الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    مجلس السيادة ينعى للشعب السوداني وفاة 21 شخصا من منطقتي ديم القراي وطيبة الخواض    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دال (دام) (دامو)
نشر في حريات يوم 22 - 01 - 2016


أمين محمد إبراهيم
(دام بهاك مشمول بالنظام). خليل فرح. (يا أرض أجدادي و يا كنزي العزيز المقتنى). عبد الواحد عبد الله ومحمد وردي.
(من ارشيف موقع سودانيزأونلاين بعد المراجعة والتنقيح والتحديث بمناسبة عودة النظام، إلي الحديث مؤخراً، عن تنفيذ سدود دال و كجبار والشريك).
فى كتابه، "كيف يسخر المصريون من حكامهم"، يقول الكاتب الصحفي المصري عادل حمودة، أن النكتة السياسية هي سلاح الشعوب المقهورة، تستخدمها فى مواجهة قاهريها الطغاة، وترياق مضاد لصلفهم واستبدادهم وظلمهم. فالشعوب تلجأ بوعي وبصيرة، إلى الضحك من رمز القهر والاستبداد و للاستخفاف و الهزء به حتى تجعله أمثولة ومثار تندر. و تستهدف الشعوب ذلك النيل من بنية ذهنيته المتعجرفة المستبدة، و تبديد تماسكه المفتعل، و لتجريده من مظاهر القوة الكاذبة، والهيبة الزائفة المخادعة، و كشف ضعفه وتضعضعه، و تعرية احساسه بالأمان المتوهم، و تركه معزولاً و محاصراً ونهباً لمخاوفه و هواجسه. وفي خضم تطورات الصراع، تتصاعد وتائر استهداف الشعب ذهنية الطاغية، بتكثيفه إعمال سلاح السخرية اللاذعة، والانتقال به من حالة الدفاع إلي الهجوم، حيث يصل إعماله ذروة سنامه، باسنخدامه كوسيلة للاغتيال المعنوي. و يُعَدُ هذا الطور الأخير،ً من أطوار، تجهيز و (دوعلة) الطاغية، لمواجهة مصيره البائس و نهايته المحتومة. وتمثل هذه الدرجة في نظر الكاتب، المعادل الموضوعي، للقهر والقمع المادي الذي يمارسه الحكام في مواجهة شعوبهم.
و لعل الناس يذكرون كيف صاغ الوعي الجمعي لشعبنا، عشرات بل مئات النكات السياسية، وكيف ذاعت وانتشرت بين الناس، بعد انقلاب يونيو 1989م المشئوم، والنظام في أول عهده وقتها، و في أوج طغيانه و جبروته لا يزال، يأخذ الناس بالشدة والعسف، ويسومهم سوء العذاب بشططه وغلوائه. ومن تلك النكات ما شاع حينها من أن وجد الناس أنفسهم، في صبيحة يوم من تلك الأيام العصيبة، يتراكضون في شوارع الخرطوم، ركضاً محموما، وقد بلغ الهلع والذعر بهم مبلغاً عظيما. وفى تسابقهم هذا المذعور، صادفهم قادم من أطراف المدينة، لم يكن قد ألم بالنبأ، الذي أفزع غيره بعد، فسألهم عن سبب هذا التدافع المجنون؟ فأجابوه بأن سبب تدافعهم و فرارهم، هو أن النظام قد أصدر قراراً يقضى، باستئصال (فردة) من كل رجل يثبت الفحص عليه أن له أكثر من (فردتين) في أعضاء ذكورته!!. فازداد عجب الرجل، فسألهم وفيما الفزع والهروب إذن، إذا كان الرجل، لا يحمل بطبيعة الحال، غير (فردتين فقط)؟؟! ولم يطل عجبه، إذ أخبروه بأن القرار (مشمول بالنفاذ بالعاجل والفوري)، كما في عبارة ذائعة للقانونيين. و مفاد هذا أن عملية الاستئصال، تُنَفَذُ فورياً، أي تسبق إجراء التحري والفحص. فالاستئصال إذن لا مناص منه و واقع لا محالة. و هو رد صاعق لم يدر بخلده، و يستحيل أن يخطر بقلب بشر.! فكان أن أجهش الرجل بالقهقهات ولكنه كان ضحكا كالبكاء، على حد قول المتنبي.
ويبدو أن من يقفون وراء فكرة سدود (دال وكجبار والشريك) يصرون على تطبيق ذات سيناريو الاستئصال أولا، ثم الفحص والبحث تاليا. كما يبدو أيضاً، أنهم يراهنون على سلطات، جهاز الدولة البوليسية القمعية، الاستثنائية الواسعة والشاملة، في تنفيذ إنشاء السدود المذكورة، رغم اعتراض ومقاومة مواطني تلك المناطق ورفضهم المسبب للسدود. و لذا فهم يسارعون للبدء في تنفيذ الخطوات العملية لإقامة السدود، ودون أن يبذلوا أي جهد، أيا كان مقداره من الضآءلة، لإقناع هؤلاء المواطنين بجدوى مطالبتهم، دون غيرهم، بغير سببٍ معقول أو مسوغ أو مقتضى، بتقديم تضحية بجسامة وبهظ فقدانهم أرضهم وما عليها من نخيل وشجر وزرع، وكامل مواردهم المادية والمعنوية، وتشمل فيما تشمل، مراتع الصبا والشباب، و مآثر الآباء والجدود وآثار أقدم الحضارات التي عرفتها الإنسانية، و دون أن تبيّن للمتضررين من السدود، الجدوى الاقتصادية منها، و كذلك مصدر وطبيعة سلطاتهم المطلقة، التي تخوِل لهم، إغراق أرضي الغير وممتلكاتهم جبراً ولو كرهوا.
وهكذا تتجاهل دولة المؤتمر الوطني إرادة النوبيين، وتظن توهماً أن في وسعها إقامة السدود حتف أنف المتضررين من إقامتها، وإذا اعترض المواطنون النوبيون وناهضوا إقامة السدود، و رفضوا إغراق أراضيهم وسائر ممتلكاتهم، فيما لا طائل من ورائه، وعبروا عن هذا الرفض بأي شكل من أشكال التعبير السلمي، المكفولة لهم كحقوق دستورية وفقا لأحكام دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م، قابلت إدارة السدود تظاهراتهم السلمية، بالرصاص الحي وجندلتهم تقتيلا كما حدث في مجزرة كجبار، أو بإلحاق الأذى بأنواعه بهم ضرباً بالعصي وإطلاق القنابل المسيلة للدموع والاعتقال كما حدث ويحدث في الخرطوم و جزيرة صاى و عبري و فرَيق و أرضوان و غيرها، وبالقمع والملاحقة والاعتقال كما يحدث للناشطين في لجان وقواعد المناهضة والمقاومة على طول الأرض النوبية وفى الخرطوم وخلافها من مدن السودان. علاوة على كل ذلك تحظر السلطات نشر كل ما يتعلق برفض ومقاومة ومناهضة إقامة هذه السدود من أنشطة وحراك شعبي واسع، بينما تسمح لمؤيدي إقامة السدين رغم محدودية عددهم بالترويج لإقامة السدود من منابر إعلام الدولة وأجهزة الحزب الحاكم.
النوبيون لمن لا يعرفهم أهل حضارة وحملة علم ووعى، وفضلا عن ذلك فهم أصحاب إرث تاريخي طويل في ممارسة الديمقراطية، ولم يقفلوا باب الحوار مع أي جهة، لإيمانهم الراسخ بعدالة قضيتهم، وهم عبر لجانهم وممثليهم على استعداد للجلوس مع السلطات المعنية، لمناقشة أسباب رفضهم ومناهضتهم إقامة السدود في منطقتهم، وقد أعلنوا عن استعدادهم هذا إلى السلطات المعنية، مرارا وتكراراً، ولكن يبدو أن هذه السلطات تراهن على فرض رأيها وإنفاذه بغير وسيلة الحوار والتداول الرأي مع مخالفيها، وفى اعتقادنا أن ما تراهن عليه مجرب، وللسلطات المذكورة دروس ماثلة فيها، لم يجف مدادها بعد، و تقول حكمة الحكماء: أن من جرب المجرب حاقت به الندامة.
في أتون المقاومة والرفض، تفتقت الذهنية المبدعة لمناهضي السدود الصامدين، عن الشعار "الدالي" المموسق "دال دام دامو" أعلاه، وهو يجمع بين لفظة دال ( قرية بمركز عبري، مقترحة كموقع للسد)، وكلمة دام الانجليزية وترجمتها السد، تتبعهما كلمة "دامو" النوبية وتعنى حرفيا (لا يوجد) أو (معدوم).و دلالتها في سياق الشعار، هي (لا) الرافضة والناهية عن منكر إغراق جزء عزيز أخر من بلاد النوبة (أرض البطولات، وميراث الحضارات)، وطمرها بالمياه بدعاوى وحجج كاذبة ظاهرها رحمة التنمية، وباطنها عذاب النفي والاقتلاع من الجذور، وكأنما التنمية معلقة بشرط لازم من كل بد، ولا محيد عنه ولا بديل له،هو إقامة السدود على طول الأرض النوبية، وتهجير أهلها إما إلى بيئة غريبة عنهم كما فعلوا بأهلنا "بوداي حلفا"، أو إلى بيئة صحراوية بعيدة عن مجرى النيل وبيئته التي ألفوها وكيفوا حياتهم عليها منذ آلاف السنين، كما فعلوا بأهلنا بأمري والحامداب والمناصير. و ينطبق مضمون الشعار، على سدي كجبار والشريك والنوبيون شيبا وشبابا، رجالاً ونساء وأطفالاً سيمضون في طريق نضالهم في رفض السدود ومناهضة إغراق أراضيهم ومقاومة تهجيرهم حتى انتصار قضيتهم العادلة تحت شعار دال دام دامو، وقد صاغه هكذا وعيهم الجمعي المبدع والمبتكر، مع غيره من الشعارات، الدالة على رفض ومناهضة ومقاومة استكمال مخطط، إغراق وطمر أرض آبائهم وجدودهم. ولا يساومون في ذلك والشاهد أنهم كللوا هام كل حوائط وجدران المنازل والمدارس والمتاجر والزوايا وغيرها من المباني، بالسكوت من لأقصاها إلى أدناها، بهذا الشعار وغيره، كترجمة فعلية لنضالهم يجسد وحدتهم وتراصهم صفا واحدا، واحتشادهم وتناصرهم في أتون معركتهم المصيرية، وفى وجه القوى التي تسعى قصدا وعمدا، لإغراق أرضهم ، ونفى آثار جدودهم، وطمس معالم حضارتهم، واقتلاعهم من جذورهم وتشريدهم في المنافي. ولن ينسى النوبيون تفريط أولى الأمر المتعمّد من قبل في وطنهم، وتقديمهم مدينة وادي حلفا وجزء عزيز من الأرض النوبية، كقربان لكهربة مصر، وتنميتها صناعيا وزراعياً، ولعلنا لا نفارق الحقيقة قيد أنملة، إذا قلنا أن الإقدام على إغراق حلفا، وتهجير أهلنا النوبيين، تم باستغلال غياب الحريات الديمقراطية، والحقوق الدستورية الأساسية، واعتماداً على عنف الدولة البوليسية المتمثل في الحكم الشمولي وقتها، وبالقمع المباشر لحركة المقاومة والمناهضة النوبية، التي اشتعلت في حلفا والخرطوم، ولو لا ذلك ما كان للكارثة أن تقع، لتصبح حلفا جرحنا النازف الذي لن يندمل أبدا، مهما تقادم عليه الزمن، وتصرَمت السنوات، لذلك فالنوبيون لن يقبلوا بإغراق أي جزء من أرضهم، مهما كانت الأسباب والمبررات، ولن يسمحوا بتكرار مأساة وادي حلفا ثانية أبدا.
لم ولن ولا ينطلي على أحد، تبرير الإصرار على بناء السدود، بالحديث عن توفير و حشد كافة الموارد المطلوبة للتنمية الاقتصادية. فحديث التنمية، في ظل الحزب المنتحل لاسم الدولة، و تهيمن عضويته، التي تم أحلالها، محل الشعب المجرَد من حقوقه، على إدارته و اقتصاده و موارده، لا يعدو كونه ضرب من ضروب، استغفال الناس و الاستهانة بعقولهم. والدليل على أنه محض حديث استغفال و استهبال، هو ريع البترول الذي بدأ تصديره في أواخر تسعينات القرن الماضي، و استمر حتى يوليو 2011م. ويقدَر هذا الريع بمبلغ يتراوح بين (70 – 100) مليار دولار، خلت كل المصادر الرسمية، من أي دليل، مباشر أو غير مباشر، على أنه قد وُظِفَ لدعم البني التحتية للاقتصاد، أو سُخِرَ لدعم أي مشروع إنتاجي قائم، أو لتأسيس مشاريع جديدة، أو أنه أسهم بأي مقدار، في تحسين الظروف المعيشية، للمواطن البسيط. قال الدكتور عبد الملك النعيم، أحد أبواق إعلام النظام، و المروجين لحوار الوثبة (الدائر بين رجل وظله)، ل (قناة شروق التابعة للمؤتمر الوطني 8/11/2015م)، ما معناه، أنه لو قُدِر أن تكون هناك إدارة رشيدة وجهت موارد البترول إلي بناء و تأهيل القطاعات المنتجة، كمشروع الجزيرة، الذي أهمل إهمالاً واضحاً، لما عانت البلاد ما تعانيه اليوم. ولكن بوق النظام الدكتور عبد الملك ما لم يوضِح لنا أين ذهب ريع البترول؟؟! إذا لم يذهب إلي أيٍ مما ذكر من القطاعات المنتجة أو الخدمية. كما لم تفلح الحركة الشعبية (الأم)، رغم محاولاتها المضنية، في فك شفرة مصارف أموال البترول، طوال ست (6) سنوات شاركت المؤتمر الوطني، خلالها كراسي الحكم. و عليه ليس غريبا، ألَا يعرف شعب السودان، أين ذهبت تلك الأموال؟؟ وإن كان على يقين تام، بأنها لم تذهب لتمويل مشاريع اقتصادية، منتجة أو حتى خدمية، و أنها لم تسهم في تخفيف معاناته المعاشية المزرية، ولم تكبح عنه غلواء السوق، و لم تحسن ظروفه الحياتية المتفاقمة السوء كل صباح جديد. و مثال آخر، لعوار وخطل ربط إنشاء السدود بحديث التنمية، هو سد الحامداب (وهذا اسمه الصحيح) الذي ملأ النظام، بدعايته الأرض و الفضاء زعيقاً و ضجيجاً، الذي لم يرتبط تخطيطه وتنفيذه، عند عباقرة الطفيلية اللاسلاموية، بأي نوع من المشاريع الزراعية، بل أن من ضحوا بأراضيهم و ممتلكاتهم لقيامه، من مواطني أمري الجديدة والحامداب الجديدة، يشكون لطوب الأرض من حرمانهم، من خدمات الكهرباء، اللازمة لري مزارعهم، كما يشكون لرب السماء من نقص وغلاء الجازولين. و اسمحوا لي أن أقتطف هنا عبارة بليغة للراحل البروفيسور علي المك نصها (ذهب ليشتكي لطوب الأرض فقيل له صعد ليشتكي لطوب السماء). وبالتالي فإن ضحايا السد يعانون من تعرض زراعتهم للعطش. و ما لا شك فيه، هو أن عجز كهرباء سد الحامداب، عن توفير الطاقة اللازمة لسقيا مزارع ضحاياه و لوضع حد لمعاناتهم مع الري، ينهض حجة قاطعة و مفحمة، في وجه من يزعمون، أن الغرض من السد هو توليد الكهرباء. فالسد الذي أنشئ لإنتاج الكهرباء و لا شيء سواها، فقط، عجز عن إحداث، أي تغيير ايجابي، في تغطية احتياجات المدن (وفي مقدمتها الخرطوم)، من الإمداد بخدمات الكهرباء، و ذلك رغم ما يدفعه المستهلكين، من مقدماً أموال طائلة، لشركة (الجمرة الخبيثة). ليس هذا فحسب، بل عاجز عن مد الكهرباء، لري الأراضي التي تقع على مرمى حجر منه. والشاهد أن الدولة، إذا استحالت بأجهزتها و مواردها، إلي ملكية خاصة للحزب الحاكم (كما هو الحال في السودان)، فإن غير المنتمين له، من عامة الشعب، لن يكون لهم أي نصيب، في تنمية الموارد المذكورة، حتى ولو كانت تلك التنمية حقيقية فعلاً. فماذا إذن، يكسب المواطن من السدود. وماذا يستفيد من دعاوي التنمية الكذوبة؟؟ الإجابة لا شيء البتة. إذن فلا مناص من التمسك بشعار "دال دام دامو" ورفعه علياً و التمترس تحت رايته الخفاقة في مناهضتنا ورفضنا إقامة سدى دال وكجبار أو أي سد في الولاية الشمالية و ولاية نهر النيل لأسباب لا حصر لها منها: أولاً: الغموض والكتمان والسرية المطلقة التي تتحرك به الدولة في كل مستوياتها لتنفيذ إقامة السود، دون تحديد الغرض أو الجدوى الاقتصادية أو غيرها من إقامة السدود والإغفال والتجاهل الكامل لرأى من ستغمر أراضيهم وممتلكاتهم مياه السدود، وكلها عوامل تفاقم من أزمة الثقة القائمة بينهم وبين الحكومة أصلاً، وتزيد من شكوك المواطنين في نوايا الحكومة الخفية، وتؤكد لهم تعويل الدولة، في تنفيذ مخططها لا على قبول ورضاء وثقة المواطنين، بل على آليات قمع الدولة، والضرب بيدها الباطشة لمن يجروء على مجرد التعبير عن رفضه بالتظاهر السلمي وغيره مما هو مكفول بدستور 2005م الانتقالي (شهداء كجبار).
ثانياً: عدم جدية دعوى تنمية المنطقة وإنسانها التي تدعيها الحكومة، فالتنمية في الأساس يقصد بها ترقية وتعزيز تطوير الموارد المادية والمعنوية الاقتصادية المكتشفة والكامنة في طبيعة وجغرافية الأرض، واستثمارها وتسخيرها وتوظيفها على الوجه الأمثل، لمصلحة الإنسان ومنفعته في بيئته المحيطة به، بحسبانه أغلى رأسمال والهدف الأوحد للتنمية، ولا جدوى للتنمية القائمة على نفى الإنسان من أرضه وتهجيرها منها بغير مقتضى أو مسوغ. ثالثاً: التجاهل المتعمد للبدائل المجرّبة محليا وإقليميا وعالميا لإنتاج الطاقة الكهربية، كالطاقة الشمسية أو الهوائية أو الحرارية باستغلال ما يوفره تكرير البترول السوداني من وقود كالفيروس أو الغاز وكهرباء سد الحامداب. وكذلك تجاهل بدائل الري المتاحة كمياه سد الحامداب ومخزون المياه الجوفية وهى كافية لإحداث أي تنمية مرجوة.
رابعاً: انعكاسات الأزمة السياسية وتداعيات الاستقطاب الاجتماعي الحاد، على آلية ومبررات اتخاذ القرار، مما يثير شبهات ومظنة الكسب المادي أو المعنوي (السياسي) غير المشروع، ويفاقم من آثار هذا الوضع تعويل الدولة كما أسلفنا القول، على الرأي الآحادى المسنود بالقوة والعنف، في اتخاذ وتمرير وتنفيذ أخطر القرارات، بدلا عن الحوار واحترام حقوق وإرادة المتضررين منها، وأخذ رأيهم في الاعتبار، والسعي لكسب ونيل رضائهم، خاصة إذا كانت القرارات ذات آثار سالبة وضارة.
خامسا: وعلى ذكر الحقوق المكفولة بموجب دستور 2005م الانتقالي فإننا نورد على سبيل المثال ما ناله إخوتنا في جنوب أرض الوطن من مكاسب مستحقة وفى مقدمتها حقهم تقرير مصيرهم إذا هموا أرادوا ذلك، وهو ما يعنى انفصال جزء مقدر من أرض الوطن عنه، وتأسيس دولة مستقلة كحق منصوص عليه في الدستور. فكيف يسعى من يسعى لجحد النوبيين في ظل هذا الدستور، حقهم الكامل غير المنقوص في رفض أو قبول قرار يقضى بغمر أرضهم بالمياه وإزالتها من الوجود وتهجيرهم إلى تخوم الصحراء، والعاقل من يتعظ بغيره. سادساً: ويعلم القاصي و الداني، أن النظام ممثلاً في تنفيذييه و شركاته و تجار حزبه وسماسرته قد باع بموجب عقود سرية لم يطلع عليها أحد، ملايين الأفدنة الزراعية من أخصب أراضي السودان لدول وشركات مشبوهة أجنبية ولصوص دوليين في أقنعة مستثمرين. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا. فكيف سيستثمر المشترون الأجانب هذه الأراضي دون ضمان مصدر ري؟ و لا يعقل بالطبع تصوَر أن الصينيين والكوريين مثلاً سيمدون جدولاً من بلادهم لري أراضي يحوزونها و يستثمرونها في السودان. و الراجح في اعتقادنا إن باعة أراضي السودان قد باعوها ومعها ضمان الري و ربما الطاقة الكهربائية من السدود وقبضوا الثمن و وضعوه في جيوبهم سواء كانت قماشية أو مصرفية. وهذا يفسِر لنا سر العنف الدموي الذي يقابل به النظام معارضي السدود. فالكواسر تكون أكثر فظاظة و دمويةً في الفتك بكل ما يقترب من فرائسها.
سادبعاً": من مخلفات تجارة الشمولية الكاسدة وبضاعتها البائرة التشكيك في قدرة الناس ومنهم النوبيين في اتخاذ ما يلائم مصالحهم ويحمى حقوقهم من قرارات ومواقف، واتهامهم بأنهم في رفضهم ومقاومتهم للسدود ينفذون أجندة سياسية لقوى سياسية أخرى مسماة أو غير مسماة، وهو ادعاء باطل بطلان مطلقاً، ولا يضاهيه في ذك إلا زعم من يدعيه، بحقه في الوصاية على الآخرين، تخرصا وبغيا وبلا سند أو وجه حق. والصحيح أن من يطلقون هذه المزاعم هم من يتخندقون وراء أجندتهم السياسية والاجتماعية الضيقة، ومصالحهم الحزبية التي صارت بفضل نهمهم وأنانيتهم، على طرفي نقيض من مصلحة الوطن وحقوق الشعب. أما النوبيون فيرفضون ويقاومون ويناهضون السدود وإغراق أراضيهم أصالة لا وكالة عن أحد، وبصرف النظر عمن يصدر منه مثل هذا القرار حتى ولو كان من بني جلدتهم العاقين و(كفيفي الإنسانية) كما في قول صديقنا الشاعر حميد ونضيف إليه مجزومي الولاء و ناقصي الوطنية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.