبير، فيأمر برفع الرقابة لتعارضها مع الدستور .. ولقد ظن قاضي محكمة الاستئناف، انه بقراره هذا، سيفرح الحكومة ، ولكن الحسابات السياسية، كانت خارج نطاق تصوره، ومتعلقة بمسائل خارج السودان .. ولهذا قام رئيس جهاز الأمن، برفع الرقابة على الصحف، وقال انه يعلم ان قرار محكمة الاستئناف، يعطيه الحق في الاستمرار في الرقابة، ولكنه قرر رفعها، لأنه لا يريد ان يكون ( متعسفاً ) مثل المحكمة !!
إن التغيير الذي تحتاج اليه بلادنا، حتى تتجنب ما يهددها الآن من مجاعة، ومن صراعات وحروب، وانفصالات تشير الى تمزق الوطن، واهدار طاقاته وموارده، ليس اصلاحاً قانونياً، في نظام أكل الفساد لحمه وعظمه، وانما اصلاح سياسي، يغير هيكل السلطة ، وطبيعتها ، وأهدافها وممارساتها، ويضبطها بما تم الاتفاق عليه من تحول ديمقراطي .. ولأن المؤتمر الوطني لا يريد هذا التغيير، فإنه لن يجعله يتم من خلال انتخابات، هو المشرف الوحيد عليها .. لهذا ليس أمام الأحزاب السودانية، إن كانت جادة، وغير طامعة في فتات المؤتمر الوطني، الا مقاطعة الانتخابات، ورفض نتائجها منذ اليوم، إذا خاضها المؤتمر الوطني وحده، ثم رفض ما يترتب على هذه النتائج ، وعدم الاعتراف بالحكومة ، التي تجئ في اطار القوانين المقيدة للحريات، لأن قوانينها هذه ، لا تعترف بالشعب، فلماذا يعترف الاشعب بها ؟!
والاحزاب السياسية ، يجب ان توعي جماهيرها، بالمقاطعة، واسبابها، وتحثهم على التأكد من انها شاملة ، بدلاً من ان تدعوهم للتسجيل، رغم علمها بما جرى من تزوير في التسجيل، رفضت مفوضية الانتخابات تصحيحه، بعد ان رفعت اليها الاحزاب شكواها .. فقد جاء ( استنكر فاروق أبو عيسى البطء في الوفاء باستحقاقات الانتخابات الحرة النزيهة ومنها تعديل قانون الانتخابات كما استنكر تجاهل مفوضية الانتخابات لمذكرة القوى السياسية حول خروقات التسجيل الانتخابي ) ( اجراس الحرية 2/12/2009م ) . فإذا كانت الاحزاب ترى ان التسجيل به خروقات، وتزوير، فلماذا تدعوا جماهيرها للاستمرار فيه ؟! إن واجبها هو رفع قضية الوطن فوق خدعة الانتخابات، وتكثيف النشاط حول قضايا الوطن الكبرى، مثل عدم تنفيذ اتفاقية السلام، والاستفتاء وحق تقرير المصير، وقضية الانفصال السلمي ، وقضية دارفور، وشبح المجاعة التي تهدد البلاد، وقضية الحريات العامة ، ومواجهة المؤتمر الوطني، بدوره السالب، في كل هذه القضايا الجوهرية، وفقده بذلك مبررات بقائه .
……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….
شريعة قدو قدو
(ساخر سبيل) الفاتح جبرا
على الرغم من إصابتى بمرض الملاريا اللعين وعدم مقدرتى على الحركة أو التركيز إلأ أن كثيراً من الصحاب قد أشاروا عليا بمشاهدة ذلك الفديو (الكارثة) الذى يصور تنفيذ عقوبة الجلد على فتاة فى إحد أقسام الشرطة ففعلت وليتنى لم أفعل إذ أن الملاريا وحدها كانت كفيلة بإصابتى بالطمام والغثيان (يعنى ما كنتا ناقص)!
بعد مشاهدتى لذلك الفديو (الكارثة) خرجت بعدة إنطباعات وملاحظات تنافى فى مجملها ما أراده المشرع من سن لهذه العقوبة (عقوبة الجلد) إذ إن الهدف من إقامة عقوبة الجلد على الجانى هى إصلاحه وتهذيبه ليكون عضواً صالحاً فى المجتمع وليس المقصود إهلاكه أو تشويهه أو إتلاف بعض أطرافه أو أصابته بعاهه دايمة ليصبح من ذوى الإحتياجات الخاصة.
ولعل أول ما لفت نظرى هو الأداة التى إستخدمت فى الجلد فعلى الرغم من أن جميع الفقهاء قد إتفقوا على أن يكون السوط وسطاً لا جديداًَ فيجرح ولا قديماً فيقل ألمه إلا أن السياط التى أستخدمت وهما سوطان كانا (جداد لنج) كما كان واضحاً من الصورة ومن النوع الذى يمكن أن (يكتل براااحة) ! وهذا خروج على رأى العلماء الذين يرون أن القصد من تنفيذ هذه العقوبة هو الردع والزجر وليس إهلاك الجانى أو إتلاف عضو من أعضائه.
أما الملاحظة الثانية فهى أن الفقهاء قد أجمعوا على إتقاء الوجه والرأس والفرج والمقاتل كالفؤاد والخصيتين لأن جلد ذلك يؤدى إلى الوفاة أو إلى ذهاب منفعة كما فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) رواه أبوداؤود ، على الرغم من كل ذلك إلا أن (الفديو الكارثة) يوضح لنا بأن (الجلد العشوائى) قد نال من (رأس) ووجه الفتاة وصدرها وأن الجلاد كان يجلد بإهمال يعنى (محل ما تقع تقع) وإذا ما إستصحبنا معنا قوة وطول وجدة (سياط العنج) المستخدمة مع قوة الضربات فإن حدوث نزيف فى المخ أو فقأ للعين أو خلاف ذلك من الأمور الكارثية يصبح أمراً ممكن الحدوث!
أما الملاحظة الثالثة فهى قوة الضربات خاصة (قدو قدو) الذى نزل إلى أرض (الملعب) دون حتى أن يستأذن (الحكم) وقام بإرسال سياطه (القوية) وهو يرفع السوط إلى اعلى مدى بينما يقول (القرطبى) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (الضرب الذى يجب تنفيذه هو أن يكون مؤلماً لا يجرح ولا يبضع ولا يخرج الضارب (الجالد) يده من تحت إبطه) ! وهذه دلالة واضحة بأن يكون الجلد معتدلاً (مش زى جلد قدو قدو)!
والملاحظة الرابعة هى ما شاهدناه فى الفيديو من (ضحك) فى غير مكانه و(تلذذ واضح) للجالد بينما واحدة من أهم شروط (الجالد) الذى يقوم بتنفيذ هذه العقوبة هو إلا يكون قصده التشفى وإلا يكون غليظاً جافى القلب وأن يكون أميناً ذا تقوى ومخافة من الله ومعرفة بأحكام الشرع ، وما شاهدناه يقول أن (الكلام ده مافى) وأن من تولوا الجلد جهال من غلاظ الأكباد ! قال القرطبى فى تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) ج 12 ص 163-164: ( الحد الذى أوجب الله فى الزنا والخمر والقذف وغير ذلك ينبغى أن يقام بين أيدى الحكام ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم يختارهم الإمام لذلك وكذلك كانت الصحابة تفعل كلما وقع لهم شئ من ذلك – رضى الله عنهم – وسبب ذلك أنه قيام بقاعدة شرعية وقربة تعبدية تجب المحافظة على فعلها وقدرها ومحلها وحالها بحيث لا يتعدى شئ من شروطها ولا أحكامها فإن دم المسلم وحرمته عظيمة فتجب مراعاته بكل ما أمكن وهذا مقتضى عدل الشريعة)!
إنتهى حديث القرطبى ولن ينته الألم الذى أحس به كل من شاهد تلك المقاطع التى تم بثها والإستغاثات التى كانت تصدر من تلك الفتاة زاحفة على الأرض وهى تحت نيران مدفعية (قدو قدو) وزميله الآخر يجلدانها بدون علم أو بصيرة ليرى العالم كيف أننا نفشل فى كل شئ حتى فى تنفيذ (عقوبة) أبان ووضح لنا العلماء كيفية تنفيذها ولكن من المؤسف تماما أنها قد تمت بتلك الصورة البشعة و(كمان) تحت إشراف شخص كان يعتقد بأن هذا (التنكيل) هو منتهى العدل.
كسرة:
هذه ليست الشريعة التى نعرفها .. التى تدعو إلى الرحمة والرأفة وإلى أن (كل شئ بمقدار).. دى شريعة تانية خالص.. إنها (شريعة قدو قدو) الذى ارشحه لشخصية عام 2010م بلا منازع فى التشفى وعدم الرحمة و الإنسانية!
…………………………………………………………………
وامعتصماه..!!
(مناظير ) زهير السراج
* شاهدت التسجيل المصور الذى عرضه موقع الراكوبة الالكترونى www.alrakoba.net لواقعة جلد فتاة بأحد مراكز شرطة النظام العام، وما حدث فى هذه الواقعة من جلد وحشى بالاضافة الى قيام اثنين من افراد الشرطة بعملية الجلد فى وقت واحد أثناء تنفيذ جزء من العقوبة، يبين بجلاء الى اية درجة وصلت وحشية التعامل مع المرأة فى مراكز شرطة النظام العام ومحاولة كسر ارادتها ..!!
* لا أدرى ما هى تهمة الفتاة ، ولكن جلد اية فتاة او انسان بهذه الطريقة الوحشية بغض النظر عن الفعل الذى ارتكبه يجب أن يكون موضع ادانة ويدعونا للمطالبة بمراجعة القوانين التى تهين كرامة الانسان السودانى وعلى رأسها المادة 152 من القانون الجنائى لعام 1991، بالاضافة الى مراجعة الاداء فى المحاكم التى تتعامل مع هذه القوانين ..!!
* ونبدأ من النقطة الأخيرة: فى التسجيل الذى عرضه موقع الراكوبة يظهر القاضى واقفا يراقب بينما الشرطى يقوم بجلد الفتاة فى اى مكان فى الجسم يستطيع سوطه الوصول اليه بدون ان يوقفه القاضى او يوجههه الى عملية الجلد الصحيح او القانونى، ليس ذلك فقط بل إن رجل شرطة آخر يظهر فجأة فى الصورة ويشارك فى عملية الجلد بطريقة وحشية الى ان يطلب منه أحدهم أن يترك المهمة لزميله الأول الذى يواصل الجلد. كل من يشاهد المنظر الوحشى لا يمكن أن يصدق انه يحدث فى مركز شرطة وتحت اشراف قاض، بل اول ما يتبادر الى الذهن هو انه منظر تعذيب وحشى فى فيلم من افلام السينما التى لا يسمح بمشاهدتها لمن هم اقل من 18 عاما.
* يدعونا ذلك لأن نتساءل .. ( هل ما حدث فى هذه الواقعة يحدث فى كل القضايا التى تنتهى بتوقيع عقوبة الجلد على النساء فى مراكز شرطة النظام العام، وهل هنالك لجان قضائية تراقب كيفية تنفيذ عقوبة الجلد وترفع تقارير منتظمة الى السلطات القضائية المختصة وهل هنالك جهات تحاسب، وهل هنالك دور رقابى قانونى لمنظمات المجتمع المدنى، وكيف يتم تصوير الواقعة الذى يبدو ان الشرطة او بعض أفراد الشرطة كانوا على علم به أو ان أحدهم هو من قام به وهو امتهان فظيع لحقوق الانسان يجرمه القانون؟!). صحيح ان تصوير الواقعة قد أتاح لنا الفرصة لمشاهدة تجاوزات خطيرة وتعريتها وإادانتها، ولكن التصوير فى مثل هذه الحالات هو امتهان لكرامة الانسان وحقوق المتهم يعاقب عليه القانون.
* ونأتى الى القانون الجنائى وعلى وجه الخصوص مواد ( الجلد ) مثل المادة 152 التى تستغلها شرطة النظام العام لمطاردة الفتيات بتهمة ارتداء ( البنطلون ) برغم عدم وجود نص فى المادة يمنع ارتداء البنطلون، ونتساءل .. ( من الذى فسر تهمة الزى الفاضح بأنها ارتداء البنطلون، ولماذا يعاقب القانون بالجلد فى غير الجرائم الحدية، وهل المقصود من ذلك هو كسر ارادة الانسان السودانى، أم ماذا ؟!).
……………………………………………………………..
شريعة "قدو قدو" والولاة القضاة
سارة عيسى
ربما لا ينسى الناس الذين شاهدوا مقطع الجلد الذي نفذته إحدى المحاكم السودانية الشرطي " قدو قدو " ، والقدو قدو على حسب علمي هو مشروب شعبي يمزج بين الذرة واللبن الرائب ، وهذا الشراب متوافر بين القبائل الإفريقية على وجه الخصوص وبالذات القبائل التي تنحدر من غرب افريقيا ، هذا الشراب يتم تناوله في باكورة الصباح وهو ينمي القوة البدنية ،و ربما ، وبسبب بعدنا عن الثقافة الإفريقية لم يجد هذا الشراب حظه من الشهرة ، وعندما وجدها أرتبط في أذهان الناس بصورة ذلك الشرطي الذي نُزع قلبه من الرحمة وهو يمد سوطه نحو فتاة مسكينة رماها حظها العاثر في براثن سدنة المشروع الحضاري ، ما رأيناه في ذلك المشهد المقزز هو إمتداد تاريخي لمحاكم العدالة الناجزة التي تم تكوينها في فترة الرئيس النميري ، تلك المحاكم أفرزت للشهرة المرحوم محمد أحمد حاج نور والمكاشفي طه الكباشي ، وهي محاكم متخصصة فقط في حدي السرقة والجلد فقط ، وضحاياها هم المهمشين الذين لا صوت لهم ، أو الذين لا يعرفون فن الترافع في المحاكم ، وقد حظيت النساء بالنصيب الأكبر من حصة هذه المحاكم ، ومنذ تأسيس هذا النوع من العدالة في السودان في عام 83 لم يتم تقديم شخصية كبيرة أمام هذه المحاكم ، وكلنا نذكر الضجة التي أحدثتها الجبهة الإسلامية عندما تم ضبط أحد رموزها في نفس الظرف الذي جُلدت بسببه فتاة قسم الكبجاب بأمدرمان ، ومن يريد الخوض في غمار ذلك عليه الرجوع للمساجلات التي دارت بين المرحوم سيد أحمد الخليفة وحسين خوجلي في تلك الفترة ، إذاً فهي عدالة قائمة على مبدأ لو سرق الشريف تركوه ولو سرق الضعيف أقاموا عليه الحد ، والشاهد على ذلك جرائم الإغتصاب المنظم التي وقعت في دارفور ، وبما أن الطرف الذي وقع عليه الضرر هو النساء ، لذلك نجد أن ملفات المحاكم خاوية من تقديم أي نوع من المتهمين للعدالة ، ولم أقرأ في الصحف أن هناك من تمت محاكمته أو حتى تبرئته على خلفية تلك الجرائم مما جعل المجتمع الدولي يتدخل ويفرض قيوداً على تحركات الرئيس البشير ، إذا ً المتوافر لدى محاكمنا الآن ليس هو الشريعة الإسلامية ، فالشريعة الإسلامية ليست هي سيف وسوط كما يحاول أن يصورها مفكري حزب المؤتمر الوطني ، بل أن الحدود لم تُطبق في صدر الإسلام إلا بعد أن تم توعية الناس بخطر الزنا والسرقة والحرابة ، لكن ما نراه اليوم هو مسألة آداة إنتقامية تستخدمها الجبهة الإسلامية ضد خصومها ، وهي تنقل ممارسات سيئة الذكر من إيران وأفغانستان والصومال ، وهناك من يعتقد أن نشر هذا الشريط وتوزيعه عبر المواقع الإلكترونية سوف يجعل سلطات الخرطوم تتراجع عن مواقفها وتضع حداً لعدالة قدو قدو ، لكن هذا لن يحدث ، وهذا لن يجعلهم يتراجعون عن تطبيق هذه العدالة الإنتقائية ، بل أنهم ذهبوا إلى طريق فصل الجنوب من أجل تطبيق هذه القوانين ، بل علينا أن نذكر مقولة للمحامي العلماني والحليف السابق للحركة الشعبية الأستاذ غازي سليمان ، فقد قال وهو يقصد الجنوبيين : أن الشمال سوف يطبق الشريعة الإسلامية في أنحائه إذا قرر الجنوبيون الإنفصال ، وهو بهذا يقصد الجنوبيين الذين يفضلون البقاء في الشمال لو حدث الإنفصال ، ولا أظن أن الاستاذ غازي سليمان يقصد الشريعة الإسلامية التي لا تضع حدودا ورتب بين المتخاصمين ، بل هو يقصد قوانين محددة تجبر الجنوبيين للنزوح جنوباً ، إذاً فهو يتحدث عن آلة قمع وفرز سياسي ، لذلك ليس علينا لوم الفريق سلفاكير عندما قال أن وجه الإختلاف بين حزب المؤتمر الوطني وبقية القوى السياسية في الشمال هو كرسي الحكم ،و حتى هذه اللحظة لم أسمع أو أقرأ إدانة صدرت من مولانا محمد عثمان الميرغني تشجب هذه الأحكام ، ولا حتى من الأخوان المسلمين أو أنصار السنة ، بل بعضهم حذر الناس من مغبة تناول هذا الحد الشرعي ، وبعضهم ذهب لدرجة تكفير كل من أستنكر هذا العمل بحجة أنه أوغل لسانه في حدود الله ،
أما حزب المؤتمر الوطني فقد أكد منذ أول يوم أن القضية حدية ولا تقبل الشفاعة ، وحديث الدكتور نافع لقناة الجزيرة أكد هذا الإتجاه ، فتعليقه أن الفتاة كانت تستحق القتل لو علمنا جريمتها الحقيقية يؤكد أن الحد المُطبق هو الزنا بعد الإحصان ، إذاً فهو كان ملماً بطبيعة الحكم الذي صدر ، والدكتور نافع من الأشخاص الذين لا يجعلونك تتعمق حتى تعرف وجه نظرهم ، فهو تلقائي بالفطرة ، وقد أكد والي الخرطوم عبد الرحمن الخضر نفس حيثيات القضية بعد أن قرأ ملف القضية من جديد ، وحسب ما أفاد لقناة النيل الأزرق أن أطراف الجريمة خمسة رجال والمرأة التي رايناها في مشهد الفيديو ، وهي جريمة زنا بعد إحصان كما جاء في التوصيف ، لكن الذي اثار إستغرابي ، لو كان الأمر كذلك ، فمن أين أتوا بالخمسين سوطاً ؟؟ فما دام هناك فسحة لتخفيف هذا الحد الشرعي من القتل إلى خمسين سوطاً …فما الفارق أن يتم إلغاؤه من الأساس وإستبداله بالغرامة أو السجن !!!!
والخلاف داخل اروقة الحزب الحاكم يدور حول مبدأ التصوير والزعم أن هناك مؤامرة تستهدف الأجهزة العدلية ، بل الصحافة الحكومية طالبت بتنفيذ الحدود لكن داخل جدران السجون ومن دون تصوير ، إذاً هم يخجلون من هذا العمل بسبب بشاعته ، ويخافون أن ينقلب عليهم العالم كما حدث الآن لذلك يحاولون اللجوء إلى سرية المحاكمات والتكتم على طبيعة تنفيذ العقوبات ، إذاً ردة الفعل مربوطة بما يريده العالم في الخارج وليس بما يريده الله في الأرض ، وهذا السلوك يناقض مبدأ الشفافية والتشهير بالجناة ، وعليهم في هذه الحالة إلى تدبر نص الآية التي قرأها الشرطي قدو قدو : فليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ، لكن علينا أن نجتهد أكثر ، وسوف تكون مصيبة كبرى لو كانت هذه الطائفة تضم فقط الشرطي قدو قدو وزميله والقاضي أبو ربطة عنق ، لكن هناك ما يحيرني ..نحن كمجتمع سوداني كنا في السابق نعرف معظم جنود شرطة المرور وقضاة المحاكم ..لكن حتى هذه اللحظة لا يعرف الناس شيئاً عن هذين الشرطيين القاسيين أو القاضي أو وكيل النيابة … بل الناس أختلفوا في إسم مركز الشرطة الذي تمت فيه العقوبة و:اننا في بلد غير السودان ، صحيح أنه من الممكن نقل الشرطي قدو قدو للعمل في المناطق الملتهبة في دار فور أو كردفان ، ولن يعرف عنه أحد شيئاً ، فحتى أحمد هارون لم ينجو من هذا التغريب ..لكن ماذا عن الفتاة الضحية ؟؟ فهل من الممكن أن تكون قابعة في أحد السجون وهي تنتظر حكماً آخر ؟؟ هذه الفتاة هي مفتاح السر الذي يفسر حدوث هذه الجريمة .
…………………………………………………………………..
ومن يُهُنْ يسهل الهَوانُ عليه: عندما تجلدنا استغاثة مقهورة لا نقل عنها قهرا –
عزاز شامي
إنا حملنا الحزن أعواما و ما طلع الصباح
و الحزن نار تخمد الأيام شهوتنا
و توقظها الرياح
و الريح عندك كيف تلجمها
و ما لك من سلاح
إلا لقاء الريح و النيران
في وطن مباح – محمود درويش
لم أفق بعد من صدمة مشاهدة مقطع جلد فتاة في قسم شرطة في الخرطوم على مرأى و مسمع من السابلة والمتفرجين و أفراد الشرطة. يبدأ المشهد مبتورا من منتصف جلسة التعذيب، فالفتاة تتململ و صوت مدني يبدو أنه القاضي في الخلفية " اديها سنتين .. دايرة وين؟ السجن؟ يالله اقعدي … يالله سريع خلينا نمشي الشارع ده شوفيه واقف" ! وبمجرد انتهاءه من استعجاله لها كي يلحق ما تبقى من مشاغل اليوم – مشاهدة جلد أخريات في أقسام أخرى، من يدري, جلست على ركبتيها تنفض يدها من ألم الجلدات السابقة، تستجمع ما تبقى من قوتها لتستقبل ما تبقى من لسعات … وما أن جلست حتى هوى السوط على ظهرها فجفلت و أستقبلت جلادها وهي جاثية تصرخ صرخات تدمي القلب، صرخات كسكين مسنونة النصل تصم الآذان وتدمي القلوب. زحفت بجسدها الموجوع للوراء فعاجلها بأربع جلدات على ركبتيها أفقدتها القدرة على المشي، ابتعدت عنه فعاقبها على تقهقرها بجلدة على وجهها و أتبعها بأخرى على ركبتيها، وهي تزحف، وتصرخ، وتستغيث "يا أمي!" صرخة تدمي، توجع، تلكز انسانية من شهد (أن أفيقوا، فالوجع يفوق الاحتمال). "يا أمي!" وكأنها تنادي أمها أن ارجعيني لرحمك فهذه الحياة موجعة لا أريدها! "يا أمي! وااااااي" و تنفض يديها، و تزحف للوراء حتى وصلت لسيارة بالقرب و استجارت بها، استجارت بالجماد الذي بات أرحم من بني الانسان المتحلقين حولها. تتالت الضربات على وجها و صدرها وهي تصرخ صرخات تشق الحجر، ولكن قلوب من حولها أشد قسوة { فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } 74سورة البقرة – أمسكت بطرف السوط علّها توقف سيل العذاب، توقف الجلاد ليلتقط أنفاسه، فهب آخر لإحقاق العدالة، فألهبها بالسياط على حين غرّة. هب بتلقائية من يود مساعدة آخر في تحريك قدرِعلى النار… تناوبوا في جلد كل ما طالته سياطهم من جسدها، بجلد عشوائي مما يليهم. انتهى المقطع وهي تكاد تفقد وعيها من الصراخ والجلاد لا يعنيه صراخها في شيء، وظل يجلدها بلا رحمة. والسادة النظّارة، السادة منفذي الحكم القانوني، السادة "المؤمنين" حضور المشهد المهيب، الذين أضفوا بحضورهم بعدا آخر للعقاب، السادة الشهود في شغل عنها يتضاحكون، و يتبادلون الحديث، ويعبر بعضهم الساحة وهي على بعد خطوتين منهم جاثية على ركبتيها، وكأنه يوم عادي، وكأن الجلاد طفل يلهو بقطة في يوم مشرق جميل. تركني المقطع معلقة بين السماء و الأرض، ظللت أعيده مرة تلو المرة، و صراخها يملأ الغرفة، يصم أذني، وسوط ملفوف حول عنقي وغصة تسد حلقي و الدمع حار يكوي وجهي. لم أنم من يومها إلا لماماً، يلاحقني صوتها في الأحلام متى غفوت. ظلت صورتها وهي جاثية وتمسك بطرف السوط تلح علي، وأفراد الشرطة من حولها و السابلة والمتحلقين يشاهدون ما رأينا ولم يطرف لهم رمش! المصور أو أحد قريب منه يعلق بأنه "ليشهد عذابها طائفة من المؤمنين" و يضيف "ما ديل مؤمنين!" يا لوجعي لو هؤلاء هم المؤمنين! يا وجعي لو كان الإيمان هو أن أقف مكتوف الأيدي في الظل لأتلذذ بمراقبة انسان يُشوى حيا! المؤمنون الذين صوّروا المشهد، ونشروه، ليشهد مزيد من المؤمنون تنفيذ الحكم (العادل) متناسين بأنهم تعدوا بذلك أي خطوط حمراء في حماية المتهمة و التي برغم تعديها في نظرهم على القانون ما يزال أمنها و سلامتها مسؤوليتهم الأصيلة. فكونها متهمة لا يعني تعريض حياتها للخطر بتصوير المشهد و نشره لما له من عواقب على سمعتها وصورتها في الوسط الذي تعيش فيه. أم تُراهم حكموا عليها بالإعدام ولكنه حكم مؤجل يقوم به من يأنس في نفسه الكفاءة من أسرتها ومعارفها؟
ظللت أسأل نفسي عن الجرم الذي أقترفته هذه الفتاة لتستحق ما رأيت؟ أي جرم يستحق التعدي على كرامة وانسانية مواطن في وطنه وبيد بني جلدته؟ أي جريمة تستحق تجاوزات في حد الجلد وفق الشريعة؟ أهي متهمة بالخيانة؟ هل هي قاتلة؟ أي فساد في الأرض أفسدت لتستحق ما رأينا؟ هل الجريمة زنا؟ لا أظن , فعدد الجلدات ليس وفق ما يحدده الشرع. هل هي جريمة أخرى متعلقة بأمن المجتمع؟ إذاً لما اكتفوا بجلدها عوضا عن حبسها مدة تتناسب مع الجرم ولو بنص قانونهم الجائر. وإن كانت جريمتها تستحق حكما تعزيريا بالجلد، هل هذه الطريقة المتوحشة هي الطريقة التي يقرّها القانون؟ أي قانون هنا يا سادة؟ أي قانون يجيز هذا الجلد على الركب و الوجه و البطن؟ ماهي حيثيات القضية؟ هل سُمح لها بتوكيل محامي؟ هل حضر؟ أين القاضي؟ أين مدير القسم؟ أين "الانسان" في ذلك المشهد الدامي؟
ولم تطل حيرتي كثيرا، فقد تناقلت وسائل الإعلام الخبر و انتشر مقطع الفيديو كالنار في الهشيم، وعدنا لتصدر عناوين الأخبار، عناوين أخبار تجعلنا نغوص في مقاعدنا خجلا من الانتماء لدولة تجلد النساء علنا في الشوارع، دولة تلقي بالنساء في عربات الشرطة كما تُلقى الشياه، دولة تروج ل طالبان في نسختها الأفريقية. وأعلن الشريط الاخباري في قناة الجزيرة بأنه قد تم "جلد شابة سودانية بسبب لبس البنطلون." ولله الحمد اني لم أحضر لقاء د. نافع على نافع مع برنامج مباشر في قناة الجزيرة الذي قال فيه انها لو كانت محترمة لما جلدت (نقلا عن الراكوبة) وهو لعمري تصريح موجع حد الوجع، هل دور القانون والقائمين عليه توزيع صكوك "الاحترام"؟ ماهو الاحترام الذي تجيزة الشرطة السودانية يا سادة؟ من يعرف من (المؤمنين ) او ( المشاهدين ) .. ينورنا كي لا نجلد بجريرة الظن!
**"إن المستبد فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه أعداء العدل و أنصار الجور." الكواكبي
**"العوام هم قوة المستبد وقوته، بهم و عليهم يصول و يطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم، فيحمدونه على إبقاء حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته." الكواكبي
"جلد شابة سودانية بسبب لبس البنطلون." قد يتساءل شخص ما في الكرة الأرضية إن كان لبس البنطلون جريمة، وسنجيبه أنه نعم. في السودان يعد لبس البنطلون جريمة تمس بالأمن القومي. لبس البنطلون فساد في الأرض. لبس البنلطون سبب تدني قيمة العملة و انهيار الاقتصاد. لبس البنطلون أدى لتأجيج حرب أهلية راح ضحيتها اكثر من مليوني شخص. البنطلون سبب أزمة دارفور. البنطلون رفع سعر المواد الاساسية. والبنطلون سبب احتلال حلايب. لبس البنطلون رفع معدلات البطالة وسبب هجرات الشباب والقوى العاملة. أي نعم! هذه البنطلون هو سبب الفساد والاختلاسات والرشوة. هذا البنطلون يا سادة ليس مجرد قماش ساتر للجزء السفلي للجسد بل هو الشيطان في شكل وردة! بنطلون يا سادة! التهمة لبس بنطلون! واستحقت بذلك عشرين جلدة رأيناها من أصل خمسين أشار إليها أحد "المؤمنين" .. خمسون جلدة على الوجه و الصدر والرأس والركبتين، جلدات ب (سوط عنج) قد تفضي لمضاعفات خطيرة، تلقتها على مرأى و مسمع من المارة والمشاة في وضح النهار بسبب بنطلون! الشيطان بنطلون جعل البعض يظن أنها تهمة أخلاقية، وبذا جلدت الفتاة مئة مرة غيبا في شرفها وسمعتها. من أجل بنطلون ترتديه الفتيات في السودان طيلة اليوم، وفي نفس يوم الجلد، وبعد يوم الجلد، و لا استبعد ان تكون مرت بالموقع في وقت الجلد أكثر من سيارة بها فتاة تلبس بنطلون، نفدن لسبب أو لآخر من ذات القدر الذي واجهته تلك الفتاة. يبدو أن لهذا البنطلون قدرات أكثر مما أعرف. فبسببه ثارت الخرطوم العام الماضي عندما تعرضت أخريات و الصحفية لبنى لذات التهمة وكادت ان تواجه ذات المصير لولا أنها كانت صيدا عصيا على الجلاد. التهمة بنطلون. رفعت الجلسة، اجلدوها خمسون جلدة وليشهد ذلك المؤمنون من المارة والمشاة والأمساخ البشرية التي تضحك , نعم تضحك وفي الخلفية بكاء وعويل امرأة جاثية على ركبتيها.
وبعدها بيوم تسربت معلومات أخرى عن القضية، وتناقلت المنتديات الإلكترونية أنها كانت مدانة بجرائم أخرى ليس من بينها لبس البنطلون، وازددنا حزناً، فإن كانت فعلا مدانة بما قرأنا وبأنها روّجت المخدارت وحبوب منع الحمل في المدارس و ممارسة الدعارة وتسهيلها، فهل ما رأينا هو الحل القانوني لكل ذلك؟ هل تخييرها بين الجلد وبين الحبس من ضمن الاجراءات القانونية؟ بدا سؤاله و كأنه إعلان ترويجي "ارتكب جريمتين أو أكثر وأحصل على عقاب واحد!" هل الخمسين جلدة عقوبة على الترويج ام التشهير على الدعارة؟ هل تم دمج العقابين في واحد two in one ؟ من يدير قضاءنا يا سادة؟ قبل شهور حكم على مغتصب طفل في مسجد (نعم في مسجد، في بيت من بيوت الله) بالسجن سنتين و مائة جلدة!! ولم تشهد طائفة من المؤمنين جلده و لن استغرب إن علمت أنه قضى من مدته شهرين و أخلي سبيله بموجب كفالة! هل كان حكم السجن لمدة سنتين لانتهاك حرمة المسجد و الجلد عقوبة الاغتصاب؟ هل يستحق مغتصب لطفل الحياة ناهيك عن بشاعة جرمه باختياره بيتا من بيوت الله مسرحا لجريمته؟ أي مظلة قانونية هذه التي لا تدرك فداحة جرم و آخر ويطبق أفرادها القانون بانتقائية و مزاجية دون مراعاة لمصلحة المجتمع و أفراده؟!
للحادثة أكثر من بعد، البعد الانساني لا يخفى على أي "انسان" ومن خفي عليه فليتحسس انسانيته، أما البعد القانوني فسأتركه للعارفين ليفتونا في أمر ما رأينا وموقعه من القانون وأي فلسفة أخلاقية اعتمد عليها من نص على العقوبة التي شهدنا و فجعتنا وإن كان من أجازها يرجى من ورائها تقويم و إصلاح المخطئ،هذا في حال أتفقنا على الخطأ و الجرم من الأساس! ما أود معرفته هو شعور "البشر" الآخرين … الحضور. أود أن أعرف حقيقة شعور الجلادين، شعور السادة المارّة و النظّارة، شعور "مولانا" القاضي المستعجل الذي كان يقايض الفتاة على (الزمن البتضيعو بتوجعها) تقعد و تنجلد ولا تاخد سنتين؟ سؤال بسيط كأنه يسألها "اها؟ شاي ولا قهوة؟" سؤال اعتيادي يبدو وكأنه آت من شخص من خارج المشهد، شخص منفصل عن الحدث وغير متأثر به على الإطلاق وكأن عملية الجلد هي عملية تنفيض لسجادة معلقة في البلكونة لا جسد انسان كرّمه الله… ترى هل يشعر الجلاد بأنه يد القانون و العدالة؟ هل هو مقتنع حقا بأن ما قام به متسق مع روح العدالة؟ أم من الأحرى أن أسأله عن مفهومه للعدالة؟ هل يدرك ذاك الجلاد (الاستاند باي) بأن ابتسامته في تلك اللحظة تحديدا تخرجه من زمرة البشر الاسوياء ؟ ابتسامة عادية خجولة غطاها بيده التي تحمل السوط. ابتسامة مرتاحة كأنه في منزله يحستي الشاي مع أصدقاءه … وذلك الآخر ذو الصوت العميق الذي ظل يردد ان الحضور مؤمنين وحضورهم جزء من الاحتفالية، هل يدرك مدى فداحة ابتساره للآية القرآنية و تعديه الخط الفاصل بين مجرد مشارك في الظلم إلى مذنب أيضا كونه قذفها ضمنا بقوله ذاك وانه بات مستحقا لثمانين جلدة لوكان القانون فعلا عادل؟ ولا ننسى أن نشكر للمصور حرصه على تأكيد أن ما رأينا هو فعل سوداني مية في المية و صناعة وطنية فقد أظهر لنا علم السودان مرفرفاً كأنه يحاول أن يحمي الملكية الفكرية لهذا الابداع وقفل بذلك أي باب لمحاولة التنصل من (سودانية) هذه الجريمة.
لا أعلم من أين أبدأ في وصف شعوري الشخصي تجاه ما رأيت. منذ مجيء الإنقاذ وصورتها تزداد تشوها وبعدا عن الانسانية. فالانقاذ تصر على حصري كمواطن في قالب مجهول حتى بالنسبة إليها. أنا كسودانية مطالبة على أخذ القالب الذي تضعني فيه القوانين، قوانين..( استرتش مطاطية تشيل من الحبايب مية)..! فالقانون يتغير و يتشكل بحسب الأهواء و الأمكنة و الظروف ويبدو غير معني بأي ظرفية تخص المتهم. العقوبات عبارة عن صحن كوكتيل من كل التشريعات الربّانية و القوانين الوضعية مع رشة توابل من سادية المطبقين. فقد تجلد فتاة على باب الجامعة لأنها لا ترتدي طرحة، في حين تطالعنا سهرات التلفزيون بنساء محسوبات على السلطة وهن في كامل هيبتهن و جمالهن و طرف الثوب يكاد يلامس شعرهن المصفف بعناية. ما رأيته على موقع اليوتيوب والذي أورثني غصة بالأمس، شاهدت من خلاله أيضاً قبل سنة حفلة في سجن ترقص فيه فتاة حاسرة الرأس وترتدي لبسا قد يوجب الخمسين جلدة أو أكثر في ظرف آخر و تهتز و يشاركها الرقص رجل و الحضور من رجال الشرطة و مدنيين في غاية السعادة و الحبور و كمان بيصفقوا! السؤال الملح سألخصة ببساطة "شنو البيخلي دي رجل وديك كراع؟"
ومن يُهُنْ يسهل الهَوانُ عليه **** ما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ
المتنبي
إن ما شاهدته في الفيديو دليل حي على سيكولوجية الانسان المقهور. فالكذب الذي تمارسه السلطة في أعلى قمة هرمها، وادعائها بتطبيق حدود الله شفهيا و قولها ما لا تعمل انتقل تلقائيا لباقي أجزاء الدولة ومؤسساتها وهنا نراها متمثلة في أفراد جهاز الشرطة الذين يرددون آيات القرآن وأفعالهم منافية للدين والعرف والانسانية. تخرص نافع على نافع على "احترام" الفتاة دون الرجوع للوقائع ومحاضر الشرطة يثبت "سهولة" الاتهام لمجرد رأي شخصي أو فرضية لا تسندها دلائل ولا براهين. أين حدود الله هنا؟ أين مخافة الله وشرعه؟ هل لبس البنطلون بالمطلق يعني ان الفتاة غير محترمة؟ هل يعني هذا ان نساء بلاد السند اللاتي يرتدين (الشروال) قميص غير محترمات بالمطلق كده؟ والآن, و على ضوء ما يتناقله البعض عن جريمة الفتاة، هل حوكمت وفق معايير "الاحترام" ؟؟؟أم المتاجرة الممنوعة ؟؟؟أم خدش الحياء العام ؟؟؟أم ممارسة الدعارة؟ هل يعلم د. نافع كم "غير محترم" في حكومته وفق ذات المعايير؟ هل سنشهد يوما جلدهم ؟ أم هم فوق القانون؟
والآن ياتي دور السادة المقهورين السابلة و المتفرجين، ما سر اصطفافهم بنظام على سور الجسر؟ هل كانوا مستمتعين بالفعل أم أجبروا على التحلق؟ هل استهجنوا ما رأوا وكانوا يمنون أنفسهم بقدوم بطل مخلص (غودو) منقذ من السماء يكفيهم شر المواجهة مع أفراد الشرطة المتعطشين لممارسة السلطة؟ أريد أن أصدق أن أي من المارة لم تحدثه نفسه بمخاطبة الجلادين أو حتى نصحهم بنقل حفلة الشواء الآدمي للداخل أو بالعدم ,مافى زول قدر يقول (حرااااااام عليكم ياخ) , وبعداك .. يقوم جاري..! عملا بمبدأ (الخواف ربو عيالو)! أخبروني أن أحدا من المارة استهجن الحدث… أخبروني أنه مازال في السودان رجل لم تنكسر نفسه بعد، ولم يعلق كرامته كمعطف وراء باب غرفته قبل أن يغادر منزله. أي خنوع و انكسار هذا؟ أي سلبية واى جبن يا إلهي؟ ترى ألهذا ظلت تردد الفتاة يا "أمي!" بدلا من الاستنجاد بابو مروة من الحاضرين، أترى لمست من أعينهم بأنهم مغيبون، قليلي حيلة، و لا يقلون قهرا عنها فلم ترد أن تثقل عليهم باستنهاض نخوتهم من سباتها؟
"لا اخاف عدوا يواجهنا
بل عدوا بنا اسمه القمع والسلطة المطلقة
نياشين دم الضحايا على صدرهم زنبقة" مظفر النوّاب
تأكدت الآن اكثر من أي يوم مضى بأن طريق الديموقراطية أمامنا طويل طويل طويل … بعيد المنال. لكي نطالب بالديموقراطية يلزمنا أولا أن نؤمن بقدرة الجماهير في إحداث التغيير، في طلب الحرية، في الوقوف في وجه الظلم و قول كلمة لا. ولكن ما رأيته في ذلك الفيديو وارى أحلامي في الغد الآت الثرى، فالجماهير التي رأيتها تتحلق حول فتاة ضعيفة وحيدة تلهبها السياط وضحكات الجلادين جماهير خنوعة، مكسورة. فلقد جلدت أمامهم بوحشية.. فشحت انسانيتهم وجادوا بالصمت ولم يتدخل أحد. لم يثر أحد. لم يصرخ أحد. لم يغضب أحد.. لم يبدوا اعتراضا حتى ولو بالتفرق عوض التجمهر. لو رأيتهم يتفرقون في بادرة استياء مما رأوا.. لإطمئنت النفس في نخوة باقية، ولكنهم خذولها و خذلوني وخذلوا أي أمل في التغيير. خذلوني وخذلوا محجوب شريف الذي احسن فينا الظن حين قال:
يا اللي بتسمع والما بتسمع
لازم تفتح اضانك وتسمع
صوت الشارع لمن يدوي
كل قلاع الخونة بتهوي
وكل جباه الكهنة بتركع
وشمس الحق السرقو شعاعها
بكرة بامر الشعب بتطلع
مافي زول بيسمع! لا الجلاد لا الشارع! في انسانيتهم صمم … والشارع أخرس. الشارع خائف. الشارع ذليل. الشارع خاين نفسو وواقف يتفرج يا استاذي. الشارع راكع…!!
الفاتحة… انتقل أبو مروة للرفيق الأعلى – ينتهي العزاء بانتهاء مراسم الدفن، وقد كان. دفن أبو مروة يوم جلدت النساء في الاسواق و الجامعات وفي باحات أقسام الشرطة. مات ابو مروة يوم أقتحمت الشرطة سكن الطالبات وهن نيام ولم يثر أحد. مات أبو مروة يوم جاعت النساء واستقبلتهن الشوارع بالعمل الذليل ولم يثر أحد. مات أبو مروة يوم أُغتصبت النساء ولم يثر أحد. مات أبو مروة يوم قُتل الطلبة و ألقيت جثثهم بلا تكفين في الشوارع ولم يثر أحد. مات أبو مروة يوم اقتتلنا و مزقتنا الصراعات السياسية العقيمة. مات أبو مروة يوم قبلنا الفساد وتقديم الولاء على الخبرة. مات أبو مروة يوم تركنا الخوف يدخل قلوبنا لمن تشوف زول الأمن و "قلبك كل ما باب الشارع دق يدق …إيدك ترجف في الصقاطة ووشك شاحب :ربنا يستر أمكن هم" محجوب شريف.
يا سادة … مات أبو مروة يوم حكمنا العسكر "الاستأسد والأتنمر" ويوم غضبتنا ما جا … وهلكنا احنا وهو قاعد متسمر!
مات أبو مروة يوم حكمنا العسكر!
اعزيكم وأعزي نفسي في الفقيد "ابو مروة" كان طيب الاخلاق لا يرتضي الظلم ولا المهانة. مات ولم يترك وريثا ولا ولد، غاب ولكنه باق في قلوبنا، نفتقده ببالغ الأسى ولكنها سنة الحياة ومن يهن يسهل الهوان عليه!.
……………………………………………………………..
فلنرفع السياط عن أجسادهن
إخلاص نمر
٭ ما ظهر على (شريط الڤيديو) المصحوب بالوجع والصراخ والاستغاثة التي تعكس الضرب المبرح الذي أشبعته الشرطة للفتاة يؤكد تماماً (التناقض) الذي نعيش فيه داخل الوطن الذي ترتفع فيه الاصوات عالية تنبذ العنف ضد المرأة والطفل وتعقد له الندوات والمنتديات والمنابر وتفرد له المساحات وتكتب التوصيات وتشارك في المؤتمرات الخارجية (صوتاً وصورة) و(تجلدها) عياناً بياناً أمام المارة ووسط الميادين.
٭ يضحك الشرطي وهو يهوي بالسوط على جسد الفتاة ولا يهم أين يحفر السوط رسمه.. فالجلاد ينتشي كلما استغاثت الفتاة فيزيدها وجعاً وألماً و(جرحاً) جراء ضرب قاسٍ فجر في داخل كل من شاهد الشريط دمعاً هتوناً وحسرة على (قيم) مجتمع أهدرتها (فئة) يفترض فيها حماية أفراده بينما هي وتحت تطبيق خاطئ تماما لشرع الله الذي تنتهجه (دولة المشروع الحضاري) تجدها وقد ألهبت قلب الفتاة (ناراً) تلك النار التي تحمل (عنواناً) يحكي سوء تنفيذ العقوبة التي تبادل (تطبيقها السالب) واستصدارها شرطيان وقاضٍ..
٭ ما فعلته الشرطة (عنفاً) جارحاً لطخت به جبين الانسانية الجمعاء وجبين المرأة السودانية التي اصبحت في هذا الشريط (هدفاً رئيسياً) من أهداف المؤسسة التي لاذت بالصمت على (فعلتها) وتسترت عليها ثم اعترفت بها بعد تداول الشريط غير (آسفة) على ما تم ارتكابه من جريمة ستبقى (وصمة عار) تعلو شعار (الشرطة في خدمة الشعب) وأي شعب.. إنه الذي تتلقى (حرائره) سياطاً..
٭ وحشية واضحة لا تخطئها العين تضمنها الشريط الذي مارس (الجلادون) فيه الاستخفاف بمقاصد الشرع وهو البريء مما فعله الشرطيان اللذان تبادلا (الضرب) على ظهر الضحية، كما لو أنها معركة لابد فيها من (الانتصار)..
٭ قانون الشرطة المقترن او المتصل بالنظام العام اثبت فشله وتتسبب في (احراج) وزارة التربية والتعليم ولاية الخرطوم التي شرعت في الخامس والعشرين من نوفمبر في تطبيق نظام جديد يهدف الى توعية الاطفال في المدارس عن العنف ضد المرأة، كما جرى على لسان رئيسة قسم محو الأمية والطفل بالاتحاد العام للمرأة السودانية انه سيتم تخصيص الحصة الأولى في المدارس في ذلك التاريخ – للتوعية بمخاطر العنف ضد المرأة انه ذات العنف الذي شاهده الأطفال (المستهدفون) في الشريط (الفضيحة) فبللت دموعهم الوسائد ومنحتهم (نموذجاً) ومثالاً (حياً) للعنف الذي يمارس في مجتمعهم (الخارجي) ب (مباركة داخلية).
٭ إن ما نزل من سياط على جسد الفتاة وما سال من دم إثر جرح عميق فيه هو مسؤولية الشرطة ونظامها العام بل مسؤولية دولة بأكملها تسمح بهذا الفعل الشائن والمشين الذي عمد الى (جرح) كرامة المرأة وسط المستهزئين والباحثين عن الضحك حتى ولو على جسد (القوارير)..
همسة:
تركض سيدتي على طاولة التعذيب..
فينهار صمتها..
وترفس العذاب تحت قدميها..
فتنجلي ناراً وبركاناً من الوجع الخصيب.
…………………………………………………………………….
جزء من حوار مع السيد الصادق المهدي
دعني أبدأ حواري معك من القضية الأكثر سخونة في الساحة الآن وهي قضية جلد الفتاة السودانية التي نشرت صورتها وصوتها على شبكة الانترنت.. كيف ترى هذا الفعل ؟؟
في اليوم العالمي لحقوق الإنسان بقاعة الصداقة قلت كلاما واضحاً؛ إدانة لهذا السلوك المشين؛ لأنه لا يناسب لا الأخلاق السمحة السودانية ولا السلوك الإنساني، وفوق ذلك كله فهو مناقض تماما للشريعة؛ لأن السياط التي ضربت بها الفتاة ليس فيها ( حد) لأن الحد معروف في حالة القذف ثمانون جلدة، وحد الزنا مائة جلدة، وهذه السيدة ( نحنا عدينا دقوها زي خمسين جلدة) وهذه الخمسون جلدة معناها في شيء ليس حدياً ، وعلى أي حال حتى لو كان حديا فليست هذه هي الطريقة التي يضربوا بها الناس فهذه تسمى طريقة ( ضرب غرائب الإبل) فقد ضربوا الفتاة في كل أنحاء جسدها ، وجهها ، ظهرها ، بطنها ، وكل الجسد وهذا كله مناف للشريعة، وهو سبة في النظر السوداني والإنساني والإسلامي، وليس هناك شك أنها ذات الممارسات التي كان نظام مايو يتعامل بها في الشريعة، وهي تطبيق الأحكام بطريقة غير شرعية وغير صحيحة. وهيئة شئون الأنصار قد ناقشت الموضوع ولها مواقف وسجلت صوت إدانة واحتجاج ، كذلك المكتب السياسي لحزب الأمة حيث أننا نعتبر هذا الموضوع إساءة للشريعة والإنسان والسودان .
……………………………………………………………………….
فيديوهات لإحدى ضحايا النظام العام "سيلفا كاشف" والتى تعرضت للجلد لعدم استجابتها لمعاكسة شرطى النظام العام.
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=341&msg=1282023552
http://www.sudaneseonline.info/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=341&msg=1282023422&page=3
مستندات تؤكد الإنحلال الاخلاقى لمنسوبى الشرطة ممايؤكد عدم أهليتهم لدور حارسى الأخلاق: المستندات منقولة من بوست بسودانيز أون لاين:
http://sudanpolice.gov.sd/pdf/3.pdf
http://sudanpolice.gov.sd/pdf/7.pdf
http://sudanpolice.gov.sd/pdf/23.pdf
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=341&msg=1282031565
برنامج حول قضية لبنى أحمد حسين البى بى سى:
http://www.bbc.co.uk/arabic/tvandradio/2009/06/090625_programme_talkofthehour.shtml
شعر رباح الصادق المهدي
ما تقولي واي
يا الصرختك حرقت حشاي
يا ربي
لامتين اللقا
شان تنختم دمعة بكاي
شان ما نقاسي من اللي كاين في عمرنا
ولا نخاف من اللي جاي
شان نحن بنوت البلد.. نقدل
وانظم لي غناي
شان عزة ما يهينوها
ساي
ما تقولي واي
ناديتي امك يا الحنينة
وامك الكاتمة القهر بتقول اضاير لي بلاي
ساموها ألوان العذاب
من الختان
حت قالوا عورة ومالا راي
يوم ولعت كانونا للكفتيرة شان ما تسوي شاي
شان تاكلي، شان تتعلمي،
كشوها مرة ومرتين
قالوا المناظر.. ما بتشرف ماها هاي
ما تقولي واي
ما تقولي للجلاد خلاص
في مشهدك هزيتي عرشه من الأساس
كم سوط موجه ليكي يا بت العزاز؟
ما تقولي واي
باكر يكون خطوي اللي جاي
غضبي المحكّر في عروفي
وصوت دواخلي يكون نداي
يطلع مفجّر يكنس القهر
الكريه..
يكسر كرابيجن بحسها في قفاي
ما تقولي واي
يا ربي قبال اللقا
نفتح طريق
نلفا الحريق
نمسح دموع عزة ونفيق
ننهي الكوابيس المقيلة في الفريق
يا ربي.. ما تخذل دعاي
…………………………………………………………………………………………..
الظلم نبض الفجيعة
د. معز بخيت
جلدوك جهراً يا فتاة المجد آه..
جلدوك عمداً
في الصدور وفي المآقي والجباه
جلدوك يا امرأة من الماس الأنيق
ومن حبيبات المياه..
لا السوط أسكت حسك المثقوب
بالصيحات لا خنق الشفاه..
الآهة السكرى بغدر الآثم الملعون
يلهب ظهرك المسدول لوعاً وانتباه
عفواً فإن شوارع الدنيا
ستهزم صمتنا
وتضج غضباً يا فتاة..
وتضيء أنفاق الممات
على ممرات الحياة..
وستجعل البركان يخرج بين آهات
العذاب حملتها بين التنهد
حين ناظرك اعتراه..
والله يا بنت الكرامة لن يناموا
في سرير الأمن بعد الآن
لن يتنفسوا سراً هواه..
يا آثمون وظالمون ويا طغاة
تباً لكم
إن الفجيعة لم تعد تزهو بكم
والموت أسمى من لهيب الذل
من سحت بناه
ضيم الأسى والموقف المخزيُّ
شرطيٌ سقيم شاهد الذنب احتواه
تباً لكم
يا زمرة الأحقاد يا كل البغائض
يا ذئاب النار يا زبد اللهاة
متى تذهبون فتصلح الدنيا
وتأتلق الخطى
والبرق يرفل في سماه
متى تخرجون من الحقول بأرضنا
وبدارنا
من كل صدر قد دعا بزوالكم
فيما دعاه..
أختاه إن عذابك الممتد
في شرف المحطات استمد جلاله
مما رآه..
من ويلك الساقي غليل النهر شهداً
قد رواه
وتأكدي إن الحياة سترتقي نفحاتها
من طيب آهك من نداه..
وبأن نبع الخير يأتي
من ذنوب سطروها بالسياط
على مسامك في معالي العز
في اسمى رباه..
يا أخت عزة سامحيني
إن تخاذلت السيوف
وإن تسولت النفوس
وإن توارى البؤس
في أقصى دماه..
هم جردوك من الأنوثة
من عيون التوق من دنيا صباه
لكنهم ما جردوك من القيام
من الصلاة على جنائزهم
بقبر قد سقاه
مطر الجحيم يسومهم
ويل الصبابة عند ابواب السعير
وفي نهاه..
مجداً لك وتباً لهم
هي لم تكن لله يوماً بينهم
هي آخر الأحزان
في وطن سيصمد ها هنا
ونظل نسمق في حماه..
هي يا بلادي اول البشرى
مقام العدل يأتي
حين يصدر في الضحى
صوت النساء الحق
يبلغ منتهاه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.