عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الثلاثاء" 21 سبتمبر 2021    اتحاد كوستي يقف على تحضيرات الرابطة ويفتح ابواب الاستاد مجانا للجمهور    الفنان جعفر السقيد يكشف المثير عن مشواره الغنائي ويدافع " مافي زول وصل أغنية الطمبور قدري"    أبرز عناوين الصحف السياسية السودانية الصادرة اليوم الثلاثاء الموافق 21 سبتمبر 2021م    القبض علي الجكومي وكابو و بعض جماهير المريخ على خلفية مُشاركتها في المسيرة الجماهيرية    لجنة تطبيع نادي الهلال تقف على آخر استعدادات انعقاد الجمعية العمومية    قضية الشهيد محجوب التاج .. تفاصيل جلسة محاكمة ساخنة    ضبط (5) كليو ذهب بنهر النيل    توقعات بهطول أمطار غزيرة في (4) ولايات    حليم عباس: على كل ثوار ديسمبر، وكل المعنيين بالتغيير بصدق، إعادة التفكير في الموقف كله، إنطلاقا من نقطة جديدة    ضابط رفيع: ليس هناك انقلاب في السودان ولا يحزنون    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الثلاثاء 21 سبتمبر 2021    نزار العقيلي: (قم يا عبد الفتاح)    شاهد بالفيديو.. مُطرِب سوداني يُفاجيء جمهوره بانتقاله من فاصل غنائي إلى موعظة في تقوى الله ثم واصل رقيصه    الحكومة السودانية تعلن انجلاء أزمة الدواء وتوفر الاستهلاك لشهرين    السُّلطات السودانية تُحرر 56 من ضحايا الإتجار بالبشر بينهن نساء    خبير دولي: عملية التفكيك يجب أن تشمل القطاع الأمني    شاهد بالفيديو.. مُطرِب سوداني يُفاجيء جمهوره في حفل بانتقاله من فاصل غنائي إلى موعظة في تقوى الله    خطوات بسيطة لحماية البريد الإلكتروني من الاختراق    وفد رفيع من رجال الاعمال وكبرى الشركات البولندية في الخرطوم أكتوبر المقبل    أحداث مثيرة بشأن البث التلفزيوني للقاء المريخ والاكسبريس    تبدد التفاؤل.. تلوث البيئة وسُوء الطرق مشاهد تعكس وجه العاصمة القبيح    شاهد بالفيديو: عادت لإشعال الأسافير .. مكارم بشير بأزياء محذقة والجمهور يعلق على (النقطة)    مباحثات بين السودان وسوريا لبحث معوّقات الاستثمار    المركزي يعلن قيام مزاد النقد الأجنبي رقم (12) الأربعاء المقبل    رونالدو وكيروش.. كيف تحولت "الأبوة" إلى عداء مستمر؟    أسرار الكوارع في علاج خشونة الركبة    منها الوسائد الهوائية والتطبيقات.. تكنولوجيا في السيارات الحديثة لحماية المارة    من يمسكون بهواتفهم ليلًا عند النوم مصابون بمرض نفسي    يوصي بها الخبراء الألمان..نصائح تقنية لتسريع تشغيل حاسوبك    زراعة (6.6) مليون فدان من المحاصيل بالقضارف    ليفربول يعلن غياب لاعبه عن مباراتين    السيسي يناقش مع وزير الدفاع اليمني تطورات الأوضاع في اليمن    بوتين: هجوم بيرم مصيبة هائلة    تأكيداً لما أوردته (السوداني) فاركو المصري يتأهب للإعلان الرسمي عن صفقة تيري    (صحيفة الجريدة) تقتحم أوكار 9 طويلة في جمهورية (هنا ينتهي القانون)!!    عبداللطيف البوني يكتب: السيولة المفضية لسيولة    طبيب يكشف عن دفن النيابة العامة 23 جثة بدون موافقة الطب الشرعي    الطاهر ساتي يكتب: بما يُستطاع ..!!    3 مليون دولار خسائر في حقول النفط بسبب التفلتات الأمنية    منافسة د. شداد ود. معتصم تتجدد .. و الكشف عن اسم مرشح اتحادات الوسط في عمومية اتحاد الكرة    وزارة الصحة تكشف عن ارتفاع عدد الاصابة بكورونا بالخرطوم    سراج الدين مصطفى يكتب : على طريقة الرسم بالكلمات    آمال عباس تكتب : وقفات مهمة الثورة الثقافية بين الاتقاد الوجداني وأساطير الثقافة    الإعلان عن إعادة افتتاح مطار كابل رسميا    بعد سُقُوط منزله مُؤخّراً .. مُعجبة تهدي فناناً شهيراً جوالات أسمنت    مسؤول يقر بضخ مياه الصرف الصحي في النيل الأبيض    كابلي السودان.. كل الجمال!!    شهير" يرفض احتراف الغناء لهذا السبب    لماذا تحمل بعض الحيوانات صغارها بعد الموت؟.. تفسير محزن    المستلزمات المدرسية.. شكاوى من الغلاء!!    كلام في الفن.. كلام في الفن    "ثلث" المتعافين من كوفيد يشهدون أعراضا "طويلة الأمد"    أذن العصر وأنا أصلي الظهر .. فهل أكمل الصلاة وأقضيها    تعرف على أبرز أسباب تناقص زيت المحرك في السيارة    حكم صلاة من أدرك الإمام وهو يرفع من الركوع    حكم صلاة من أدرك الإمام وهو يرفع من الركوع    وفاة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة عن 84 عاما    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ذكري شيكان .. حينما ابتلعت الارض جيش الغزاة !
نشر في حريات يوم 11 - 11 - 2015

حلت عينا قبل بضعة ايام خلت .. الذكري 132 لمعركة شيكان والتي شهدت انتصاراً شعبياً وعسكرياً ساحقاً لقوات الثورة المهدية السودانية علي الجيش الغازي بقيادة الجنرال البريطاني وليام هكس .. ولعل من نافلة القول أن نذكر أن شيكان كانت اول معركة في تاريخ السودان بالقرن التاسع عشر .. تشهد استغلالاً عبقرياً لعوامل الجغرافيا والمناخ لصالح الثورة الوليدة وقد تزامن ذلك مع تأييد شعبي كاسح لها في كل المناطق التي تقدم فيها هكس بحملته .. ذلك التأييد الذي اتفق مع تخطيط استراتيجي متقدم لاستدراج قوات الغزو لمعركة اختارت زمانها ومكانها قيادة الثورة المهدية بعناية فائقة .
يتحدث المؤرخ البريطاني فيرغس نكول صاحب كتاب ( مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون) .. عن الجنرال هكس وتفاصيل تكوين جيشه لقمع الثورة المهدية فيقول : "كان ضابطا بريطانيا مميزا.. بلغ الثالثة والخمسين من عمره عند تكليفه بقيادة الحملة .. مديد القامة .. حسن المظهر والتقاطيع .. وعلي وجهه آثار صرامة واضحة وذقن بارز اشيب الشعيرات" ..وقد تم اختياره لهذه المهمة بعناية فائقة و تفضيلا علي الجنرال فالنتاين بيكر عطفا علي انضباطه وسمعته الحسنة بالمقارنة مع الأخير " والمفارقة ان فالنتاين بيكر نفسه لقي الامرين وعاني ما عاني من الهزائم علي يد عثمان دقنة في سنوات لاحقة بشرق السودان" .. كما وصفه اللورد دوفرين "المقرب جداً من ملكة بريطانيا" بالقائد الرصين والمتزن في أدائه وخبراته العسكرية كخيار ممتاز لقمع الثورة المهدية.. ( مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون.. لفيرغس نكول ، دار سوتون Sutton للنشر ، جلوستارشاير ، المملكة المتحدة 2004 ).
وقد قامت صحيفة Lloyd's اللندنية بإعداد تقرير مفصل عن حملة هكس في نوفمبر 1883 استعرضت فيه خبرات الجنرال وليام هكس الميدانية والقتالية المتنوعة من خلال سرد سيرته الذاتية الحافلة بالنجاحات في قمع الثورات التي قامت في شتي أرجاء الامبراطورية البريطانية وجاء في ذلك التقرير : " انضم هكس للجيش البريطاني في مدينة بومباي الهندية في 1849وخدم بلده في البنغال في حملة 1847-1849 كما اشترك مع اللورد كلايد في حملة اخضاع اقليم اويد الهندي . لقد تقلد رتبة اللواء او Brigade Major في موقعة ( ماجدالا) التي انتصرت فيها القوات البريطانية انتصارا باهرا في الحبشة " ..( Lloyd's Weekley London Newspaper , November 1883, ارشيف الصحافة البريطانية ).
وفور وصول هكس الي القاهرة انخرط في حملة مباحثات مكثفة مع الخديوي توفيق .. ثم تبع ذلك بلقاءات متصلة مع السير إيفلين وود والذي فرضته بريطانيا قائدا عاما للجيش المصري برتبة سردار بعد ثورة عرابي .
مغتراً بتلك البدايات المبشرة و روح التعاون التي وجدها من الجميع بالقاهرة .. بعث هكس إلي زوجته صوفيا ببريطانيا برسائل متتابعة في 1883..تميزت الرسائل الاولي منها بقدر من التفاؤل .. حين يقول في احداها " لقد كان الخديوي توفيق سخيا معي حينما وعدني بحافز شخصي يبلغ عشرة الآلاف من الجنيهات الاسترلينية إن أفلحت في حسم امر السودان " .. وفي آن اخر تجده يركن الي التشأوم المصحوب بالقلق والتوتر .. مما دفع فيرغسون الي تقمص دور المحلل النفسي حين يصفه بالشخص المتقلب المزاج .. Had wild mood swings.. وذلك حين كتب لصوفيا بعد لقائه المغلق بالقاهرة مع كل من السير ايفلين وود .. واللورد دوفرين.. واللورد ادورد لتوفير الغطاء السياسي للحملة .. قائلا : " إنني اشعر بغاية القلق .. هل سأستطيع فعل كل هذا ؟ .. إن هذا الأمر يبدو لي هائل الاعباء " .. وبعد أيام قلائل يستعيد هكس نبرة التفاؤل المألوفة في خطاباته لزوجته والتي بدت في هذه المرة أقرب الي الغرور والخيلاء حين يكتب لها قائلا : " إن بعض الرجال يولدون عظماء وبعضهم ينتزع العظمة بأعماله في الحياة ولكني اعتقد أنني سابقي عظيما طوال حياتي" .. ملمحاً الي حتمية انتصاره علي الثورة السودانية الوليدة ! .. ( نيكول : خطابات هكس لزوجته صوفيا ،مصدر سابق ).
أما عن تكوين جيش حملة هكس فقد اوردت صحيفة Lloyd's اللندنية تفصيلا مسهباً عن التشكيل القيادي للحملة حين ذكرت : " بالاضافة للجنرال هكس كقائد عام للحملة .. اصطحب هكس معه عدد من الضباط الأوربيين فكان هناك القائد الانجليزي الشهير فركهار برتبة Major او رائد والذي خدم كنقيب في وحدة المشاة بالجيش البريطاني المعروفة باسم Grenadier Guards .. جنباً الي جنب مع الضابط البريطاني Massey والذي خدم برتبة فريق في وحدة المشاة الأخري بجيش الامبراطورية والتي عرفت باسم Middlesex Regiment .اما علي مستوي سلاح الفرسان فقد كلّف الميجور مارتن بقيادته .. بينما تشكل السلاح الطبي بقيادة الدكتور روزنبرغ برتبة رائد جراح . كما تشكل سلاح الاستخبارات بقيادة الضابطين.. وارنر ا.ب. إيفانز " .. ( Lloyd'sWeekley London Newspaper,مصدر سابق).
ولا يختلف تقرير الصحيفة اللندنية عن الهرم القيادي للحملة الا اختلافا طفيفا عن ما أورده المؤرخ الوطني الاستاذ عبد المحمود ابو شامة في سفره القيم ( من أبا الي تسلهاي ) .. وقد أسهب الاستاذ ابوشامة حين تحدث عن جنود الحملة الذين كانوا خليطا من الأتراك والالبان والشركس والمصريين من بقايا جيش عرابي ومجموعات أوربية مقدرة وخلص الي ان تعدادهم كان يربو عن ال 15000 جنديا بالتمام والكمال . وما كان لجيش جرّار كهذا ان يُرسل من دون توفير التغطية الإعلامية الفعالة لوقائع تحركاته .. فصحب ذلك الجيش كأذرع إعلامية .. كل من فرانك باور مراسل جريدة ( التايمز اللندنية)..وفرانك فيزتلي مراسل جريدة( The Graphic ) ..كما تواجد ايضا الصحفي الأيرلندي المثير للجدل إدموند اودنوفن المحسوب علي التيار القومي الأيرلندي .. كمراسل حربي لصحيفة Daily News.
بدأ جيش هكس تقدمه نحو المهدي في كردفان من شات بالنيل الأبيض في 27 سبتمبر 1883 ومنها أرسل هكس خطاباً عاماً متوعداً لكل زعماء القبائل بالمنطقة يعبر عن صلف انجليزي بالغ مطالباً إياهم بالتسليم وعدم الانضمام للمهدي وإلا فأنهم سيدمرون معه ومع جيشه ! وشاعت الرواية الشعبية المتداولة آنذاك المروية عن هكس ومدي صلفه وغروره..والتي أوردها الاستاذ ابوشامة بان جيشه كان قادرا علي دك الأرض باحذيته ورفع السماء بسناكي البنادق .. وهو ما أكده الامير علي الجلة أمير المسيرية الذي استجوبته اصدارة Sudan Notes & Records البريطانية الشهيرة لاحقا .. وبذات المعني بعث وليام هكس بخطاب ينضح بلغة الوعيد والتهديد من شات بالنيل الابيض للامام المهدي بمدينة الابيض .. وعندما تُلي خطاب هكس علي المهدي رد عليه بثقة القائد الذي يعرف كيف يثبت جنوده حين قال ببرود : " سبحان الله هذا المسكين نسي قدرة الله فأين قوة الله .. لا حول ولا قوة الا بالله ".. ثم نهض المهدي مخاطبا جيشه : "اذا طار الطير اين ينزل ؟ " فقالوا : " ينزل في الارض " فعقب قائلا : " نحن الارض .. وهؤلاء أينما توجهوا سيأتون إلينا " .. ( أوراق السيد علي المهدي ، نسخة مودعة بدار الوثائق السودانية بخط يد الشيخ سليمان اديب ).لم يهدر الامام المهدي الكثير من الوقت فقد كانت ادق المعلومات الاستخبارتية عن جيش الحملة كلها أمامه في الأبيض منذ يوليو 1883 بفضل جهاز الاستخبارات المهدوي بقيادة الأمير حمدان ابوعنجة والأمير محمد عثمان ابوقرجة .. فاستدعي المهدي الخلفاء والأمراء لمجلس حرب تشاوري منذ سبتمبر 1883.. كانت خطته العسكرية تبدو بسيطة ولكنها محكمة.. اصدر المهدي أوامره باستدراج جيش هكس لفخ نصبه ببراعة في سهول كردفان الفسيحة علي ان يتم حرمان جيش الحملة من الإمداد تماماً .. كما وجه الأمراء ابوقرجة وعبدالحليم مساعد( جد الاستاذ محمد احمد المحجوب لامه) و عمر إلياس باشا أم برير وحمدان ابوعنجة بمهام محددة .. كانت مهمة هؤلاء حسب توجيهات محمد احمد المهدي الصارمة.. إقلاق منام الحملة ليلا بالاشتباكات السريعة الخاطفة دون الدخول معها في مواجهات مباشرة .. ضرب كل الخارجين عن التشكيل الانجليزي للمربع العسكري..و دفن الآبار ..أكبر عدد من الآبار في طريق الحملة.. وإخلاء القري واستدراج الغزاة لإنهاكهم وتحطيم روحهم المعنوية علي طول الطريق .. ونلمح تلك الادارة المتقنة لتكتيك الحرب الشعبية من خلال حملة مراسلات المهدي النشطة مع الأمراء ففي سبتمبر 1883 كتب المهدي للامير احمد ود جفون :" وانه بمجرد وصول جوابي هذا إليكم انتم وجميع من معكم من الانصار انضموا مع بعضكم البعض في جهة من الجهات وأخلوا لهم الطريق كي يجدوه سهلا خاليا ، وأكمنوا لهم بالطلائع الشافية ، وبعد تحققكم بذهابهم و مرورهم من نواحيكم ، فأمسكوا قفاهم واتبعوهم من ورائهم فيصيرون في وسطنا" .. الي ان يقول : " الحرب خدعة، فشمروا عن ساعد الجد وقوموا بواجب ما أمرتم به ولا تغفلوا عن الطلائع دائما قبل وصولهم بنواحيكم و مرورهم و لا تقطعوا من الإفادة من الأخبار المحققة" .. ( منشور الامام المهدي للامير احمد ود جفون : الاثار الكاملة للامام المهدي لابوسليم ، المجلد الاول، دار جامعة الخرطوم للنشر ، الخرطوم 1990 ) .. ذلك تكتيك برع المهدي في تنفيذه وأقر بعبقريته فرانك باور المراسل الحربي لصحيفة التايمز حين قال " لم ينشغل السودانيون كثيرا بالمدفعية والأسلحة الثقيلة التي امتلكها جيش هكس .. لقد كان افضل سلاح أجادوا استخدامه ببراعة هو طبيعة بلادهم – يقصد الطبيعة الجغرافية للسودان- لقد أجادوا استخدام هذا السلاح بعبقرية فائقة" .. ويتفق المؤرخ والخبير العسكري البريطاني فيثرستون في كتابه " الوقفة الاخيرة للجنرال غردون " مع باور في الثناء علي عبقرية خطة المهدي لاستدراج جيش هكس الي مصيره المحتوم حين يقول " لقد كان علي الحملة التعامل مع حرارة الطقس القاسية ، العطش ومضايقات واشتباكات الجيش المهدوي الخاطفة التي استمرت علي نسق ثابت مما اثار شقاقا داخليا وسط الرتب المتقدمة من ضباط الحملة . لقد كان المهدي ممسكا بكل أوراق اللعبة .. Holding all the cards .. و كان جهاز الاستخبارت المهدوي علي اعلي مستوي ..First rate intelligence .. فأرسل الف فارس بقيادة الامير محمود عبدالقادر لاحتلال منهل البركة واجبر هكس علي تحويل مسار جيشه لغابة شيكان ".. ( فيثرستون: الوقفة الاخيرة للجنرال غردون، Osprey Publishing ،أوكسفورد ، المملكة المتحدة 1993).
في يوم 29 سبتمبر 1883 اصدر المهدي أوامره لجيش الأنصار بنقل معسكره خارج أسوار مدينة الأبيض وتم تكثيف أعمال التدريب العسكري اليومي استعدادا لمواجهة حملة هكس .. ونقل القائد الشاب الذي اكمل لتوه عامه التاسع والثلاثين .. رئاسته الميدانية تحت ظل شجرة التبلدية الضخمة الشهيرة بشرق الابيض.. وادت الدعاية الإعلامية الناجحة للثورة الوليدة لتوافد القبائل بالآلاف لمناصرة المهدي لتجديد البيعة والتأكيد علي اتفاق الكلمة في مواجهة الغزاة .. كما كان لحادثة هروب الألماني جوستاف كلوتز من معسكر هكس لمعسكر الأنصار أثرا كبيرا في رفع معنويات جيش الثوار عندما نقل لهم معنويات الحملة المنهارة بسبب المناوشات الليلية المزعجة التي كانت تقوم بها طلائع الجيش المهدوي .. وتنادت الي تلك التبلدية الضخمة أشتات قبلية سودانية اتفقت جميعها للمرة الاولي علي قيادة موحدة لمواجهة القوات الغازية .. فتوافد فرسان الغديات تحت زعامة الامير اسماعيل ود الامين .. والرزيقات بقيادة الامير موسي ود مادبو .. الحمر بقيادة الامير ابراهيم مليح .. ثم رجالات المسيرية بقيادة الامير علي الجلة والامير محمد ود طبيق .. وفرسان المجانين بزعامة الامير ود نعمان .. والبديرية بقيادة الامير عبدالصمد ود ابصفية والحوازمة بزعامة الامير نواي ود ضيف الله .. بني جرّار بقيادة الامير ودنوباوي .. الِجمع بقيادة ناظرهم الامير عساكر ابوكلام .. التعايشة بقيادة الامير يعقوب ود تورشين والخليفة عبدالله .. الجوامعة بقيادة الامير موسي الاحمر والامراء رحمة ود منوفل وضوينا الجامعي والشامي ود هباني .. وفرسان المعاليا بقيادة الامير الشيخ دودو .. فرسان دار حامد بقيادة الشيخ قريقر .. الهبانية تحت قيادة الامير كليب حمدان .. الزيادية بقيادة الامير جاد الله ود عيسي .. قبيلة الكواهلة بزعامة الامير جاد الله ود بليلو جنبا الي جنب مع الكبابيش بقيادة الامير عوض السيد قريش( والذي شارك بفرسان الكبابيش بعد توليه زعامة الكبابيش في المهدية في أعقاب تمرد ابن عمه فضل الله ود سالم ).. وشكل كل هؤلاء قوام الراية الزرقاء .. اما الراية الخضراء فتكونت من قبائل وسط السودان علي نحو .. كنانة بزعامة الامير البشير عجب الفيه ، دغيم بقيادة الامير موسي ود حلو ، العمارنة بزعامة الامير بابكر ود عامر.. اللحوين بقيادة عبدالله ود برجوب والعركيين بقيادة عبدالله ود النور ثم الراية الحمراء والتي ضمت قبائل شمال السودان علي نحو الجعليين بزعامة الأمراء الياس باشا ام برير وابنه عمر ، عثمان حاج خالد العمرابي و عبدالحليم مساعد ، الدناقلة بزعامة الامير ميرغني صالح سوار الذهب والامير فضلو احمد . لقد كان سودان القرن التاسع عشر مكتمل القسمات بكل تشكيلاته الاجتماعية والقبلية الموحدة علي أرض كردفان الغرة.
خرج الامام المهدي علي قيادة الجيش من مدينة الأبيض. . في الأول من نوفمبر تاركا الامير عبدالله ود جبارة حاكما للمدينة خلفه قاصدا شيكان والتي تقرر أنها ستكون ارض المواجهة الحاسمة مع الغزاة ووصل منهل "المصارين " قبل جيش هكس.. والذي فشل ايضا في الوصول الي منهل البركة بعد احتلاله بواسطة قوات الامير محمود عبدالقادر التي ارسلها المهدي .. فأصبح هكس في مأزق كبير ولا سبيل أمامه الا االتقدم نحو كازقيل ومنها الي غابة شيكان فبدأ فعليا بالتحرك تجاهها من منطقة "مصران ام برة" .. فأمر المهدي بإرسال الطلائع من اصحاب الخيول لإحداث جلبة عظيمة ليوهم هكس بأن الهجوم الرئيسي علي وشك الوقوع فاضطر هكس للتوقف وبناء زريبة مؤقتة . وفور تأكده من ان هكس سيقضي ليلته هناك .. اصدر الامام المهدي اوامره لفرسان الامير " ابو قرجة" للقيام بعملية نقل ضخمة لقوات الامير حمدان ابوعنجة من المشاة بواسطة الخيول الي غابة شيكان حيث سيستغلون سواد الليل كغطاء للارتكاز.. وقام بتنسيق العملية كل من الزاكي طمل والنور عنقرة .. وتم حفر عدد من الخنادق حول الغابة .. تلك العملية العبقرية التي سيكون لها التأثير الأكبر في إبادة حملة هكس .. حدث كل ذلك بينما كان جيش المهدي الرئيسي يبعد حوالي ال 15 ميلا عن موقع هكس وجنوده !
في 4 نوفمبر 1883 عقد المهدي مجلس شوراه الأخير بحضور الخلفاء وكبار الأمراء .. حيث تقرر أحكام الكمين لحملة هكس في ارض شيكان حيث سيختبئ رجال ابوعنجة تحت أشجار غابة شيكان .. بينما كانت مهمة الامير ابوقرجة وقواته هي مواصلة عمله في مطاردة جيش هكس من الخلف .. من خلال الاشتباكات الخاطفة .. لدفعه دفعا الي شيكان حيث الكمين القاتل .
وفي يوم 5 نوفمبر 1883 .. صلي المهدي بالجيش صلاة الصبح ثم نهض خطيبا ليقول .." من تأخر منكم ليصلح نعله.. لن يدرك الغزاة أحياء" .. ثم أخذ موقعه علي صهوة جواده بين الراية الخضراء و الراية الزرقاء وقال : " الله اكبر .. هيا توكلوا علي الله " .. و تلي قوله تعالي :" ان هؤلاء متبرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون " فحقت عليهم بقية الآية " فغُلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين " .. ثم واوصاهم بترديد دعاء الحرب ثلاثا.. وانصرف الامراء براياتهم للارتكاز في مواقعهم المرسومة حسب الخطة.
وصلت الحملة الغازية الي قدرها المحتوم بشيكان في حوالي التاسعة صباحا .. فكانت كالفريسة في الفخ .. قوات الامير محمد عثمان ابوقرجة تطاردها من الخلف فلم يتذوق جنود هكس بسبب ذلك طعما للنوم لأيام متتابعات .. بينما الراية الزرقاء بقيادة الخليفة عبدالله والأمير يعقوب كمنت في ميسرة الجيش في حالة ارتكاز واستعداد للهجوم وأحكمت الراية الخضراء بقيادة الامير موسي ود حلو حصار ميمنة حملة هكس .. الراية الحمراء بقيادة الأمير عبدالرحمن النجومي والخليفة شريف ..كانت تسد منفذا ضيقا بجوار غابة شيكان وحين وصل هكس بجنوده الي المصيدة .. قام بإعادة تنظيم جيشه المتقدم بتشكيل المربع الانجليزي المعروف الي 3 مربعات علي شكل حدوة حصان .. ثم أرسل طلائع الاستكشاف نحو غابة شيكان حيث كان يختبئ رجال حمدان ابوعنجة فأبيدت طليعة الاستكشاف بأكملها .. عند شجرة البروجي الشهيرة ..ليسقط جيش هكس بمربعاته الثلاثة بين كماشة هجوم رايات جيش المهدية الثلاثة.. وقام رجال "ابوعنجة" بإطلاق كثيف للنيران لتسهيل عملية الاقتحام .. ولنترك وصف تفاصيل الالتحام للمؤرخ الانجليزي فيرغس نيكول الذي يقول :
"لقد كان الانقضاض المفاجئ للسودانيين علي قوات هكس مثيرا للرعب في صفوفهم ، فبينما تراجع رجال ابوعنجة للوراء قليلة .. تقدم الآلاف من حملة الرماح ليأخذوا مواقعهم ، القوة الاساسية لجيش المهدية كانت بقيادة الامير عبدالرحمن النجومي والامير ابراهيم الحاج الترجماوي والخليفة علي ود حلو والخليفة عبدالله .. تقدم هؤلاء وقاموا باختراق غابة شيكان نحو جيش هكس بقلوبٍ لا تعرف الخوف إطلاقا .. ومن الخلف أتي حملة السيوف والرماح من رجال قبائل البقارة الذين كانوا يطاردون هكس لما يقارب الشهر، ولكن المفاجأة الصاعقة أتت الان من داخل تشكيلات جيش الحكومة .. بهجوم مباغت زرع الفوضي والارتباك بقلب طوابير هكس وجيشه . لقد اختبأ الثوار بداخل خنادق مغطاة بأسقف خشبية . وما ان تجاوزهم الضباط والمربع العسكري الاول الا وبرز لهم الانصار من الخنادق وبدأوا طعنهم من الخلف " .. ( نيكول : مصدر سابق ) .
أبيد جيش هكس عن آخره في معركة لم تستغرق أكثر من 15 دقيقة ذلك كان زمن الالتحام المباشر بينما قدرت بعض المصادر زمن المعركة منذ ترآي الجيشان مابين ال 45 ال 60 دقيقة .. وسقط هكس قتيلا ومعه أركان حربه وخيرة ضباطه .. وبينما تضاربات الروايات الشعبية المتواترة عن كيف قُتِلَ هكس .. فبعضها تقول أن الأمير ود نعمان أمير قبيلة المجانين قد انتاشه برمح فأرداه قتيلا .. والبعض الاخر يتحدث عن مقتله بسيف الخليفة شريف او الامير احمد عوجة الا ان الراحل الاستاذ مكي ابوقرجة يعرض رواية مختلفة من خلال سفره القيم ( صولة بني عثمان في ملاحم الثورة ) حين يقول : " في أعقاب المعركة اندفع فرسان الامير ابو قرجة يطاردون فلول الجيش المندحر .. فقد كان موقعهم في مؤخرته . أما هو فقد اندفع بحصانه يبحث عن مكان الامام المهدي . كان مشغول البال بمصير الجنرال هكس ولم يتأكد له مصرعه ولم يجد اجابة شافية من المقاتلين الذين تضاربت اقوالهم . وفي وقت وجيز كان يقف امام المهدي فتبادلا التحية بسلام طويل حار ولم يلبث ان استفسر الامام عن مصير الجنرال هكس فابتسم الامام المهدي ونادي بصوت عال ( يا عبدالله .. يا عبدالله ) فبرز فتي صغير السن وسرعان ما تعرف عليه ابوقرجة فهو احد أقربائه من اولاد القطينة الذين تركهم صغارا لم يشبوا عن الطوق وابلغ الامام المهدي ابوقرجة ان عبدالله هو الذي قتل هكس " .. (الاستاذ مكي ابوقرجة : صولة بني عثمان في ملاحم الثورة ، دار صفصافة للنشر ، القاهرة 2014) .. وفي ذات الوقائع ايضا يقول ونستون تشرتشيل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ان هكس قد واجه في شيكان عدوا لا يعرف الخوف علي الإطلاق ( Fearless enemy) كما ذكر ان الانصار دفنوه بتوقير احتراما لشجاعته التي أبداها علي حسب توجيهات قيادتهم .
وفي معرض تعليقه علي احداث موقعة شيكان كتب تشرتشيل في كتابه حرب النهر قائلا : " لقد انتزع السودانيون حريتهم بفضل بسالتهم المقترنة بشجاعة وبراعة قائدهم الورع " .. ثم يستطرد قائلا : " لم يماثل البؤس والشقاء الذي رزح تحته السودانيون- إبان الحكم التركي – سوءاً الا معنوياتهم المنخفضة حينها.. ببساطة لم يكن احد منهم ليجرؤ علي رفع السلاح علي المستوي العملي لولا مجئ المهدي الذي وحد القبائل ونفخ فيهم روح الحماسة التي طالما افتقدوها ".. ( ونستون تشرتشل : حرب النهر ، الناشر.. Mau Publising , نسخة الكترونية بتاريخ 2013) . اما البريطاني دونالد فيثرستون فيبدو انه يتخذ شيكان نموذجا حين يحلل المقدرات العسكرية والقيادية للمهدي والتي أرجعها لاطلاعه الواسع علي تاريخ حروب الاسلام الاولي ومقدرته علي اختيار ما يناسب زمانه منها .. فكتب قائلا : " لقد كان قادرا علي الاستفادة من هذا الإرث في الصبر علي العدو والانتظار بتأن حتي تحين اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية .. لقد كان بارعا في الاستفادة القصوي من لحظات الارتباك الكامل في صفوف عدوه .. ان المرء منا ليجد قرارته العسكرية والسياسية المصيرية – في معظم الأحيان- مصحوبة بحدسٍ عبقري قلما يخطئ " ثم يستطرد قائلا .. " لقد كانت تكتيكات الانصار العسكرية تعتمد علي عنصري المفاجأة والصدمة .. والإحاطة الدائرية بالعدو من اتجاهين ".. ولا يخفي فيثرستون اعجابه الشديد بفكر القادة العسكريين للمهدية حين يقول عنهم : " علي الرغم من عدم تلقيهم تدريبا عسكريا نظاميا الا ان تكتيكاتهم العسكرية والقتالية المتأصلة قد جعلت منهم مقاتلين رائعين".. ( فيثرستون ، مصدر سابق) .
اما المؤرخ الوطني الراحل و الخبير العسكري الرائد عصمت زلفو فقد كتب معلقا علي لوحة المعركة التي استدعي تفاصيلها من بين اسطر سفره القيم بعنوان "شيكان " حين قال : " علي مدار تاريخ الصراع البشري المسلح والي يومنا هذا لا زال الصدام الهائل الذي احتدم علي سهول كردفان في ضحي يوم الاثنين من أواخر 1883 ، يبرز مثالا رائعا لإبداع الفن العسكري في مزج الخيال والتخطيط بواقع التنفيذ والتطبيق .. فاختيار مسرح الالتحام المثالي الذي فجر فيه المهدي طاقات جيشه والسرعة الخاطفة التي أزاح بها آلافا من الجنود المسلحين والمدربين من حيّز الوجود ، وذلك الختام الخرافي الشبيه بأساطير الاولين حين تبتلع الارض جيوشا باكملها ، كل ذلك يدل دلالة لا شك فيها ولا جدال علي انه كان نتاجا لتخطيط محسوب بلغ قمته في ساعة توهج عقلي في اصيل يوم الأحد عقب مجلسه الحربي الأخير فتمخض عنه ذلك المخطط الفذ ".. ( زلفو : شيكان .. تحليل عسكري لحملة الجنرال هكس ، شركة كرري للطباعة والنشر ، الخرطوم ).
وعن الصدي الدولي لانتصارات الثورة المهدية بعد شيكان .. يشير البروفيسور والمؤرخ الروسي سيرجي سمرنوف في مؤلفه القيم ( المهدية من وجهة نظر مؤرخ سوفيتي) .. يشير ..الي ان إرهاصات فشل حملة هكس قد أفزعت الحكومة البريطانية فكتب اللورد كرومر عند تعيينه قنصلا لبريطانيا في مصر تقريرا في نوفمبر 1883 .. جاء فيه .. ( أضحت الأوضاع بالسودان خطيرة تماماً .. فنحن لم نسمع شيئا عن حملة هكس منذ 27 سبتمبر).. وأشار في التقرير الي ان هزيمة هكس تعني ضياع السودان كله .. وتبعا لذلك تبني اللورد غرانفيل وزير الخارجية البريطاني آنذاك الدعوة للانسحاب وعدم التورط بالمزيد من القوات لمحاربة المهدية من خلال البرلمان البريطاني والذي شهد مداولات ساخنة بين النواب آنذاك في كيفية التعامل مع المهدية وخصوصا مع بروز فكرة إرسال غردون للسودان بعد هزيمة هكس .. ويعتقد سمرنوف ان بريطانيا كانت تحاول ان تجعل من هزائمها امام المهدية نصرا لها عن طريق المناورات الدبلوماسية .. ويخلص المؤرخ الروسي الشهير الي ان اهم النتائج المترتبة علي هزيمة حملة هكس .. علي حسب نص كلماته .. ( استوعب الامبرياليون البريطانيون الدرس من هزيمة حملة هكس ..فلم يأبهوا بالتفكير في الدخول في معارك أخري مع قوات الثورة المهدية ) .. وأشار الي ان إيطاليا كانت هي الدولة الوحيدة التي أبدت مشاعر ودية تجاه ما حدث لجنرالات بريطانيا من إهانة في السودان .. بينما كان التوتر علي أشده بين روسيا وفرنسا وألمانيا من ناحية و بريطانيا من ناحية أخري .. ( سمرنوف : المهدية من وجهة نظر مؤرخ سوفيتي ، ترجمة هنري رياض ، دار الجيل ، بيروت، 1994).
وعلي المستوي الشعبي ببريطانيا .. أخذت مأساة أبادة جيش هكس علي رمال كردفان .. والتي أعقبتها انتصارات عثمان دقنة علي القوات البريطانية بتلال البحر الاحمر .. أخذت تلك الاحداث موقعا مهما في الوجدان القومي للإنجليز .. فكتب الشاعر البريطاني جورج ابيل أبياته الحزينة :
ثم اتي "هكس " ليقضي نحبه عطشا في السودان..
في ساحة القتال ضد المهدي..
خّر صريعا .. عاجزا ..
رباه .. كيف عجزت بريطانيا عن عونه ؟
و "بيكر" في اثره .. سقط في الجب المميت
قاد جيشا ممن لا شجاعة لهم ..
فسقطوا ..
اصطادونا أعراب السودان بسهامهم
تعزيزاتنا طال انتظارها .. تأخرنا كثيرا
رجالنا النبلاء في سواكن لقوا حتفهم لآخر رجل فيهم
ثم أرسلنا الحملة البريطانية ..
فضاعت .. هباءا منثورا في الصحراء
رباه .. وقعوا جميعا في قبضة رجال عثمان دقنة السمر !
( جورج ابيل : غردون وقصائد اخري ، Gordon and other poems، أعادت نشره ، Nab Press، ساوث كارولينا ، الولايات المتحدة ، 2010 ) .
في الجانب الاخر من الجزيرة البريطانية وتحديدا علي شواطئ الجزيرة الايرلندية .. عبر القوميون الإيرلنديون عن تعاطفهم مع انتصار الثورة السودانية في شيكان حين راجت أسطورة تتحدث عن مصير مختلف للمراسل الحربي الأيرلندي إدموند اودنوفن حيث تحدث البعض عن انضمامه لمعسكر الثوار السودانيين بشيكان ومقتله في صفوفهم وهو يحمل السلاح ضد هكس ويقول المؤرخ الأيرلندي مايكل فولي : " لقد تضخمت تلك الفكرة الخيالية وعضدتها مساندة القوميين الايرلنديين لقوات الثورة المهدية ضد القوات الانجلو مصرية والتي عدوها واحدة من قوي الشر الإمبريالية " .. وفي ذات الاتجاه المتعاطف مع انتصارات السودانيين في شيكان .. كتبت صحيفة United Ireland بلهجة اكثر واقعية .. في أعقاب مقتل اودنوفن المحتمل بغابة شيكان : " من سوء حظ ايرلندا ان المهدي لم يكن يعلم ان هناك مغامرا ايرلنديا ً شجاعا اختبأ في ملابس رجل انجليزي . اودنوفن كان يكره بني سكسون المستعمرين بكراهية قد تفوق مقت المهدي نفسه لهم " .. ( سيرة إدموند اودنوفن- استكشاف الخيال الصحفي : مايكل فولي ، نيويورك 2012 ) .
مما تقدم ذكره .. يتضحا جلياً ان شيكان كانت ملحمة تاريخية سودانية خالدة ومقبرة للغزاة الباغين .. التقت فيها عبقرية القيادة وتخطيطها الاستراتيجي المتقدم بتصميم شعبي سوداني جارف تم فيه استخدام اسلوب الحرب الشعبية في مقاومة المحتل بصورة اقل ما يمكن ان يقال عنها انها مثالية علي مستوي التطبيق والتنفيذ .. وقد شهدت بذلك جمهرة من المؤرخين المعاصرين ممن حركتهم غريزة البحث العلمي والتقصي المحايد .. فحق لنا نحن اهل السودان ان نحتفي بها وان نعمل علي استلهام معاني الوحدة الوطنية التي مهدت الطريق للانتصار فيها .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.