(أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الذكري ال 130 لوفاة الامام المهدي .. وثائق غائبة ام مغيبة !
نشر في حريات يوم 22 - 06 - 2015

تحل علينا في هذه الأيام الذكري 130 لوفاة الامام المهدي وهو حدث ذو اثر فارق علي تاريخ السودان .. أستطيع ان أزعم ان عين البحث العلمي المستند علي الوثائق المكتوبة بخط يد المهدي نفسه ومن عاصره من مفجري الثورة المهدية قد غفلت عن عدد من الاحداث المهمة المتعلقة بهذا الامر . كما بقي قدر كبير من تاريخ تلك الفترة الهمة بصدور الرجال الذين شهدوا وقائعها المختلفة .. فعلي الرغم من ما دونه الاستاذ محمد عبدالرحيم في سفره القيم " نفثات اليراع في الادب والتاريخ والاجتماع " .. والسيد علي المهدي في "اوراقه " ..من شهادات وإفادات الرواة الذين شهدوا تلك الاحداث الا ان ما سطروه بقي قابعا في أضابير الوثائق التاريخية فلم يتعرض لمضمونه الكثيرون .. مما يوضح افتقار الذاكرة التاريخية الوطنية لهذا المخزون المعرفي المهم . كما يحفل ارشيف الصحافة البريطانية والعالمية بالعديد من الادبيات المتعلقة بوفاة المهدي و التي توضح مفصلية تلك الواقعة علي تاريخ السودان وتوسع بريطانيا في مستعمرات ما وراء البحار .
كيف توفي المهدي وماذا ورد عن مرضه في المنشورات التي خطها بخط يده ، وماذا ورد في الأدبيات السودانية المروية عن ذلك .. وما هو صدي نبأ وفاته علي وسائل الاعلام والصحف البريطانية والعالمية آنذاك ، وكيف تناول المؤرخون البريطانيون تلك الاحداث ؟ .. فلنترك الوثائق المكتوبة تجيب علي هذا السؤال .. ففيها ما يكفي من الإبانة واليقين الذي يجلي حقائق الأشياء.
بعد تحرير الخرطوم وتحديدا .. في مايو 1885 الموافق شعبان 1302 هجرية ( اي قبل اقل من شهرين من تاريخ وفاته ) كتب الامام المهدي لاحمد ود سليمان أمير بيت المال معزيا في وفاة الامير العبيد محمد سعيد .. وذكر نصا: " شوقه ( اي المهدي ) للقاء الرحمن في كل آن حتي نجد المقصود عند انقضاء الأحيان " .. كما ختم خطابه مؤكدا علي مضمون الرسالة بقوله " ان موت أعز الاحباب داعٍ الي الوثوق بالوهاب والفرار من دار السراب ولاشك ان انتقال الحبيب العبيد شوقنا الي لقاء الله الحميد والسلام " .. ( ابوسليم: الاثارالكاملة للامام المهدي ،دار جامعة الخرطوم للنشر 1992 ، ص 186). وبعدها ببضعة ايام خاطب الامام المهدي احمد ود سليمان بالإسراع في تجهيز الجيش المتجه لتحرير سنار وذكر عدم تمكنه من الحضور لتوديع الجيش بنفسه لمرضه .. ولعلها اولي الوثائق التي يتحدث فيها المهدي عن مرضه.. ثم يتبع ذلك بخطاب اخر لاحمد ود سليمان معزيا في وفاة الامير اسماعيل الدود ويذكر فيه ان اشتداد المرض عليه منعه من الحضور بنفسه للصلاة علي جثمان المتوفي .
( خطابات المهدي لاحمد ود سليمان بتاريخ اوائل شعبان 1885 الموافق مايو 1885 ، ابوسليم : مصدر سابق ص 183، 2013 ).
وعلي الرغم من اشتداد المرض علي المهدي الا ان ابراهيم فوزي باشا الضابط والاداري المصري الذي وقع في اسر الثوار بعد تحرير الخرطوم يذكر ما يفهم منه انه صلي خلف المهدي صلاة ليلة النصف من شعبان حين يقول : " وصلي المهدي بالناس في ليلة النصف من شعبان مائة ركعة بالقرآن كله رافعا صوته بالقراءة باكيا" .. ( ابراهيم فوزي: السودان بين يدي غردون وكتشنر ، مطبعة الآداب والمؤيد ، القاهرة ، ص 26 ) .
وفي اليوم الأخير من شعبان 1302هجرية عاد المهدي عودته الاخيرة الي مدينة ام درمان من الخرطوم االتي زارها لتفقد احوالها فازعجه ميل بعض الانصار عن التقشف والزهد وإيثارهم لحب الدنيا وسكناهم في قصور أعيان الخرطوم وباشواتها من المستعمرين .. فخطب خطبة الجمعة الاخيرة في مسجدها وقرع ذلك المسلك تقريعا عنيفا .. وتلي قوله تعالي ( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) .. الآية 45 سورة ابراهيم .. وستكون تلك اخر صلاة له بمسجد مدينة الخرطوم قبل وفاته .. ( أوراق السيد علي المهدي ، نسخة بخط يد الشيخ سليمان اديب ، ص 89 ، دار الوثائق السودانية ). " …
عند ثبوت هلال رمضان 1302 هجرية وبعد صلاة المغرب طلب الامام المهدي من الناس العفو وذاكرهم في فناء الدنيا وخير الآخرة وقال " ان هذا شهر رمضان وهو شهر عظيم نريد ان نقبل فيه علي الله فلا تشغلونا فيه باشغال دنيوية وقد عينا لكم خلفاء وقضاة ونواب وأمراء فمن كان عنده قضية او امر فليرفعه لجهة اختصاصه ، اما المظالم والحاجيات التي تخص بيت المال فارفعوها الي امين بيت المال " .. ( علي المهدي : مصدر سابق ص 89).
ويتوافق ما تقدم ذكره تماماً مع مضمون اخر منشور للمهدي والذي صدر في اخر شعبان 1302 هجرية الموافق بالتقريب 14 يونيو 1885م .. وعُلق علي حائط المسجد .. يذّكر فيه بقدوم شهر رمضان و يذكر انه شهر الاشتياق الي الرحمن ويطلب ان لا يشغله احد بقضاء حاجة من حوائج الدنيا لأنه سينقطع للذكر والعبادة .. ويحيل كل اصحاب الحوائج للأمراء والخلفاء لقضاء حوائجهم .. وقد أورد ابوسليم نص المنشور كاملا في "الاثار الكاملة للامام المهدي" ص 207 والذي ورد فيه : " فتحققوا بذلك أيها الاحباب وانصبوا انفسكم لله وارفعوا حوائجكم اليه فكلنا عبيد الله والأمور بيده فلا تشغلونا بقضايا ولا بحوائج في هذا الشهر وخلونا للذكر والتذكار و الصلوات والدعوات فها هم الخلفاء نيابة عني والأمناء المعنيين " .
وفي ذات ليلة ثبوت هلال رمضان كتب الامام المهدي دعاء رمضان والذي يبتدئ ب " اللهم اني أحمدك حمدا كثيرا واثني عليك ثناءا كبيرا يا من أسدي نعما لا تحصي ووفق بفضله علي حسن العمل " وينتهي ب " اللهم اجعلنا وأصحابنا علي اثر نبيك صلي الله عليه وسلم واصحابه الكرام ولا تُزِغ بنا عن سكتهم الي ان نلقاك سالمين من الآثام " … ( علي المهدي : المصدر السابق ص 92) .
وفي ثاني ايام رمضان اشتدت الحمي علي الامام المهدي الي ان انتقل الي رحمة مولاه في ثامن ايام رمضان 1302 هجرية الموافق 22 يونيو 1885م فدفن في ذات الحجرة التي توفي فيها .. وهي ذات المكان الذي يوجد فيه ضريحه الحالي ولم يتخطي عمره آنذاك الثانية والاربعين بعد .. وتقدم الخليفة علي ود حلو فبايع الخليفة عبدالله وتبعه الخليفة محمد شريف و بقية الأمراء.. وتحولت المهدية من ثورة الي دولة فقدت قائدها في احلك الظروف .
لقد شكلت وفاة المهدي حدثا بارزا علي خارطة الاحداث العالمية آنذاك فكتبت صحيفة " Shefield Daily Telegraph " البريطانية بعد وفاة المهدي تحقيقا صحفيا تحت عنوان " How the Mahdi died" او " كيف توفي المهدي " .. وخلصت الي انه توفي بالحمي " رجحت انها حمي مرتبطة بمرض الجدري " و التي اشتدت عليه منذ 19 يونيو حتي توفي في 22 يونيو 1885 .. كما ذكرت ان اخر وصايا المهدي كانت مواصلة حرب التحرير ضد الغزاة واشارت الي ان الخليفة عبدالله قد خلفه في إدارة الدولة .. وفي نهاية التحقيق اشارت الصحيفة الي ان خبر وفاة المهدي قد تناولته عدد من ابرز صحف العاصمة النمساوية "فيينا" ونقلت بدورها تهانيها الحارة عن خبر موت المهدي للحكومة البريطانية .. ( Shefield Daily Telegraph , عدد السبت 1 اغسطس 1885 , ارشيف الصحافة البريطانية ) . اما صحيفة " Hartlepool Mail" البريطانية والتي تصدر من مدينة درم باقصي شمال إنجلترا فقد نشرت تحقيقا بعنوان " Russia and the Mahdi's death" او " روسيا و وفاة المهدي " .. اشارت فيه الي اهتمام الصحف الروسية بخبر وفاة المهدي وذكرت تحديدا صحيفة Novo Vermya الروسية الشهيرة واهتمامها بنشر هذا النبأ . كما اشارت لقلق روسيا من النتائج المترتبة علي ذلك لأنها ستعطي بريطانيا شعورا بالراحة من خطر الثورة المهدية علي مستعمراتها مما سيطلق يدها في منطقة اسيا الوسطي وهو ما تخشاه روسيا . ( Hartlepool Mail، عدد 30 يوليو 1885، ارشيف الصحافة البريطانية) .
اما صحيفة " Western Daily Press" الانجليزية الواسعة الانتشار فقد ذهبت الي آفاق ابعد من غيرها حينما أوفدت مراسلا صحفيا الي مدينة سواكن لتغطية اثار وفاة المهدي علي السودانيين هناك ونوهت في تغطيتها انه من الصعب تماماً تحديد اثر وفاة المهدي علي الناس وذكرت ان مشائخ القبائل والامراء قد عمهم الحزن والكرب لموت قائدهم ولكن ذلك لم يفت من عضدهم بل يبدو انه زادهم تصميما ، فهم يصلون صباحا ومساءا للموت او الجنة " praying night and day for death and heaven ".. كما وصفت الصحيفة الامير عثمان دقنة بالقائد الرائع " Wonderful man" الذي استطاع تثبيت قلوب المئات من اتباعه وعلي الرغم من ان اتباعه لا يفوقون المئات الا انه قادر تماماً علي محاصرة 10 الآلاف من القوات البريطانية في أماكنهم … ( صحيفة Western Daily Press ,عدد 19 اغسطس 1885، ارشيف الصحافة البريطانية ) . وفي الذكري الخامسة عشر لوفاة المهدي كتبت صحيفة "York Herald " البريطانية تحت عنوان " The Sudanese Views of the Mahdi " .. خلصت الصحيفة الي انه كان رجلا عظيما " He was a great man" .. كما اشارت الي انه لم يُهزم في معركة قط طوال حياته " He never saw a defeat " ويذكر صاحب المقال البريطاني ان هذه الحقيقة قد جابهه بها احد الذين استطلعهم من السودانيين وقد أوقعته صحة المعلومة التي كان يعرفها سلفاً في حرج بالغ اضطر معه الي تغيير الموضوع مع الشخص المستطلع رأيه " This was so true that I changed the subject " .. ( صحيفة York Herald ، عدد 30 يونيو 1899، ارشيف الصحافة البريطانية).
و علي مستوي المؤرخين البريطانيين فقد كتب ونستون تشرتشيل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق .. في معرض تقييمه لأحداث الثورة المهدية والتي عاصر أحداثها كمراسل حربي ومؤرخ .. كتب معلقا علي إنجازات المهدي قبل وفاته : "مهما قيل عن المهدي ، فيجب ان لا ننسي انه القائد الذي بث روح الحياة والامل في قلوب بني وطنه . لقد كان هو الزعيم الذي حرر بلاده من الحكم الأجنبي وحول شعبه من حياة بائسة بلا أمل الي حياة مفعمة ومليئة بالروعة . لقد أشعلت روح المهدي بين صدور السودانيين المتواضعة شعلة الوطنية والانتماء للدين . وصارت الحياة مليئة بالمخاطر المبهجة والمثيرة فعاش السودانيون في عالم جديد رائع ألهب خيالهم .. فهم ان عاشوا في هذه الدنيا ، فسيقومون بجلائل الاعمال .. وان لقوا حتفهم في اثناء اشتباكهم مع مربعات الجيش البريطاني او القوات المصرية الغازية ، فمصيرهم جنة السماوات عندها ".. ثم يستطرد في حديثه الي ان يقول " ولذلك فإنني اعتقد انه في سنوات المستقبل القريب ان هبت رياح التقدم والازدهار وأعقبها قطار الوعي والتعليم في ذات المسار لشعب وادي النيل , فعندها لن ينسي اول مؤرخ عربي يود ان يوثق لتاريخ تلك الامة .. لن ينسي .. ان يكتب اسم محمد احمد المهدي في مقدمة ابطال شعبه " … ( ونستون تشرتشل : حرب النهر ، الناشر.. Mau Publising , نسخة الكترونية بتاريخ 2013 ، ص 52-53 ) .
وفي ذات السياق علق استاذ التاريخ البريطاني البروفيسور ثيوبولد A.B.Theobold علي وفاة المهدي وانجازاته في حياته القصيرة .. من خلال سفره القيم "The Mahdiya" حينما كتب قائلا : " كانت شهرة محمد احمد المهدي كفيلة بان تحفظ اسمه للأجيال القادمة من بني وطنه .. في خلال اربع سنوات .. صنع مجده من العدم ..و انتصر انتصاراً كبيرا علي قوتين دوليتين تفوقانه عدة وعتادا ( بريطانيا وتركيا ) .. قام بوضع أسس الدولة الوطنية الجديدة.. كما قام بدعوة إصلاحية استهدفت إصلاح ما فسد من دين شعبه .. وحّد السودانيين .. و غير طريقة وأسلوب حياتهم للأفضل .. و منحهم ثقة وإيمانا اكبر بمقدراتهم وبأنفسهم .. وقادهم نحو الحرية والانعتاق .. ومع كل هذا .. اكتسب طاعة شعبه الكاملة واحترامهم وتقديرهم اللامحدود .. هنالك عدد محدود من الرجال علي مر التاريخ الإنساني ممن يستطيعون ان يفعلوا مثلما فعل المهدي في السودان " .. ( اي . بي . ثيوبولد : المهدية .. تاريخ السودان الانجليزي المصري 1881-1899، THE MAHDIYA: A HISTORY OF THE ANGLO-EGYPTIAN SUDAN,1881-1899، الناشر : Longman & green، 1965 ، لندن ، الصفحة رقم 130) .
اما فيما يختص باستمرار كاريزما القائد بعد وفاته فقد تعرض لهذا الامر بالتفصيل البروفيسور الامريكي ريتشارد ديكميجيان استاذ العلوم السياسية بجامعة جنوب كاليفورنيا من خلال بحثه الأكاديمي بعنوان " كاريزما القيادة في الاسلام، مهدي السودان " .. حيث قام بإجراء دراسة أكاديمية اشتملت علي 140 من القادة والامراء الذين ساندوا المهدي .. مستندا علي مصادر تاريخية متعددة ومتنوعة ..فخلص الي انه علي الرغم من وفاة المهدي المبكرة الا ان 126 منهم .. اي ما يعادل 90 ٪ منهم قد واصلوا علي ولائهم واخلاصهم لمبادئه حتي النهاية .. بينما تراجع عن مبادئ الثورة 10٪ فقط من قادتها ووفقا لدراسته فقد استسلم معظم هؤلاء او تراجعوا عن المقاومة حينما صارت الهزيمة وشيكة .. ويقرر ديكميجيان ان تلك النسبة تعبر بوضوح عن استمرار كاريزما القائد في تحريك الجماهير حتي بعد وفاته .. بل ويذكر ان المهدي لو عاش قليلا لشكل تهديدا حقيقيا علي سيطرة بريطانيا علي مصر ومستعمراتها في افريقيا .. ويعبر دكيمجيان عن اعجابه بكاريزما القائد حين يقول : " لقد كانت مقدرة المهدي علي مخاطبة وتحريك الجماهير افضل مثال للبساطة والوضوح المطلوب .. في مجتمع معقد ومتعدد الأعراق والثقافات كما هو حال السودان في القرن التاسع عشر .. كانت الثورة المهدية تمثل نقطة التقاء لمطامح وامال عريضة لقوي قبلية واجتماعية وسياسية مختلفة قاومت الاحتلال الأجنبي . لقد كان لكاريزما القيادة عند المهدي الدور الأكبر في تجاوز تقاطعات تلك القوي و استرضاء اشتاتها المختلفة وتحقيق التجانس والانصهار بينها ثم الوحدة الوطنية ومن ثم الانتصار للثورة " .. ريتشارد ديكميجيان و مارغريت وزموريسكي : كاريزما القيادة في الاسلام : مهدي السودان ، جامعة نيوريورك ، الولايات المتحدة،1972 ، Richard H. Dekmejian and Margaret J. Wyszomirski (1972). Charismatic Leadership in Islam: The Mahdi of the Sudan. Comparative Studies in Society and History ) .
صفوة القول ان الامام المهدي قد عاش حياة قصيرة بحساب الزمن والارقام .. كما لم تتعدي فترته في القيادة الأربع سنوات الا انها كانت حياة حافلة بالعديد من الوقائع والاحداث التي أسهمت بقدر كبير في تشكيل ملامح السودان الحديث .. ولم يخلف ورائه إرثا هائلا من الادبيات المكتوبة في الذاكرة الوطنية والغربية وحسب بل خلف ورائه دولة وطنية متكاملة الأركان .. كانت الدولة الوحيدة المستقلة في افريقيا القرن التاسع عشر .. وبقيت تقاوم الاستعمار البريطاني بشراسة حتي نقطة النهاية .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.