كيف يمكن إنقاذ ضحايا السلفية فى السودان صلاح جلال (1) كتب المثقف السودانى الجاد والباحث الصبور الأستاذ الصحفى الحاج وراق دراسة قيمة ورصينة عن مخاطر السلفية فى السودان تحت عنوان (المتفيقهون فقهاء بلافقه رداً على فتوى بعض السلفيين بزندقة وتكفيرهم د.حسن الترابى ) رأيت أن أدعم بحثه الذى لايمكن مجاراته بالمقال التالى حول مخاطر التفكير الإنكفائى . لقد إبتُليت أُسر سودانية متوسطة الحال وعريقة فى المجتمع ، بإنضمام أبنائهم لجماعات التطرف الدولى ، و إلتزامهم بعقيدة الغلو السلفى إلى الحد أنهم شدوا الرحال من الجنسين ، إلى حيث مواقع الحركية الجهادية ، طلباً لنصرة الدين أو الإستشهاد دفاعاً عنه ، فوقعوا على عوائلهم كالصائل فى حكمه ، فاختلطت الرؤى ما بين العاطفة والعقل، هل أبناءُنا ضحايا أم مجرمون ؟ كلنا يعلم يقيناً أن أفعال جماعات التطرف السلفى ، وشواهد سلوكياتهم حيث وُجدوا فى داعش والنُصرة وبوكو حرام وسيلكا والشباب الصومالى وغيرهم من جماعات الحركية الجهادية ، أفعالهم للإجرام أوجب منها للصلاح والفلاح وصحيح الدين ، فى الجانب الآخر نعلم طبيعة صغارنا فهم إلى النقاء أقرب وعلى المثالية أحرص ، فكيف تنكبوا الطريق وركبوا الخطر؟ أسرهم والمجتمع العريض فى غفلة حتى قرع التطرف والإرهاب الأبواب ، فأصبح الأبناء ماكينات لصناعة الموت ، هم للربوتات أقرب نسباً من الإنسانية ، يسيطر علي عقولهم فاعل، فيُسيّر الواحد منهم كالمنّوم مغنطيسياً فيغدوا قاتِلاً أو مقتولاً وهو يعتقد أنه يحسن صُنعاً ، من أجل خلاص نفسه ومجتمعه وحماية دينه ورضاء ربه ، هذه البنية العقائدية الزائفة ،المعبأة بالعواطف والمغلفة بالمشاعر الخيرة ، هى الطريق الذى قاد صغارنا للتهلكة وفساد العقيدة ، من المسئول عن ذلك ؟ وكيف نغلق هذا الباب الذى مازال فاتحاً للمزيد من الإستقطاب للضحايا والممارسات الإجرامية ؟ فالبنية التحتية للسلفية الحاضن الشرعى للتطرف قد شارفت على الإكتمال مع البترودولار المتحالف والداعم لها . .. (2) الحديقة الزهراء التى تنتهى عند باب الجحيم الشباب هو مرحلة الحُلم المشروع يقظةً ومناماً، والمثالية المطلقة والرغبة فى التغيير ، ومرحلة تبنى السرديات العظيمة ، وعنفوان الإندفاع من أجل الحق المطلق الذى ينفى الإعتراف بجميع الألوان ماعدا الأبيض و الأسود ، فى عالم الإستبداد فيه أصبح بائناً والمظالم بارزة ، فى هذا المناخ يظهر أنصاف العلماء و أنصاف المصلحون ، فيتبنون الفضيلة والأصولية بدعوى الخصوصية ويزايدون فى مواجهة المظالم ، ويزينون بديلاً للخيال أقرب منه للواقع ، فهى مرحلة الهوجة الكبرى والفتنة العظمى ، حيث يقومون بتطويع نصوص الدين لدعم الإرهاب ، بتأويلات منحرفة وقياسات خاطئة ، وروايات تاريخية منزوعة من سياقها ، يشتريها ذوى العقول الغضة والمعرفة الناقصة والتجربة المحدودة ، فيصبحون كالدمى فى أيدٍ مُحترفة ، فيستبيحون حُرمات غير المسلمين فى دمهم ومالهم ويكفرون المخالفين لهم فى الرأى والموقف من المسلمين فيستحلونهم تجاوزاً بإسم الدين وبغياً على نصوصه التى تفسر على أهوائهم ورغباتهم السياسية وليست الشرعية . هذا الواقع الخطير لايمكن مواجهته بالعنف ،أو الإجراءات الأمنية فقط ، كما لايمكن مواجهته بالتجاهل ، أو بمشروعات معاكسة لبناء النموذج الضد ، من خارج سياقه الدينى حيث تمنحه مزيد من الشرعية للإستمرار، بحجة الإقصاء ، ورفض التدين المجتمعى ، لابد ان يواجه هذا الفكر المنحرف ، بفكر مستقيم من خلال مشروع إسلامى وسطى مستنير ومعتدل وواقعى وذا مصداقية يوازن بين حاجات الروح ومقتضيات الحداثة ، يُشبع الإحتياج الروحى للشباب ويحترم العقل ومنجزاته ، ويستلهم التاريخ وحقائقه ويؤكد على ضرورة التعايش مع التعدد والتنوع الإنسانى و أن الحضارات والمعارف تتكامل ولا تتصادم ، هذا المشروع يقع فى مركزه التصوف الصحيح لتأصيل التسامح واثبات حق الآخر ان يكون آخرا يبدأ هذا المشروع من الحوار داخل الأسرة لتحصين الصغار بجرعات معرفية ضرورية، تقيهم شرور الإنزلاق خلف الشعارات العاطفية ، على أن تقوم هيئات متخصصة بالتصدى لتفنيد دعاوى المشروع الوهمى فى الجهاد والخلافة ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتطبيق الشريعة ، وطرح أسس وقواعد المشروع البديل الذى يُلهم الشباب المتطلع للتدين المجتمعى . الأسئلة الكاوية ؟ (3) يذهب الشباب للتطرف ، وفى أذهانهم إقامة دولة الشريعة، وإستعادة نظام الخلافة ، الذى يهب الأمة قوة بعد ضعف ، وعزة بعد ذُل ، لابد من الإجابة على الأسئلة الهامة فى مواجهة هذة الفرضية ، ماهى الضوابط الشرعية للجهاد ؟وماهى أنواعه ومن يقوم بتنفيذها ؟ والإجابة على السؤال المركزى هل كانت هناك خلافة إسلامية موحدة خلال فترة الخلافة التى إستمرت لقرابة الثلاثة عشر قرناً ولماذا ؟ وهل جُل هذه الفترة فيما عدا المائة وخمسون عاماً الأولى ، كان فيها ما يستحق التطلع لإستعادته الآن؟وهل الخلافة بصياغتها التاريخية من الممكن إستعادتها اليوم وكيف؟ بالقوة أم الإختيار ؟ ماهو الموقف الشرعى من مكتسبات الدولة الحديثة ، القائمة على الإنتخاب ، والفصل بين السلطات ؟ ماهى أسس تعامل دولة الخلافة المفترضة ، مع العالم غير الإسلامى الذى يمثل الاغلبية الكونية؟ هل هى علاقة حرب أم تعاون وكيف؟ وسؤال المليون دولار ماهو نظام الدولة الإسلامية ؟ هل يوجد شكل نظام معين يمكن أن نطلق عليه هذا هو النظام الإسلامى الشرعى ، وما عداه وضعى وغير معتمد؟ ما حكم من يتعاهد مع دولة الخلافة أو يستجير بها؟ وماهى شروط التعاهد والإستجارة ؟ ماهو الموقف من الآخر الوطنى ؟ هل يدفع الجزية ؟ وهل الجزية فريضة أم ضريبة ؟ لابد أن يتصدى للإجابة على هذه الاسئلة ، وغيرها المختصون من العلماء ويبسطها للناس و الأسر، حتى يتم إجراء حوار يحمى الصغار من الدوغمائية والعموميات بإسم الدين ، تكون الإجابات مبذولة على كل وسائط التواصل وفوق هذا وذاك لابد من قيادة نموذج ، ومثال تتسق أقوالها و أفعالها، وتكون ذات مصداقية، لتكون قدوة لهذا الشباب الباحث عن الحقيقة والنقاء والمتطلع ليكون هو من يقيم فرقاً فى حياة الناس ، ولابد أن ينزوى أصحاب الفتاوى الخائبة الذين يدفعون الشباب ليصبحوا جثثاً تسير لتفجير أنفسهم إستشهاداً فى سبيل الله ، بينما الحياة فى سبيل الله أفضل ،الذين يملأون الإعلام ضجيجاً والمطبعات أزيزاً بكتبهم الضحلة الصفراء التى تنشر الوهم والخرافة ، لخلق بيئة صالحة للإنحراف بإسم الدين ، التى تنصرف للقشور وتترك أمهات القضايا بلا إجابة أو حضور، من أمثلة ذلك سؤال الحريات العامة والشخصية هل هى هبة أم فريضة كالصلاة والصوم ؟ وسُؤال العدالة الإجتماعية والتصرف فى ثروات الأمة ؟ وسؤال المساواة أمام القانون ؟ وسؤال الحاكمية والشورى ؟ هل هى للأمة أم للعلماء منها ؟ لماذا لايرتبك الشباب ؟؟؟، عندما يرى من يتحدثون بإسم المشروع الإسلامى كل همهم توظيفه من أجل السلطة والمال والجاه الشخصى ، عندما تغيب القدوة والمعرفة يتبع الشباب العوام وترى منهم ما لا يسر من أعمال فهم نور ونار ، علينا أن نختار . بعد كل هذا يحق لنا ان نسأل هل صغار الدواعش ضحايا أم مجرمون ؟