تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السوداني في نظرته الملتبسة إلى الولايات المتحدة
نشر في حريات يوم 22 - 09 - 2016

نظرة أفراد مجتمعنا السوداني إلى الولايات المتحدة معقدة، إن لم تكن ملتبسة، أو مبسطة، وكذا هو حال نظرة المجتمعات العربية، والإسلامية. فانطلاقاً من القناعة العقدية لغالب المسلمين، والقناعة العروبية لبعض مراكز سلطتهم، لا بد أن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين قد لعب دورا في تأزيم هذه العلاقة. ومن المؤكد أن هناك عوامل أخرى تتفاوت في جذورها لتضع الولايات المتحدة ذات الغالبية المسيحية في خانة العداء، إن لم تكن الكراهية في العالمين العربي والإسلامي. ولكن أولئك الأفراد السودانيين حين يصلون إلى أميركا عبر فرص برنامج الهجرة المعروف اختصارا ب"اللوتري"، أو اللجوء السياسي، أو بغيرهما، يتبدل موقفهم تباعا بعد استيعاب التجربة الأميركية التي يعايشونها آناء الليل، وأطراف النهار، وأيضا أثناء تعمق أحلامهم القصوى في المنام. وبعدها لا يرغب مواطنونا الوافدون بتلك الإجراءات، وبغيرها، في شئ أكثر من التجنس بأوراق أميركا الثبوتية، بعد الحصول على فرص العمل للرجل، والحمل للمرأة حتى ترسخ هذه المولودة الجديدة بقاء الأسرة في الاستنفاع بغدير البلاد الذي لا ينضب.
ينفعل السودانيون، والعرب، والمسلمون، وغيرهم، بأحلام الأرض الجديدة هذه بعد تنشق نسيم حريتها، وتربية أبنائهم من خلال هذا النظام العلماني الذي يعيد صياغة الأطفال بمفاهيم اقترحها فلاسفة التعليم والتربية في البلاد بألا تطغى مهمة على أخرى. فالتربية تحتاج إلى مرجعيات ربما كان الدين جزء منها، ومن هنا ينشأ الاختلاف بين نوعية تربية يهودية، وبين أخرى مسيحية، وبين ثالثة إسلامية، وبين أخرى وثنية، وبين رابعة وضعية وبين أخرى إلحادية. وبالتالي يصعب وجود اتفاق حول التربية، معناها، ومضامينها، وكيفياتها، وغاياتها. ولهذا بقيت التربية بمعناها الواسع شأن غير المدرسين، ولا قبل لهم بالقيام بهذا الحمل الثقيل على الآباء، والأمهات.
أما التعليم فأفقه مفتوح على حصاد العقل، فكل معلومة مفيدة جديرة بأن تصل إلى ذهن التلميذ. وبناءً على وعيه المكتسب يستطيع أن يأخذ بها، أو يهملها، أو تفرض عليه قابلات الأيام بأن يعيد النظر إليها بمستوى جديد من الفهم، والوعي، والنضوج. ولذلك ترك المشرعون للأسر الأميركية المسيحية، واليهودية، والإسلامية، واللا دينية، أمر القيام بمهمة التربية الشاقة على أن تقوم المدرسة، أو الجامعة، بحياديتهما التامة وسط الأديان بتحقيق المطلوب. وذلك بتغذية الناشئين بالمعارف التي تمكنهم من الحصول على ثمار العلوم، واتخاذ مواقف نقدية من ظواهر الحياة. ثم إن الأهم من كل ذلك هو أن هذه المؤسسات التعليمية تمكن التلاميذ، والطلاب، حقا في خوض المنافسة في سوق العمل، وتجويد وعيهم لتقديم مساهمتهم الوطنية، والإنسانية معا. أما فهمنا المتعلق بعلاقة الأستاذ بالتلميذ فقد أنتج ما يحتاج إعادة النظر: لكم اللحم ولنا العظم. والحمد لله أن مدارس في أوطان إسلامية كثيرة أوقفت جلد التلميذ. ولعل بلادة الكاتب في الحساب، والرياضيات، لا ينسيه كيف أن أياديه تورمت لأيام بينما كنت في العربي، والجغرافيا، اتحصل على الدرجات الكاملة. والحقيقة أن كل إنسان في هذه الدنيا جاء بقدرات محددة، وهذا أمر مجسد في الولايات المتحدة بإبداع متناهٍ، فالمدرسة تحاول أن تكتشف مواهب الطلاب في تلك السن، وترسخ من ثم فرصا لتطوير قدراتهم في مختلف المناشط كالسلة، والسباحة، والموسيقى، والفلاحة، والخطابة، والمسرح، والرقص، والتكنلوجيا، إلخ. وهكذا تتفاوت قدرات تلميذ وآخر حتى إن دخل الجامعة وجد سبيله إلى الكلية التي أعدوه لها ليفيد مجتمعه.
وبمناسبة تجنيد التلاميذ، والطلاب، أيديولوجيا، أذكر هنا مقالة الدكتور صديق أمبده التي أشارت إلى تجنيد الطلبة في مرحلة التعليم العام بالسودان سياسيا دون رضا أولياء أمورهم ليتخذوا مواقف أيديولوجية وهم في تلك السن الصغيرة. ففي الولايات المتحدة محرم بالتشريع الفيدرالي على المعلم أن يغذي الطالب بأفكار أيديولوجية، أو يشير إليها في حصصه ناهيك من إقامة دروس مسائية لعدد من الطلبة يتضح لاحقا أن لا علاقة لها بالتعليم. إذ إن مثل دروس المساء هذه تروم دروس المساء هذي تغذية التلميذ بمعارف قد لا يوافق عليها الآباء، والأمهات، والذين هم مسؤولون عن سلوك أبنائهم، وتربيتهم في الولايات المتحدة حتى سن الثامنة عشر. وقناعة الأميركيين بسن الرشد وتضمين مادة قانونية تشدد عليها تنطلق من ترجمة الصالح من المعارف خلافا لترجمة تربويينا للمأثورات الدينية بأن الطفل، أو الطفلة، الذي بلغ الرابعة عشر قد استوى على جودي نفسه، ويحق له الزواج. ولكن تجارب الحياة في زماننا أثبتت أن الاصرار على تلك الترجمة للموروث في هذا العصر خطأ فادح. ومن ناحية أخرى وجدنا أن الواقع الذي نعيش الآن مأساته يعود بالأساس إلى تجنيد التلاميذ، وتغذيتهم، وتشربهم بأفكار نيئة لا مكان لها في زمن الحداثة، والثورة التكنولوجية، والتواصل الميسور. وللأسف ما يزال زواج القاصرات في كثير من بيئاتنا أزمة مسكوت الحديث عنها، وهو يتم بناء على تلك السن الراشدة التي حددناها بالاستناد الديني، وربما ما يجري في الريف في هذا الشأن لم يكن أولوية قصوى للاهتمام في المركزية السودانية. والثابت أننا لا نجد إلا القليل من منظمات المجتمع المدني الذي يهتم بالظاهرة، بيد أن معظم قوانا السياسية لا تهتم بها في أدبياتها.
إن المسلمين السودانيين المؤمنين بالدولة الدينية حين يستطيب لهم المقام في الولايات المتحدة يسجنون أنفسهم في هذا الخير العلماني، ولا يأبهون بأحاديث البخاري حول عدم الإقامة في أرض الكفر، او دار الحرب. بل إنهم، شأنهم شأن الآخرين من اتباع الأديان الأخرى، يستغلون النظام العلماني إلى أبعد مدى، بصورة شرعية، أو بغيرها. وحينما يكثر عددهم مع بقية المسلمين من الجنسيات الأخرى تخرج همهمات بضرورة منحهم إجازة لصلاة الجمعة، وللمناسبات الدينية، ولا يجدون إلا الاستماع التام إلى أحلامهم النبيلة. وفي مدينتنا لم يجد المسلمون مكانا لصلاة التراويح إلا في معبد اليهود الذين منحوه لهم بدافع من العلاقة وسط الأديان الإبراهيمية، أو ربما بدافع الخير في اتباع الديانة اليهودية، وهكذا يخدم المعبد اليهود والمسلمين معا بلا حرج. وهذه قمة الوعي الجديد الذي اكتسبه المسلمون هنا بأن تركوا السياسة جانبا، واستراحوا في ذلك المكان المتهود ليناجوا ربهم، رغم الآيات التي احتواها القرآن الكريم عن يهود ذلك الزمان، ورغم تمكن الاحتلال الإسرائيلي لأراضي العرب والمسلمين. وهناك من السودانيين، والعرب، والمسلمين، من يجد في العمل في الجيش الأميركي موئلا للحياة الكريمة دون وضع اعتبار لعلاقة الجيش بالحروبات التي تجري في المنطقة. أما بعض الأصدقاء الشيوعيين، والبعثيين، فإنهم يندمجون مع أسرهم في هذا النظام القائم على بنية الرأسمالية، ولا يفوتون فرص العمل في وزارة الخارجية، والبنك الدولي. بل ربما إذا لاحت فرصة للعمل في معهد بروكينز للأبحاث الإستراتيجية تقدموا لنيلها بلا حرج.
-2-
قد يفسر أحدهم أن تلك التصرفات الفردية المذكورة عاليه من العيب الكبير للفرد السوداني، أو هي جزء من تناقض الشخصية المسلمة عموما. ولكن ربما كان هناك نظر آخر. فالذين يوفدون إلى العيش في الولايات المتحدة يكتشفون بتجربتهم أن كل ما رضعوه من ثدي تصورات شعوبية، ونظريات دينية، ومواقف أيديولوجية عن الولايات المتحدة، لا علاقة لها بواقع الحياة التي اختبروا حقيقتها. فأميركا "أمريكيات"، وليس فقط هي أميركا المتورطة في زرع فتنة أسرائيل في المنطقة، أو أميركا الرأسمالية التي تستغل سماحة الذين أنتجوا الفكر العلماني ليكون عونا للإنسان في حياته، لا مصدرا للتوسعات الإمبريالية، أو امتصاص خيرات الشعوب عبر الشركات عابرة القارات. ولا أخال أن النصوص الدستورية التي وطدت أركان الولايات المتحدة حضت على تحقيق هذه التوسعات، أو دعت إلى الإكثار من مظاهر الجشع الرأسمالي، وابتذال الجنس. ولكن البشر في كل قارات كوكبنا الصغير هم هكذا، يستغلون النصوص الدينية والوضعية معا لتحقيق رغبات فردية، أو أحلام فئة تريد أن تحكم العالم بالمغامرات الحربية. وهكذا يجب التمييز مثلما نفعل في تمييزنا بين السودان وبين النظام القائم، وبين أنظمة العرب، والمسلمين، الديكتاتورية وبين شعوبهم المقهورة، وبين ألمانيا الهتلرية وألمانيا رائدة الفلسفة، وإلا سندخل في التوهم الفكري بأننا نمتلك الحقيقة وحدنا وفقا لتصوراتنا المذهبية.
الأمر الآخر هو أن عددا من المؤدلجين يستغلون ما يصدر من أميركا ليرهبوا الناس بعلمانية حاناتها، أو تفسخها، أو نوادي عريها. وهذا كلام مردود، ذلك أن الأميركان بشر كما العرب والمسلمين، فيهم الذي يمارس حريته ويستغلها لأبعد مدى. وكذلك، بنفس القدر، هناك في أميركا هذا العدد الضخم من الكنائس، والأسر التي تنشئ أبناءها بقيم إنسانية وإلا ما حدث هذا التطور الشامل الذي لعبت فيه الأسرة دورا في إعداد أبناءها، وبناتها، لمهمة التقدم. ولماذا التركيز فقط على حرية بعض الأفراد وإغفال ايجابيات العلمانية التي يستنفع بها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها. وهل بهذا التهافت في تنميط الآخر نستطيع ان ننافسه على الاستخلاف في الارض؟. وهل تخلو حياة المسلمين من بعض مظاهر استغلال الحرية الفردية حين يتسيدوا على شعوبهم؟
على أن المرء يلاحظ من الجانب الآخر أن الكثير من الشعب الأميركي ضحية مركزياته الفكرية، والثقافية، التي تريد تدجينه في تراث وطني لا علاقة له بأفكار الآباء المؤسسيين من لدن الرجال العظام أمثال توماس جيفرسون، وجورج واشنطن. فالمجتمع الأميركي، بعضه وليس كله، يعاني من عدم معرفة بالكثير من الشعوب الأخرى، وهو أيضا مغذى، ومشحون، بالكثير من المواقف العقدية، والسياسية، تجاه الآخر. وقد مثلت الصورة النمطية التي أفرزتها مباحث المستشرقين، والاسترقاق، في هذا الجانب مرجعا في التعامل مع الشرق، وأفريقيا.
ولقد ظل غالب المجتمع ونخبته يتأثر بهذا التراث حتى جاء مارتن لوثر كينيج لمحاربة الوحشية الأمريكية للنافذين هناك، وإعادة المجتمع إلى إنسانيته. كما أن إدوار سعيد، العربي المسيحي، ناضل ليقدم تصورا مخالفا عن ذلك التراث الاستشراقي الذي قدم الآخر بهذه الجهالة. ولعله نجح مع د. كينق في التأسيس لمدرسة عرفانية تمجد الآخر في كسبه، وتأخذ منها ما يساعد في تجديد التنوع الأمريكي. وخلاف سعيد وكينق لعب مفكرون كثر في تقليم أظافر الهياج الأمريكي، وذلك ما ساهم لاحقا في تحقيق الرغبة في تغذية المجتمع الأميركي بالتنوع، ولعل الخمسمائة ألف من الرجال والنساء الذين خروجوا في نيوريورك معارضين في مظاهرة لحرب العراق الثانية هم داعمو هذا الفهم الجديد لما ينبغي ان تكون عليه بلادهم. ألا يدل هذا على أن الإنسان كثيرا ما يحتاج إلى مراجعة قيمه ليعيد صياغتها بكثير من التأمل فيها؟. فنحن البشر نتاج أفكار نمطت عقولنا تاريخيا على هدى أهداف محددة، ولو ولدنا في مكان آخر فإننا سنكتسب أيضا أيجابيات وسلبيات ذلك المكان. ولهذا يغدو تأمل الإنسان، أي إنسان، في ذاته، وتحقيق الولادة الثانية، أمر مهم لكل الناس قبل أن يفرضها عليهم التاريخ بعد قرون طويلة. والشعوب الذكية تختصر تلك السنين، إذ تشق عبر آبائها المؤسسين طريقا جديدا لتطوير المجتمع، بدلا من أن يأتي الزمن لفرض تصوراته كما حدث لنا بشأن عدم خروج المرأة للتعليم، ولا بد أن هناك أمثال عديدة. وحتى لا يقفز علينا أحد المتنطعين بموقفه الأيديولوجي البائر نقول إننا هنا لا نعني التخلي عن الموروثات التي اكتسبناها بالنشأة، وإنما اختبارها للإبقاء على القيم التي تتماشى مع العقل، والتطور، وترك البالية منها، مادام الناس يتعلمون الآن في هذا العصر عند كل صباح.
-3-
إن النظرة الإسلامية للغرب عموما، والولايات المتحدة، خصوصا تنحو الآن إلى التبدل والتحرر من ما صاحبها من أحكام أيديولوجية. فالمفهوم أن آداب الإسلاميين، واليساريين، والسلفيين الجهاديين، في ملابسات العلاقة بين الولايات المتحدة وبين الشرق، قد شملت النظرة إلى الولايات المتحدة بالتعميم الذي يعمي من درس التجربة العظيمة للشعب الأميركي، والذي هو ذاته يعاني الآن من استعلاء جيوب أيديولوجية متطرفة، ومراكز رأسمالية قحة، تحاول تجيير قدرات الأميركيين الملهمة لمصالح ضيقة. ولعل تعاون هذه الجيوب مع اللوبي اليهودي النافذ قد حاد عن مسار الآباء المؤسسين الذي اختطوه بحكمة بالغة. فالذين يقرأون كتاب "اللوبي الإسرائيلي وسياسة أمريكا الداخلية" لعالمي "السياسة الواقعية"، البروفيسير جون ميراشايمر والبروفيسير ستيفن والت، يدركون إلى مدى ساهم هذا اللوبي المساعد في اختطاف السياسة الخارجية الأميركية وتوجيهها لخدمة إسرائيل. فضلا عن ذلك فإن مؤلفات عالم اللسانيات نعوم تشومسكي تبين لنا إلى أي مدى تم تحوير الموارد الأميركية كافة لتحقيق تطلعات توسعية تبدأ من السيطرة على منظمة الأمم المتحدة، وبقية المنظمات العالمية المشتركة لتحقيق مصالح المستثمرين الأميركان في الاقتصاد، والحرب، والتجارة، والصناعة، عبر تلك الشركات التي تطوي الأرض طيا. والحال هكذا فهي تستغل القانون بالتهرب من دفع الضرائب، وتعولم طاقمها التوظيفي بأن تقلل وجودها في الولايات المتحدة حتى تدفع أجورا زهيدة لحاملي الماجستير والدكتوراة في بلاد الهند وباكستان، والأخطر من ذلك أنها تتآمر مع الشركات الوطنية لاستغلال موارد الشعوب.
إن اللوتري الذي فتح باب الهجرة بمصراعيه لكل الجنسيات المسلمة ساهم في وصول عدد من المؤمنين بأيديولوجيات داخل العالم الإسلامي إلى الولايات المتحدة. بل إن هناك كثيرا منهم يرغب في الوصول إلى أميركا مهاجرا، أو مغتربا، أو زائر، أو مستشفيا، أو متعلما، أو طالباً محضرا في الدراسات العليا، أو أستاذا زائرا. ولعل هذه الفئة التي اندمجت في المجتمع الأميركي وأصبح أبناؤها، وبناتها، لا يتقنون إلا اللغة الإنجليزية، ولا يبتغون مكانا للحياة، والاستقرار، إلا في الأرض التي ولدوا فيها، هم الأقدر على تقديم مساهمات عن "الأميركيات" الكثيرة، ودورها في خدمة الإنسانية. فالحاصلون على جائزة نوبل في العلوم ما يزالون هم العلماء الأميركان الأجلاء، كما أن مستوى جامعات البلاد ما تزال تتصدر قوائم التصنيفات العالمية. وبالنسبة لتمثيل التنوع الإنساني، والتسامح العرقي والديني، والقطيعة مع تراث العنصرية، سبقت الولايات المتحدة الدول الأخرى في هذا المضمار، والدليل الأكبر انتخاب الأميركان لرئيسهم الذي يتحدر من أقلية سوداء. أما في مجال العمران، وتطور سبل الصحة والترفيه، فليس هناك من ضريع. وربما تعتبر هذه الإنجازات قيض من فيض، وكل البلدان المسلمة تتوق إلى إنجازها، لذا ومن هذه الزاوية ينبغي أن نقلل من هيمنة النظرة الأيديولوجية التاريخية المعادية لأميركا السياسية، والتي حجبت بعضنا من النظر الكلي لهذه التجربة الإنسانية العظيمة، وعدم قصرها على جزئية محددة. وإذا كان الضيم الإسلامي من الولايات المتحدة عظيما نحو مساهمتها في تأسيس دولة إسرائيل ودعم القوى الديكتاتورية في المنطقة مفهوم، فإنه ينبغي ألا يكون عائقا من تفهم أن هناك مجتمعا مسلما وعربيا صار جزء من هذه التجربة الإنسانية، وستعقبهم أجيال وأجيال ولعلهم حتما سيساهمون في إثراء التنوع الأميركي، وتصحيح نظرة بعض الأميركان نحو العرب والمسلمين والشرق، كما فعل إدوارد سعيد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.