قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    المريخ في اختبار صعب أمام أمام روستيرو عصرا    دعم إفريقي واسع للهلال السوداني..سيكافا والرواندي في المقدمة واتحادات موريتانيا والسنغال والكاميرون تلوح في الأفق    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ملامح من سياسة السودان الخارجية(3): ثورة اكتوبر
نشر في حريات يوم 21 - 10 - 2014


ملامح من سياسة السودان الخارجية (3) :
من ʼالعزلة المجيدةʻ والفورة الثورية 2لى ʼالحالة الفِنْلَنْديَّةʻ
محمد بشير حامد
هذه هى الحلقة الثالثة من دراسة نُشرت أصلا باللغة الأنجليزية كجزء من كتاب (Sudan since Independence)الذى صدر فى لندن عام 1986. ورأيتُ ترجمتها ونشرها فى حلقات لعدة اسباب منها اولاً حلول الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر، وثانيا شح المراجع وقلة الكتابات عن السياسة الخارجية باللغة العربية لتلك الفترات، وثالثا كمقدمة لدراسة أقوم بها عن السياسية الخارجية للدولة الطريدة Pariah State)) التى ابتُلينا بها منذ ربع قرن ونيّف. وتوخيت عند الترجمة الالتزام بما ورد فى الأصل ما عدا اضافة بعض المعلومات من مراجع لم تكن متاحة لى فى مطلع الثمانينات.
ثورة أكتوبر والفورة الرادكالية فى السياسة الخارجية (1964-1965):
لم تكن المبادئ العامة الموجِّهه للسياسة الخارجية التى أعلنها رئيس وزراء الحكومة الانتقالية سرالختم الخليفة فى 30 اكتوبر1964 تختلف كثيرا عن توجهات السياسة الخارجية التى اتبعتها الحكومات السابقة. ولكن ما كان مختلفا بالتأكيد هو طبيعة الثورة والقوى التى فجرتها والوجهة التى اتخذتها لفترة قصيرة من الزمن. فقد كانت الاطاحة بحكم عسكرى بواسطة المدنيين ظاهرةً فٙذّةً فى وقت استولى فيه العسكر وحافظوا على السلطة فى العديد من البلاد. وكما ذكر مراقب أجنبى حينذاك: "لقد كانت الثورة حدثاً فريدا فى تاريخ افريقيا إن لم يكن في العالم أجمع. ذلك أنها لم تتحقق بواسطة زمرة منافسة من الضباط أو بجماهير مسلحة من الرعاع او بواسطة سياسيين مدعومين بقوىً خارجية ولكن بمجموعة من المثقفين قاموا بتعبئة الرأى العام وأقنعو الرئيس عبود وحكومته بالاستقالة".(East African Standard, Nairobi, 20 January 1965)
وحقيقة الأمر فقد كان الجو العام فى الخرطوم فى أعقاب الثورة أقرب مايكون لبلاد تحتفل للتو باستقلالها لا لبلاد مضى على استقلالها تسعة أعوام، فقد كان هناك شبه توافق قومى على المبادئ وشبه إجماع على الأولويات وتمازجَ الاحساس الجماعى بالإنجاز الذى تم مع التفاؤل المتطلع لما يمكن تحقيقه. كان هناك لأول مرة شعور بوضوح الرؤية وبأن الثورة جعلت ممكنا، ان لم يكن محتما، بزوغ السودان كقوة ديناميكية فاعلة فى قلب أفريقيا وأقترن بهذا الشعور، أو نبع عنه، عزم وتصميم بألا يكون هناك تناقض او تضارب بين الأهداف المعلنة والممارسة الفعلية فى سياسة السودان الخارجية كما كان قى السابق. تلك على الأقل كانت الرؤية التى استلهمتها القوى التى عارضت حكم العسكر وعانت تحت نظامهم وقادت الانتفاضة الشعبية التى أطاحت به.
إن الاطاحة بنظام عبود كانت بالفعل مؤشرا لقطيعة حاسمة مع سياسات العزلة السلبية التى انتهجتها الحكومات السودانية فى الماضى. فمساندة النظام الجديد للحركات الثورية فى الدول المجاورة والتزامه بقضايا التحرر فى العالم الافريقى والأسيوى كان ردة فعل عفوية للطبيعة المحافظة للطغمة العسكرية، ولكن تم تفسيرها وتبريرها أيضا من وجهة نظر المصلحة الذاتية، فالسياسة الخارجية الثورية تمت رؤيتها ايضا كضرورة للمحافظة على وتيرة وتناغم مسيرة الثورة فى الداخل.ان الطبيعة السياسية للحكومة الانتقالية أظهرت بوضوح أنها لن تكتفى بقتل الوقت أو تزجيَته في المشاهدة لحين تسليم السلطة لحكومة منتخبة. فبالرغم من أن الحكومة الإنتقالية جاءت للسلطة بسند شعبى واسع الا أنها لم تكن تمثل كل قطاعات المجتمع بالمفهوم الحزبى للتمثيل الديمقراطى. فاغلبية الوزراء جرى ترشيحهم من جانب الجبهة الوطنية للهيئات المهنية والتى برزت للوجود مع اول إرهاصات الثورة لتنظّم وتقود العصيان المدنى والأضراب السياسى الذى أطاح بالنظام السابق. فالجبهة كانت هي السلطة من وراء الحكومة (eminence grise) خلال الخمسة اشهر الأولى وكان للحزب الشيوعى السوداني وحلفائه من اليسارنفوذا طاغيا فيها.
وبالرغم من توافق هذه الرؤية مع قراءة السفارة الامريكية للاحداث الا انه كانت لها تحفظاتها والتى عكست ايضا مخاوفها ففى تقريرها لواشنطون بتاريخ 30 اكتوبر ذكرت أنه "صار واضحا ان الشيوعيين يريدون قيادة هذه الثورة، التي مضى عليها اسبوعان، او على الاقل يريدون استغلالها. انهم يقولون انهم كانوا اكثر الاحزاب التي عارضت نظام عبود العسكري، وهذا صحيح. لكن، هل يؤهلهم هذا لقيادة هذه الثورة؟ هل وضعوا في الاعتبار قلة عددهم، حتى في العاصمة والمدن الكبيرة، ناهيك عن في كل السودان؟ هل يعرفون ماذا يفعلون؟ او ان موجة الحماس الشعبي والثوري حملتهم معها… وفي الجانب الآخر، رغم ان الاحزاب التقليدية، مثل حزب الامة، والحزب الوطني الاتحادي، وحزب الشعب الديمقراطي، لم تقاوم النظام العسكري بمثل شجاعة، وجرأة، وتضحيات الشيوعيين، تظل هي احزاب اغلبية السودانيين …" ومن الغريب ان كل من محمد احمد المحجوب وزير الخارجية فى حكومة اكتوبر الاولى والصادق المهدى التقى بالمٙس۫ؤولين فى السفارة الامريكية فى الخرطوم كل على حدة فى الاسابيع الاولى للثورة للتعبير ايضا عن تخوفهم من تصاعد نفوذ الشيوعيين فى المدى القصير مع التقليل فى نفس الوقت من عددية التواجد الشيوعى داخل الحكومة الانتقالية والتأكيد على مقدرة الاحزاب التقليدية فى تحجيم الحزب الشيوعى وحلفائه فى اليسار حال قيام الانتخابات (وثائق امريكية عن ثورة اكتوبر، ترجمة محمد علي صالح، صحيفة الراكوبة، 09-27-2014 ). هل كان الغرض من تلك اللقاءت استعراض قوة الأنصار وحزب الأمة؟ أم كانت لطمأنة الامريكيين لتحاشى دعمهم لتحرك عسكرى مضاد كما تحدثت الشائعات التى ملأت الشارع السياسي وأدت لليلة (المتاريس) الشهيرة فى الخرطوم حينذاك؟ مهما يٙكُن من أمر فقد انعكست رؤية زعيمى حزب الامة على تقارير السفارة أو تطابقت معها وبالتى على المنظور الامريكى للامور وكما برهنت الأحداث لاحقا فان تلك القراءة للوضع السياسى ومآلاته لم تكن بعيدة عن الواقع.
ورغم الحديث والمخاوف الداخلية والخارجية عن الهيمنة الشيوعية فمن الخطأ النظر الى السياسة الخارجية التى انتهجتها حكومة أكتوبر على أنها استراتيجية او مؤامرة شيوعية. لقد تنامى نفوذ الشيوعيين كالعادة وهم تحت الحظر والإقصاء ونتيجة لذلك أصبحوا فى طليعة المقاومة لحكم العسكر، وبعد انهياره برزوا كأكثر الأحزاب تنظيما على الساحة وكان طبيعيا أن اتجهوا للتأثير على مجريات الأمور داخليا وفى الشأن الخارجى ولكن بوصول السلطة الى أيدى المجموعات المدنية والمهنية اصبح حتميا توجه السودان نحو اليسار، وفى ذلك المناخ السياسى الثورى داخليا واقليميا اضحى انتهاج توجه جديد ومغاير فى السياسة الخارجية أمرا لا مفر منه.
وسرعان ما اتضحت خطوط التوجه الجديد عندما قرر مجلس الوزراء فى نوفمبر 1964 رفض تسهيلات الهبوط للطائرات البريطانية التى تحمل افرادا ومعدات عسكرية فى طريقها لعدن. وأدانت الحكومة هبوط المظليين البلجيكيين فى (ستانليفيل) وتواطؤ الولايات المتحدة فيه ودعت منظمة الوحدة الأفريقية لاتخاذ عملٍ جماعي ضد "العدوان الامبريالى" فى الكنغو. وأهم من ذلك كان قرار الحكومة تقديم الدعم الفورى للثوار الكنغوليين (السيمبا) ولحركة التحرير الأرترية. وبحلول يناير كانت الأسلحة الجزائرية والمصرية تأخذ طريقها عبر الخرطوم الى ثوار (السيمبا) على حدود السودان الجنوبية.
ومن سوء طالع الحكومة السودانية ان شحنات الاسلحة تلك وصلت للثوار الكنغوليين فى الوقت الذى بدأ فيه تراجعهم امام مرتزقة تشومبى البيض وتدفقهم فارين عبر الحدود السودانية. لم تعد أسلحتهم الجديدة ذات فائدة لهم الا للمقايضة مقابل الطعام والشراب وبالتالى وجدت تلك الأسلحة طريقها الى قوات الانيانيا فى الجنوب. وهكذا قوى التدفق المفاجئ للاسلحة فى الجنوب من الموقف العسكرى للانيانيا والتى كانت قد تلقت ضربات موجعة من الجيش السودانى فى الشهور الأخيرة لحكم عبود.
والأخطر من ذلك أنه بعد هزيمة ثوار (السيمبا) بدأت حكومة تشومبى فى تقديم المساعدات والدعم للثوار الجنوبيين. كانت الانيانيا فى الماضى قد وجدت طريقا آمنا للأسلحة عبر يوغندا وكينيا وأثيوبيا ولكن لم تقم أي من حكومات تلك الدول بتقديم المساندة النشطة والعلنية لها. ولعل الدوافع التى حدت بتشومبى لتغييرذلك الوضع ومساعدة الأنيانيا فى جانب منها ثأرى برد الصاع صاعين لحكومة السودان وفى جانب آخر عسكرى بمطاردة فلول قوات (السيمبا) التى تشتت عبر الحدود السودانية وضمان مساعدة قوات الأنيانيا فى مطاردتها.
ان تدخل تشومبى فى الوضع المتردى أمنيا فى الجنوب ادخل عاملا جديدا ومنذرا بعواقب وخيمة فى مشكلة شائكة أصلا لم تكن بحاجة لتعقيدات جديدة، كما أعطى قدرا من المصداقية لاتهامات الخرطوم بضلوع اسرائيل فى مساندة الأنيانيا. وفى مذكرة احتجاج لمنظمة الوحدة الأفريقية فى مارس 1965 عن خروقات سلاح طيران تشومبى للمجال الجوى للسودان لفت السودان النظر الى "الادلة التى لا يتطرق اليها الشك لمؤامرة عالمية متشعبة الاطراف من أجل ان تعم الفوضى والتخريب كل الدول الأفريقية المجاورة للكنغو".(Khartoum News Service, 7 March 1965). ولكن باستمرار انتهاكات تشومبى لحرمة الأراضي السودانية وتزامُن ذلك مع تردى الوضع الأمنى فى الجنوب، تزايدت القناعة فى الخرطوم خاصة فى الأوساط اليسارية أن الرادكالية الأفريقية التقدمية التى يمثلها السودان قد أضحت هدفا لهجوم الأمبريالية الغربية وحلفائها فى أفريقيا. وبالمقابل فقد أدت تلك القناعة لنقلة فى تصور طبيعة مشكلة الجنوب من شأن داخلي يتعلق بمصاعب الانصهار القومى 2لى شأن عقائدى يتعلق بالصراع الخارجى بين الامبريالية الرجعية والراديكالية التقدمية. وقد يكون ذلك الخلط قد ساهم فى فشل التوصل لتسوية سلمية رغم كل المبادرات الطيبة التى أبداتها حكومة أكتوبر فى تعاطيها مع مشكلة الجنوب.
وبينما كان انتباه الخرطوم مشدودا فى اتجاه الجنوب بدأ وضع خطير يتطور على حدود السودان الشرقية. ففى يناير 1965 حدثت اضطرابات حدودية أثارتها قوات الأنيانيا بتنشيط عملياتها من قواعد داخل الأراضى الأثيوبية. وكان واضحا منذ البداية أن مصدر التوتر الجديد على الحدود الشرقية هو قلق أديس أبابا المتزايد من الدعم الشعبى والرسمى الذى منحه السودان لحركة التحرير الارترية. ففى مؤتمر صحفى فى ديسمبر وصف سفير أثيوبيا فى الخرطوم قادة جبهة التحرير الارتيرية بأنهم "لا يمثلون أحدا غيرأنفسهم" وطالب الحكومة بعدم مساندتهم(Khartoum New Service, 18 December 1964) ومن وجهة نظر الحكومة الأثيوبية فان توجه الأحدات فى السودان كان حقيقة مدعاةً للقلق، فنظام هيلا سيلاسى كان يواجه تحديات فى مجال السياسة الخارجية نابعة من تعقيدات فى وضعه الداخلى. ففى الشرق كانت علاقته مع الصومال متوترة وظل مصير ارض الصومال الفرنسية المهمة استراتيجيا غير محسوم. وفى ذات الوقت تزايد النفوذ المصرى فى البحر الأحمر وفى جنوب الجزيرة العربية مما شكل تحديا للحكومة الاثيوبية الموالية للغرب. فلم يكن من السهل على الأثيوبيين تجاهل مصدر تهديد جديد من نظام سودانى عدائى على الحدود الغربية خاصة وأنه أثار مخاوفهم مما أعتبروه "تطويقا اسلاميا" (‘an Islamic encirclement') يشكل السودان والصومال فيه قُطْبَي الرّحى. وبغض النظر عن صحة أو توهم تلك المخاوف فقد كانت دافعا قويا لأديس أبابا للتحرك ضد الصومال بتوقيع اتفاقية دفاعية مع كينيا وضد السودان بمنح الملجأ والمساندة لقوات الأنيانيا.
وفى تعاملهم مع السودان ذهب الأثيوبيون 2لى أكثر من تشجيع التمرد فى الجنوب. ففى أبريل 1965 وردت تقارير بأن مجموعة من المزارعين الأثيوبيين توغلوا مسافة 45 ميلا داخل السودان وبدأوا زراعة الأرض تحت حماية قوة من الشرطة( صحيفة الزمان، الخرطوم، 10 مايو 1965). بل ان الأمر تعدى ذلك الى إنتِهاكات واعتداءات أكثر جرأة وامتهانا للسيادة السودانية فقد قام عملاء أثيوبيون بسلسلة من التفجيرات فى مساكن قادة المقاومة الأرترية، وفى بعض تلك الهجمات الارهابية فى مدينة كسلا فقدَ عدد من السودانيين أرواحهم.
وكأن المتاعب والمضايقات من الكنغو وأثيوبيا لم تكن كافية فقد كان قَدَر السودان التعامل مع مصدر جديد للمشاكل فى يونيو 1965 عندما قام الرئيس التشادى )تومبلباى( بالتهديد بطرد المواطنيين السودانيين ومصادرة ممتلكاتهم فى تشاد كرد فعل على ما زعم أنه ايواء السودان لبعض المنفيين التشاديين وأعلن فى خطاب عام أنه "اذا لم يُعِد السودان هؤلاء المغامرين من الخرطوم فإنه لا يمكنه الاعتماد على ممارسة تشاد تجاهه سياسة حسن الجوار" ( (Africa Diary, London, 17 July 1965وكان التهديد واضحا بأن تشاد قد تفتح حدودها للمتمردين من جنوب السودان.
وكما قوَّضت مشكلة الجنوب سلطة الطغمة العسكرية فانها أيضا أضحت "كعب أخيل" (Achilles heel) لحكومة ثورة اكتوبر، ولا يخلو ذلك الوضع من مفارقة فقد كان الاحتجاج فى الشمال على سياسة العسكر فى الجنوب بمثابة الشرارة التى اشعلت فتيل الثورة وأطاحت بالحكم العسكرى. كما كان حل المشكلة سلميا من أولويات الحكومة الانتقالية التى بدأت جادة فى التوصل لحل سلمى. ففى بادرة تصالحية أوحت بحسن النية أعترفت الحكومة فى نوفمبر 1964 بأن القوة ليست الحل وأعلنت وقف اطلاق النار والعفو العام وأرفقته بنداء لقادة التمرد بالمشاركة فى صياغة تسوية سلمية. وقد رحبت دول شرق افريقيا فورا بتلك السياسة الجديدة وفى يناير 1965 وقَّعت يوغندا والسودان اتفاقية بتشكيل لجنة مشتركة للاشراف على عودة اللاجئيين الجنوبيين. وفى كينيا ناشدت الصحافة القادة الجنوبيين التعاون مع الحكومة الجديدة و"ترْك الماضى يدفن الماضى القديم لان المهم بالتأكيد هوأن يكون الجميع سودانيين".( East African Standard 20 /1/1965)
أن تغيرموقف شرق أفريقيا اوضح جليا أنه لا أحد من الدول الأفريقية المجاورة والتى تعانى كلها من مشاكل الانصهارالقومى للاقليات يحبذ فكرة انفصال الجنوب. فقد ذكرت صحيفة (ايست أفركان ستاندارد) الكينية فى مارس 1965 أن المطلب الجنوبى بالانفصال "قد تكون له عواقب وخيمة للسودان وأفريقيا…فقد يرسم خطا فاصلا بين أفريقيا المسلمة وغير المسلمة وقد يخلق دولة جديدة تفتقد المقومات الاساسية وتغدو معادية للدولة الأم وفريسة لمناورات الحرب الباردة ".
ولكن الآمال العريضة فى تسوية سلمية سرعان ماتبددت. فمؤتمر المائدة المستديرة الذى عقد فى الخرطوم فى مارس 1965 للوصول لصيغة عملية لحل مشكلة الجنوب فشل فى الوصول لتسوية. وبالرغم من بعض التنازلت التى قدمتها الأحزاب الشمالية الا أن الارضية المشتركة بين الطرفين لم تتسع بما فيه الكفاية. ففى حين قدم الشماليون عروضا من الحكم الاقليمى لم تصل لحد الحكم الفيدرالى فان الجنوبيين مع قبولهم بفكرة السودان الواحد أرادوا اتحادا كونفيدراليا فضفاضا. كما أن الوضع فى الجنوب لم يكن مواتيا لاتفاق سلمى فقد كانت الأنيانيا تزداد قوة بفضل مساندة ودعم الدول المجاورة التى استعدتْها سياسةُ السودان الرادكالية. وفى الظروف السائدة حينها فان قادة الأنيانيا مالوا لتفسير أى بادرة تنازل من الشمال على أنها دليل ضعف ووهن.
أدى الفشل فى حل مشكلة الجنوب الى تقويض السياسة الخارجية لحكومة أكتوبر. فالسودان لم يكن قادرا على التدخل النشط فى حركات التحرر الأفريقية والتى كانت فى غالبيتها ذات توجهات انفصالية من غير أن يقود ذلك لتدخل مضاد فى مشكلة الجنوب من الأطراف المتضررة. ومما زاد الامر تعقيدا أن الوضع السياسى الداخلى كان يمر فى ذات الوقت بازمة سياسية نتيجة لمطالبة القوى التقليدية (حزبى الأمة والوطنى الأتحادى) بنصيب اكبر وبنفوذ اكثر فى الحكومة الانتقالية. وقد اتهمت تلك الأحزاب العناصر الرادكالية التى تسيطر على الحكومة بأنها "تسير فى ركاب الحزب الشيوعى" ( صحيفة النيل 9 فبراير1965)ومن جانبها أتهمت المجموعات اليسارية الأحزاب التقليدية بانها " تشن ثورة مضادة لتصفية ثورة اكتوبر والقيم التى قامت عليها" ( صحيفة الميدان 13 فبراير 1965)وأدت تلك الأزمة السياسية الى تعديل وزارى فى فبراير 1965 أعطى تمثيلا أكبر للقوى التقليدية فى الحكومة الانتقالية. (ويبدو ان السفارة الامريكية فى الخرطوم قد تنبأت بهذه النتيجة للاحداث منذ الايام الاولى لثورة اكتوبر وربما لعبت دورا فى تحقيقها فقد جاء فى تقريرلها بتاريخ 30 اكتوبر 1964 الذى سبقت الاشارة اليه: "نعتقد اننا لم نشهد نهاية هذا الصراع الذي بدا، ربما منذ اول يوم لهذه الثورة التي اطاحت بنظام عسكري قوي. نعتقد ان الشهور القليلة القادمة، وربما الاسابيع القليلة القادمة، ستشهد تطورات تعيد السودان الى طبيعته التقليدية (الرجعية)، فحتى في مصر الناصرية، وحتى في سوريا والعراق، حيث تشتعل نيران القومية العربية، لا يسيطر الشيوعيون على البلاد كما يسيطر شيوعيو السودان اليوم"). ولعل فى ردة الفعل التى بيَّنتها تلك التطورات اكبر دلالة على أن الساحة قد جرى تجهيزها لتراجع السودان عن اندفاعه الثورى الأول. ففى يونيو 1965 جرت انتخابات عامة فى شمال السودان اعادت للسلطة حكومة ائتلافية من الامة والوطنى الاتحادى برئاسة محمد أحمد المحجوب. وكانت الحكومة بطبيعتها محافظة ولم يكن التراجع عن الراديكالية عملا يتطلب منها مساءلة النفس، فعندما عرض المحجوب سياسة حكومته امام الجمعية التاسيسة فى 28 يونيو أكد التزام الحكومة بمبادئ وقيم السياسة الخارجية لثورة أكتوبر ثم غادر على الفور ومن دون أن يطّرِف له جفن الى أديس أبابا ليوقع على اتفاقية مع أثيوبيا تحظر النشاطات المعادية لكل من البلدين فى البلد الآخر.
وهكذا فى فترة وجيزة نسبيا وصلت ثورة اكتوبر مثل الكثير من الثورات الصغرى والكبرى فى التاريخ 2لى (ردة الفعل الثرميدورية) (The Thermidorian Reaction) التى تأكل فيها الثورات أبنائها أو ينحسر فيها المد الثورى وفى كثير من الأحيان بنفس السرعة التى تفجَّر بها.
21 اكتوبر 2014
فى الحلقة القادمة: فنْلنْدنة (Finlandization)السياسة الخارجية لنظام نميرى (1969-1985)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.