البرهان يوجه خطابا للأمة السودانية بمناسبة عيد الفطر المبارك    السيسي يهاتف البرهان    ظهور سمكة كروية مخيفة على شواطئ كاليفورنيا    بيان حول تجدد حوادث القتل وسفك الدماء في ذكري مجزرة فض الإعتصام    اليوم العالمي للتمريض: كيف نجا طاقم الرعاية الصحية من الوباء؟    فضيل: خالص التعازي للأُسر المكلومة بفقد فلذات أكبادها في ذكرى فض الإعتصام    عمر الدقير يكتب: جاء العيد بثيابٍ مبقعةٍ بالدم    مجلس الوزراء السوداني يقرر إتخاذ إجراءات عاجلة    آلاف الثوار يشيعون الشهيد عثمان بمقابر البكري    حاكم دارفور : يطالب بإنزال عقاب شديد على الجناة بجريمة الاغتصاب الجماعي التي هزت السودان    بحث تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين السودان واليابان    تفاصيل جلسات مؤتمر باريس المرتقب لدعم السودان    بروتوكول عابر القارات: ما بين ارتباك الأطباء وحيرة المرضي .. رسالة فى بريد مجلس الصمغ العربي السوداني .. بقلم: د. أحمد آدم حسن    بيرني ساندرز يصدع بكلمة الحق والجامعة العربية والحكام العرب مازالوا يناضلون بالإدانة والشجب !! .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 12 مايو 2021 في السوق السوداء    ضبط كميات من العملات الأجنبية بالسوق العربي    براءة أجنبي من تهمة خيانة الأمانة    من قاموس أغنية الحقيبة: الخُنتيلة اسم للمشية أم صفة للموصوف؟ .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    حِلِيل الزمان، محمد أحمد الحِبَيِّب & معاوية المقل!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    التسامح وتطهير الروح .. بقلم: أمل أحمد تبيدي    فى رحاب التصوف: الاستدلال على وجود الله .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه/باريس    محلل اقتصادي يدعو لإعداد سجل جيد لأداء السياسات الاقتصادية المالية    "شروط واتس أب" الجديدة التي أثارت الجدل.. ماذا سيحدث إذا لم توافق عليها؟    رونالدو في عزلة بغرفة ملابس يوفنتوس لهذا السبب    خطر يهدد صحتك.. احذر تناول المشروبات المخزنة في علب الألمنيوم    هل اقترب راموس من الرحيل عن ريال مدريد؟    المريخ يخوض تجربتين في يوم واحد .    الأمانة العامة بنادي الهلال تُصدر بياناً تؤكد فيه عدم صحة حرمان النادي من التسجيلات    الشعر والموسيقى على تلفزيون السودان اليوم    إخراج عدد خيالي من القطع المعدنية والمغناطيس من بطن رضيعة    تغيير يفرح مستخدمي واتساب ويب    سعر بيع وشراء الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم الاربعاء 12 مايو 2021 في بنك السودان المركزي    الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم وزوجته    الخارجية تدعو لوقف التصعيد الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني    لا تغفلي عنها.. نصائح تجنبك المشاكل الصحية في أول أيام العيد    المجلس الاعلي للشباب و الرياضة بطلا لدورة المؤسسات الرمضانية لكرة القدم بالقضارف    النيل الأبيض تجدد عزمها لتوفير إمداد مائي مستقر لجميع المحليات    صندوق النقد الدولي يقرّ خطة تمويل لتخفيف ديون السودان    مرض "غريب" يطارد أثرياء العالم.. قائمة تضم 5 مليارديرات    في ذكرى فض الاعتصام ..    نتنياهو يتوعد الفصائل الفلسطينية بأن "تدفع ثمنا باهظا، وحماس "مستعدة" للتصعيد الإسرائيلي    ليستر سيتي يهدي لقب الدوري الإنجليزي لمانشستر سيتي بعد بالفوز على مانشستر يونايتد    مباحث شرطة ولاية الخرطوم توقف شبكة إجرامية تخصصت في السرقات و تسترد مسروقات قيمتها اكثر من 115مليارجنيه    صور دعاء اليوم 30 رمضان 2021 | صور دعاء اليوم الثلاثين من شهر رمضان    محمد رمضان يرد بصورة على أنباء انفصاله عن زوجته    فنانة سعودية تعلق على مشهد مع زوجها في مسلسل"ممنوع التجول"..    شرطة ولاية الخرطوم تنهي مغامرات شبكتين لتزوير المستندات الرسمية والسرقات النهارية    برشلونة يغلق أول صفقات الصيف    حزب التحرير في ولاية السودان: تهنئة بحلول عيد الفطر المبارك    قصص قصيرة .. بقلم: حامد فضل الله /برلين    الصاروخ الصيني والكيد الغربي .. بقلم: نورالدين مدني    نتنياهو يتوعد حماس بهجمات لم تتوقعها والمقاومة ترد بأكبر ضربة صاروخية    فيفا يعلن مواعيد تصفيات بطولة كأس العرب و السودان يواجه ليبيا    ختام فعاليات أسبوع المرور العربي بالنيل الأزرق    كورونا تؤخر وصول شركة تدوير النفايات الأمريكية للجزيرة    الكشف عن حقيقة انتشار"السلالة الهندية" في مصر    توقيف أخطر شبكة متابعة بالعمارات    لنا آلهة كما لهم آلهة ..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [7]
نشر في حريات يوم 15 - 07 - 2015


مَائَةُ عامٍ مِنْ عُزْلَةِ الدُّرُوسِ المُهْدَرَة
(مَبْحَثٌ فِي قِيمَةِ الاعْتِبَارِ التَّارِيخِي)
كمال الجزولي
"إلى رُوحِ جَدِّي لأمِّي مُحَمَّد وَدْ عَبْدَ الكَريمْ الأَنصَاري الذي
عَاشَ لأكثَرَ مِن نِصفِ قَرْنٍ بَعْدَ (كَرَرِي)، راكِلاً الدُّنيا بِمَا
فِيهَا، ومُتَرَقِّباً القِيامَةَ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ، يَومَ الجُّمُعَةِ القَادِمَةْ"!
***
انطَلَقَتْ العَصَبيَّةُ العَشَائِريَّةُ والقَبَلِيَّةُ والجِّهَويَّةُ تَسْتَثْنِي نَفْسَها
مِن "خِطابِ الزُّهْدِ" بِلا أَدْنَى مَرْجِعيَّةٍ دِينِيَّةٍ أو اسْتِحْقَاقٍ دُنْيَويٍّ!
لَمْ تَعُدْ الدَّعْوَةُ الثَّوْريَّة القَديمَةُ قَادِرَةً عَلى
لَجْمِ انْفِجَارِ الصِّرَاعِ حَوْلَ قَضِيَّتَي "السُّلْطَةِ"
و"الثَّرْوَةِ" خُصُوصاً قَبْل كَرَرِي مُبَاشَرَةً!
"إنت يا ولد النِّجومي هِوَيِّن أخوانك الذين معك كلهم
استشهدوا فأنت إلى متى تحيا خائفاَ من الموت"؟!
الخليفة مستعجلاً حملة غزو مصر
مَا كَانَ لِلجَّانِبِ الإِشْكَالِيِّ فِي مَشْرُوعِ "المّهديَّةِ الدَّوْلَةِ" أنْ يَغيبَ عَن
الحِسَابَاتِ الاسْتِخْبَاريَّة لِبِرِيطَانيا الخَارِجَةِ مِن مُؤتَمَرِ بَرْلِينَ بِحِصَّةِ الأَسَدِ!
(23)
لا يخفى، حتى على النَّظر العابر، عمق التَّناقض بين "الإعراض" عن الدُّنيا كقيمة أساسيَّة في الخطاب المهدوي الذي أعاد تشكيل الوعي الاجتماعي خلال مرحلة "الثَّورة"، وبين "الإقبال" عليها كاستنتاج أوَّلى يستفاد من وقائع الصِّراع الذي نشب حول "السُّلطة" و"الثَّروة"، بعد تأسيس "الدَّولة" ووفاة قائدها ورمزها الاستثنائي، أي بين "خطاب الزُّهد" وبين "ممارسات" الشَّرائح العليا في المجتمع التي مازجت بين النَّزعتين الأوتوقراطيَّة والثِّيوقراطيَّة في إدارة جهاز الدَّولة، وبخاصة قوى العصبيَّة العشائريَّة والقبليَّة والجِّهويَّة المتمثِّلة في "الحزب التَّعايشي"، والتي انطلقت تستثني نفسها من "خطاب الزُّهد"، بلا أدنى مرجعيَّة "دينيَّة" أو استحقاق "دنيوي"، فلم تورث "ملح الأرض" الكادحين الذين كانوا يطمحون إلى الحياة الأفضل، كمردود مستحق ل "ثورتهم"، سوى السَّراب وقبض الرِّيح! فتلك الشَّرائح ما نشبت تبدى من روح التَّكالب على "السُّلطة" و"الثَّروة"، بكلِّ الوسائل المشروعة وغير المشروعة، ما أفضى، في نهاية المطاف، إلى تفكيك وحدة التَّنوُّع، وتجريف الجَّبهة الداخليَّة، واستشراء القهر الاجتماعي، والاستعلاء الجِّهوي، والفساد المالي والإداري، والاستقواء بالسُّلطة السِّياسيَّة، والاحتماء بالمنعة الحربيَّة، والانفراد بمرجعيَّة التَّأويل الدِّيني لظواهر الصِّراع السِّياسي، على النحو الذي أفاض الشَّيخ الأنصاري الجَّليل بابكر بدري في تفصيله.
ولئن كان ذلك التَّناقض مستبعداً، يقيناً، خلال مرحلة "المهديَّة الثَّورة"، حيث لم يكن لدى الثُّوَّار الكادحين ما يفقدونه، وقتذاك، سوى إدقاعهم، وحيث شكلت أيديولوجيَّة "الزُّهد" ذاتها القوَّة الرَّافعة والمفجِّرة لطاقات فعلهم الثَّوري، فإن بروز التناقض بعد تأسيس "المهديَّة الدَّولة" كان، بالقطع، محتوماً، حتميَّة الصِّراع نفسه كسُنَّة كونيَّة، وكقانون موضوعي، بكلِّ ما حمله ذلك التَّناقض من خيبة الأمل، مقارنة بالاستبشار الذي كان كامناً، ولا بُدَّ، في وجدانهم الجَّمعي، توقُّعاً لنوال حقٍّ مستحقٍّ في بناء "الوجود المغاير"، عقب القضاء على ظلم التُّرك بطبيعة الحال.
بعبارة أخرى، لا تصعب على أيِّ نظر مستبصر في تلك الإشكاليَّة ملاحظة أن فكرة "الحياة الدُّنيا"، كما سبق وألمحنا، لم تكن مطروحة، أصلاً، في سياق الخطاب المهدوي، ك "علاقات" تستهدفها "الثَّورة" بالتَّغيير الرَّاديكالي، أو تتناولها برامج "الدَّولة" بالإصلاح، وفق مبادىء العدالة الاجتماعيَّة في الإسلام، لصالح الكادحين الذين جعلوا ذلك ممكناً، وإنما ك "مفسدة" مطلقة، و"باطل" صراح ينبغي "الزُّهد" فيه، و"الإعراض" عنه، فى كلِّ الأحوال! ولما كان ذلك مطلباً عصيَّاً على الفطرة، وعلى طبائع الأشياء، حيث أن شرط اشتعال كلِّ ثورة إنَّما هو بناء "الوجود المغاير"، فقد تحتَّم أن تتخذ تلك "الدُّنيا المحرَّمة" لنفسها "مسرباً" آخر، "فاسداً" و"ملتوياً" بالضَّرورة، لمن استطاع إلى "الفساد" و"الالتواء" سبيلا، فيصطدم الحُلم، في نهاية المطاف، بواقع التَّناقض الفاجع بين "الخطاب" وبين "الممارسة"، بين "مثال الثَّورة" الذي تشرَّبه الكادحون من تعاليم الإمام الثَّائر، وبين "واقع الدَّولة" الذي ألفوا أنفسهم يرزحون في جحيم قمعه، وقهره، وفقره، ومجاعته، بينما الشَّرائح الدَّاعمة للأوتوقراطيَّة مشغولة بجني ثمار تحلقها حول مركز الحُكم بكلِّ السُّبل! وكم كان الأمير الزَّاكى عثمان صادقاً، للعجب، ويا له من صدق مرذول، وهو ينطق بلسان تلك الشَّرائح في مجلس الشُّورى الأخير عشيَّة كرري، فيستثير غضب الخليفة بتعبيراته الخرقاء!
(24)
هكذا لم تعُد الدَّعوة الثَّوريَّة القديمة قادرة على لجم انفجار التَّدافع حول "السُّلطة" و"الثَّروة"، برغم كل الجهود التي بذلها الخليفة، بأقصى ما أوتي من عبقريَّة في القيادة والإدارة، كي يوصل تركة المهدي إلى غاياتها، ليس، فقط، بتحرير العالم الإسلامي من نير الحكم الأجنبي، بل وبتبليغ "الرِّسالة" إلى العالم بأسره. أما الشَّأن الدَّاخلي فلم يكن له، كما أنفت الإشارة، ثقل في ميزان تلك الغايات، ما يعني أن تهون مصاعب الدَّاخل كلها، وتتراجع مطالبه الملحَّة، بل وتُقمع بالقوَّة الماديَّة إنْ لزم الأمر، حتَّى لا تعلو على مقتضيات المشروع الرِّسالي العالمي .. فما ل "وسخ الدُّنيا" هبَّت الثَّورة!
لهذا السَّبب، وغيره، صحَّ عندنا النقد الذي وجهه عبد الله علي إبراهيم لاستنتاجات محمد إبراهيم أبو سليم بشأن تعاليم المهديَّة وتشريعاتها عن "الأرض" بكردفان، ضمن المنشور المار ذكره، والذي منع الكبابيش وغيرهم من ادِّعاء وراثة الأرض، أو التَّشاجر عليها، أو تحصيل الخراج من ساكنيها، حيث اعتبرها أبو سليم ".. انتقالاً من مثاليَّة الصَّالحين إلى واقعيَّة الحاكمين" (الأرض في المهديَّة، ص 62 63)، وثمَّنها كبرنامج للتَّغيير الاجتماعي، وبالتالي ".. لمس فيها نوعاً من مبدأ الأرض لمن يفلحها الذي قد يبرِّره اتِّساع الأراضي في المناطق المطريَّة بكردفان .. (فرأى) أن المهدي مال، أوَّل أمره، إلى إلغاء المِلْكيَّة .. ثم انتهى إلى اشتراط الشُّروط التي تحدُّها عندما انتقلت إدارته إلى الأراضي النيليَّة الضَّيِّقة المشحونة بالنِّزاعات"، بينما رأى عبد الله في تلك التَّشريعات "سياسة عمليَّة" تهدف لتحجيم سطوة أرستقراطيَّة الكبابيش القائمة بالأساس على نمط معين من ملكيَّة الأرض هو "تبريد الدار"، أي جعلها خالصة لصاحبها، وما يترتب على ذلك من علاقات ك "التَّبع" و"القيمان"، مثلما رأى فيها "دعوة لتحرير قبائل التَّبع مثل جهينة والكواهلة وبنى جرَّار" التي ناصرت المهديَّة، وتأليبها على "النوراب" ذوي المصلحة الأكيدة في النِّظام القديم (ع ع إبراهيم؛ الصِّراع ..، ص 81 82 83).
(25)
ما كان لذلك الجَّانب الإشكالي في مشروع "المهديَّة الدَّولة" أن يغيب، استراتيجيَّاً، عن الحسابات الاستخباريَّة لبريطانيا الخارجة من مؤتمر برلين بحصَّة الأسد. فقد ظلت ترصد "مصاعب الدَّاخل" المتمثَّلة في غياب برامج التَّغيير الاجتماعي، والتَّركيز على عسكرة الحياة لصالح المشروع الرِّسالي الإقليمي والعالمي، ورهْن النَّشاط الاقتصادي كله، من ثمَّ، لصالح المجهود الحربي، مِمَّا تسبَّب في الضَّوائق، والمجاعة، والانقسامات القبليَّة، والتَّناقضات الجِّهويَّة، واستبداد القوى الأوتوقراطيَّة، واستشراء المظالم الاجتماعيَّة، وتكريس سياسة قمع المعارضة التي لم تقتصر على الأشراف و"أولاد البلد" وحدهم، بل اتَّسعت، وتنوَّعت، وتدرَّجت من المواقف السَّالبة إلى الصِّدام المسلح، من معارضة الرأي التي انخرط فيها علماء ومتصوِّفة، إلى معارضة القبائل التي شملت الكبابيش، والشُّكريَّة، والعبابدة، وغيرهم، بما فيهم من ناصروا المهديَّة أوَّل أمرها، ثمَّ ما لبثوا أن انقلبوا عليها، كقبائل الجَّزيرة، والبقَّارة، والفور، والنوبا، فضلاً عن المعارضة من بطن الحركة المهديَّة نفسها، كمعارضة المنَّا اسماعيل وحركة أبو جميزة مثلاً (راجع: محمد محجوب مالك؛ المقاومة الداخليَّة للحركة المهديَّة".
أخيراً، عندما تمخَّضت "مصاعب الدَّاخل" تلك عن انفجار الصِّراع الدَّمويِّ المأساويِّ المحتوم والمؤجَّل بين القوَّتين الأساسيَّتين في إطار "المهديَّة الدَّولة"، وهما "أولاد العرب" و"أولاد البلد"، لم يكن انتصار أيٍّ منهما ليعنى، في منظور النَّشاط الاستخباري الأجنبي المحموم، أكثر من إضعافهما معاً، تمهيداً لتفكيك الجَّبهة الدَّاخليَّة، كمقدِّمة لازمة لكسر شوكة الدَّولة الوطنيَّة كلها.
(26)
لقد رمى ذلك النَّشاط الاستخباري الإمبريالي، في بعض وجوهه، مع خواتيم القرن التَّاسع عشر، إلى تصوير ".. المهديَّة بأنها دولة متسلطة يحكمها حفنة من الرُّعاة .. وأن الأوضاع فيها وصلت دركاً سحيقاً من الفوضى والعنف الوحشي، وأن خلاص أهل السُّودان هو عبء الرَّجل الأبيض" (م س القدَّال؛ تاريخ السُّودان الحديث، ص 215). وبالفعل ظلت حُمَّى النَّشاط الاستخباري الأجنبي تزداد استهدافاً لاستقلال البلاد، كلما ازدادت "بنادق السلطة" ارتفاعاً إلى "صدور الرَّعيَّة"! فليس من قبيل الصُّدفة، مثلاً، أنه، وتحت الإشراف المباشر للمخابرات المصريَّة، صدر كتاب ونجت باشا "المهدويَّة والسُّودان المصري Mahdism and the Egyptian Sudan" عام 1891م، في نفس التَّاريخ، تقريباً، الذي شهد المواجهة الدَّمويَّة العاصفة التي زلزلت أركان الدَّولة بين الأشراف والتَّعايشة. وصدر كتاب القس النِّمساوي جوزيف أهرولدر "عشر سنوات في أسر المهدي Ten Years Captivity in the Mahdi's Camp" الذي قام بتحقيقه والإشراف على ترجمته ونشره ونجت نفسه عام 1895م، في ذات الوقت الذي كان فيه الخليفة شريف يرزح تحت التَّعذيب والإذلال، مكبَّلاً بالحديد، في كوخ من القش! كما صدر كتاب النِّمساوي الآخر رودلف سلاطين "السَّيف والنَّار في السُّودان Fire and "Sword in the Sudan الذي حققه ونشره ونجت أيضاً عام 1896م، في عقابيل التَّصفيات الواسعة التي طالت "أولاد البلد"، وأيلولة أمر الدَّولة، نهائيَّاً، ل "أولاد العرب"، قبل وقت طويل من كرري عام 1898م. وما يلبث أن يتكشَّف مغزى ذلك كله حين نذكر أن ونجت هذا لم يكن أديباً، ولا مؤرِّخاً، ولا ناشراً محترفاً، بل كان، ببساطة، رئيساً لجهاز المخابرات المكلف بخدمة الاستراتيجيَّة البريطانيَّة في أفريقيا، والسُّودان في موقع القلب منها، خلال الفترة التي أعقبت اعتماد مؤتمر برلين ل "قسمة الذئاب" في القارَّة!
(27)
لم تتوفَّر، يقيناً، لسيِّدي الخليفة، في ظروف المستوى المتاح من الوعي الاجتماعي، والعزلة الخانقة التي ضربها على نفسه وعلى البلاد، فضلاً عن ضعف استخباراته، الدِّراية الوافية بالطبيعة الموضوعيَّة لصراع المصالح المتناقضة، وموازنات القوى الاستراتيجيَّة في المنطقة وفي العالم، دَعْ ما بلغه علم السِّلاح، أوان ذاك، وصناعته. مع ذلك، بل ربما لذلك، اندفعت سياسته الخارجيَّة، بأقصى عزمها، وبكلِّ شروخ جبهتها الدَّاخليَّة المفكَّكة، على خط عدواني مباشر ضدَّ الجيران والعالم، ففاقمت من حال ضعفها وعزلتها، وأهدت العدوَّ مبرِّراً إضافيَّاً لكسرها عسكريَّاً؛ فتلك السِّياسة:
أ/ أقحمت الدَّولة الوليدة في ملابسات صراع الأمراء في بقاع نَجْد وحايل والحجاز، من جهة، وفي ما بينهم وبين الحكم التركي القائم هناك من جهة أخرى (نفسه، ص 193).
ب/ واصلت ضغطها المعنوي على سلطنات غرب وشمال أفريقيا، كما في رسائل الخليفة المتلاحقة، مثلاً، إلى حياتو بن سعيد ورابح الزبير، بسلطنة ودَّاى، ملحَّاً في طلب الاستجابة الفوريَّة لداعي المهديَّة، إضافة إلى تذكيره المستمر لمحمد السَّنوسي في ليبيا بضرورة الإسراع في القيام لنصرتها (نفسه، ص 193).
ج/ توجَّهت، أيضاً بدعوة الخليفة لسكان مصر "أهالي الرِّيف والجِّهات البحريَّة كافة" للانخراط في سلك المهديَّة، وتحذيرهم من المخالفة، أو توهُّم انقطاع المدد الإلهي بوفاة المهدي، وتأكيده لهم على عزمه استكمال رسالة المهدي بفتح مكَّة، والقسطنطينيَّة، واليمن، والشَّام، أسوة بسيرة المصطفى (صلعم) وأصحابه (ضمن ن شقير؛ تاريخ السُّودان، ص 678). وبعث، في ذات المعنى، بالرِّسالة سالفة الذِّكر إلى الخديوي توفيق عام 1887م يأمره بالتَّسليم، وينذره بأن الهمم قد نهضت لتوجيه الجِّيوش نحوه (ضمن المصدر، ص 682). كما بعث، في نفس السَّنة، بإنذارين آخرين: الأول للسُّلطان عبد الحميد ".. واعلم أننا قد فرغنا من فتوحات السُّودان منذ أزمان، وسمت بنا همَّتنا إلى فتح الجِّهات البحريَّة والممالك المصريَّة" (ضمن المصدر، ص 689)، والأخرى إلى الملكة فكتوريا يدعوها لاعتناق الإسلام، ويتوعَّدها بمصير هكس وغردون وستيوارت الأوَّل والثاني إذا لم تسلم للمهديَّة (ضمن المصدر، ص 684 685)، وزاد الفولكلور الشَّعبي بأن تداول، دونما تثبُّت أو توثيق، بل ربَّما، فقط، من باب الفخر والتَّباهي بفروسيَّة الخليفة، أنه وعَدَها بتزويجها إلى يونس الدِّكيم في ما لو أسلمت، وحسُن إسلامها!
ضمن ذلك السِّياق، جاءت الوقائع المأساويَّة لحملة ود النِّجومي في الشَّمال. فعلى حين كان ذلك القائد المتمرِّس يتروَّى في حساب خطواته قبل أن يقدم على أيِّ عمل عسكري تجاه مصر، كان الخليفة يستعجل الغزو (م س القدَّال؛ تاريخ السُّودان الحديث، ص 194 195). ولمَّا لم يكن الأخير ليحتمل أدنى اعتراض من أيٍّ من قادته العسكريِّين، دَعْ أن يكون هذا القائد بالذَّات هو عبد الرحمن النِّجومي، أحد أبرز أقطاب "أولاد البلد" الذين كان صراعه معهم محتدماً في أوجه، فقد اختلط حنقه المرير عليه، في تلك اللحظة، بتطلعه الجَّامح لتحقيق نصر عسكريٍّ بأيِّ ثمن. وكان من نتاج تلك العوامل الذَّاتيَّة السَّالبة أن عَمَدَ لتعنيف ذلك القائد العظيم علناً، بقوله له:
"إنت يا ولد النِّجومي هِوَيِّن، أخوانك الذين معك كلهم استشهدوا، فأنت إلى متى تحيا خائفاَ من الموت؟!" (ب بدري؛ تاريخ حياتي، ص 55).
وقد حقَّ لبعض المحللين أن يروا في تلك الإهانة المُحرِّك الأساسي لاندفاع ود النِّجومي على طريق الغزو، بلا رويَّة أو تدبُّر، فقط من باب التَّنازل اليائس عن تقديره الشَّخصي الذي كان يراه صواباً، والامتثال، فحسب، لأمر الخليفة الذي كان يراه خطأ (م س القدَّال؛ تاريخ السُّودان الحديث، ص 195).
(نواصل)
***


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.