وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [6]
نشر في حريات يوم 14 - 07 - 2015


مَائَةُ عامٍ مِنْ عُزْلَةِ الدُّرُوسِ المُهْدَرَة
(مَبْحَثٌ فِي قِيمَةِ الاعْتِبَارِ التَّارِيخِي)
كمال الجزولي
"إلى رُوحِ جَدِّي لأمِّي مُحَمَّد وَدْ عَبْدَ الكَريمْ الأَنصَاري الذي
عَاشَ لأكثَرَ مِن نِصفِ قَرْنٍ بَعْدَ (كَرَرِي)، راكِلاً الدُّنيا بِمَا
فِيهَا، ومُتَرَقِّباً القِيامَةَ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ، يَومَ الجُّمُعَةِ القَادِمَةْ"!
***
تزامن اندياح جحافل الأنصار على شوارع الخرطوم مع انتهاء
مؤتمر برلين من تقسيم العالم إلى متروبولات ومستعمرات!
استدار منطق "المهديَّة الثَّورة" ليشكِّل مأزق
"المهديَّة الدَّولة" من حيث وجوب هدم الوجود .. لا تغييره!
يقع ناقصاً، بل ظالماً، أيُّ تثمين للخليفة ما لم يستصحب
استحالة الدَّعوة التي أورثه إيَّاها المهدي لاعتزال الحياة الدُّنيا!
انقضت سنوات الثَّورة ولمَّا تكن قد انقضت رسالتها في تصدير دعوتها
إلى عالم كانت رأسماليَّته تتهيَّأ للدُّخول في مرحلتها الإمبرياليَّة!
(17)
لعلَّ من أبرز الأمثلة على تشدُّد الإمام الثَّائر في التمسُّك بمنظومة مبادئ العدل والمساواة التي تتمحور حول قيَمة "الزَّهد"، بالغاً ما بلغ نباح الفرص المواتية بقطاف المصالح "الدنيويَّة"، أنه فضَّل مصادمة أرستقراطيَّة الكبابيش "النوراب"، والثَّورة لمَّا تزل، بعدُ، طريَّة العود، وفي أشدِّ الاحتياج للسَّند والمؤازرة، الماديَّتين على وجه الخصوص، من مضخاتهما الرَّئيسة في المجتمع، على أن يساوم، ولو قدر قيراط، بشئ من تلك المبادئ والقيَم. فقد أصدر منشوراً يخاطب الكبابيش، ضمن آخرين، في أوَّل سنة 1300ه، الموافق 3 أبريل سنة 1883م، طالباً "ألا يتشاجر اثنان في طريق الزَّرع، ولا يدَّعى أحد وراثة الأرض من آبائه وأجداده ليأخذ عنها خراجاً، أو يقيم بها من هو ساكن لأجل ذلك" (الأحكام والآداب للإمام محمد احمد المهدى ضمن: ع ع إبراهيم؛ الصِّراع بين المهدى والعلماء، ص 81 83). كما طلب من الكبابيش، في ذات المنشور، أن يردُّوا ما نهبوا من دفع الله ود محمَّد الجَّهني، وأن يكفُّوا، عموماً، عن نهب أموال المسلمين (نفسه).
وربَّما كان من الضروري أن نشير هنا إلى المكانة الخاصَّة التي شغلتها "الأرض" ضمن مفهوم "الثَّروة" عند "النُّوراب"، وما ارتبط بها من مفاهيم "الدَّار" و"التَّبَع"، فضلاً عن مفهوم "القيمان"، مِمَّا توفَّر عبد الله على إبراهيم على تقصِّيه في مبحثه القيِّم "المهديَّة والكبابيش: نحو مشروعيَّة للمعارضة"، وذلك من أجل تقدير أفضل لمدى التَّهديد الذي انطوى عليه "زهد" المهديَّة الطهراني ذاك لمجمل البنى الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والأخلاقيَّة التي عرفها المجتمع الكبَّاشي، كمثال، منذ مطالع القرن الثامن عشر (الصراع بين ..، ص 71 93).
(18)
إنقضت سنوات (المهديَّة الثَّورة)، ولمَّا تكن قد انقضت، بعدُ، رسالتها التي لم تقتصر، أصلاً، على تحرير السُّودان، فحسب، بل حملت على عاتقها، أيضاً، ومنذ البداية، عبء (تُقرأ: مأزق) تحرير البلدان الإسلاميَّة، بأسرها، من حكم آل عثمان وغيرهم من الأجانب، والانطلاق بدعوة المهديَّة، من ثمَّ، لتصديرها إلى عالم كانت رأسماليَّته، وقتها، تتهيَّأ للدُّخول في مرحلتها الإمبرياليَّة، وتصدير الرساميل الضَّخمة، من فوق سنام كلِّ الاحتكارات الهائلة، والتروستات العملاقة، بعد أن أتخمت في الغرب، حتَّى أسنانها، بمنجزات التَّنافس "الحُر"، والثَّورة الصِّناعيَّة، والقدرات غير المحدودة الآخذة في التَّعمُّق والتَّمدُّد، رأسيَّاً وأفقيَّاً، لرأس المال المالي، إبن سفاح الرِّباط غير المقدَّس بين رأس المال الصِّناعي ورأس المال البنكي، يحدوها الأمل في تجاوز أزمتها، أوان ذاك، بتجديد مصادرها للخام، وتوسيع أسواقها للتَّصريف. فبأيِّ معيار، إذن، يمكن وزن ذلك العبء الذي حملته "المهديَّة الدَّولة" على عاتقها، في إطار محدِّداتها العقائديَّة الصَّارمة، وفي ضوء أشراطها التَّاريخيَّة المعلومة، محليَّاً، وإقليميَّاً، وعالميَّاً؟!
(19)
أطفأت القاعة الفخيمة التي شهدت انعقاد "مؤتمر برلين"، بمبادرة من ألمانيا وفرنسا، ثريَّاتها الكريستاليَّة الضَّخمة التي ظلت أنوارها المبهرة تتلاصف تحت قبَّتها على مدى الأشهر الشِّتائيَّة الثلاثة، من نوفمبر 1884م إلى فبراير 1885م. وعلى حين كان مندوبو الدُّول الأربع عشرة المشاركة في ذلك المؤتمر يجمعون أوراقهم، بحرص، من على الطاولات، ويعيدونها، بعناية، إلى الإضبارات، ويزنِّرونها، ثمَّ يحكمون وضع معاطفهم وقبُّعاتهم استعداداً للرَّحيل، كانت لا تزال كلُّ العبارات والكلمات الطنانة التي انشحنت بها قراراتهم، من سنخ "حريَّة التِّجارة في حوض الكنغو"، و"حريَّة الملاحة عبر الأنهار الأفريقيَّة"، وما إلى ذلك، غير كافية، البتَّة، لمداراة الهدف الأساسي من المؤتمر: اقتسام مناطق النُّفوذ في وسط أفريقيا بين ضواري الإمبرياليَّة العالميَّة، وتدشين مرحلة جديدة تخزى تاريخ العالم باختزالها لواقع علاقاته الجيوبوليتيكيَّة، على أعتاب القرن العشرين، إلى محض "متروبولات" و"مستعمرات"!
في نفس تلك اللحظة، للعجب، كانت جحافل "الفقراء الذين لا يُعبأ بهم" تنداح على شوارع الخرطوم، مدينة التُّرك، لتستكمل حلقات انتصارها المؤزَّر على جيوش الصَّلف الأجنبيِّ، بقيادة غردون باشا، ولتمسح عرق النَّضال المتفصِّد من الجِّباه الأنصاريَّة النَّبيلة، ولتغسل آخر قطرات الدَّم الغازي العالقة، وقتئذٍ، بصفحات السُّيوف الوطنيَّة الماجدة، ولتعلن ميلاد الدَّولة الوطنيَّة الموحَّدة المستقلة الأولى في تاريخ السُّودان دولة المهديَّة.
وبالحق، فإن ما أنجزته "الثَّورة" كان، عند ذلك الحد، كافياً لإعلان انتصارها الحاسم، بكلِّ المعايير، والدُّخول في مرحلتها التالية: بناء "الدَّولة" لإعمار ما خرَّبه الترك، وتحقيق "الوجود المغاير"، كمردود مستحق لأولئك الكادحين الذين جعلوا ذلك الانتصار ممكناً ببلائهم وفدائهم العظيمين.
(20)
لكن، لئن كان ذلك هو منطق "التَّاريخ"، فإن منطق "المهديَّة الثَّورة" استدار ليشكِّل مأزق "المهديَّة الدَّولة" الأكبر، وليفرض عليها أن تعيد ترتيب أولويَّاتها لترمي بثقلها كله، لا على طريق "تثوير" ذلك "الوجود"، بل لتعريضه ل "الهدم"، جملة وتفصيلاً، بذريعة استكمال رسالتها الكبرى على الوجه المار ذكره: "هدم هذه الدُّنيا"، و"بناء العالم الآتي"، وحمل قيَم ومبادئ الدَّعوة، ولو على حدود السِّيوف وأسنَّة الرِّماح، إلى جميع البلدان، خصوصاً الإسلاميَّة، لتحريرها على نموذج السُّودان!
كان ذلك العبء، في تلك المناخات الجَّديدة التي خيَّمت على عالم الربع الأخير من القرن التاسع عشر، هو، على وجه الدِّقَّة، التَّحدِّى الأكبر الذي واجه الخليفة، منذ أوَّل بيعته فور وفاة قائد الثَّورة وإمام الثُّوَّار، فى 9 رمضان سنة 1302ه، الموافق 22 يونيو سنة 1885م، بعد مرور أقلِّ من خمسة أشهر على انتصارها، وإعلان دولتها، فى 9 ربيع الثانى سنة 1302ه الموافق 26 يناير سنة 1885م. لذا، فإن أيَّ تثمين لسياسات "المهديَّة الدَّولة"، تحت قيادة الخليفة عبد الله، يقع ناقصاً، بل ظالماً، ما لم يستصحب عِظم المسؤوليَّة الأيديولوجيَّة التي تكاد تلامس حواف الاستحالة، والتي ألزمتها بها القوانين الباطنيَّة ل "المهديَّة الثَّورة"، وفكرها، تحت قيادة الإمام الثَّائر، خصوصاً في ما يتَّصل بامتداداتها الإقليميَّة، وبعدها العالمي، بالدرجة التي جعلت الهمَّ الرِّساليَّ "الكونيَّ" يطغى على الشَّأن "الدَّاخليِّ"، فيقلصه في ميزان الأهميَّة، على خطره، إلى محض محطة عبور transit تكاد لحظةُ بلوغها لا تفي بأكثر من الشُّروع في تجاوزها!
كان سيِّدى الإمام المهدي، عليه السلام، هو الذي حدَّد، بنفسه، هذه المعايير، ضمن النَّسقين الفكري والسِّياسي للدَّعوة. ففي رسالته الشَّهيرة، مثلاً، إلى توفيق باشا، خديوي مصر، خاطبه بقوله:
".. أظهرني الله طبق الوعد الصَّادق رحمة لعباده لأنقذهم .. وبشَّرني سيِّد الوجود (صلعم) بالنَّصر .. وأخبرني بأنِّي أملك جميع الأرض .. و .. هذا أوان المؤمن المصدِّق بوعد الله لا يرى لجميع ما في الحياة الدُّنيا من الفانيات قيمة، ولا يأسف على ما فاته .. وإنَّما يكون مطمح نظره إلى ما عند الله من النَّوال في دار الكرامة والأفضال .. فدقِّق النَّظر، واجمع عليك فكرك .. ولا تغتر بقوَّة حصن بلدك .. ومظاهرة دول أهل الكفر لك .. وقد حرَّرت إليك هذا الكتاب وأنا بالخرطوم شفقة عليك .. وها أنا قادم على جهتك بجنود الله عن قريب إن شاء الله تعالى، فإن أمر السُّودان قد انتهى" (رسالة المهدي إلى خديوي مصر ضمن: ن شقير؛ تاريخ السُّودان، ص 590 594).
فى إطار ذلك المشهد ، وفى ذلك الظرف التَّاريخي الحرِج، أخذت في التَّكشُّف، رويداً رويداً، ملامح الصِّدام المحتوم بين المشروعين: الإمبريالي القائم في "تصدير رأس المال"، والمهدوي القائم في "تصدير الثَّورة"!
(21)
وإذن "فإن أمر السُّودان قد انتهى" بمحض انتصار "الثَّورة" وإعلان "الدَّولة"، على حدِّ تعبير الإمام المهدي! كان ذلك هو المعطى الفكري شديد التَّناقض والتَّعقيد، والكامن في صلب المشروع السِّياسي الاقتصادي الاجتماعي للدَّولة الوليدة، في عين اللحظة التي تمَّت فيها البيعة لسيِّدي ود تورشين، وفى حدود المستوى المتاح من الوعي الاجتماعي العام بالعصر، وبالذَّات، وبالآخر. فلئن كان مفهوم "الدَّولة" ينطوى، في بعض تعميماته، على دلالة الآليَّة التي تبرز، في درجة معيَّنة من التَّطوُّر، كضرورة لا غنى عنها للتَّحكُّم بحركة إعمار "الحياة الدُّنيا"، وإدارة علاقات النَّاس الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة في إطار نشاطهم الرَّامي لإنتاج الخيرات الماديَّة، تلبيةً لحاجاتهم البشريَّة، باعتبار ذلك بمثابة المحدِّد الأساسي والأهمُّ لكلِّ التغيُّرات التي تقع في مسار تطوُّر المجتمع، وفى ظلِّ القدر المعقول من عوامل ديمومة واستقرار هذا المجتمع، فإن مشروع "المهديَّة الدَّولة"، رغم كلِّ ما بذل الخليفة من جهد في تنظيمها، وما أبدى رجاله من عبقريَّة فذَّة في هذا الشَّأن، ظلَّ مطروحاً، بإلحاح، على خط التَّناقض الجَّوهري مع هذا المفهوم، حيث كان، عليه رحمة الله ورضوانه، مكبَّلاً، تماماً، بثوابت الخطاب المهدوي الصَّارم الذي لا محيد عنه، والذي شاد مرجعيَّته الفلسفيَّة الأساسيَّة على "الزُّهد" المطلق في "جاه الدُّنيا الفاني"، و"متاعها الخسيس"، والطلب الصَّادق ل "نعيم الآخرة" وحده، دون سواه، دَعْ البُعد الخارجي المتمثل في واجب "تصدير" هذه القيَم والمعاني إلى العالم بأسره، ولو ب "قوَّة السِّلاح"!
هكذا تحتَّم أن تصطبغ كلُّ ترتيبات الدَّولة بصبغة هذا المشروع المتوطن في معنى "الإعراض المطلق" عن الدُّنيا، والتطلع ل "الاستشهاد" بإلحاح! ومن ثمَّ فُرض على السُّيوف أن تبقى مسلولة لا تهجع في أغمادها حتَّى بعد انتصار "المهديَّة الثَّورة"، وأن تتسارع وتائر تأسيس "المهديَّة الدَّولة"، وبالأخص حاضرتها أم درمان، لا كخليَّة حركة مدنيَّة تكدح في "إعمار الحياة"، وتحرس استقرارها وتطورها بمبادئ المساواة، والإخاء، والشُّورى، وحكم القسط، وسائر قيَم العدالة الاجتماعيَّة، وإنما كثُكنة عسكريَّة ضخمة لجنود في حالة طوارىء مستمرَّة، وجاهزيَّة دائمة stand by للقتال في أيَّة بقعة في العالم يُطلب منهم "تحريرها" و"أسلمتها"، أو "الشَّهادة" دون ذلك، علاوة على ما هو مفترض فيهم، أصلاً، وفق ذات المنطق، من "إعراض تام عن هذه الدَّار الفانية التي لا تزن عند الله جناح بعوضة" (رسالة المهدي إلى أهل مراكش المستوطنين مصر، المرجع نفسه، ص 594).
(22)
بالنَّتيجة، فَرَضت أيديولوجيَّة "المهديَّة الثَّورة" على "المهديَّة الدَّولة" أن تتقدَّم العسكريَّة militarism لتحتل، بكلِّ خصائص الصَّرامة، والشِّدَّة، والمبالغة في الحزم، موقع الصَّدارة من النَّشاط الاجتماعي، وأن تطبع الحياة كلها بطابع الجَّفاء الغليظ الذي لا يعرف توسُّطاً في الدِّين أو الدُّنيا، ناهيك عن عدم واقعيَّته، وعدم تأهُّله لتقدير ميزان القوَّة على الصَّعيدين الإقليمي والدَّولي، وأن تتراجع إلى المرتبة الثَّانية كلُّ الأنشطة الإداريَّة، والتِّجاريَّة، والزِّراعيَّة، والحرفيَّة، والتَّعليميَّة، والثَّقافيَّة، والإبداعيَّة، بل وأن تتقلص حتَّى الممارسات المتَّصلة بالأمزجة الإنسانيَّة في أكثر صورها براءة، والاحتياج الطبيعي للتَّرويح عن النَّفس في أكثر تعبيراته بساطة، ليصبح كلُّ ذلك إمَّا محرَّماً تصعب ممارسته في العلن، وإمَّا مباحاً، ولكن مستلحقاً بالمجهود الحربي، مكرَّساً لخدمته، ومستمدَّاً مبرِّراته من مقتضياته.
وبالتَّبعيَّة أضحى منطقيَّاً، تماماً، أن تترجَّح كفَّة الكوادر العسكريَّة على كفَّة الكوادر المدنيَّة، لجهة السُّلطة، والنُّفوذ، والمكانة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة. وفاقمت من أثر كلِّ هذا وذاك عمليَّات التَّهجير الضَّخمة ل "أولاد العرب" من مراتعهم الأصليَّة في الغرب إلى أم درمان والسُّهول الوسطى الزِّراعيَّة عموماً، في سياق الموازنات القبليَّة والجِّهويَّة التي لجأ الخليفة لانتهاجها، كما سلفت الإشارة، لأجل إعادة صياغة مركز الحكم في الوسط، وتعديل تركيبة بيئته التي لطالما اعتبرها غير مواتية لسلطته حال غلبة الأشراف، عشيرة المهدي، و"أولاد البلد" عليها. فقبائل "أولاد العرب" الرَّعويَّة كانت هي القوى التي تحمَّلت، بالأساس، العبء الأكبر من القتال أيَّام الثَّورة. ثمَّ ها هي الآن تُنتزع، قسراً، من دائرة نشاطها الرَّعوي، وتقاليد حياتها المتوطنة في الطلاقة التي لا تلائمها قيود الاستقرار الحضري، ليقذف بها إلى الوسط، فتشكِّل عبئاً إضافيَّاً على بيت المال، وتستنزف غلة الجَّزيرة التي حُبست عليها (م شبيكة؛ تاريخ شعوب وادي النيل، ص 698)، في واقع ثقافي وديموغرافي مغاير، بين قبائل زراعيَّة وتجاريَّة مستقرَّة، تتمتَّع بدرجة أعلى من الوعي الاجتماعي القومي، وتأهيل أكثر، تبعاً لذلك، في ما يتصل بقيادة المجتمع، وتسيير دفَّة الحكم، وبلورة فكرة الأمَّة (م س القدَّال؛ تاريخ السُّودان الحديث، ص 165 168)، ويسيطر عليها الإحساس بأنها الأكثر دراية بشؤون الإدارة، والدِّين، والتِّجارة (م شبيكة؛ السُّودان في قرن، ص 248).
سياسة التَّهجير تلك تتحمَّل، بالضَّرورة، وفضلاً عن مفاقمتها لشروخ الجَّبهة الدَّاخليَّة، وزر الدَّمار الذي حاق بالقطاعين الزِّراعي والرَّعوي، مِمَّا كان له أفدح الأثر في مجاعة سنة 1306ه (1888م 1889م) التي حصدت من الأنفس ما لم تحصد حروب المهديَّة مجتمعة (م شبيكة؛ تاريخ شعوب ..، ص 698 ).
(نواصل)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.