كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نحو فهم صحيح لمفهوم العقوبة في الفكر القانوني الاسلامى .. بقلم: د.صبري محمد خليل
نشر في سودانيل يوم 13 - 11 - 2011

د.صبري محمد خليل/ أستاذ الفلسفة بجامعه الخرطوم
[email protected]
هناك العديد من التصورات والمفاهيم الخاطئة عن مفهوم العقوبة في الفكر القانوني الاسلامى، و التي ترجع إلى عده أسباب منها : عدم التمييز بين الدلالات المتعددة للمصطلحات ، والجهل بضوابط مفهوم العقوبة في الفكر القانوني الاسلامى،والخلط بين المفهوم في أصوله النظرية وتطبيقاته العملية...
تعريف العقوبة:
لغة:العقوبة لغة هي الجزاء على الذنب (ابن منظور / لسان العرب / ج 1 ص 619) .
اصطلاحا: وأما العقوبة اصطلاحا فلها دلالتين:
الدلالة القانونية : وهى الجزاء على مخالفه مجموعه القواعد القانونية،التي تشكل النظام القانوني،والمتضمن فيها، والذي تقوم في المجتمع سلطه لها حق إيقاعه على مخالفتها، وضمان نفاذ القانون ولو بالقوة.
الدلالة الشرعية: وهى الجزاء على خرق النظام القانوني الاسلامى،ولما كان هذا النظام القانوني يتضمن نوعين من أنواع القواعد القانونية : القواعد – الأصول، ممثله في القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح " الحدود "، و القواعد -الفروع ،التي محلها الفقه في الإسلام ، فان للجزاء هنا أيضا نمطين: الاول هو الذي ورد في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وهو مثل كل أحكام الإسلام ، قائم على ما يحقق مصالح البشر في كل زمان ومكان ، أو حماية المصالح في كل الظروف الثابتة، ، وذلك بالزجر الكافي والمناسب ً للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد – الحدود (العقوبات الحدية). والثاني هو اجتهاد في تقدير الجزاء الكافي والمناسب على خرق القواعد -الفروع ، وفيما يؤكد نفاذ هذه القواعد،ويحمي المصالح في كل الظروف المتغيرة (عقوبات التعزير) ،يقول ابن تيميه ( العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله تعالى لعباده، فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم , ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض)(الفتاوى).
تعدد دلالات مصطلح الحدود: الحَدُّ لغة الفصل بين الشيئين (لسان العرب)
أما اصطلاحا فان لمصطلح دلاله أصليه ودلالات تبعية، أما دلالته الاصليه فهي القواعد الآمرة أو الناهية التي لا يباح مخالفتها.وقد وردت الكلمة بمعني القاعدة الآمرة كما في قولة تعالي﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ ( البقرة: 229) ، كما وردت بمعني القاعدة الناهية كما في قولة تعالي ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾.(البقرة187) وسميت حدودا لأنها فوارق بين الحلال والحرام وبالتالي لا يباح مخالفتها، وليس النظام القانوني الاسلامى بدعا في النظم القانونية، في القول بالقواعد -الحدود ، إذ لا يمكن ان يوجد مجتمع بدون نظام قانوني، و لا يوجد نظام قانوني بغير حدود، تسمى في علم القانون قواعد النظام العام، لأنها الحل الوحيد للتناقض الدائم بين وحده المجتمع وتعدد الناس فيه ، وهى مجموعه من القواعد لها خصائص قواعد النظام الأخرى(عامه مجرده ملزمه)، إنما تتميز بأنها غير مباح مخالفتها او الاتفاق على مخالفتها، وبالتالي تصلح مميزا للنظام عن غيره ،ويحمل اى نظام اسم مصدره الفكري او العقائدي( نظام ليبرالي او ماركسي او اسلامى...) بمعنى ان تلك المذاهب او العقائد هي مصدر تلك القواعد – الحدود، ومثالها الحرية الفردية التي منحها للإنسان" القانون الطبيعي" في الليبرالية، أو "الملكية الجماعية" لوسائل الإنتاج في الماركسية... إذا وجه الخلاف بين النظام القانوني الاسلامى وغيره من النظم القانونية ، ليس في إنكار او إقرار هذه القواعد - الحدود ، بل في مصدرها ، إذ ان مصدرها في النظام القانوني اسلامى هو الإسلام.
أما دلالته التبعية الأولى فهي العقوبات المقدرة ، اى الجزاء على خرق القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح " الحدود "،و الذي ورد في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، يقول ابن تيمية" أما تسميه العقوبة المقدرة حدا فهو عرف حادث( ابن تيميه، الفتاوى، ص41).ومنعا للخلط فإنه من الأفضل ان يطلق على هذه الدلالة التبعية لمصطلح الحدود اسم عقوبات الحدود او العقوبات الحدية.أما الدلالة التبعية الثانية لمصطلح الحدود فهي الجرائم المقدرة ، اى ذات الفعل الذى يخرق القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح " الحدود "، و الذي ورد جزاء محدد عليه في النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، وقد وردت الاشاره إلى هذه الدلالة في الحديث( إِني أَصبت حدّاً فأَقمه عليّ ). ومنعا للخلط فإنه يفضل ان يطلق على هذه الدلالة التبعية لمصطلح الحدود اسم جرائم الحدود او الجرائم الحدية.
مصطلح الشريعة اشمل من مصطلح العقوبات : كما ان لمصطلح الشريعة دلاله أصليه ودلاله تبعية ، أما دلالته الاصليه فهي تشمل العبادات والمعاملات بنوعيها: المعاملات الفردية من أحوال شخصية ومعاملات الفرد من بيع وأجاره ورهن وكفالة... والمعاملات التي تنظم العلاقة بين الأفراد في الجماعة، وتشمل القواعد الكلية التي تستند إليها النظم الاقتصادية السياسية القانونية... ويقول ابن تيميه( و إلا فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات...) .وطبقا لهذه الدلالة فان مصطلح شريعة اشمل من مصطلح العقوبة، إذ ان العقوبات المقدرة هي جزء من الشريعة .اما دلالته التبعية فهي تعنى النظام القانوني الاسلامى وما يتضمنه من نوعين من أنواع القواعد القانونية : القواعد – الأصول، ممثله في القواعد الآمرة أو الناهية،و التي عبر عنها القران بمصطلح " الحدود ". و القواعد -الفروع، التي محلها الفقه في الإسلام يقول ابن تيميه ( ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء: شرع مُنَزَّل، وهو: ما شرعه الله ورسوله. وشرع مُتَأَوَّل، وهو: ما ساغ فيه الاجتهاد. وشرع مُبَدَّل، وهو: ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع، أو البدع، أو الضلال الذي يضيفه / الضالون إلى الشرع. والله سبحانه وتعالى أعلم). وهنا أيضا فان مصطلح الشريعة اشمل من مصطلح العقوبة الذى يتضمن نمطين من انماط الجزاء على خرق النظام القانوني الاسلامى (اى الدلالة التبعية لمصطلح الشريعة )،اى العقوبات الحدية و عقوبات التعزير كما سبق ذكره.
خصائص العقوبة متقاربة في القانون الجنائي الاسلامى والوضعي :وللعقوبة في القانون الجنائي الوضعي مجموعه من الخصائص، تتمثل في مجموعه من المبادئ والقواعد القانونية التي تضبط مفهوم العقوبة،والتي نجد في القانون الجنائي الاسلامى ما يقابلها.
مبدأ «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»: او مبدأ «قانونية الجرائم والعقوبات»» أي لا يمكن عَدّ فعل أو تركه جريمة إلا بنص صريح يحرم الفعل أو الترك، فإذا لم يرد نص صريح فلا مسؤولية ولا عقاب على فعل أو ترك، وهذا المبدأ نجد الاشاره إليه في جمله من الآيات كقوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾.كما نجد الاشاره إليه في قاعدتين أصوليتين هما: «لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص»، والثانية: «الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة»( محمد شلال العاني و عيسى العمري، فقه العقوبات في الشريعة الإسلامية، ص52- 53).
ويترتب على قاعدة «لا جريمة ولا عقاب إلا بنص» نتائج منها:
ا/عدم رجعية القانون: والمقصود به أن المشرع لا يتناول بالعقاب أفعالاً ارتكبت قبل صدور التجريم، وقد أشارت عده آيات إلى هذه القاعدة كقوله تعالى ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، لكن الشريعة الإسلامية تتفق مع أغلب القوانين الوضعية على وجود استثناءين لقاعدة عدم رجعية التشريعات الجزائية، أولهما يتعلق بمصلحة المتهم( عبود السراج، التشريع الجزائي المقارن، ص118)، والثاني بتطبيق قواعد الإجراءات الجزائية. ويضيف بعض الفقهاء المسلمين استثناء ثالثاً، في حالة ما إذا كان النص الجزائي متعلق بأمن المجتمع ونظامه (عوده، التشريع الجنائي الإسلامي، ج1 ص429).
ب/ قصر التجريم وترتيب العقوبات على القانون المكتوب: دون غيره من المصادر القانونية،وفى القانون الجنائي الاسلامى وردت النصوص على العقوبات الحدية والقصاص، أما عقوبات التعزير فكون أنها لم ترد في الشرع، لأنها العقوبة التي يقررها الحاكم للجرائم التي لا حد فيها ولا كفارة ولا قصاص، لا ينفى هذه النتيجة، لأننا نجد الفقه الاسلامى نجد العديد من القواعد التي تفيد حق الدولة في تبنى قواعد قانونيه معينه لتصبح ملزمه للناس ،من هذه القواعد : "للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات" و "أمر الإمام يرفع الخلاف" و "أمر الإمام نافذ " .
مبدأ المساواة في العقوبة: يقصد به أن نصوص القانون التي تقرر العقوبات تسري على جميع الأفراد دون تفرقة بينهم، وقد أشارت العديد من النصوص إلى هذا المبدأ كقوله صلى الله عليه وسلم «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»
مبدأ قضائية العقوبة: المقصود به هو أن السلطة القضائية هي المسئولة عن توقيع العقوبات الجنائية، «فلا عقوبة إلا بنص ولا عقوبة إلا بحكم قضائي». وقد أشار القانون الجنائي الاسلامى إلى هذا المبدأ، يقول الماوردي في الأحكام السلطانية بأن أحد واجبات الإمام ( تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين، حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم) ( د. وهبة الزحيلي، العقوبات الشرعية، ص227-229).
مبدأ شخصية العقوبة: وهذا المبدأ الذي تنبته القوانين الوضعية نتيجة لمبدأي المسؤولية الأخلاقية والحرية الفردية، وهو كذلك من المبادئ العامة الأساسية في القانون الجنائي الاسلامى يقول تعالى ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وسلم): «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه» (أ. محمد تهامي دكير، خصائص العقوبة في الشريعة الإسلامية).
أساس مشروعيه العقوبة في الفكر القانوني الاسلامى حماية المصالح:
أن نظرية الجزاء في الإسلام لا تقوم على أساس الانتقام،قال تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ) { البقرة : 179 } ( الاحتفاظ للجرم بجزاء شخصي في الآخرة ، واستبدال الدية بالعقوبة والتوبة ، والعفو )، بل هي مثل كل أحكام الإسلام ، قائمة على ما يحقق مصالح البشر ، أو حماية المصالح كما يقال في فقه القانون الجزائي(حفظ النفس بتحريم القتل والعقل بتحريم الخمر،والنسل بتحريم الزنا،والمال بتحريم السرقة) ، وذلك بالزجر الكافي والمناسب ً للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد القانونية التي تشكل النظام القانوني الاسلامى كما سبق ذكره.( د.عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1988). وبالتالي فان اى تطبيق للعقوبات الواردة في القانون الجنائى الاسلامى لا تلتزم بأساس مشروعيه العقوبة العام والخاص يصبح غير شرعي
هناك شروط معينه لإيقاع العقوبة :وقد حدد القانون الجنائى الاسلامى جمله من الشروط العامة اللازمة لإيقاع العقوبة منها:
التكليف: و يقصد به البلوغ و العقل فلا يجب معاقبة الصغير أو المجنون.
الاختيار و عدم الإكراه: فلا يعاقب من أجبر بغير إرادته على اقتراف جريمة معينة لأن عنصر الإرادة و الاختيار مفقود. ومثال على ذلك عدم تطبيق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عقوبة القطع عام الرماده لان الجوع يسلب الإنسان الاراده والمقدرة على الاختيار ، و هنا نرى انه ليس دقيقاً أن يقال إن عمر بن الخطاب قد عطل حدّ السرقة عام المجاعة . فما كان له أو لغيره أن يبيح ما حرّم الله . ولكنه رأى في ظروف معينّة أن جزاء قطع اليد لم تتوافر له احد شروطه وهو الاراده.
العلم بالتحريم: فلا يعاقب من يجهل حرمة جريمة معينة ارتكبها لانتفاء القصد إلى ارتكاب الجريمة.
ثبوت الجريمة: لا عقوبة ما لم تثبت الإدانة بالطرق القطعية، ومن طرق الإثبات الإقرار: ويعتبر في المقر البلوغ وكمال العقل والاختيار. ومنها البينة : وهى شهادة العدول البالغين العاقلين.
النهى عن إيقاع العقوبات الحدية وقت الغزو و الاستقرار الاجتماعي: ومن الشروط العامة لإيقاع العقوبات الحدية توافر الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يستنبط من ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم الرسول حدا قط في غزو، بدليل ما رواه بسر بن ارطاه من انه وجد رجلا يسرق فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا الرسول عن القطع في الغزو،و روى عن عمر النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ،و قرر الأكثرون انه لا يقام الحد على المحارب أثناء الحرب خشيه ان يلحق بالأعداء(محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة، ص 324 )
كما حدد القانون الجنائي الاسلامى جمله من الشروط الخاصة بإيقاع العقوبات الحدية منها على سبيل المثال في عقوبة القذف:أن يكون المقذوف محصنا توفرت فيه شروط الإحصان وهي: العقل والحرية والإسلام والعفة من الزنا، وأن لا يأتي القاذف ببينة تؤكد قذفه... وهكذا فان اى تطبيق للعقوبات الواردة في القانون الجنائى الاسلامى لا يستوفى شروط إيقاع هذه العقوبات العامة والخاصة يصبح غير شرعي.
هناك موانع معينه لإيقاع العقوبة: كما حدد القانون الجنائي الاسلامى موانع إيقاع العقوبة، فتناول الأسباب التي تسوغ سقوط الحد،وقسمها إلى ثلاثة أنواع : الاول يتعلق بشروط تحقق العقاب، فإذا كان مرتكب الجريمة غير مسئول بان يكون مجنونا او معتوها او مكرها... لا يوجد عقاب. النوع الثاني ما يتعلق بالإثبات كالرجوع في الإقرار فان هذا يسقط الحد لذا قال الحنابلة: يسن إن كان ثبت ببينة، لأنه لا حاجة إلى تمكينه من الهرب ، ولا يسن أن يدور الناس حول المرجوم من كل جانب كالدائرة إن كان زناه ثبت بإقرار لاحتمال أن يهرب فيترك ولا يتمم عليه الحد . كذلك مضى زمن بين وقوع الجريمة وأداء الشهادة وذلك قول الحنفية... والنوع الثالث ما يتعلق باقامه الحد بعد توافر السبب وثبوت الشرط وقيام الإثبات الخالي من كل شبهه ، ومنه ترك التنفيذ مده وقد اختلف الفقهاء فيه، والعفو، وتمليك العين المسروقة بعد الحكم، ووقوع الجرم وقت الحرب (محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، العقوبة ، دار الفكر العربي، ص317 )،كما أشار القانون الجنائي الاسلامى إلى الشبهات التي تسقط الحدود ،وقسمها إلى أربعه أقسام أصليه: الاول ما يتعلق بركن الجريمة، ويرجع إلى أربعه أقسام: شبهه الدليل وشبهه الملك وشبهه الحق وشبهه الصورة.والثاني يتعلق بالجهل النافي للقصد الجنائي في الارتكاب. والثالث يتعلق بالإثبات. والرابع يتعلق بتطبيق النصوص على الجزئيات والخفاء في تطبيق بعضها ( (محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، العقوبة، دار الفكر العربي ،ص 200).
وهكذا فان اى تطبيق للعقوبات الواردة في القانون الجنائي الاسلامى لا تنتفي فيه موانع إيقاعها يصبح غير شرعي.
قاعدة درء الحدود: ومن القواعد الاساسيه، التي تضبط العقوبات الحدية في القانون الجنائي الاسلامى قاعدة درء الحدود ، ومن أدلتها : ما رواه ابن ماجه عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا)، وحديث سفيان الثوري عن عاصم عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود قال ( ادرؤوا الحدود بالشبهات ، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم )( رواه ابن حزم عن عمر موقوفا عليه ، قال الحافظ : وإسناده صحيح ).
.والحديث (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) (يقول الشوكانى في نيل الاوطار(حديث الباب وإن كان فيه مقال فقد شد من عضده ما ذكرناه فيصلح بعد ذلك للاحتجاج على مشروعية درء الحدود بالشبهات المحتملة لا مطلق الشبهة) ،والدرء لغة الدَّفْع (لسان العرب)، أما اصطلاحا فهو دفع العقوبة الحدية، قدر الاستطاعة ،بمدفعها الشرعي.
أولا: على المستوى التشريعي: ومضمونه دفع العقوبة الحدية بمدفعها الشرعي على مستوى إصدار القانون .
تضييق دائرة العقوبة الحدية: ويتضمن درء الحدود على المستوى التشريعي عدم اعتبار النظام القانوني العقوبة المعينة عقوبة حديه ما لم يجمع عليها الفقهاء"و هو ما يدل على أنهم استندوا إلى نص يقيني الورود قطعي الدلالة" لان كل فعل يختلف فيه الفقهاء حلا و تحريما فان الاختلاف شبهه تسقط الحد ، يقول ابن قدامه في المغنى( ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه... لان الاختلاف في اباحه الوطء فيه شبهه، والحدود تدرأ بالشبهات).وهنا تعتبر العقوبة المعينة عقوبة تعذير، مع استمرار توصيف الجريمة التي تستوجبها بأنها جريمة حديه(طبقا للدلالة التبعية الأولى لمصطلح حد) ،وتوصيف الفعل المنهي عنه بأنه حد(طبقا للدلالة الاصليه لمصطلح حد).
اختيار الأيسر:كما يتضمن درء الحدود على المستوى التشريعي اختيار الأيسر تطبيقا لقاعدة التيسير والتي دلت عليها جمله نصوص منه الحديث " ما خير الرسول (صلى الله عليه وسلم) بين أمرين إلا اختار أيسرهما"، ومن أشكالها انه في حاله اختلاف الفقهاء في كيفيه تطبيق العقوبة الحدية يختار الكيفية الأيسر، ومن أشكالها انه في حاله توافر امكانيه الاختيار بين العقوبات (كما في حد الحرابة طبقا لمذهب التخيير مثلا) فانه يختار العقوبة الأيسر.
ثانيا: على المستوى القضائي : ومضمونه دفع العقوبة الحدية بمدفعها الشرعي على مستوى تطبيق القانون، وذلك بعدم تطبيق العقوبة الحدية على المتهم ما لم تتحقق في فعله كل شروط إيقاع العقوبة الحدية، و تنتفي عنه كل موانع إيقاعها ، فالمدفع الشرعي هنا له قسمان: الاول سلبي ، ويتضمن موانع إيقاع العقوبة، ويضم هذا القسم الشبهات التي أشار إليها قسم من النصوص السابقة، فقاعدة درء الحدود بالشبهات قررها اغلب الفقهاء يقول الإمام ابن المنذر:(وأجمعوا على أنَّ درء الحد بالشبهات)
.كما يضم هذا القسم ما قرره القانون الجنائي الاسلامى من الأسباب الشرعية التي تسوغ سقوط الحد،والتي قسمها الفقهاء إلى ثلاثة أنواع : الاول يتعلق بشروط تحقق العقاب، و النوع الثاني ما يتعلق بالإثبات ، والنوع الثالث ما يتعلق باقامه الحد بعد توافر السبب وثبوت الشرط وقيام الإثبات الخالي من كل شبهه كما سبق ذكره (محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، العقوبة ، دار الفكر العربي، ص317 ). . والقسم الثاني ايجابي،ويتضمن شروط إيقاع العقوبة، ويضم هذا القسم الستر كما في قوله صلى الله عليه وسلم قوله (لو سترته بثيابك لكان خيرا لك)، كما يضم العفو كما في القصاص،وتوبة الجاني قبل ان يقدر عليه كما في الحرابة.
ان أساس مشروعيه قاعدة درء الحدود ما سبق ذكره من ان نظرية الجزاء في الإسلام لا تقوم على أساس بل هي ، مثل كل أحكام الإسلام ، قائمة على حماية المصالح وذلك بالزجر الكافي والمناسب للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد الآمرة أو الناهية وهي " الحدود " .لذا فان التشدد في العقوبات الحدية المقصود منه الزجر والردع ،وهو ما يتحقق بأقل حد ممكن من التطبيق يقول ابن القيم) ومن المعلوم: أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم. ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله. (.وتطبيقا لهذه القاعدة تجد ان الفقهاء قد احتاطوا في تطبيق العقوبات الحدية ، فضيقوا دائرة الأفعال التي تنطبق فيها شروط الجريمة الحدية و تستوجب بالتالي عقوبة حديه إلى درجه جعلت الأفعال التي تنطبق فيها هذه الشروط فى حكم النادر. يقول الشيخ محمد أبو زهره( ان الأخذ بمبدأ الشبهة الدارئة للحد القصد منه هو ان تكون شريعة الحد قائمه، والتنفيذ القليل منها صالح لإنزال النكال بالمذنبين، او بعبارة أدق من يكون بصدد الوقوع في الجريمة) (الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، دار الفكر العربي، ص 200). وبناءا على ما سبق فانه لا وجه شبه بين قاعدة درء الحدود الشرعية، وتعطيل الحدود غير الشرعي، والذي مضمونه دفع العقوبة الحدية بدون مدفع شرعي،وذلك بعدم تطبيق العقوبات الحدية على المتهم الذى تحققت في فعله كل شروط إيقاع العقوبة الحدية، وانتفت عنه كل موانع إيقاعها (المستوى القضائي)،او عدم تحريم الأفعال التي تنطبق عليها شروط الجرائم الحدية، او اباحه الأفعال التي ورد النهى عنه بقاعدة ناهيه مصدرها نص يقيني الورود قطعي الدلالة(المستوى التشريعي) .
هناك ضوابط معينه لتطبيق العقوبة: انطلاقا من أن أساس مشروعيه العقوبات الحدية الإعدام في القانون الجنائي الاسلامى ليس الانتقام او التشفي من الجاني ، بل القصاص العادل منه ، وزجر غيره من الاعتداء على حياه الناس، فقد وضع القانون الجنائي الإسلامي جمله من الضوابط لضمان اتساق تطبيق هذه العقوبات مع هذا الأساس. على سبيل المثال اشترط في عقوبة القتل في القصاص وغيره ان لا تكون مسبوقة بالتعذيب أو ملحوقه بالمثلة .
فقه العقوبة يجمع بين النص والاجتهاد: والعقوبات في القانون الجنائى الاسلامى تنقسم إلى قسمين : القسم الاول العقوبات المقدرة، وتتضمن العقوبات الحدية وعقوبات التعذير، والأصل في هذا القسم النص، ومضمونه ذات العقوبة التي وردت في النص اليقيني الورود القطعي الدلالة، والذي اجمع الفقهاء عليه. أما الفرع فهو الاجتهاد،ومضمونه كيفيه تطبيق هذه العقوبة، والذي اختلف الفقهاء حوله :فعلى سبيل المثال فعلى سبيل المثال فانه رغم إجماع الفقهاء على القطع في حد السرقة،لكنهم اختلفوا في أمور تتعلق بمحل القطع ، ومقداره ، وكيفيته ، وتكرره بعد تكرر السرقة ونحو ذلك(الموسوعة الفقهية الكويتية)... والقسم الثاني العقوبات غير المقدرة وهى عقوبات التعزير، والأصل فيها الاجتهاد ،ويتضمن اعتبار العقوبات التعزيريه التي وضعها الفقهاء نقطه بداية للاجتهاد في مجال العقوبات التعزيريه ،وليست نقطه نهاية له. ويتضمن هذا الاجتهاد الاستفادة من إسهامات المجتمعات المعاصرة بشرط عدم تناقضها مع القواعد – الأصول. أما الفرع هنا فهو النص والمقصود به تقيد العقوبات التعزيريه بقواعد ومبادىْ القانون الجنائى الاسلامى الثابتة بنصوص يقينية الورود قطعيه الدلالة. بناءا على هذا فننا نرى خطاْ مذهبين: الاول يقول بالاجتهاد المطلق في مجال العقوبات ،والثاني يلغى الاجتهاد في مجال العقوبات مطلقا.
- للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان http://drsabrikhalil.wordpress.com) ) .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.