تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قصة قصيرة بعنوان: إبتسامتان في جوٍ شرْعِى
نشر في حريات يوم 07 - 11 - 2015

تحرر البدرُ من حُجُبِ السُحُب فإنجلي معدنُ وجهها صقيلاً ماجد العزّ عريق الجَمَال. في شفتيها إكتناز ناقص، في أنْفها خنس نافر الأرنبة متوثبها.من فَتْر ابتسامتها تشلع البروق. من إشراق وجهها تخجل الشمس، من نوَرَته و نداوته تستحي يناعة العشب الحنين، هكذا رآها سمراء و واضحة.
اسمها نوال ،جاءت إلي وحشة حياته موكباً من اللإلفة. كان منغمساً في لجّة النصوص،منشغلاً بصوم الإثنين و الخميس من كل أسبوع، تتبع أحداث يومه في أزمانها إيقاع مواقيت الصلوات الخمس.يغالب إنتصاباته بالتعوّذ من الشيطان و الإستغفار و أحياناً يختلس إستمناءات عجْلَي في برهة من زمن الحمام ثمّ يستغفر. لَقِيت إبتسامُتها عيناه في ذلك الصباح و هو في إنتظار البص غير مؤكد المجىء. كان واقفاً بينهم؛ منهم من يعرف و منهم من لا يعرف. الإنتظار إلي جانب الطريق بالنسبة له وقت للإستغفار. من جانبها كانت الإبتسامة محاولة لتبديد وحشة النفس و مشروعاً متمهلاً لمغالبة إحتمالات اليوم. بيت إهلها ليس بعيد من منزل أهله. بيتاهما علي مسافة شبه متساوية بأتجاهين متعاكسين بجانبي الطريق الأسفلت الذي يتوسط الحي الذي يبعد حوالي العشرة كيلومترات عن قلب المدينة. اسمه يس، في ملامحه صبرٌ و انتظار، يلبس نظارة طبية تستقر علي أنف متوسط البروز،تغطي النظارة الطبية عيناه متقدَتا الذكاء، لحيته نابتة بغير جلافة، بنطال الجينز الذي يلبسه قصير بإختصار يتفق مع النصوص الدينية علي طريقة السلفيين. قميصه ال Jean Paul مخطط بألوان زرقاء و رمادية و قطني. قطَعَت تلك الابتسامة سيل إستغفاره فلتعثم همس قلبه فصار يقول أستغفر ..أستغفر .. الله ..الله .. أستغفر، استمر التعلثم إلي أن سكت لسانه الهامس بالإستغفار. إنشغل بعدها بمعاينة وجهها فانصعق كيانه و رآها كالتي .. تحرر البدرُ من حُجُبِ السحب فانجلي معدنُ وجهها صقيلاً ماجد العزّ عريق الجَمَال. في شفتيها إكتناز ناقص، في أنْفها خنس نافر الأرنبة متوثبها.من فَتْر ابتسامتها تشلع البروق. من إشراق وجهها تخجل الشمس و من نوَرَته و نداوته تستحي يناعة العشب الحنين. ترقرق في داخله دمع و ضجّ في وجدانه طبل الإحتفال و رآها كالتي .. جاءت إلي وحشة حياته موكباً من اللإلفة و الجمال. كان يس في طريقه للجامعة في محاولة مُثابِرة للَحَاق بمحاضرة الصباح فهو بالمستوي النهائي ليتخرج بدرجة البكلاريوس في علوم الكمبيوتر. نوال في المستوي قبل الأخير للتخرج كطبيبة. قرّر يس متابعتها أو في الحقيقة اللحاق بآثار ابتسامتها. في تلك الإثناء دار البص القادم من الإتجاه المعاكس ليحمل المنتظرين الذين علي قلتهم تدافعوا مما جعل يس يحسّ بالتفاؤل لحضورها و بأنوار إبتسامتها. انتظرت نوال إنكشاف الزحام عن باب البص و كان يس في الإنتظار خلفها بخطوات محسوبة. ركبت رفْعُها لرِجْلها لتركب البص أجلي أمام ناظريه منظر إستواء قوامها و نفرة عجيزتها المتوثبة. تنافرت بداخله الخواطر وتضادت ، خاطر يقول" الأولي لك و الثانية عليك" و خاطر ينتهره ليثبت عيناه عليها. تفاجأ من سعيه و هو يحاول الجلوس إلي جوارها بأي طريقة، أمسكه الحياء و هو يتخطي إمرأة جهزّت نفسها للجلوس جوار نوال.فتخطي المقعدين الذين جلست علي أحدهما علي شباك .دفَعَه الحياءُ ليجلس بالمقعد خلفها، متسارع الإنفاس كان، يتردد في أذنيه رزيم ضربات قلبه، تعرّق جيبنه فمسح العرق بمنديله الذي تفوح منه رائحة الصابون و الكلونيا، خشي يس أن تُذهِب نداوة إبطيه مفعول مُزيل العرَق الذي وضعه قبل الذهاب لصلاة الفجر. أراح ظهره علي كرسي البص.أجهد نفسه ليضبط أنفاسه و يقلل عدد ضربات القلب.طرد الخواطر الزاجرة الواردة من ضميره الديني و حزَم أمره علي متابعتها.نظرتاه مثبتتان علي صفحة وجهها اليسري، كره يس الطرْحَة التي تغطي بسترها منظر شعرها، العنق و جانب وجهها. أراد أن يملأ عيناه بمنظرها. طقطقت بأصابعها ليوقف الكمساري البص حتي تنزل، شملته بإنتسامة أخري و هي تستأذن المرأة الجالسة إلي جوارها لتنزل ،إنضمام تنورتها بضيق المسافو بين ركبتي المرأة التي جلست إلي جورها و ظهر كرسي البص أمامها دفق جمالاً من عجيزتها علي وجهه فشهق. لم يفكر كثيراً فوقف أيضا لينزل من البص، أمهلها لتخطو أمامه.نزلت و نزل هو أيضاً، انتظرت تحَرُك البص و هدوء الحركة في الطريق لتقطع الشارع وتمضي إلي مدخل الجامعة. إلتفتت نحوه قائلة: صباح الخير، اسمي نوال.بتعلثم شديد وحروف مترددة المخارج قال: صباح النور ، اسمي يس. قالت: أراك في كل صباح و أنت تركب البص و في يدك كتاب أو مصحف، أين تدرس؟ قالت ذلك و إبتسامتها قد تأكدت جلْوَتها بناظريه المتعبتين من التحديق. إضطرب وجدانه و تزعزع إستقرار قلبه الواجف. ربما كانت واحدة من المرّات النادرة التي إحتاج فيها ليكذب ليستر عورة مشاعره المكشوفة فقال: أدرس في جامعة الخرطوم و لقد جئت اليوم لجامعتكم لحضور ندوة. إبتسمت نوال قائلة:إن شاء الله جامعتنا تعجبك. هنا قال يس و بطريقة إندهش منها هو عند الانتهاء مباشرة مما قال، حيث قال: أي مكان تكونين فيه سيعجبني. طفرت دهشات متعددة الألوان علي مُحيّاها المشرق سلفاً بناظريه. ربما كانت الدهشات متعددة الأسباب لكن أكبرها كانت تلك المتعلقة من سرعة إندفاق مشاعر هذا الشاب المتدين الذي بالكاد تعرفه فانخسفت إبتسامتها و اندفنت في حفرة من الإرتباك. في هذه الاثناء تلخبطت أمور يس و تأكد لديه عبث الشيطان بقلبه و شدة إمتحانه لتدينه. ثم أحسّ بتوقف الزمان و استعداد المكان للإنصراف و التبدل. فقال ليدرك شيئاً من الآثار المربكة لما قاله، فقال : أنا متأسف لكنني بالحقيقة……. و هنا ضاعت منه حروف اللغة و تفككت قدرته علي النطق فصارت أشلاء، فانصرف صامتاً و كان قلبه يهتف: أريد أن أظل بجوارك.. أريد أن أظل بجوارك.. أريد أن أمكث هنا أمام هذا الوجه المبتسم الجميل . الوجه الذي لولا إبتسامته لما عرفت الأرض الصباح. دخلت نوال من بوابة الجامعة و في ذهنها تتزاحم الخواطر و تتعاكس الأفكار و تضجّ، ندِمت نوال علي إبتسامة بريئة بذَلتها أمام شاب جرّف التدين تفكيره و مشاعره . لم يذهب يس للجامعة و ظلّ في مكانه في إنتظار البص ليعود به. لم يكن يري شيئاً محددا كان يعاين مشاهد غاربة لمكان يستعد للمغادرة وكان يسمع هتافات قلبه المتلاطمة كأمواج بحر هائج:
أريد أن أظل بجوارك.
أريد أن أمكث هنا أمام هذا الوجه المبتسم الجميل.
ذلك الوجه الذي لولا الإبتسامة البهيّة المنطرحة عليه لما عرفت الأرضُ الصباحَ.
لولا إبتسامتها لما عرِفت الأرضُ الصباحَ.
كانت من داخل سور الجامعة تراقب انتظاره الذي استمر لزمان كان كافياً لمرور ثلاث بصات في اتجاه حيِهما.
أخيرأ أستقلّ يس البص الرابع و ذهب،فذهبت هي إلي قاعة محاضرتها. كانت شاردة الذهن و قررّت أن تقابله في مساء ذلك اليوم لتقول" له إن ما جعلها تبتسم في وجهه كان محاولة لتبديد وحشة النفس و مشروعاً متمهلاً لمغالبة إحتمالات اليوم."
وصل يس البيت فسألته أمه هل نسيت شيئاً.هنا إحتاج ليكذب للمرة الثانية فقال نعم و إنسحب للصالون. حيث كان مكتوباً علي لوحة بواحد من حوائط الصالون الحديث القدسي ( إنّي خلقت عبادي حنفاء كلهم، و إنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، حرّمت عليهم ما أحللت لهم و أمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً). هنا فكّر يس في أن ما تم بينه و بين نوال لم يكن أكثر من إستخفاف الشيطان به . قرأ الحديث القدسي مراراً و تذكر أن من يعرفهم من المتحدثين بالمساجد التي يرتادها يركزون علي موضوع الشرك في نهاية الحديث القدسي و ليس بينهم من يشرح " حرّمت عليهم ما أحللت لهم" نسي يس نفسه و هو يفكر في معني هذا الجزء من الحديث. نسي نفسه فلم يسمع آذاناً و لم يغادر سريره إلا عندما طلبت منه أمه الحضور لنصف البيت الآخر من إجل الغداء. ربما كانت المرة الأولي منذ زمان أن يكون يس بالبيت في وقت الغداء خلال أيام الاسبوع. كان يس منشغل الفكر و مضطرب الدواخل يبحث عن عزاء فقال لأمه: هل الحب حرام؟ إلتفت أمه و نظرت مليّاً في وجهه فهالها ما رأت من إرتباك يمزِّق صفو وجه ابنها. فقالت: بسم الله دا كلام شنو؟ يا يس. انت ما لك الليلة؟ أكل يس غداءه كالممسوس و شرب الكثير من الماء و اتجه للصالون و تمدّد علي الفراش من جديد في جولة أخري من التأمل في الحديث القدسي، كانت صورتها بذهنه، ما أن يغفل لحظة من التدَبُر في الحديث القدسي و إلا و تطغي صورتها علي جوانحه فيحتفل قلبه و يتأكد شرود ذهنه عن مشروع تدَبُر الحديث القدسي. طرقت أمه علي باب الصالون المطفأ الانوار لم يكن يس يعرف أن الصالون مطفأ الانوار كانت روحه و ناظريه مضاءان بأنوار حضورها الصباحية المزينة، مشي نحو باب الصالون دون تَعَثر و فتح الباب و تفاجأ كثيرأ عندما قالت أمه: سجمي يا يس إنت قاعد في الضُلُمّة دي براك؟ هنا ردّ يس بكل ما في العالم من شرود ذهن فقال لم أكن وحدي و انوار الصالون غير مطفأة. صعقت الدهشة أمَّه فكادت أن يغشي عليها لكنها قررت التماسك رغم أنها فعلاً شرعت في فكرة التعامل مع جنون إبنها كإحتمال وارد، فقالت: الناس أبين دقون المباريهم ديل لا بطلعوا قوز أخدر و لا المعاهم بشوف خير. هنا إنتبه يس لأن الأمر قد فلَت و أحسّ أنه في بداية هاوية عميقة الغور لكنه تجاهلها و قررّ العودة لروتين حياته المعتاد.ترك أمه هناك في البراندة الملحقة بالصالون و ذهب للحمام. غسل جسمه بالصابون غسيل من تراكمت علي أنحاء جسده أوساخ العالم أجمع. إغتسل من جنابة الروح التي يعاني آثارها بمرارة. توضأ ليغسل ذنوب النهار و ليمحو بماء الوضوء ملامحها من عينيه و من قلبه. لم يذهب للمسجد بل فرش مصلاية أباه و توجه للقبلة و بدأ بصلاة الظهر، العصر، المغرب ثم العشاء، الشفع و الوتر. بذلك يكون قد صلي إجمالاً اربعة عشر ركعة. انتظرت أمه تمام الصلوات فابتسم في وجهها و قال : شدِّة و تزول يا يمّة . استحسنت أمه هذا الكلام و هدأت روحها ربما لهذه الليلة فقط.
بحثت نوال عن بيت يس فوجدته و لم يكلفها الأمر غير أسئلة محدودة لبنات الجيران عند بداية الليل. إنتظرت بمسافة محسوبة أمام البيت بحيث لن يستطيع المتطفل العابر معرفة أي بيت تقصد بإنتظارها. لم يخرج يس ولقد تأخر الوقت بالنسبة لنوال فقررت الذهاب للبيت علي أمل مقابلته غداً.
مضي الليل بيس كأثقل ما يكون الوقت. لم ينم إلا عندما طافت الفكرة أو أحلام اليقظة التي بمفادها قال لنفسه: نوال إمرأة صالحة و هي من النساء اللائي يتم الزواج منهم لجمالهن و لا ينقصها إلا أن تحتجب و تهتم بشئون دينها لتكون زوجتي. في الصباح خرج يس دون الذهاب لصلاة الفجر بالمسجد. كانت بإنتظاره دون إبتسامات، قالت بحزم و إنتباه: ما تمّ بالأمس لم يكن أكثر من سوء تفاهم و لم يكن لإبتسامتي أمامك أي معني غير أنني أردت أن أبدد وحشة نفسي و كانت الإبتسامة مشروعاً متمهلاً لمغالبة إحتمالات اليوم.لم يفكر يس فيما قالت أو لم يسمعه، و قال: لا ينقصك إلا الحجاب و الإهتمام بالشعائر حتي تكوني زوجة صالحة لعبد من عباد الله الصالحين. ضحكت نوال و قالت: لنفسها هذا ليس أكثر من مجنون . ثم قالت له: هنالك الكثير من المحتجبات و المحافظات علي الشعائر لماذا لا تذهب لواحدة منهم و تطلب منها الزواج علي سنة الله و روسوله. فتحت تلك الكلمات دروبا في تفكير يس لم يكن يراها. خاصة عندما قالت نوال: أنا هنا الآن لأوضح لك لبساً حدث بصباح الأمس ليس أكثر. لم يستطع يس الإنصراف لإستغفاره في هذا الصباح ساعة انتظار البص. جاء البص فركبت قبله. ركب يس و جلس خلفها. كره يس الطرْحَة التي تغطي بسترها منظر شعرها ، العنق و جانب وجهها بأكثر من كرهه لها بالأمس فقرر تمزيقها.جرّها بعنف بصورة آذتها فصرخت، أخذ الطرْحَة في يده و مزّقها، لم يهتم بما تقوله نوال بين الدموع و الألم لا بما قاله الرجال الملتحون و من معهم حول قلة أدب بنات هذا الزمن و انطلاقتهن. كان بالبص أحد الشبّان الرساليين فقرر حسم هذا الأمر الصباحي المتعجل في أقرب مركز للشرطة. أوقف الشاب الرسالي البص و أمر نوال بالنزول فقاومت ومن بين دموعها و قهرها قالت: لو كنت انساناً لطلبت من هذا المعتدي النزول. ضجّ ضجيج البص و سمع الهواء المنكتم في البص بذلك الصباح العبارات التالية:
بنات قليلات أدب.
بنات مطلوقات.
انا ما عارف كيف يترك الآباء بناتهن ليخرجن بمثل هذه الملابس .
يا بنت العم انزلي، عندنا شعل عاوزين نلحقه.
يا استاذ امشي نادي العسكري من القسم ليحسم هذه الفوضي.
ذهب الشاب الرسالي إلي مركز الشرطة، فأُنزِلت نوال بالقوة و نتيجة لعنف العسكري تمزقت بلوزتها فبان جانبٌ من صدرها نسي الستيان أن يغطيه. و ترددت عبارات من داخل البص منكتم النفس و من جمهرة المتجمعين جوار البص و كان من ضمنها.
بنات ما عندهن وليان.
بنات مطلوقات.
يا جماعة بعد كدا ليأخذ القانون مجراه بلاش كلام فارغ.
و قالت إمرأة :شوف المطلوقة دي لابس كيفن
و قال أخري و لا هاميها أنكشاف صدرها أمام الرجل و في الشارع.
بنات ما عندهن دم.
النوعية ما بتأدبوا إلا بالضرب.
ضَرِب إيه يا عمك ! جلد و بالكرباج كمان.
أُنزِلت نوال، نهب رجالُ الشرطة محتويات حقيبتها؛ تلفون، مصروفات اليوم، عبوة مناديل ورق،مجموعة من الفوط الصحية في كيس بلاستيكي محزوم، عبوة مزيل عرق، مرطب شفاه، أقلام و دفتر. لم تعد نوال لبيت أهلها من ذلك اليوم و لقد نسي الناس بالحيُّ أمرها في زحمة تفاصيل الحياة اليومية و ما زالت ذكراها ماثلة في أعين أهلها لكنهم لم يعرفوا شيئاً عن مصيرها ولم يكونوا يعرفوا شيئاً عن الفيديو الذي يوثق للحادثة في الواتساب حتي لحظة الفراغ من كتابة هذه القصة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.